إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 68للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يأمر الله عز وجل عباده المؤمنين بتقواه تعالى، إذ تقواه سبحانه محققة لولايته، ومن تولاه الله فلا يخاف ولا يحزن، وحقيقة هذه التقوى خوف الله عز وجل خوفاً يحمل صاحبه على عدم معصية الله سبحانه وتعالى، ويحمله على طاعته واتباع أوامره، ويحمله على طلب العلم ليعرف حقيقة ما يؤمر به وما ينهى عنه من اعتقادات وأقوال وأعمال وصفات.

    1.   

    تابع حرمة أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمة التشبه باليهود في أذية موسى عليه السلام

    بعض ما أوذي به النبي صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    قبل الشروع في النداء السادس والستين نذكر خلاصة النداء الخامس والستين.

    قال: [ هذا وقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض المؤمنين، ومن ذلك ] الإيذاء [ ما يلي:

    أولاً: حادثة الإفك ] أي: الكذب المختلق [ إذ هو أذى ] أصابه [ في عرضه وشرفه ] صلى الله عليه وسلم [ وعرض امرأته ] عائشة رضي الله عنها [ وشرفها، وأنزل الله تعالى في براءة امرأته أم المؤمنين قرابة سبع عشرة آية، والحمد لله! ] أن برأها الله وبرأ شرف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قال: [ ومن العجيب أن المخدوعين المغرر بهم ] والمضللين [ من الروافض ما زالوا ] إلى الآن [ يلوكون تلك الفرية، ويلصقونها بأم المؤمنين ] وليس هناك جهل أعظم من هذا، وهذا ضلال وفسق وباطل ومنكر، ووالله ما عرفنا كيف نؤول لهم هذا، فقد برأها الله تعالى بسبع عشرة آية من كتابه، وختمها بقوله: أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26] [ مع أن الذي يكذب الله تعالى يكفر ] وهم يقبلون أن يقول لك أحدهم: عائشة زنت! وهذا لا يعقل [ فكفروا وهم لا يعلمون ] والذي أستطيع أن أقوله: الذي يعلم ما أعلمه أنا الآن - وأنتم في الإمكان أنكم تعلمونه- ويتهم أم المؤمنين ويتبجح ويقول ذلك فوالله لا حظ له في الإسلام، ولو صام وصلى ألف عام. لكن في خلق الله العجائب، فهذا عجب. وهم يرددون هذا لا لشيء يستفيدون منه. وأقول: لو حدث هذا الحادث منذ ألف وأربعمائة سنة فليس هناك فائدة حتى نردده ونلوكه ونتحدث به، وليس هناك مصلحة حتى نقول هذا. ولا نقول: سبحان الله العظيم!

    [ ثانياً: قسَّم يوماً صلى الله عليه وسلم مالاً على أصحابه ] المؤمنين [ فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله ] وهذا ضعف البشر، فقد كان هذا مريضاً، وقلبه فيه مرض، فقال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. بهذا اللفظ [ فقال أحد الحاضرين: أما يا عدو الله! لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت ] وله الحق أن يقول هذا، فهذا عدو الله قطعاً، فالذي يبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتهم ولي الله فهو عدو الله، ولا شك أن هذا منافق، فاضت الأوساخ من قلبه على لسانه، وقد كان يكتمها، ولكن جاءت المناسبة وبرزت، فقال: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله. ونفس عن قلبه [ فذكره ] أي: فذكر ذلك [ للنبي صلى الله عليه وسلم فاحمر وجهه ] صلى الله عليه وسلم، وهذا شأن الأشراف [ ثم قال: ( رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) ] ولو كان واحداً منا لقال: ائتوا به، وجروه بالحبال، فهو يتهم رسول الله، ويقول عن قسمته: ( ما أريد بها وجه الله ). ولكن ذو الأخلاق السامية والآداب الرفيعة والحلم العظيم والرحمة الكبيرة كل ما في الأمر أن قال: ( لقد أوذي بأكثر من هذا ) أي: موسى ( فصبر ). ثم صبر صلى الله عليه وسلم. وإن شاء الله نقتدي به، فإذا سمعت كلمة في يوم من الأيام فقل: أوذي بأكثر من هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ليس لي قيمة بجانبه.

    وقد علمتم في نداء البارحة أن موسى أوذي، فقد قالوا: إنه آدر، ولهذا يغتسل وحده ولا يغتسل معنا، وفضحهم الله، فقد ذهب موسى يغتسل في الشاطئ وحده، ووضع ثوبه على صخرة، فهربت الصخرة، وجرى موسى وراءها وهو يقول: ثوبي حجر! ثوبي حجر! حتى وقف به بين بني إسرائيل، فشاهدوه سليم البنيان، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:69]. وقد كان هذا نداء أمس، فصلوا به النافلة حتى تحفظونه.

    وقوله: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى [الأحزاب:69] معناه: لا تأذون نبيكم كما آذى اليهود نبيهم، هذا هو فحواه.

    [ ثالثاً: ومرة أخرى لببه بثوبه الأقرع بن حابس ] رضي الله عنه، فقد أسلم، والأقرع معروف عندنا، فهو الذي ليس في رأسه شعر، فـالأقرع بن حابس لبب النبي صلى الله عليه وسلم [ وقال له: هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، اعدل فينا يا رسول الله! ] ولو فعل بك أحد بنيك هكذا لطحنته [ فرد عليه قائلاً: ( ويحك! ) ] أي: ويحك يا أقرع! [ ( إذا لم أعدل أنا فمن يعدل؟ ) ] ووالله لن يبقى أحد يعدل إذا لم يعدل الرسول، بل سيعجز غيره ولن يستطيع [ ثم قال: ( رحم الله أخي موسى، أوذي بأكثر من هذا فصبر ) ] فقد قالوا عنه: إنه قتل هارون، وليس هناك أذى أعظم من هذا، وقالوا: قتل أخاه لأنه لين معنا، ورحيم بنا، فقتله. وقد أوذي موسى في مواطن غير هذا، فقد صدر عليه الحكم بالإعدام، وهرب من بلاد مصر.

    قال: [ وأخيراً: فليحذر كل مؤمن ومؤمنة أن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بأي نوع من الأذى ] سواء في عرضه أو في بدنه، أو في ماله أو في دينه، أو في رسالته أو في أمته، أو في أتباعه من المؤمنين والمؤمنات [ فإنه إثم عظيم. وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم، تسليماً دائمين إلى يوم الدين.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    كان هذا بقية النداء الذي درسناه أمس، ونصه الكريم بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:69]. وقوله: وجيهاً أي: ذا جاه عظيم، فما سأل الله إلا أعطاه، ولا استنصره إلا نصره، ولا استعاذه إلا أعاذه.

    1.   

    وجوب تقوى الله عز وجل ووجوب القول السديد

    هذا هو [ النداء السادس والستون ] وها نحن نقترب من النهاية، وهكذا الحياة. وهذا النداء [ في وجوب تقوى الله عز وجل، ووجوب القول السديد ] وكل سامع وسامعة، ومؤمن ومؤمنة في حاجة ماسة أكيدة إلى تحقيق هذين المطلبين، وهما: الأول: تقوى الله، والثاني: القول السديد. ووالله إننا لفي حاجة إلى هذين أكثر من حاجتنا إلى الدينار والدرهم، بل أكثر من حاجتنا إلى الهواء والغذاء والماء؛ إذ لا كمال ولا سعادة بدونهما.

    وهيا نتغنى بهذا النداء قبل أن نشرحه، فهو نداء ربنا إلينا، والحمد لله!

    قال: [ الآيتان (70 ، 71) من سورة الأحزاب

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    الشرح ] معاشر المستمعين والمستمعات! يا أهل الإيمان! إليكم شرح هذا النداء العظيم؛ لتزدادوا بصيرة وعلماً وتقوى وثباتاً: [ اذكر أيها القارئ الكريم! ] وهذا القارئ الكريم هو الذي يقرأ هذا النداء، وليس الذي يقرأ المجلات والجرائد والصحف، ويأخذ في قراءة الجريدة ربع ساعة، وفي أربع جرائد ساعة كاملة، ولا يقول: باسم الله ولا: الله أكبر، بل يخرج فارغ اليدين، لا يملك ولا قلامة ظفر، بل إن لم يصب بالبلاء في قلبه فهو في خير وعافية. فينبغي على هذا أن يقرأ نداءات الرحمن جل جلاله، فهو الله الرحمن سبحانه وتعالى، فهو ينادينا ليعلمنا وليربينا وليهذبنا، وليكملنا وليرشدنا، فلا يليق بنا ألا نقرأ له ولا نداء، وكأننا لا نؤمن به، أو غير مبالين به، والعياذ بالله.

    ولو كان هناك مؤمنون صادقون لعمت هذه النداءات كل بيت في العالم الإسلامي، ولترجم إلى كل لغة من لغات المسلمين من العربية إلى الفارسية. ونحن والله نريد أن نسموا بسرعة، ونعود إلى ما كان عليه سلف هذه الأمة، وليس هناك مانع من هذا، فقد كنا في علياء السماء، فاحتال العدو علينا وأهبطنا، ولذلك فمن الممكن والجائز أن نرجع لو أن المسلمين في قراهم ومدنهم وفي عالمهم أخذوا هذا المنهج فقط، وذلك أنه قبل غروب الشمس من كل يوم عندما ينتهي العمل في المصنع والمزرعة والمتجر والدكان يتوضئون ويحملون نساءهم وأطفالهم إلى بيوت ربهم، ويجلسون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء، ويجلس لهم عالم رباني يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم؛ نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كل ليلة وطول العمر، فيصبح المسلمون والله لو رفعوا أكفهم إلى الله وسألوه أن يزيل الجبال لأزالها، أو أن يحيي الموتى لأحياهم، وفوق ذلك أنهم يجتمعون، ولا يبقى مذاهب ولا أحزاب، ولا سياسة ولا دول، بل يصبحوا أمة واحدة، كلمتهم: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولو زحفوا بأيديهم وأرجلهم على أي إقليم لدخلوه، وغيروا حياته.

    ولا نذهب بعيداً، فأنا أعلم يقيناً أنهم لو فعلوا ذلك فلن يبقى بينهم زنا ولا كذب، ولا فجور ولا تلصص، ولا خداع ولا كبر، ولا عجب ولا حسد ولا ظلم، ولن يموت أحدهم جوعاً أو عطشاً، ولن يعرى أحدهم، ولا غير ذلك، ولأصبحوا أمة واحدة، وهذا يكفي، فنصبح وكأننا سكنا في الملكوت الأعلى، وهذا بغض الطرف عن ترفعنا عن أوساخ الدنيا. ووالله ليتحققن هذا بأمر الله؛ لأن لله سنناً لا تتخلف، فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع، فهذه سنن لا تتبدل، وكذلك الأخذ بالكتاب والسنة لا بد وأن يهديا صاحبهما إلى الكمال والإسعاد، وليس هناك مانع من هذا، وأنا لم أجد لذلك مانعاً أبداً.

    ولن نسمو ونعلو ونرتفع ونحن جهلة، ونسبة العالمين بيننا (1%) أو إلى ألف، ولن نقود البشرية وننقذها من وهدة الباطل والكفر، ولن نسوقها إلى دار السلام، فهذا كالمستحيل، ونحن لسنا بأهل له.

    ومن ارتاب في هذا واضطرب قلنا له: في خمس وعشرين سنة فقط فتحنا العالم من هذه المدينة النبوية - فهي طيبة، وهي التي تأكل القرى- إلى ما وراء نهر السند شرقاً، وإلى الأندلس غرباً، ولا تسأل عن الشمال والجنوب، وهذا في خمس وعشرين سنة، ولو أردت أن تعد مصنعاً حقيقياً لم ينتج في هذه الفترة. وهذا لم يحصل بالهيدروجين، ولا بالذرة والصواريخ، ولا بالطائرات، بل حملوا هذه الرسالة على أرجلهم، أو على الإبل والبهائم، لا أقل ولا أكثر، ولم يلجئوا كافراً إلى الإسلام بالحديد والنار أبداً، بل فقط لاحت أنوارهم وهم يحملون أنوار الله في أيديهم، فقبلت البشرية ذلك، ودخلت في رحمة الله. ومع ذلك لم يفق النائمون منا، وهناك من يقول: إنهم صحوا، ولا وجود لهذه الصحوة، فنحن ما رأينا شيئاً منها، وإنما فقط فضل الله ورحمته هو الذي حرر العالم الإسلامي من الاستعمار.

    ثم جاء عصر الطائرات والاتصالات، فأصبح العالم كمدينة واحدة، فالاتصالات هيأت الكتاب والصحيفة وغير ذلك، فانتشر نوع من الوعي فقط، وأما أن نقول: إننا صحونا فنحن لم نصحَ بعد، بل ما زلنا نغط في نومنا، ويوم أن ترانا أمة واحدة وكلمتنا واحدة، نقصد بيوت الله، ونحن متآخون متحابون فقل: صحيح، لقد رفعنا رءوسنا. ويكفينا هذا البكاء. وهيا نعود إلى الشرح.

    سبب نداء الله تعالى للمؤمنين دون غيرهم

    عليك أيها القارئ الكريم! أن تذكر [ ما عرفته من سر نداء الله تعالى للمؤمنين بعنوان الإيمان ] وهذا السر يا علماء! يا أذكياء! يعرفه العلماء وأهل الدرس، وهم لم يدرسوا في أمريكا ولا في اليابان، فالسر الخفي في نداء الله تعالى عباده المؤمنين بعنوان الإيمان في قوله: يا أيها الذين آمنوا !: أن المؤمنين أحياء، يسمعون ويعون، ويفهمون ويفقهون، وإذا أمروا فعلوا، وإذا نهوا تركوا؛ وذلك لكمال حياتهم، وأما غير المؤمن فهو ميت، وإلا فأعطني بريطانياً تقول له: قم صل فيسمع، فهو لن يسمع، ولا يفهم ولا يجيب؛ لأنه ميت، وليس حياً. والبرهنة القطعية على هذا: أن أهل الذمة من أهل الكتاب في ديار المسلمين أيام أن كانوا يعيشون في ديارنا لم نكن نكلفهم بصلاة ولا بصيام، ولا بغسل من الجنابة، ولا نطالبهم بجهاد، ولا بإعطاء المال؛ لأنهم كالأموات بيننا، فإذا ما حيي أحدهم ودخل نور الإيمان في قلبه فقد أصبح أهلاً لأن تناديه، وأن يلبي. وهذا واضح. ولا يقول لك الشيطان: إنهم أحياء يعيشون، فلا تقل: إنهم أموات، فقد قال تعالى: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ [النحل:21].

    إذاً: الإيمان بمثابة الروح، ولا حياة بدون روح، لا في القطة ولا في الحمار ولا في الآدمي، ووالله إنه لا توجد حياة بدون روح أبداً.

    والدليل يا أهل الحلقة! على أن الإيمان روح: قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52]. وهذا الروح هو القرآن، فالقرآن روح، فمن آمن به وفهمه وعمل به حيي، ومن أعرض عنه وكفر به لم يحيا، بل يبقى ميتاً.

    قال: [ وأنه لا يناديهم إلا ليأمرهم أو ينهاهم، أو يبشرهم أو ينذرهم؛ وذلك رحمة بهم وإحساناً إليهم؛ من أجل أن يكملوا ويسعدوا ].

    بيان ما تتحقق به ولاية الله عز وجل

    قال: [ وها هو ذا تعالى يناديهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70]. ويأمرهم بتقواه عز وجل؛ إذ تقواه هي المحققة لولايته تعالى لهم بعد الإيمان ] ولو نسأل الناس غير أهل هذه الحلقة من منهم يريد أن يكون ولياً لله لقالوا: هذا بعيد يا شيخ! فلن نصل إلى هذا، وهذا ليس معقولاً أبداً، فقد قال لنا الفقهاء: الذي يقول: أنا ولي الله يموت على سوء الخاتمة. ومعنى هذا: أن تقول: أنا عدو الله؛ حتى تموت على حسن الخاتمة! ولا إله إلا الله! فهم يقولون: من ادعى الولاية فإنه يموت على سوء الخاتمة، إذاً: فمن ادعى العداوة لله فمن الممكن أن يموت على حسن الخاتمة.

    ونحن نقول: تتحقق ولاية الله للعبد أبيض كان أو أسود بشيئين اثنين لا ثالث لهما، وهما: الإيمان وتقوى الله عز وجل. فآمن واتق فقط حتى تكون ولياً لله، وليس في هذا شك، فالولاية لا تكون من جهة النسب، ولا من جهة الشرف، ولا من جهة اللغة، ولا من جهة الوطن، ولا من جهة الآباء والأجداد، وإنما تتحقق ولاية الله والله بشيئين، وهما الإيمان، وتقوى الرحمن. والدليل على هذا يا طلبة العلم!: أننا سمعنا الله تعالى يقول: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]، أي: آمنوا إيماناً أصبح وصفا لازماً لهم كبياض هذا الثوب، ولهذا جاء بصيغة الماضي، وكانوا يتقون دائماً مساخط الله ومغاضبه، وذلك بفعل ما يأمر به، وترك ما ينهى عنه. هؤلاء هم أولياء الله.

    وأعطوني رجلاً منكم واعياً أسافر معه إلى أي بلد من بلاد العالم الإسلامي من العجم والعرب، وعندما أهبط معه من الطائرة إلى المطار نركب سيارة إلى داخل المدينة، ثم نقول لأول رجل نلقاه - على شرط ألا يكون سمع بدروس الشيخ الجزائري -: يا سيد! نحن غرباء جئنا من بلاد بعيدة لزيارة هذا البلد، فمن فضلك دلنا على ولي من أولياء هذه البلاد نزوره، فإنه والله لا يأخذ بأيدينا إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن في القاهرة ولياً لله حي، مع أن سكانها أكثر من سبعة ملايين، ومع هذا لا يوجد فيها إلا ولي ميت. ومن يرد علي في هذا فليتفضل أن يأخذ هذه الفكرة ويدخل دمشق، فهي قريبة، وعندما يلقى أي شخص - بشرط أن لا يكون سمع دروسنا؛ لأننا قد رددنا هذا أربعين سنة- يقول له: أنا غريب، وأريد زيارة ولي من أولياء هذه المدينة، فإنه والله ما يقودك إلا إلى قبر، ولا يفهم أن هناك ولياً حياً موجود. والسر وراء هذا: أن يأكل بعضنا بعضاً، وأن يزني بعضنا بنساء بعضنا، وأن نحتال على بعضنا؛ لأننا لسنا بأولياء، وأما الولي فيقول الله تعالى عنه: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). فلا يوجد من يؤذي ولياً ميت. ولكنهم احتالوا على المسلمين حتى جعلوهم يهبطون، وسلبوهم الولاية، وجعلوهم أعداء الله، فلهذا تجد في القرية والمدينة والله المؤمن يزني بامرأة المؤمن، ويحتال عليه ويأكل ماله، ويكذب عليه ويخدعه، ولو كان يعتقد أنه ولي الله لما استطاع أن يقرب هذا أبداً.

    فأولياء الله هم الذين إذا سألوه أعطاهم، وإذا استعاذوا أعاذهم، وإذا استنصروه نصرهم.

    قال: [ ومن وليه الله لا يخاف ولا يحزن، ومن عاداه والله ما أمن ولا فرح أبداً ] فقد قال الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. وأما أعداءه فيخافون ويحزنون.

    معنى التقوى

    قال: [ هذا ] أي: الذي سمعتم [ واعلم أن تقوى الله عز وجل حقيقتها ] التي تتحقق بها ولاية الله - فافهموها وسلوا عنها، واعرفوا كيفية الحصول عليها- [ خوف من الله عز وجل، يحمل الخائف على عدم معصيته عز وجل في فعل ولا ترك في الظاهر والباطن سواء ] فتقوى الله خوف يحمل صاحبه الخائف على أن لا يعصي الله بترك شيء أمره فيه بفعله، ولا بفعل شيء نهاه عن تركه. هذه هي تقوى الله. وهذا المعنى واضح. فتقوى الله يا شيخ! ليست جلباباً ولا رداء ولا بنطلون، بل هي: خوف ينتجه لك التفكر في آيات الله ومخلوقاته، وفي جلاله وعظمته، وفي كونه يعز من يشاء ويذل من يشاء، وأنه يعطي ويسلب، ويميت ويحيي، وأنه بيده ملكوت كل شيء، فهذا الإيمان يوجد هذا الخوف، وهذا الخوف إذا حصل في قلبك أصبحت لا تستطيع أن تعصيه، بل إذا قال: صم صمت، وإذا قال: أفطر أفطرت، وإذا قال: حج حججت، ولا تستطيع أبداً أن تخرج عن طاعته؛ بسبب ذلك الخوف في نفسك [ ويحمله ذلك على أن يطلب العلم؛ ليعرف ما أمر الله تعالى به عباده المؤمنين، وما نهاهم عنه من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات، ويجاهد نفسه في ذلك؛ حتى يبلغ بها درجة الطمأنينة؛ فتصبح لا تفرح إلا بطاعة الله عز وجل، ولا تحزن إلا في معصيته تعالى، وتصبح حالها: الإيمان بلقاء الله، والرضا بقضاء الله، والقناعة بعطاء الله، كما ورد في دعاء الصالحين: اللهم إني أسألك نفساً مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى بقضائك، وتقنع بعطائك ] اللهم آمين [ اللهم وفقنا لهذا المطلب، واجعلنا من أهله. آمين ].

    كيفية تحقيق تقوى الله عز وجل

    هنا كلمة نذكرها، وهي: أنه إذا سألك شخص كيف يحقق تقوى الله عز وجل فقل له: خف من الله، وافعل المأمور واترك المنهي، فبذلك تصبح تقياً ولياً، فإذا سألك أن تدله على المأمور الذي أمر به، والمنهي الذي نهى الله عنه حتى يتركه فقل له: لابد من العلم إذا أردت معرفة أوامر الله ونواهيه، ومستحيل أن تحقق ولاية الله وأنت لا تعرف الأوامر ولا النواهي، فالعلم لازم، فإذا قلت: أنا أريد أن أكون ولياً الله وقدأمنت واتقيت، فعليك أن تتقيه بفعل ما أمرك به وترك ما نهاك عنه؛ إذ بهذا تتقي سخطه وغضبه وعذابه.

    وهذه الأوامر ليست أكل البقلاوة، ولا الأغاني، ولا قضاء شهر العسل، بل لمعرفة هذه الأوامر لابد وأن ترحل إلى أقصى الأرض حتى تعرف أوامر الله؛ من أجل أن تمتثلها، وأن ترحل إلى أبعد مكان لتعرف ما نهى الله عنه من قول أو اعتقاد أو عمل؛ حتى تطيع الله بذلك.

    ومن هنا: الذي يريد أن يأخذ ولاية الله بدون علم فوالله أنه لن تحقق، ولن يظفر بها، ولن يصبح ولياً لله، وهذا صحيح، وليس باطلاً، فقد تأكل ما حرم عليك وأنت تريد ولايته، فيصبح غضبان عليك، وقد يناديك لتقوم وأنت نائم، فلن تحصل على الولاية، فلهذا طلب العلم فريضة على كل مؤمن ومؤمنة، وعلى كل مسلم ومسلمة.

    ولا تقولوا: يا شيخ! لا نستطيع أن نطلب العلم، فنحن فلاحون لنا مزارعنا ولنا مواشينا، ونحن كذا لنا مصانعنا، فلا نستطيع أن نطلب العلم، وأقول: فقط ادخلوا بيوت ربكم وقت فراغكم، فأنتم بشر لا تعملون الليل والنهار أبداً، واليهود والنصارى إذا دقت الساعة السادسة لم يبق لهم عمل أبداً، لا في مطعم ولا غير ذلك، بل يتجه الناس إلى الملاهي والمقاهي يريحون على أنفسهم، وأنتم لا تستطيعون أن تدخلوا بيت الله!

    فإذا دخلنا بيت ربنا جلست نساؤنا من وراء الستار، وأطفالنا دونهن، وفحولنا أمامنا، والمربي بين أيدينا، ويتعلمون ليلة آية، وليلة حديثاً، وهكذا ليلة قال الله، وليلة قال رسول الله، وهذا معنى لا إلا إله إلا الله محمد رسول الله، فلا يمضي عام أو عامين أو ثلاثة أو أربعة إلا ولم يبق بين المؤمنين والمؤمنات عبد ليس ولياً لله. وإذا قلتم لا نستطيع فإذاً ابقوا على ما أنتم عليه، وعما قريب تصف الصفوف، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7]. فقد غرقنا في هوان الدنيا وذلها، وهذا هو الحاصل، وحفنة من اليهود بالوا على رؤسائنا. واستغفر الله! وأنتم لم يبلغكم أنه لما دارت تلك الحرب أيام زعيم العروبة ودخلوا واحتلوا غزة واحتلوا القدس جمعوا سفراء العرب على جدار وبالوا عليهم في بيت المقدس. وليس هناك ذل أعظم من هذا.

    وربنا يفعل بنا هذا لأننا عصيناه، ولم نطعه، بل فسقنا عن أمره، وخرجنا عن طاعته، وهجرنا كتابه، وبعدنا كل البعد عن شرعه، ووالله لقد لطف بنا ورحمنا وأكرمنا، وإلا فنحن لا نستحق حتى الحياة أبداً، فالأمة بكاملها تعرض عن الله، وتعيش على الضلالات والخرافات، والشركيات والباطل، والانقسامات والحزازات، فهي لا تستحق رضا الله، ولكن لطف بنا الله عز وجل.

    ونكمل هذا النداء غداً إن شاء الله.

    وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.