إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 73للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى الله عباده المؤمنين عن رفع أصواتهم أمام رسول الله وفوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأدب واجب مع رسول الله على كل مؤمن؛ لأن رفع الصوت بلا حاجة من سوء الأدب وهبوط الأخلاق، وإذا حصل من أحد شيء من هذا فهو مؤذن بحبوط عمله، وتعرضه لسخط الله وغضبه.

    1.   

    تابع حرمة تقديم الرأي على الكتاب والسنة ووجوب تقوى الله عز وجل

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. جعلنا الله منهم، وحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    بالأمس كنا من النداء التاسع والستين، ولما نكمله، والآن أذكركم ونفسي به، أولاً بتلاوته، ثم بمضمون ما جاء فيه، ثم ننتقل إلى النداء السبعين.

    ونص هذا النداء بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1]. ومضمون هذا النداء: هو أنه يحرم علينا أيها المؤمنون! أن نقدم رأينا أو ما نراه، أو ما نعقله أو ما نفهمه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فحرام على المؤمن والمؤمنة أن يعلم أن لله حكماً في قضية، ثم يحكم فيها بخلاف ما حكم الله، وحرام على المؤمن والمؤمنة أن يقدما ما يريانه أو يفهمانه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يقولا أو يعملا على غير ضوء الكتاب والسنة.

    واسمعوا الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:1]. فنقول: لبيك اللهم لبيك! لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:1]. وخافوه. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1]. يسمع أقوالكم ويرى أعمالكم فارهبوه، ومن هنا يبقي الحكم لله.

    ويوضح هذا المعنى المستقى من هذا النور الإلهي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حديث معاذ الذي قرأناه البارحة وعرفناه، فقد عين رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشاب العليم المؤمن والياً وقاضياً في ديار اليمن جنوب مكة المكرمة إلى المحيط الهندي، وقد اختبره وامتحنه وتعرف إلى ما عنده، فقال: ( أي معاذ ! بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله، فقال: فإن لم تجد في كتاب الله فبم تحكم؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: فإن لم تجد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبم تحكم؟ قال: أجتهد رأيي )، أي: أبذل جهدي وقصارى فهمي وعلمي متحرياً رضا الله، ثم أحكم ( فضرب الحبيب صلى الله عليه وسلم في صدره هكذا، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ). وهذا بيان شافٍ كافٍ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1].

    ما ينبغي على القاضي في الحكم

    لابد أن تتبع في الحكم يا عبد الله! ويا أمة الله! الآتي: أن تتلمس الحكم في الكتاب والسنة النبوية باحثاً عن الحكم الذي تريد أن تصدره بالجواز أو المنع، وبالحل أو التحريم، وبالوجوب أو عدمه، ولا بد وأن يكون لك باع طويل بالكتاب والسنة، فإن طلبت الحكم في القرآن ولم تجده - ولا أقول: لانعدامه، ولكن لضعفك وعدم قدرتك، فأنت مخلوق ومعذور- فاطلب الحكم في سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وهذا يتطلب منك أن تكون قد ألممت بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أقول: أحطت بها، أو أن تكون قد قرأت كتب السنة وعرفت ما فيها، فإن تعذر عليك ولم تجد الحكم فهنا اجتهد رأيك في أن يكون الحكم أو القول أو العمل موافقاً لما شرع الله ورسوله.

    وهنا لطيفة ظريفة، وهي: أنه لا بد وأن تكون يا عبد الله! قد عرفت محاب الله ومساخطه، وعرفت ما يحب الله من اليسر، وما يكره من العسر. وأنت تعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الرفق: ( ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه ). ولما نزلت سورة الأعلى وفيها: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8] كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في صلاته في كل يوم؛ لأنها تحمل هذه البشرى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى:8].

    فإذا كنت تعرف محاب الله ومكارهه فلا بد أن يكون هذا الذي تجتهد فيه مما يحب الله أو مما يكره الله؛ حتى تنزله على رضا الله فيما يحب أو فيما يكره، لأن هذا الموطن موطن الاجتهاد.

    وبعض أهل العلم قد يقولون: أغلق باب الاجتهاد من قرون. وهذا القول لا يقبل في الجملة، بل باب الله مفتوح، ولكن ليس كل من نصب نفسه للاجتهاد أصبح من أهله، وإنما لا بد وأن يكون قد علم محاب الله ومساخطه، وبواسطة هذا النور يعثر على ما يطلبه من حكم الله عز وجل، وكذلك لابد وأن يكون قد ألم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن ثم يصبح مجتهداً، فإن أصاب فله أجران، أجر اجتهاده، وأجر إصابته، وإن لم يصب وإنما أخطأ فله أجر اجتهاده فقط، ولا يضيعه الله عز وجل وقد بذل عرقه وجهده في تحري الحق، وطلب ما يرضي الله عز وجل ولا يسخطه.

    ومن هنا معاشر المستمعين والمستمعات! من أراد أن يقول: هذا حلال أو هذا حرام، أو هذا لا يجوز أو هذا منكر أو غير هذا فلا بد وأن يكون عنده علم بمحاب الله ومساخطه، وأن يكون عنده إلمام بما في كتاب الله، وأعظم ما في كتاب الله من أحكام هو ما حوته هذه النداءات التسعين. ولهذا أنصح كل مؤمن ومؤمنة لو كانوا يقبلون النصح أن يقرءوا هذه النداءات، ويحفظونها؛ حتى يلموا بمحاب الله ومكارهه.

    عدم جواز فعل شيء حتى يعلم فاعله حكم الله فيه

    هنا قاعدة قعدها أهل العلم من سلف هذه الأمة فلا ننساها، وهي: أنه لا يحل لمؤمن- والمؤمنة تابعة له- أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه بالجواز أو المنع. فلا يقدم على شيء حتى يعلم ما حكم الله فيه بالمنع والحظر أو بالجواز والإذن، وكذلك لا يقول كلمة حتى يعرف هل هي من رضا الله أو من سخطه [ فهذه القاعدة تحث المؤمنين على طلب العلم ] ولا تعجب يا عبد الله! فهذا سبيل المؤمنين الذين يريدون أن ينزلوا في الملكوت الأعلى، ويخترقون السبع الطباق؛ لمواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا يضر أحدهم أن يجلس يومه كاملاً لا يقول كلمة، وهذا لا ينقص من كماله ولا يزيد فيه وأنت كذلك لا يضرك أن تقول فيما لا تعلم: الله أعلم، اسأل فلاناً أو فلانة؛ فالله أعلم هذه نصف العلم، فإن جهلت فاعتذر، وقل: الله أعلم، ونصفه الآخر أن تعلم فتبين.

    قال: [ إذ لو أخذ بها المسلمون لما بقي فيهم ولا بينهم جاهل بحكم الله ورسوله في كل قضايا الحياة ].

    حكم سؤال أهل العلم فيما لم نعرف حكمه

    لو أخذ المؤمنون في قراهم وفي مدنهم وفي أي مكان بمبدأ: لا نقول إلا بما علمنا لم بقي بينهم جاهل ولا جاهلة أبداً. والذي وطن للجهل وركزه حتى أنبت في ديارنا هو أننا لنا جرأة أن نقول كما نهوى، فنقول فيما لا نعلم: يجوز، ولا يجوز، وحرام، وباطل، وهكذا، ولهذا لم نطلب العلم، ولو كنا عرفنا أنه لا يحل لأحدنا أن يقول في أي شيء من أشياء الدنيا إلا على علم لكان كل واحد منا طلب العلم [ ولكان للكتاب والسنة شأن عظيم بينهم؛ لقوله تعالى: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]. لا قولاً ولا عملاً، ولا رأياً ولا فهماً، أو ذوقاً - كما يقولون- حتى يعرض على الكتاب والسنة، فإن وجد طلبه فذاك، وإلا سأل أهل العلم حتى يعلم الحكم بالمنع أو الجواز؛ فيصبح على بينة من أمره ] وهناك آيتان من سورتي النحل والأنبياء وضحتا الطريق [ وكيف والله تعالى يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7]. فالمؤمن إن كان عالماً عمل بما علم، وإلا سأل أهل العلم حتى يعلم فيعمل بما علم ] ويجب على كل من لا يعلم أن يسأل ليعلم، وافهموا هذه الكلمة. فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ [الأنبياء:7]. ولنفهم أنه يجب على كل من لا يعلم أن يسأل. وهذا واضح. فكل من لا يعلم يجب أن يسأل أهل العلم، وإذا سأل علم، وانتهى الجهل، وأصبحنا كلنا علماء [ والعالم إذ سئل يجب أن يُعلم السائل ما سأل عنه، وبهذا لا يبقى بين المؤمنين جاهل ولا جاهلة، إلا أن يوجد المرء في بلد لا عالم فيه، فحينئذٍ يجب أن يسافر إلى بلد فيه العالم؛ حتى يسأل، ولو كان في أقصى الشرق والغرب، أو يهاجر من بلد لا عالم فيه؛ إذ لا يمكنه أن يعبد الله تعالى بلا علم. ولو عرف المسلمون هذه الحقيقة لما أصبحوا جهلاء ضلالاً، إلا من رحم الله منهم. ألا فاذكر هذا أيها القارئ! أو المستمع! ] والذي يدفعنا إلى أن نسأل الخوف من الله، وخشية الله، والخوف والخشية من أن ننافسه أو نزاحمه في أقضيته وأحكامه وشرائعه بآرائنا وعقولنا، فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1].

    ذكرنا - والحمد لله- أن سبب النزول لهذه الآية: أن الشيخان رضوان الله عليهما أبو بكر وعمر - اللذان لم تطلع الشمس على أفضل منهما- رأى أبو بكر تولية أحد الرجال لما لاحظ من سمته وهيئته، فقال: يا رسول الله! ول هذا على الجماعة، وعمر رأى آخر وقال: ول هذا يا رسول الله! وارتفعت أصواتهما، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، وأصبح أبو بكر بعد هذا إذا تكلم مع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى الرسول لا يسمعه، فيطلب منه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يرفع صوته.

    معنى قوله تعالى: (واتقوا الله إن الله سميع عليم)

    قال: [ وقوله تعالى في ختام هذا النداء: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1]، أمر بتقوى الله عز وجل، وهي الخوف منه الحامل للعبد على طاعة الله، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ومن جملة ما تدل عليه هذه الجملة: وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:1]: الالتزام بمبدأ لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1].

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1] أي: سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم. ألا فاتقوه حق تقاته، بألا تخرجوا عن طاعته في المنشط والمكره، والعسر واليسر في حدود الطاقة البشرية؛ إذ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا [البقرة:286]. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    1.   

    وجوب الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يتعرض المؤمن لبطلان عمله فيهلك

    هذا هو [ النداء السبعون ] ولم يبق إلا الثلث فقط. وهكذا الدنيا تنتهي. وهذا النداء السبعون مضمونه وفحواه والعلم الذي يحمله لنا، والذي يطالبه ويريده منا سيدنا، وسبب ندائه لعباده فيه هو [ في وجوب ] وحتمية وتقرير [ الأدب مع رسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يتعرض المؤمن لبطلان عمله فيهلك ] والعياذ بالله.

    [ الآيتان (2 ، 3) من سورة الحجرات ] فهيا بنا نتغنى بهما، وهما ليسا من أغاني أم كلثوم ، ولا فريد الأطرش ، فهذه الأغاني لا تجوز. وإنما نحن نتغنى بكلام ربنا؛ إذ سمعنا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: ( ليس منا من لم يتغن بالقرآن ). ويقول: ( حسنوا أصواتكم بالقرآن ). فيكون صوتاً أخاذاً من أجل أن يحفظه السامعون إن أمكن، وحتى يتهيئوا لفهم ما يحمله النداء من أحكام وقوانين.

    [ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات:2-3] ] اللهم اجعلنا منهم، فنحن نطمع بهذا.

    انتكاس مفهوم الولاية عند المسلمين

    الآن معاشر المستمعين والمستمعات! إليكم شرح هذا النداء لتقوموا بما يطلب منكم مولاكم وسيدكم، وفي ذلك إعزازكم وإكمالكم، وإسعادكم ونجاتكم، وحاش لله أن ينادي أولياءه من أجل إهانتهم، أو من أجل تعذيبهم، بل إنه لا يناديهم إلا من أجل رفعتهم وعزهم وكمالهم؛ لأنه سيدهم وربهم ومالكهم، وهو غني عنهم ووليهم، والولي لا يريد لوليه إلا إسعاده وإكماله. وأولياء الله هم الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]. هؤلاء هم أولياء الله، وسواء كانوا فقراء أو أغنياء، بيضاً أو سوداً، أحياء أو أمواتاً، فأولياء الله هم من آمنوا بالله ولقائه، وبما يحب أن يؤمنوا به، واتقوه فلم يعصوه، فزكت نفوسهم، وطابت أرواحهم، وأصبحوا في مرضاة الله وحبه. هؤلاء هم أولياء الله.

    ومدة سبعمائة سنة عند المسلمين وأولياء الله هم سيدي عبد القادر الجيلاني والبدوي والعيدروس ، وكان لا يوجد على الأرض ولي حي، وإنما الأولياء الذين ماتوا فقط، والذي ربطنا بهذا الرباط هو الثالوث الأسود، المكون من المجوس واليهود والنصارى، فقد تعاونوا على المؤامرات في الظلام، وعرفوا أن هبوط هذه الأمة بفساد عقيدتها، فعملوا ونجحوا.

    ولو دخلت القاهرة المعزية أو دمشق عاصمة الأمويين أو بغداد أو أي عاصمة من عواصم المسلمين قبل أربعين سنة - وقبل أن نعلن هذه الحقائق- وتقول لأول رجل تلقاه في الطريق: يا سيد! أنا غريب، جئت من بلاد بعيدة، وأريد أن أزور ولياً من أولياء الله تعالى في هذا البلد، فإنه والله لا يأخذ بيدك إلا إلى قبر وضريح، ولا يفهم أن هناك ولياً حياً بين الناس. ومعنى هذا: أن الأحياء أعداء الله، فانكح نساءهم، أو اسرق أموالهم، أو اشتم أعراضهم، أو تضارب معهم وآذهم؛ لأنهم ليسوا بأولياء، ومن هنا انتشر الزنا والربا، والخيانة والسرقة، والكبر والتلصص؛ لأننا أعداء الله. فافهموا هذا. والله يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). ولا يستطيع عاقل أن يؤذي ولياً لله؛ لأنه يخاف نقمة الله، ولا يستطيع أن يؤذيه بأدنى أذى أبداً، بل حتى ولو بنظرة شزرة أو برفع صوت، ونحن قد أعطينا هذا للموتى في القبور، فإياك أن تؤذيهم بأي أذى، وأما الأحياء فليسوا بأولياء، بل اسرق أموالهم، واضرب وجوههم، وتعامل معهم كما تشاء، ولا تخف، فهم أعداء الله، وليسوا أولياء الله. ولا تظنوا أن هذه خيالات كما يقول الشيطان لأوليائه، بل إنها والله لكما سمعتم.

    والآن انتشرت الدعوة بوسائط، منها هذا التجمع، والصحافة، وما إلى ذلك، فلو دخلت مدينة وقلت: يا فلان! أنا جئت أريد أن أزور ولياً من أولياء الله فيمكن أن يقول: فلان من الصالحين، فانزل عنده فإنه يكرمك، ويمكن أن يقول لك: تعال إلى سيدي فلان! فهذا هو ضريحه. وأولياء الله هم المؤمنون المتقون، فكل مؤمن تقي هو لله ولي، فيحرم أذاه بأدنى أذى، ومن ثم لا يحدث سرقة لا زنا، ولا كذب ولا غش، ولا خداع؛ لأن أهل القرية كلهم أولياء الله نساء ورجالاً.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ...)

    قال: [ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم! أن سبب نزول هذا النداء هو سبب نزول النداء الذي قبله ] وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا [الحجرات:1] [ وهو ما حدث بين الشيخين ] أبو بكر وعمر [ رضي الله عنهما ] وأرضاهما [ حيث تنازعا على أمر تعيين إمارة وفد بني تميم؛ إذ رأى أبو بكر تعيين القعقاع بن معبد ، ورأى عمر تعيين الأقرع بن حابس ] وهذا حسب اجتهادهما لا أقل ولا أكثر [ فاختلفا وتنازعا ] وليس من حقهما أن يقولا والرسول موجود، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يعين [ حتى ارتفعت أصواتهما ] بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم [ فوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ] ولم ترتفع كصوتي أنا، فأنا أبلغ، بمعنى فقط: ارتفعت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم.

    النهي عن رفع الصوت أمام رسول الله أو فوق صوته

    قال: [ ففي هذا النداء الإلهي العظيم ينهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين ] ونحن منهم، ولسنا مشركين، والعياذ بالله [ عن رفع أصواتهم أمام رسول الله ] صلى الله عليه وسلم [ وفوق صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تحدثوا معه، وهذا الأدب واجب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الآية الكريمة، وهو أدب ينبغي للمؤمن أن يتحلى به ] أي: يتجمل ويتزين به [ لأن رفع الصوت بلا حاجة من سوء الأدب وهبوط الأخلاق ] وهذه عظيمة والله العظيم، فإن رفع الصوت بدون حاجة والله لمن سوء الأدب وعدم الخلق، حتى ولو كان مع راعي الإبل وكناس الشارع، فلا ترفع صوتك.

    1.   

    وصايا لقمان لابنه

    قال: [ واذكر قول لقمان لابنه وهو يعظه ] وأنتم لا توعظون أولادكم، بل يوجد (85%) من الآباء لم يعظوا أولاهم بكلمة، وهذا هو الواقع، فتجد الواحد يسمع ولده يقول ويفعل الباطل وهو يضحك ويمزح معه، وهذا لقمان العبد الأسود الحبشي رفعه الله إلى مصاف الأنبياء أو كاد؛ لآدابه وأخلاقه وحسن كماله وتربيته، فلنسمع كلماته الطيبة التي سجلها الله في كتابه؛ لتكون موعظة لنا لو كنا نقرأ القرآن على الأحياء، وسورة لقمان لا تقرأ على الموتى، وإنما تقرأ عليهم يس والواقعة والملك.

    أولاً: مراقبة الله سبحانه وتعالى

    قال: [ إذ قال له: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [لقمان:16] ] أي: إن تكن سيئتك وحسنتك في وزن مثقال حبة من خردل [ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ [لقمان:16] ] صماء، أي: تدخل فيها [ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ [لقمان:16] ] أو في أعماق الأرض [ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [لقمان:16] ] يوم القيامة [ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16] ] فاسمع يا ولدي! فإياك أن تختبئ في السرداب وتعصي الله! وتظن أن الله لن يعرفك، وإياك يا ولدي! أن تعصي في الظلام في الليل! وتقول: لا أحد يراني، بل إنها إن تك سيئتك في كميتها وزن مثقال ذرة، وتكن في صخرة صماء تنشق لها وتدفن فيها، أو تكن في الملكوت الأعلى، أو تكون في الأرض السفلى؛ يأت بها الله، إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16]. فلهذا لا تعصه في حال الخلوة كما لا تعصه في حال الجلوة.

    ثانياً: إقامة الصلاة

    قال: [ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان:17]. وسبحان الله! فقد كان يصلون، وقد كان لقمان هذا على عهد داود، وقبل وجود دولة سليمان بزمن بعيد. والصلاة هي مناجاة الرب، فلا يليق بالعبد ألا يتكلم مع ربه، ولا أن يغيب عن مولاه أربعة وعشرين ساعة، والذي لا يجلس بين يديه ويتحدث معه يعيش في شقاء، وهناك من يجلس أربعين عاماً لا يكلم الله ولا يجلس معه ويقول: هو مؤمن أو مسلم، ويضحك على قلوب الناس وعقولهم، ولو آمن لما استطاع أن يغيب ساعة لا يتكلم فيها مع الله، ولا يسأله ويتضرع بين يديه.

    ثالثاًَ: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المصائب

    قال: [ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17] ] وقد يأمر فلاناً بالمعروف فيصفعه أحد كجماعتنا، وقد ينهاه عن المنكر فيركله ويقول له: اذهب يا ملعون! ولا تقل لي: لماذا تحلق لحيتك، فعليك بالصبر، وهذا شأن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فإذا صفعك على خدك الأيمن فأعطه الأيسر، وسوف يلين وينكسر ويعود إلى الحق، ولا تأته بالعنف والشدة، فهذا لا ينفع، بل يزداد الفصال بينك وبينه، ولذلك قال تعالى: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17]، أي: من واجباتها الصبر.

    رابعاً: عدم التكبر على الناس

    قال: [ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ [لقمان:18] ] وهذا مثل العسكر عندما يقفون صفوفاً ينتظرون، وأنا ما تعسكرت، ولكن رأيت وقوفهم، هذا هو تصعير الخد، فهو إظهار للعزة والقوة، والأصل أن يقفون كأنهم بين يدي الله، وهذا معناه: ألا تتكبر يا عبد الله! ولا تصعر خدك للناس، بل انظر إليهم بعينيك ووجهك، ولا تنظر إليهم بكبرياء وشمم، واعرف نفسك حتى لا تتكبر، واعرف أنك تحمل الخرء والبول، ومن يحمل زنبيلاً من الخرء والبول يستحي أن يتكبر، وأنت أصلك نطفة قذرة مذرة، ونهايتك جيفة منتنة، فلا تتكبر وتطاول. وسبحان الله! فهذا لقمان العبد الأسود كان عجباً، فقد آتاه الله الحكمة. وسبحان الله العظيم!

    خامساً: النهي عن التبختر

    قال: [ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [لقمان:18] ] ومشية المرح هي التبختر، ولذلك قال: [ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18] ] وكلمة (كل) تدل على أنه لا يخرج من هذا أحد، بل كل مختال فخور يكرهه الله والله العظيم، وإن الله ليكره كل مختال في مشيته، وفخور بأمجاده وأمواله، حتى الذي يفتخر بعلمه وصناعته، فالله لا يحب الله الفخر. وهذا لقمان العبد المملوك يقول: [ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ [لقمان:19] ] وهذه تحمل معنيين: أولاً: لا تمش في الدكاكين والشوارع تتبختر إذا لم يكن لك حاجة، وكثير من جماعاتكم وإخوانكم يمشون الساعة والساعتين لا يشترون شيئاً، فعلى هذا أن يقتصد في مشيه، وإذا وقف يصلي عشر دقائق يصاب بالضيق، وهو يقضي ساعة كاملة يتبختر بين الشوارع والدكاكين. هذا وجه.

    وثانياً: لا تسرع، بل اقتصد أيضاً في المشي بقدر حاجتك، فإن تطلب منك الأمر أن تسرع فأسرع إذا كان يفوت عليك شيئاً، وإذا لم يفوت عليك شيئاً فلا تسرع بين الناس، بل اقتصد في مشيك.

    سادساً: خفض الصوت

    قال: [ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [لقمان:19] ] وهذا محل الشاهد، فغضوا أصواتكم. وقوله: وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [لقمان:19] أي: اخفض منه، ولا تتركه على طوله؛ وذلك [ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19] ] فصوت الحمير منكر عند الله؛ لأنه عالٍ مرتفع، فلا تطلب أنت مثله، بل ليكن صوتك على قدر الحاجة، فلا تنادي الشخص بصوت مرتفع إذا كان بين يديك، ولو كان هناك عند الجدار فلا بأس برفعه. والصوت كالريال، فكما لا تنفق ريالك إلا بقدر حاجتك فكذلك لا تتكلم إلا بقدر حاجتك، ولذلك قال تعالى: وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [لقمان:19]. ومعاذ الله أن تتشبه يا عبد الله! بالحمار، وترفع صوتك على أمك، أو على زوجتك، أو على أهلك وأولادك، وبعضنا في بيته كالسبع، فيهددهم بالصوت. وإن شاء الله نحن كملنا على منهج لقمان عليه السلام.

    ولا تقولوا: ها أنت ترفع صوتك يا شيخ! فهذا جائز هنا، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع صوته في الخطبة كأنه منذر جيش، ولكن لما ننهي الدرس فلا.

    قال: [ فلنتأمل هذه الوصية اللقمانية الربانية ] وقلنا: ربانية لأنها أنزلها الله، فقد قبلها وسجلها، فهي ربانية، وتدعو إلى طاعة الرب وعبادته [ فإنها اشتملت على مكارم الأخلاق، وأشرف الآداب بعد أوجب الواجبات ] وهي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وبعد هذا اشتملت على مكارم الأخلاق وأشرف الآداب [ إنها مراقبة الله، والخوف منه، والحياء؛ إذ لا يعزب عنه مثقال ذرة من أقوالنا وأعمالنا، والأمر بإقام الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في ذلك، وحرمة الكبر والتكبر على الناس، والاختيال في المشي، وإظهار المرح والزهو بين المؤمنين، ثم الاقتصاد في المشي، وهو أن يسرع في مشيه بقدر الحاجة التي هو ذاهب إليها.

    وأخيراً: خفض الصوت وغضه حتى لا يرفع صوته إلا بقدر ما يسمع من يخاطبه. هذا مع عامة الناس، أما مع الوالدين والمربين والمعلمين ] والآمرين والناهين [ فهو من أوجب الواجبات ] ونكمل بقية النداء غداً إن شاء الله شرحاً وفهماً، ولنعقد النية والعزم على العمل والتطبيق بإذن الله.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.