إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 69للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تقوى الله عز وجل كفيلة بتطهير النفس وتزكيتها، وهذه التزكية تضمن للعبد السعادة الدنيوية والأخروية، والقول السديد كفيل بإصلاح الأعمال الدنيوية من بيع وشراء، وهدم وبناء، ونكاح وطلاق، وسفر وإقامة، وإلى غير ذلك من أمور الحياة الدنيا الضرورية للإنسان.

    1.   

    تابع وجوب تقوى الله عز وجل ووجوب القول السديد

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارضَ عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    كنا بالأمس مع النداء السادس والستين، ولم نتمكن من إكمال دراسته لضيق الوقت، وسنعيد دراسته بعد أن نتغنى به دقائق معدودات.

    قال: [ النداء السادس والستون: في وجوب تقوى الله عز وجل، ووجوب القول السديد

    الآيتان (70 ، 71) من سورة الأحزاب

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] ] فهذا النداء فحواه ومضمونه وما يحمله من هدى للمؤمنين والمؤمنات هو: وجوب تقوى الله عز وجل، ووجوب القول السديد، وكما يجب على المؤمن أن يتقي الله يجب عليه أن يقول إذا قال قولاً سديداً، وأن يعلموا أن تقوى الله واجبة، وأن القول السديد واجب، وأن القول غير السديد حرام وباطل؛ لما فيه من الشر والأذى والفساد.

    سر نداء الله عز وجل لعباده المؤمنين دون غيرهم

    قال المؤلف غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم: [ اذكر أيها القارئ الكريم! ما عرفته من سر نداء الله تعالى للمؤمنين بعنوان الإيمان ] وهذا السر هو: أن المؤمنين أحياء والكافرين أموات، فالله عندما ينادي المؤمنين بعنوان الإيمان فكأنما يقول: أيها الأحياء! افعلوا كذا، واتركوا كذا، وأبشروا بكذا، واحذروا من كذا؛ لأنهم أحياء، فعنوان الإيمان دال على حياة أهل الإيمان.

    قال: [ وأنه ما يناديهم إلا ليأمرهم أو ينهاهم، أو يبشرهم أو ينذرهم ] فالله تعالى لا ينادي عباده المؤمنين في كتابه إلا ليأمرهم بما فيه خيرهم وكمالهم، أو لينهاهم عما فيه شرهم ونقصانهم، أو ليبشرهم بصالح أعمالهم، أو لينذرهم مما يكون وبالاً وشراً عليهم، أو ليعلمهم علماً ينتفعون به، ولا يناديهم لا لشيء، وتعالى الله عن هذا، فالله جل جلاله منزه عن العبث.

    قال: [ وذلك رحمة بهم وإحساناً إليهم ] فهو يناديهم ليعلمهم أو ليبشرهم أو لينذرهم من أجل رحمته بهم وإحسانه إليهم [ من أجل أن يكملوا ويسعدوا ] في الدنيا والآخرة.

    كيفية تحقيق ولاية الله عز وجل

    قال: [ وها هو ذا تعالى يناديهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الأحزاب:70]، ويأمرهم بتقواه عز وجل؛ إذ تقواه هي المحققة لولايته تعالى لهم بعد الإيمان، ومن وليه الله لا يخاف ولا يحزن، ومن عاداه الله ما أمن ولا فرح أبداً ] بل يخاف ويحزن. ولا ننسى ما تقرر وعلمناه من: أن ولاية الله تتحقق بأمرين وشيئين اثنين لا ثالث لهما، وهما: الإيمان الصحيح وتقوى الله عز وجل، فكل مؤمن تقي هو لله ولي والله. فيا من يرغب في تحقيق ولاية الله! ويريد أن يصبح ولياً لله آمن واتق، فآمن الإيمان المطلوب، وهو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، واتق الله فلا تعصه، ولا تخرج عن طاعته ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، بل إن أمرك فافعل، وإن نهاك فاترك، هذه هي التقوى.

    وهنا ملحوظة يجب ألا ننساها، وهي: أن الذي لا يعرف أوامر الله -وهي عديدة- ولا نواهيه -وهي كثيرة- لا يمكنه أن يتق الله، ولا أن يطيعه، ولهذا كان طلب العلم فريضة، فلابد وأن نعرف جميع ما حرم الله من قول أو عمل أو اعتقاد أو صفة أو ذات، كما يجب أن نعرف كل ما أمر الله به من أنواع الطاعات، وبذلك تتحقق لنا الولاية، وأما أن تؤمن فقط وتقول: أنا مستعد لأن اتقي الله وأنت لا تعرف ما أمرك به ولا ما نهاك عنه فلا يمكنك أن تتقه، فتقوى الله هي الوقاية التي تقي العبد من عذاب الله، وهذه الوقاية هي الطاعة، فإذا أمرك سيدك فقل: مرحباً، وافعل، وإذا نهاك فقل: سمعاً وطاعة، واترك، ولا تزال تفعل وتترك حتى تنتظم حياتك في ولاية الله.

    ولهذا إياك أن تفهم أو يلقى إليك فتقبل: أن الله يتخذ ولياً جاهلاً، بل لا يكون الجاهل ولياً أبداً، ولا تفهم من كلمة جاهل أنه ليس عنده دكتوراه أو ماجستير، أو أنه لا يفهم اللغة الإنجليزية، فنحن لا نعني هذا الفهم، بل نعني: أن يكون المؤمن عارفاً، فيسأل عما يحبه الله فيحفظه، ويسأل عما يبغض الله ويكره فيفهمه ويتركه، وإن كان لا يقرأ ولا يكتب، فهو ليس في حاجة إلى هذا. وما اتخذ الله ولياً جاهلاً إلا علمه، وهذه كلمة قالها بعض السلف، وهي حق. فإذا أراد الله أن يتخذك ولياً فإنه يعلمك، وهو لن يوحي إليك حتى يعلمك، بل يجعل في نفسك رغبة في أن تجلس مجالس العلم، ويدفعك إلى أن تذهب إلى الشيخ تسأله حتى تتعلم، وأما أن تكون ولياً لله وأنت لا تعرف ما يحب ولا ما يكره فهذا والله ما كان.

    إذاً: ولاية الله تتحقق بالإيمان والتقوى، والذي لا يعرف الحلال والحرام لا يمكنه أن يتقي الله، بل لابد وأن يعرف الحرام حتى يجتنبه، والحلال حتى يأتيه، ويعرف أمر الله ونهيه. وهذا المعنى قد استقر في أذهان السامعين والسامعات، وليس فيه ارتياب. وكلنا نريد أن نكون أولياء لله، فعلينا أن نؤمن ونتقي فقط، وإلا فالضعف يأتي من طريق عدم معرفة الله معرفة حقيقية، فالشخص يقول: آمنت ثم لا يبلغ درجة اليقين في إيمانه، ولا يعرف الله بأسمائه وصفاته، فلابد إذاً من إكمال ذلك الإيمان، فإذا آمن ثم اتقى الله فلم يغضبه ولم يسخطه، وعرف ما يحبه وأمر به ففعله، وعرف ما يكره الله وينهى عنه ويعذب عليه فتركه فقد تحققت له ولاية الله، ولا ننسى أيها الأولياء! أننا نتفاوت في الدرجة، وعلى سبيل المثال، أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم المبشرون بالجنة عشرة، وأكملهم أبو بكر الصديق ، مع أنهم كلهم أولياء، ولكن أبو بكر أفضلهم. وهذا المجلس المبارك فيه ألف سامع وسامعة أولياء لله عز وجل، ولكن ليس مستواهم واحداً، بل بقدر الإيمان والعمل والعلم تكون الدرجة أعلى. وعندنا مثل يفهم به الناس هذا الحكم، وهو رتب الجيش، فأول رتبة أن يكون عسكرياً جندياً، وبعدها عريفاً، وبعدها رقيباً، وهكذا سلسلة، وكلهم جند، ومستواهم ليس واحداً، بل بدايتهم جندي، وآخرهم عقيد أو لواء أو كذا.

    ومن هنا نعرف أن كل مؤمن ومؤمنة اتقى الله فهو ولي الله، ولكن ليس مستواهم واحداً والله، بل يتفاوتون بقدر قوة إيمانهم وصدق أعمالهم، ولكننا لا نسلب عنهم ولاية الله ما داموا قد آمنوا بالله، فعبدوه وحده واتقوا مساخطه، ولم يخرجوا عن طاعته وطاعة رسوله، لا بفعل محرم ولا بترك واجب، إلا إذا ألجئوا إلجاءً واضطروا اضطراراً فذاك عفو الله.

    وقد سبق لأمتنا أن ولي الله هو ذاك الذي يبول وهو واقف على ثيابه، وفيه الأوساخ وكذا، ويقول الهجر، وينطق بالباطل والكفر، ويتمسحون به ويتقربون، وقد سمعنا بهذا وعلمناه وعرفناه.

    وكذلك عندهم ولي الله هو ذلك الذي مات وبني على قبره قبة، وجعل له تابوت من خشب، ووضعت عليه الستائر من الحرير، وأوقدت له الشموع ليلة الإثنين والخميس، فهذا هو ولي الله، وأما غير هذا فليس ولياً أبداً. وإذا لم يكن ولياً فهو عدو، وليس هناك واسطة، بل إما أن يكون عدواً لله أو ولياً لله، وليس هناك وسط أبداً، وعدو الله ولي للشيطان، وولي الرحمن عدو للشيطان. ولكن علة هذا: الجهل.

    ولقد قلت مرات: هيا ندخل إلى حاضرة من حواضر العالم الإسلامي وإلى عاصمة من العواصم، وعندما نلقى أول رجل من أهلها نسأله أن يدلنا على ولي في هذه البلاد، فإنه لن يأخذ بأيدينا إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن تلك العاصمة فيها أولياء بين الناس. وجربوا هذا، وادخلوا أي بلاد شئتم، وقولوا لأول من تلقونه من أهلها: يا سيدي! أنا جئت من بلاد بعيدة، أريد أن أزور ولياً من أهل هذه البلاد، فدلني على ولي، فإنه لن يأخذ بيدك إلى عبد صالح في بستانه أو في دكانه أو في المسجد، بل لن يأخذ بيدك إلا إلى ضريح سيدي فلان، وهذا هو الفهم العام من أكثر من تسعمائة سنة.

    وسبب هذا هو الجهل. فهم لم يجتمعوا على كتاب الله يدرسونه، ولا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرسونها، وإلى الآن ليس في أي بلاد إذا غابت الشمس ذهب أهل البلاد كلهم إلى بيوت الله بنسائهم وأطفالهم؛ يتلقون الكتاب والحكمة، فهذا والله ما كان حتى في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولن نتخلص من هذه الأوحال، ولن نخرج من هذه الفتن، بل لن نزداد إلا قرباً منها؛ لبعدنا عن الله عز وجل.

    معنى التقوى

    قال: [ هذا واعلم أن تقوى الله عز وجل حقيقتها ] يا من يريد معرفتها! إنها [ خوف من الله عز وجل يحمل الخائف على عدم معصيته عز وجل في فعل ولا ترك في الظاهر والباطن سواء، ويحمله ذلك على أن يطلب العلم ليعرف ما أمر تعالى به عباده المؤمنين، وما نهاهم عنه من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات، ويجاهد نفسه في ذلك؛ حتى يبلغ بها درجة الطمأنينة ].

    مراتب النفس

    اذكروا أن النفس وصفت في كتاب الله بثلاث صفات:

    الأولى: أنها أمارة بالسوء، أي: كثيرة الأمر بالقبيح وما يسيء من الاعتقاد والقول والعمل، وهذا طبعها.

    الثانية: أنها لوامة، كثيرة اللوم لصاحبها، فتحمله على المعصية ثم تلومه.

    الثالثة: المطمئنة. واسمعوا يوسف الصديق بن الصديق يقول: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي [يوسف:53]. وقال تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2]. وقال: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً [الفجر:27-28]. فإذا آمن العبد وعرف الله معرفة حقيقية أنتج له هذا خوف الله في قلبه وحب الله فيه، ثم إن هذا يأخذ في جهاد نفسه حتى يخرج بها من درجة الأمارة إلى اللوامة، ثم مرحلة أخرى فتصبح مطمئنة، أي: لا تستريح ولا تهدأ ولا ينشرح صدر العبد إلا إذا كان في عبادة الله [ فتصبح لا تفرح إلا بطاعة الله عز وجل، ولا تحزن إلا من معصيته تعالى ] وإذا خرج عن عبادة الله قلق وتحير وتململ وتضجر، فإذا كان في مجلس لا يسمع فيه ذكر الله قام، ولا يرتاح أبداً. وهذه النفس المطمئنة يقول لها ملك الموت: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30] [ وتصبح حالها: الإيمان بلقاء الله، والرضاء بقضاء الله، والقناعة بعطاء الله، كما ورد في دعاء الصالحين: اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك. اللهم وفقنا لهذا المطلب ] وحققه لنا [ واجعلنا من أهله. آمين ].

    الأمر بالقول السديد ومعناه

    قال: [ وقوله تعالى: وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70] ] فقد قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ [الأحزاب:70]. ثم قال لنا: وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70] [ هذا أمر آخر بعد الأول ] فالأمر الأول هو: اتَّقُوا اللَّهَ [الأحزاب:70]. والأمر الثاني: وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70]. فهذا أمر آخر بعد الأول [ وهو أن لا يقول المؤمن إذا قال ] وعزم على القول [ إلا ما كان صائباً صدقاً، نافعاً غير ضار، هادفاً مصيباً ذا أثر محمود ] وعاقبة طيبة. ونحن نعرف الصياد الذي يسدد الضرب، وكذلك المجاهد، وكذلك عبد الله وأمة الله إذا أراد أن يقول فقبل أن يقول يسدد القول، فإن رأى فيه خيراً وهو رضا الله وحب الله قاله، وإن رأى فيه سخط الله تركه، حتى لكأن عنقه كعنق الجمل، فقبل أن يقول وتصل إلى اللسان يكون قد عرضها على العقل، فإن علم أنها من رضا الله تعالى قالها، وإن علم أنها من سخط الله كتمها، وردها إلى صدره. وهذا واجب، فقد قال الله: وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70]. فإن قلنا: لا، بل سنقول: ما نشاء فقد رددنا على الله وكفرنا.

    وللسديد من القول معان كلها صالحة، فاسمعوها: [ وقد عرفه بعضهم ] أي: عرف بعض أهل العلم القول السديد [ فقال: القول السديد هو: لا إله إلا الله محمد رسول الله ] وهو والله العظيم لكذلك، وليس هناك قول أصوب من هذا، فليس هناك إله مع الله، وهذا مستحيل، ووالله لا يمكن أن لا يكون محمد رسول الله. فهذا أَسدّ قول. فقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله والله لمن القول السديد الصائب الهادي [ وهو القصد الحق، وهو الذي يوافق ظاهره باطنه ] فليس فيه نفاق؛ لأن المنافق يقول في الظاهر كلمة طيبة وفي الباطن خلاف ذلك [ وهو ما أريد به وجه الله دون سواه ] فكل كلمة يراد بها وجه الله هي صائبة وقول سديد [ إذ القول السديد الذي أمر تعالى به عباده المؤمنين يشمل كل هذه التعريفات ويزيد ] فإذا أردت أن تتكلم في مجلس أو هممت أن تقول كلمة ففكر، فإذا علمت أن فيها رضا الله وأنها تنتج خيراً فقل، وإذا شككت ولم تدر بأنها قد يكون فيها سخط الله أو تؤذي من يسمعها فاصمت عنها واتركها ولا تقلها، وهذا ليس ببعيد؛ إذ المؤمن حي يعقل ويفكر، ويفقه ويفهم.

    ثمرة التقوى والقول السديد

    قال: [ واعلم أن الله تعالى جعل ثمرة تقوانا له وقولنا لبعضنا القول السديد إصلاح أعمالنا ] فقد قال: وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الأحزاب:70-71]. وليس هناك جزاء أعظم من هذا، فإذا قلتم قولاً سديداً فإنه يكافئكم بأمرين:

    أولاً: يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ [الأحزاب:71]. فصاحب القول السديد دائماً أعماله نافعة وناجحة؛ لأنه أخلاها من الكذب والغش والنفاق والخداع والجهل والباطل، وكل أقواله تنتج، فمن أراد أن تصلح أعماله في مزرعته وفي دكانه وفي تجارته وفي أعماله وفي طبه وفي دراسته فعليه أن يصلح قوله، ويقول القول السديد، حتى تكون أعماله بحمد لله صالحة، وتسلم من العطب.

    والثاني: [ ومغفرة ذنوبنا، وفي تحقيق هذين المطلبين سعادة الدارين ] الدنيا والآخرة [ وسر ذلك أيها القارئ الكريم! ] والمستمع المستفيد!: [ أن تقوى الله عز وجل ] التي هي فعل الأوامر وترك النواهي [ كفيلة ] وضامنة للعبد ولصاحبها [ بتطهير النفس وتزكيتها ] والله. ووجه ذلك: أننا علمنا: أن الأمر الذي أمر الله به إذا فعلناه أنتج لنا زكاة أنفسنا، وأن ما حرم الله ونهى عنه إذا فعلناه خبثها ولوثها، فإذا أبعدناه عنها وتركناه بقي الزكاة والطهر والصدق. فتقوى الله عز وجل كفيلة وضامنة للعبد بتطهير نفسه وتزكيتها [ وسعادة الآخرة تتم بزكاة النفس وطهارتها ] والإنسان يدخل الجنة يوم القيامة وينجو من النار بزكاة نفسه، فإن كانت نفسه زكية طاهرة نقية من أوضار الشرك والمعاصي لم يرده عن باب الجنة راد، وإن كانت ملوثة خبيثة مليئة بأوضار الشرك والذنوب والمعاصي فهذا أمره إلى الله، والدليل قطعي في هذه القضية في كتاب الله [ إذ قول تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] ] فهذا هو حكم الله الذي لا يعقب عليه أبداً، وهو قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. وسواء كنت أبيض أو أسود، أو كنت ابن من شئت، أو كنت أباً لمن شئت، بل لو كنت أباً للخليل إبراهيم ونفسك خبيثة فوالله لن تشم رائحة الجنة، ولو كنت أباً لفرعون أو لـموشى ديان ونفسك زكية فوالله لن يصدك عن باب الجنة صاد؛ إذ هذا حكم الله العزيز الحكيم، وقد أقسم بأعظم قسم عرفناه في القرآن على هذا الحكم، فقال: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8]. فهذه أحد عشر يميناً وحلفاً، وهي كما تقول: والله والله والله. وهو يحلف بها على هذا الحكم: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] [ومعنى أفلح: فاز] أي: شق طريقه إلى دار السلام [ والفوز هو النجاة من النار ودخول الجنان ] فإذا زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. وتقوى الله كفيلة بهذا وضامنة له؛ لأن تقوى الله أن تنتبه للكلمة التي تنتج الحسنة فتفعلها، وللكلمة التي تنتج السيئة فتتركها، وهكذا إلى أن تموت، هذه تقوى الله، فإن عصيت ووقعت في معصية فاغتسل من جديد، وواصل سيرك بالبكاء والدموع والاستغفار وأداء الحقوق إلى أصحابها، فقد تطهر نفسك بعد أسبوع.

    قال: [ كما أن القول السديد كفيل بإصلاح الأعمال الدنيوية من بيع وشراء، وهدم وبناء، ونكاح وطلاق، وسفر وإقامة، وإلى غير ذلك من أمور الحياة الدنيا الضرورية للإنسان فيها ] فصاحب القول السديد لا يخيب في أي امتحان يمتحن به، والذي لا يطلب القول السديد يقول القول الهابط والساقط والزائد والناقص، وصاحب هذا دائماً يقع في الورطة تلو الأخرى، وينتقل من محنة إلى أخرى.

    وقد سبق لنا نداء عجيب نادانا الله وحفظناه وعملنا به، وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]. ولا تكونوا مع الكاذبين. والصادق هو الذي يصدق في عقيدته وقوله وعمله، وفي حياته كلها.

    قال: [ فما أعظم إرشاد الله تعالى لأوليائه! وما أكرم الله تعالى على عباده المؤمنين! إذ أمرهم بأمرين: تقواه، والقول السديد، وجعل الجزاء أمرين ] عظيمين: [ إصلاح الأعمال، ومغفرة الذنوب، وما بعد هذا المطلب من مطلب ].

    عاقبة طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم

    قال: [ وأخيراً: زاد إنعامه ] إنعاماً [ و] زاد [ إفضاله على عباده المؤمنين إفضالاً، فقال: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:71]. أما طاعة الله وطاعة رسوله فإنها في الأمر ] الواجب، والأمر المستحب والمندوب [ والنهي ] أي: في المكروه، وفي الحرام، وتكون الطاعة هنا بالترك [ والترغيب ] في الفعل [ والترهيب ] في الترك [ وفي النفل ] وهو الزائد على الواجب والمكروه الذي بعد المحرمات [ والمكروه ] وفي الفضائل والمستحبات أيضاً، فكل هذا يشمله لفظ الطاعة، فلنتأمل ذلك.

    قال: [ وأما الفوز العظيم ] الذي بشر به ووعد [ فهو سعادة الدارين ] أي: الدنيا والآخرة، والكرامة الدائمة فيهما [ أما في الدنيا فهي الأمن ورغد العيش مع انشراح الصدر، وطيب الخاطر، وهدوء البال، والعز والكرامة الدائمة ] هذا في الدنيا [ وأما في الآخرة: فهي النجاة من النار، ومواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؛ إذ قال تعالى من سورة النساء: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ [النساء:69]، أي: المطيعون مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء:69-70] ] فافهموا هذا. فمن يطع الله والرسول - وهاتان كلمتان فقط- يكون مع أعظم مواكب الدنيا، وهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، فأنا في القرن الخامس عشر يمكنني أن أواكب محمداً، وأن أواكب الصديق ، وأن أواكب خالد بن الوليد في الجهاد، وذلك إذا التزمت طاعة الله وطاعة الرسول، وهي فعل ما أمرا به من مزكيات النفس ومطهراتها، والابتعاد واجتناب مخبثات النفس ومدسياتها. فمن زكت نفسه عاش مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    قال: [ وفي ختام بيان هذا النداء أذكر لك أيها القارئ الكريم! ما يزيد في تقواك ورضاك ] وهو [ ما رواه ابن أبي حاتم وذكره ابن كثير في التفسير ] وهو [ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوماً الظهر بأصحابه] في المسجد هذا، وصلى بهم في تلك الروضة الطاهرة [ ثم أومأ إليهم أن اجلسوا ] لما صلى واستقبلهم يسبح، فقد أرادوا أن يقوموا، فأشار إليهم: أن اجلسوا [ فجلسوا، ثم قال لهم: ( إن الله أمرني بأمر: أن آمركم أن تتقوا الله وتقولوا قولاً سديداً ) ] فاعرفوا قيمة هذا اللفظ. وهم والله ما بقي بينهم من يكذب، ولا من يحرف الكلمة، ولا من يقول غير ما هو حق وصواب، ولما ينتهي الكذب والتضليل والتحريف يسود الأمة الطهر والصلاح، ويستقيم أمرها. وأما الهبوط هذا فهو نتيجة الأقوال المتضاربة التي تفسد العقول والقلوب.

    قال: [ ( ثم أتى النساء ) ] ولم تكن النساء يجلسن مع الرجال، بل مثل نسائنا الآن نحن خلفنا، وكذلك كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ( فقال لهن: إن الله أمرني بأمر: أن آمركن أن تتقين الله وتقلن قولاً سديداً ). فكان ختام هذا النداء كبدايته ] أي: قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70]] [ والحمد لله المتفضل على عباده. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.