إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 74للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قد تقوم الحروب بسبب كلمة، وقد تزهق الأرواح وتراق الدماء بسبب خبر، لذلك فإن من الأدب الإسلامي عند ورود الأخبار وتناقل الحكايات التثبت من الخبر، والتيقن من سلامة المصدر، حتى لا يؤخذ مظلوم بدون جريرة، وحتى لا يعاقب بريء بما لم تجن يداه.

    1.   

    تابع وجوب الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يتعرض المؤمن لبطلان عمله فيهلك

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. جعلنا الله منهم، وحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    هذه النداءات هي نداءات الله جل جلاله التي وجهها إلى عباده المؤمنين، وهي في كتابه القرآن العظيم، وعددها تسعون نداء، وقد احتوت واشتملت على كل ما يهم المرء المسلم في هذه الحياة.

    وإن واجب كل مؤمن ومؤمنة أن يقرأها ويستمع إليها، وأن يوطن نفسه على أن يستجيب لنداءات الله، فإن كان أمراً فعله، وإن كان نهياً تركه، وإن كان بشرى فرح بها، وإن كان تحذيراً حذر، وإن كان إنذاراً انتذر. وهذا هو شأن المؤمن إزاء هذه النداءات الإلهية.

    وكان نداء أمس -وهو النداء السبعون- في وجوب الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ من أجل ألا يتعرض المؤمن لبطلان عمله، فيهلك والعياذ بالله تعالى.

    وسنعيد تلاوة هذا النداء الذي درسناه أمس؛ علنا نذكر ما احتواه وما جاء فيه.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات:2-3]. جعلنا الله منهم، وكنا قد قرأنا شرح هذا النداء.

    قصة ثابت بن قيس رضي الله عنه مع هذه الآيات

    انتهت بنا القراءة أمس إلى هذه الفقرة، وهي: [ هذا واذكر ] أيها القارئ! والمستمع! [ قصة ] الصاحب الجليل [ ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه ] فهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاذكر هذه القصة ولا تنسها؛ فإنها تعطيك الفهم الصحيح لهذا النداء الكريم [ فقد روى الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه ] أي: أنس بن مالك الصاحب الجليل [ قال: لما نزلت هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات:2] ... الآية إلى قوله: وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] ] أي: أن تحبط أعمالكم، أي: خشية أن تحبط أعمالكم [ وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت ] بطبعه [ أي: إذا تكلم ] فقد كان صوته عالياً بالفطرة [ فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنا من أهل النار ] فلما نزل هذا النداء فهم أنه هو المقصود بالذات؛ لأنه كان يرفع صوته فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وأصابه حزن وكرب وهم، وقال: [ حبط عملي، وجلس في أهله ] وبيته [ حزيناً ] يبكي [ ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ] فقد كان يراه بين أصحابه وفي مجالسه يتعلم الكتاب والحكمة، فنظر إليه الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يجده، ففقده، كعادته في تفقد أصحابه والنظر إليهم، ومعرفة من غاب منهم [ فانطلق بعض القوم فقالوا له: تفقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم، مالك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم، وأجهر له بالقول، فحبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بما قال ] ثابت بن قيس بن شماس [ فقال صلى الله عليه وسلم: ( لا ) ] ليس هو من أهل النار، بل [ ( هو من أهل الجنة) ] ففاز بها، وأصبح مبشراً على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة [ قال أنس : فكنا نراه يمشي بين أظهرنا في المدينة، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، واستشهد رضي الله عنه يوم اليمامة ] في الحرب التي كانت بين أبي بكر وأهل الردة. فكان مبشراً بالجنة رضي الله عنه وأرضاه.

    وهكذا أهل الإيمان، فقد شعر بأن صوته يرتفع أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفهم أنه حبط عمله، فلازم البيت يبكي ويقول: أنا من أهل النار، فتفقده الحبيب صلى الله عليه وسلم، فسأل عنه، فقالوا: قصته كذا وكذا، وأنه يقول: أنه من أهل النار، فقال: ( لا )، بل ( هو من أهل الجنة ). ثم مات وقتل شهيداً في سبيل الله، فكان أنس رضي الله عنه يقول: إذا مر بنا ثابت بن قيس نقول: هذا من أهل الجنة، كالعشرة المبشرين بالجنة.

    حكم رفع الصوت في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو بجانب حجرته

    قال: [ ولنعلم أيها القارئ الكريم! والمستمع! أن رفع الصوت بقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده أو قريباً من حجرته الشريفة مكروه لهذه الآية ] الكريمة [ لأن حرمة الرسول صلى الله عليه وسلم ميتاً كحرمته حياً ] صلى الله عليه وسلم، وليس هناك فرق بين حياته وموته في هذا، فلا تقل: الآن مات، فسأرفع صوتي، ولا تقل: الآن مات، فسأعصيه، فليس هناك فرق بين حياته وموته، بل ما وجب علينا في حياته فهو واجب علينا بعد موته على حد سواء [ وهذا عمر ] ابن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الراشد الثاني الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما سلك عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه ). والفج: الطريق الواسع. فقد كان الشيطان لا يستطيع أن يمشي مع عمر في نهج واحد، ولا يقوى على ذلك، ولو فعل ذلك لاحترق. وقال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لو كان في أمتي محدثون ) أي: من تحدثهم الملائكة ( لكان منهم عمر ، ولكن لا نبي بعدي ). وهو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترضوا عنه، وقولوا: رضي الله عنه وأرضاه. فـعمر في خلافته كان [ يطبق هذه القاعدة ] أي: احترام الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ميت كاحترامه حياً [ فيسمع يوماً صوت اثنين ] من الرجال [ مرتفعاً في ] هذا [ المسجد فدعاهما ] وطلبهما للحضور بين يديه، فهو الحاكم العام [ وقرعهما ] بالمقراع، يعني: أدبهما بأنواع التأديب والتقريع [ وسألهما: من أين أنتما ] أيها الرجلان؟! [ فقالا: من ] أهل [ الطائف. فقال لهما: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً ] لأن أهل المدينة أعرف وأعلم بدين محمد صلى الله عليه وسلم، وأعرف وأعلم بالآداب والأخلاق؛ لأنهم في عاصمة الإسلام، ولكن ما داما بعيدين فمن الجائز أن يكونا ما بلغهما هذا الأدب، ولا عرفاه، ثم نهاهما [ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ] ومن هنا على المفتي والمعلم أن يراعي أحوال الناس، والآن نحن ننهى الحجاج عن رفع أصواتهم، ولكن لا نلومهم كثيراً؛ لأنهم ما عرفوا. مع أن الواجب ألا نتكلم حتى في بيوتنا أو في أسواقنا أو بين أهلينا إلا بقدر الحاجة، فصوتك كدرهمك لا تخرجه إلا عند الحاجة، فلا ترفع صوتك، فهذا تبديد وتبذير باطل، بل تكلم بقدر ما تُسمع من يريد أن يسمعك، ولو أخذنا بهذا المبدأ لكنا كالملائكة في الطهر والصفاء. اللهم اجعلنا كذلك.

    علة النهي عن رفع الصوت أمام صوت النبي صلى الله عليه وسلم

    قال: [ وقوله تعالى في النداء: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، هذه علة لمنع رفع الصوت ] فقد قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات:2]. وذلك خشية وكراهة أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]. والذي حبط عمله خسر وانتهى أمره، وفقد كل عمله الصالح الذي عمله.

    فقوله تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] هذه الجملة علة لمنع رفع الصوت، أي: خشية أن يحبط عملك وتهلك [ مخافة أن يغضب رسول الله ] صلى الله عليه وسلم [ فيغضب الله تعالى لغضبه ] فمن أغضب رسول الله فقد أغضب الله عليه، فهو يغضب لغضب رسوله [ فيعذب من لم يتأدب مع رسول الله ] صلى الله عليه وسلم [ وكون العمل يبطل ] ويحبط [ دال على أن من تعمد إساءة الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ] أي: عالماً بذلك مريداً له [ يكفر بذلك ] ويكون كافراً إلا أن يتوب [ ولذا يحبط عمله؛ إذ العمل ] الصالح [ لا يحبط ] ويبطل [ إلا بالشرك والكفر ] وقد قال تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ [الحجرات:2]. وإساءة الأدب مع الرسول، معناه: الإساءة مع العلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا كفر؛ إذ لا يبطل العمل إلا بالكفر [ لقول الله تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65] ... الآية. ألا ] وهي في القرآن بمعنى ألو. والمؤمنون والمؤمنات لم يفهموا ألو هذه فهماً جيداً، بل بمجرد ما يفتح أحدهم التلفون يقول: ألو، وإذا قيل: ألا لا يفهمون. فافهموا هذه، فهي فائدة عظيمة. وقد قال تعالى في القرآن: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].

    وألا في لغة القرآن معناها: انتبه أيها السامع! وأنت حاضر القلب والشعور حتى ألقي إليك الخبر، وأما النصارى واليهود والمشركين فإنهم لم يعرفوا معنى ألو، ولما سألناهم عن معناها قالوا: لا ندري، فهي هكذا وجدت مع التلفون، فقلنا لهم: لقد سبقكم القرآن بألف وأربعمائة سنة.

    قال الشارح: [ فلنحذر إساءة الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا تكلمنا عنه أو حدثنا بحديثه يجب أن نكون على غاية من الأدب والاحترام ] لا بالضحك والسخرية ورفع الصوت. وإن شاء الله نأخذ بهذا.

    ثمرة الأدب وغض الصوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال: [ وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى [الحجرات:3]، فهذه بشرى خير عظيمة لمن يتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيغض صوته ولا يرفعه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله يوسع قلبه ويشرحه؛ ليتسع لتقوى الله عز وجل، ويزيده ] بشرى أخرى [ فيعده ] وعد الصدق [ بمغفرة ذنوبه والأجر العظيم، ألا هو الجنة دار السلام.

    اللهم اجعلنا من أهلها، وارزقنا الأدب مع رسول الله. اللهم آمين ].

    ويمكننا أن نحصل على هذا الأدب عندما نجلس كل ليلة مع المربي؛ لأنه يشاهدنا ويرانا ويسمع كلامنا، فإن رأى فينا عنفاً أو شدة أو غلظة أدبنا، ولا نزال نتأدب حتى نكمل في آدابنا وأخلاقنا. وأما نعيش في الدكاكين والمقاهي والبيوت فلن نتعلم، ولن نتأدب، والله يقول: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]، أي: آداباً وأخلاقاً.

    وإن شاء الله نجتمع في بيوتنا وفي مساجدنا كل ليلة على كتاب المسجد وبيت المسلم، وعلى نداءات الرحمن لأهل الإيمان؛ حتى نصبح علماء ربانيين ذوي آداب وأخلاق، لا يسمو إليها غيرنا، ولا يصل إليها سوانا؛ لأننا احتوينا العلوم الإلهية والمعارف الربانية التي جاء بها كتاب الله، وجاء بها رسوله صلى الله عليه وسلم. فقولوا: إن شاء الله [ وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    1.   

    وجوب التثبت في الحكم قولاً أو فعلاً وبيان أفضلية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

    هذا هو [ النداء الحادي والسبعون ] وقد كان النداء الماضي هو النداء السبعون، وهذا النداء مضمونه وفحواه وما يدل عليه هو [ وجوب التثبت في الحكم قولاً أو فعلاً ] وهذا يحتاجه الوزير والرئيس، ورئيس الشرطة والقاضي، ورب البيت والكناس في المسجد وفي الشارع، وكل مؤمن يحتاج إلى هذا. ولا إله إلا الله! فهذا يخاطب كل مؤمن ومؤمنة من الحاكم إلى آخر مسئول في الدولة، فهذا القرآن عجيب، وقد قالت الجن: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ [الجن:1-2]. فهذا النداء يوجب علينا إذا أردنا أن نقول كلمة ألا نقولها حتى نتثبت ونتبين أنها حق وليست باطلاً، وأنها صحيحة وليست كذباً، وأنها تنفع ولا تضر، وكذلك ألا نصدر حكماً على فلان إذا قال قولاً أو فعل فعلاً إلا بعد التثبت والتبين، فإذا ظهر الأمر واضحاً قلنا أو حكمنا عليه.

    كما أن من مضمون هذا النداء [ وفي بيان أفضلية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ] على الخلق أجمعين دون الأنبياء، فلم يوجد على الأرض أفضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ولنعترف لهم بهذا، والقرآن شاهد على هذا، وقد نادانا الله ليبين لنا هذا، فمن كفرهم أو لعنهم أو سخر منهم فهو كافر إلى جهنم.

    وهيا نتغنى بهذا النداء مع طوله.

    قاله: [ الآيات (6 - 8) من سورة الحجرات

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ * وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحجرات:6-8] ] ولا يوجد كلام أعز من هذا الكلام، ولا أسمى ولا أطهر منه. وإن لم تعرفوا الله يا عباد الله! فهذا كلامه، فاعرفوا جلاله وكماله بواسطة كلامه؛ إذ لا أحد يقوى على أن يقول مثل هذا القول.

    واسمعوا شرحاً موجزاً لهذا النداء: نادانا ربنا بعنوان الإيمان لأننا أحياء، نسمع النداء ونجيب، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ [الحجرات:6]. والفاسق هو: الذي خرج عن طاعة الله أو طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا قد فسق كما تفسق الفأرة التي تخرج من جحرها؛ لأنه خرج عن الطاعة وفسق، فهو فاسق. وقوله: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [الحجرات:6] أي: خبر عظيم ذو شأن فلا تقبلوه وتصدقوه وتذيعوه في الناس، بل تثبتوا اليوم واليومين والثلاثة، وتبينوا حقيقة وصحة ذلك الخبر، وانتبهوا.

    ثم قال: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات:6]. فتسبون أو تشتمون أو تقتلون أو تعرضون للأذى من ليس أهلاً له؛ نتيجة أنكم لم تتثبتوا ولم تتبينوا القول، فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6]. والمؤمن يندم إذا وجد نفسه أخطأ، وإذا لم يندم فهو ليس بمؤمن، بل كافر، وأيما مؤمن يجد نفسه أنه أخطأ في سب فلان أو اتهام فلان أو شتم فلان فإنه لما يعرف الحق والله يندم حتى يكاد يأكل أصابعه، والذي أخبر بهذا هو خالقنا وخالق غرائزنا، فقد قال: أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6]. ومعنى هذا: إذا أخبرتك فلانة أو أخبرك فلان بخبر، وأن فلاناً فعل أو فلانة فعلت فإياك أن تصدق، حتى تتأكد بوسائط العلم والمعرفة، فإذا علمت يقيناً قلت؛ وذلك خشية أن تقول الباطل في مؤمن، ثم يتبين أنه بريء لم يفعل هذا، فتعض أصابع الندم وتكرب وتحزن؛ لأنك آذيت مؤمناً. هذا أولاً.

    وثانياً: قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ [الحجرات:7]، أي: بينكم. لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ [الحجرات:7]، أي: وقعتم في المشقة والتعب. وهذا صحيح، فلو كان كل من يقول قولاً للرسول يأخذ به فوالله لوقع الناس في المهالك؛ لأن هذا النداء له سبب نزل فيه.

    ومعنى هذه الآية: واعلموا أيها المؤمنون! أن فيكم رسول الله، لو يطيعكم في كثير من الأخبار والأوامر لهلكتم، ولوقعتم في العنت والمشقة التي لا تطاق. والله لا يريد لكم المشقة والعنت والتعب. وَلَكِنَّ اللَّهَ [الحجرات:7] وهذه بشرى. وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات:7]. ولذلك فأنتم الراشدون. وهو لم يقل: فأنتم الراشدون، وإنما رفعهم إلى مستوى آخر، فقال: أُوْلَئِكَ [الحجرات:7] أي: هذا النوع هُمُ الرَّاشِدُونَ [الحجرات:7]. لا غيرهم. والراشد ضد السفيه، فهم أهل رشد وكمال، وهؤلاء هم أصحاب رسول الله، ولهذا لم يكونوا يكثرون من أمر رسول الله والطلب منه كذا وكذا، وإنما هم بعيدون من هذا؛ لما منحهم الله وأعطاهم. هذا هو معنى هذا النداء.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة ...)

    قال: [ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم! أن هذا النداء الإلهي كان لسبب عجيب ] يعني: نزل من أجل سبب، والقرآن لم ينزل في يوم واحد، وإنما نزل في ثلاثة وعشرين عاماً، وكان كلما تحدث حادثة ينزل بيان الله عز وجل فيها [ و] سبب هذا النداء [ هو أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ] وانتدب [ الوليد بن عقبة بن أبي معيط ] وكان الوليد رجلاً مؤمناً، ووالده من أهل النار، ومن عتاة المشركين، وهو عقبة بن أبي معيط . فبعث الرسول الوليد [ إلى بني المصطلق؛ ليأتي بزكاة أموالهم ] وكان بنو المصطلق على ساحل البحر الأحمر، فانطلق ينفذ ما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم [ وكان بينهم ] أي: بني المصطلق الذين دخلوا في الإسلام أمس [ وبين أسرة الوليد ] في مكة [ عداء ] وخصومة [ في الجاهلية، فذكره الوليد ] أي: ذكر ذلك العداء [ وهاب ] وكره [ أن يدخل عليهم دارهم ] وحيهم الذي ينزلون فيه [ وهذا من وسواس الشيطان ] له [ فرجع، وستر على نفسه الخوف الذي أصابه، فذكر ] للرسول [ أنهم منعوه الزكاة، وهموا بقتله، فهرب منهم ] فـالوليد لما وصل إلى بني المصطلق خاف أن يضربوه أو يقتلوه أو يؤذوه؛ لأنهم أعداء لأسرته وعائلته في الجاهلية، فكذب، وقال: هربت منهم، فقد أرادوا أن يقتلوني، ومنعوني الزكاة؛ ستراً على نفسه من الجبن بعد أن خاف، فقال: إنهم أرادوا أن يقتلوني ومنعوني [ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم بغزوهم ] لأنهم أسلموا ودخلوا في الإسلام، ولما أرسل إليهم رسوله يأتي بالزكاة يهمون بقتله، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم بغزوهم من جديد؛ لأنهم ارتدوا حسب الخبر الكاذب [ وما زال كذلك ] أي: يفكر في القضية [ حتى أتى وفد منهم يسترضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستعتب عنده؛ خوفاً من أن يكون قد بلغه عنهم سوء، فأخبروه بأنهم على العهد، وأن الوليد قد رجع من الطريق، ولم يصل إليهم ] ولا دخل بلادهم [ وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد من جهة، فوصل ] خالد [ إليهم قبل المغرب ] أي: قبل غروب الشمس [ فإذا بهم يؤذنون، ويصلون المغرب والعشاء، فعلم أنهم لم يرتدوا ] كما قال الوليد [ وأنهم على خير والحمد لله، وجاء بالزكاة، وأنزل الله تعالى هذه الآيات: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ [الحجرات:6]، أي: ذو فسق ] والآن الوليد فسق وكذب، والكذب فسق، وقد قال الباطل على مؤمنين، وادعى أنهم ارتدوا، وليس هناك فسق أعظم من هذا

    قال: [ وهو المرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، والنبأ هو الخبر ذو الشأن. فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]، أي: تثبتوا قبل أن تقولوا أو تفعلوا أو تحكموا ] كما بينا [ أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات:6]، أي: خشية إصابة قوم بجهالة منكم. فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6]، أي: فتصبحوا على فعلكم الخاطئ نادمين متأسفين ] متحسرين.

    التحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال: [ وقوله تعالى في الآية الثانية: وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ [الحجرات:7]، أي: فاحذروا أن تكذبوا أو تقولوا باطلاً؛ فإن الوحي ينزل ] ويوحي الله إليه، وانتبهوا، فإياكم أن تكذبوا أو تقولوا قولاً باطلاً! فإن الرسول يخبره ربه بما تفعلون وتقولون [ وتفضحوا بكذبكم وباطلكم.

    وقوله تعالى: لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ [الحجرات:7]، أي: لوقعتم في المشقة الشديدة والإثم أحياناً.

    وقوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات:7]. فوقاكم بذلك من أن تكذبوا على رسولكم، أو تقترحوا عليه، أو تفرضوا آراءكم فتؤذوه بذلك. وهذا الله تعالى بتحبيبه الإيمان إلى قلوبكم، وتكريهه إليكم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلكم من الراشدين كفاكم بذلك خواطر السوء ورغبات الباطل، فلم يبق مجالاً للاقتراحات التي قد تسيء إليكم، وإلى جناب نبيكم صلى الله عليه وسلم ] وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.