إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 59للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى الله عباده عن اتباع خطوات الشيطان؛ لأنه عدوهم الأول؛ ولأن المتبع لخطواته لا يلبث أن يصير شيطاناً يأمر بالفحشاء والمنكر، ثم أردف الله تعالى بامتنانه على عباده المؤمنين أن هيأ لهم أسباب الوقاية من الشيطان، وأنه لولا فضله تعالى ورحمته بهم ما زكا منهم من أحد.

    1.   

    تابع الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والجهاد ولزوم الإسلام والاعتصام به

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارضَ عنا كما رضيت عنهم. اللهم آمين.

    قبل الشروع في النداء السابع والخمسين أذكر أو أُذكر الأبناء والإخوان بما سبق في النداء السادس والخمسين. ‏

    ما تقام به الصلاة

    قال: [ وما تقام به الصلاة هو:

    أولاً: الطهارة الكاملة برفع الحدث بالوضوء إن كان أصغر، وبالغسل إن كان أكبر، وطهارة البدن والثوب والمكان الذي يصلي فيه العبد من النجاسات كالبول والعذرة والدم ] وقد قال في هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [الحج:77-78]. فإقام الصلاة فرض، فسيدنا نادانا وأمرنا بإقام الصلاة، وإقام الصلاة ينبغي أن تؤدى بهذه الأركان، وأول هذه الأركان: الطهارة، فمن لم يتطهر في صلاته فوالله ما أقامها، ولا يقال فيه: أقام الصلاة، بل لا بد وأن يتطهر من الأحداث الصغرى والكبرى ومن النجاسات، والحدث الأصغر يوجب الوضوء، والأكبر يوجب الغسل، فمن كان محدثاً حدثاً أصغر أو أكبر فيجب أن يتطهر منه.

    وأن يكون البدن الذي يصلي به طاهراً، فلا يحل له أن يصلي وفي بدنه نجاسة، لا في فخذه ولا في يده ولا في قدمه، ولا في المكان الذي يصلي فيه، فالمكان الذي يناجي فيه الله ويتكلم فيه مع الله ويتصل به يجب أن يكون طاهراً. وكذلك الثوب الذي يرتديه ويلبسه، وسواء كان عمامة أو كان قميصاً أو سروالاً فيجب أن يكون طاهراً، وكذلك تكون الطهارة من النجاسات التي هي في الغالب الخرء والبول والدم، فمن لم يتطهر لم يقم الصلاة.

    [ ثانياً: أن تؤدى في أوقاتها المعلومة، فلا تقدم ولا تؤخر إلا لعلة سفر أو مرض ] فالمسافر قد يجمع بين الظهر والعصر، فيصليهما في وقت الظهر إن شاء أو في وقت العصر إن شاء، ويجمع بين المغرب والعشاء، فيصلي المغرب والعشاء في أول الوقت بعد غروب الشمس، أو يؤخرهما إلى نصف الليل للضرورة، وكذلك المريض؛ لأنه يشق عليه أن يتوضأ لكل صلاة في وقتها، فأذن له أن يجمع بين الصلاتين في وقت واحد.

    ولا يقال: فلان أقام الصلاة أو هو مقيم الصلاة إلا إذا أداها في أوقاتها المحددة لها، ولم يؤخرها أو يقدمها إلا لعلة مرض أو سفر.

    [ ثالثاً: أن تؤدى في جماعة المؤمنين، لا انفرادياً إلا في ضرورة قصوى ] والضرورة القصوى كأن تكون حارساً على مال، ولا تستطيع أن تصلي مع جماعة، أو تكون مريضاً لا تقوى على أن تخرج إلى المسجد، أو أن تكون ممرضاً تعالج هذا المريض وتقوم عليه، ولا تستطيع تركه، أو كأن تكون خائفاً من المجرمين واللصوص إذا كان هناك فوضى وهبوط، ولا تستطيع أن تخرج من بيتك؛ حتى لا تغتال. فهذه الحالات هي حالات الضرورة القصوى، وفيها يعفى عن المؤمن إذا صلى في بيته مع امرأته وأولاده، وأما مع القدرة وعدم الخوف فلا يصلين إلا في جماعة المسلمين في بيوت الله، أو في الجماعة في البر أو في البحر، والمهم ألا يصلي منفرداً؛ لأن الشيطان يستغله، ويفسد عليه قلبه، ولا يستفيد من صلاته.

    [ رابعاً: الإتيان بأركانها، وهي: قراءة الفاتحة في كل ركعة ] فيجب على المصلي أن يحسن قراءتها، ويجب عليه أن يحفظها، ولو أقام الأيام والليالي مع من يعلمه حتى يحفظها؛ لأن الفاتحة ركن من أركان الصلاة في كل ركعة.

    وثاني الأركان: [ والطمأنينة في الركوع والرفع منه ] والطمأنينة والسكون خلاف العجلة والخفة والسرعة، فإذا ركع وقال: الله أكبر فيسبح على الأقل ثلاث مرات، قائلاً: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، هذا أقل شيء، أو يسبح سبعاً أو تسعاً أو إحدى عشرة. ولا ينسى ذاك الذي أعطاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في آخر أيامه في قوله: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:1-3]. فهذه السورة نعت للمؤمنين ولرسول حياة نبيهم، وبكى أبو بكر ، ومن ثم ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة إلا كان يقول فيها وهو راكع بعد سبحان ربي العظيم: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك؛ امتثالاً لقول الله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3]. فاحفظوا هذا وطبقوه، وخاصة الذين بدا الشيب في وجوههم وفي رءوسهم، فهم على سفر. فليقولوا: سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك في كل ركعة بعد التسبيح. هذا الذي أرشد الله تعالى نبيه إليه، مع أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع أنه أول من يدخل الجنة. ونحن أحق بهذا

    والطمأنينة تكون في الركوع [ وفي السجود ] فإذا سجدت فسبح: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، وأقل شيء ثلاث مرات، ولا تسرقها بحيث لا يفهم منها حرف واحد، وهذا هو الذي يعمله بنا هذا العدو الشيطان، وستسمعون في هذا النداء عن الشيطان.

    وإذا سبحت سبحان ربي الأعلى ثلاثاً فادع الله بما شئت، وسله من خير الدنيا والآخرة، إلا الإثم وقطيعة الرحم فقط لا تطلبهما، ولك أن تسأل الله الثوم والبصل، فإذا قالت أم الأولاد: جئنا بثوم وأنت ليس عندك قرشاً فافزع إلى الله، وهكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسألون الله في سجودهم البصل والثوم، وكانوا لا يسرقون ولا يكذبون، ولا يخلفون وعودهم ولا ينكثون عهودهم، ونحن نأكل الخبز والعسل، وما كفانا ذلك، بل نكذب ونخون، ونسرق ونورد الباطل، ونبيع الحرام، وأعوذ بالله منا إن لم يتداركنا الله بلطفه.

    قال: [ والجلوس ] كذلك، فإذا جلس فعلى الأقل يقول: رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الرحيم، رب اغفر لي وعافني واهدني وارزقني، وليس بمجرد أن يجلس يعود إلى السجود أو ينهض إلى القيام. بل يطمئن في الجلوس ويعتدل فيه، ويقول: رب اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني، ويقوم أو يسجد [ مع اعتدال الأعضاء في ذلك كله ] هذه هي الأركان، وإذا سقط ركن البيت لم يبق السقف والمنزل، بل يتهدم، وإذا سقط ركن الصلاة بطلت، يعني: لم يعد فيها أجر. فمعنى بطلت: أنهها لا تولد النور، ولا تولد الحسنات التي تزكو بها النفس البشرية، إذ الصلاة عبارة عن مولد الطاقة، ولا يوجد عبادة أكثر من الصلاة توليداً للنور، فإن اختل أداؤها هبطت، ولن تولد حسنة واحدة، وأكثر المسلمين لم يعلموا هذا، فلهذا المهم عندهم أن يصلوا، في حين أن المهم أن تنتج صلاتك نوراً لك، وهذا النور ما إن يستقر في القلب حتى تسطع أشعته على البصر وعلى الأذن وعلى اللسان، وعلى سائر الأركان، فلا يستطع صاحبه أن يمد يده إلى حرام؛ بسبب ذلك التأثير النوراني في القلب.

    [ خامساً: مراعاة سننها وآدابها ] فلابد من أن تأتي بالسنن والآداب ما أمكنك ذلك [ حتى تصبح ] الصلاة [ قادرة على إنتاج الطهر والصفاء للروح. هذا معنى ] قوله تعالى: [ إقام الصلاة وأن يؤتوا الزكاة ويعتصموا بالله، بمعنى: يتمسكوا بدينه الإسلام، وما حواه من الشرائع والأحكام، وآداب وأخلاق؛ إذ هو سبحانه وتعالى مولاهم، والمولى يجب أن يحب ويعظم ويطاع، فهو حينئذ نعم المولى لهم ونعم النصير ] فالله نعم السيد، ونعم المولى ونعم النصير [ لأنهم أحبوه وعظموه وأطاعوه ].

    عدد سجدات القرآن

    أخيراً: [ تنبيه ] وقد وقفنا عند هذه بالأمس لما أذن الأذان [ القارئ لهذا النداء ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77] [ ولما سبقه من آيات إذا كان متطهراً ] متوضئاً [ إذا قال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ خر ساجداً مسبحاً ] فهنا يشرع السجود، فيخر ساجداً، سواء كان قائماً أو قاعداً، ويضع جبهته وأنفه على الأرض ويذكر الله ويسبحه بما ورد [ ثم يرفع رأسه مكبراً، ويواصل قراءته لما بقي من الآيات، إذ هذه سجدة من سجدات القرآن، إلا أن هذه السجدة مختلف في مشروعيتها ] بين أهل العلم والقرآن، فمنهم من يراها، ومنهم من يقول: لا، هذا ليس موطن سجود [ ولم يُجْمَع عليها كما أجمعوا على سجدة الأعراف، والرعد، ومريم، وأولى الحج ] وهذه ثانية الحج، وأولى الحج يسجد فيها إجماعاً [ والفرقان، والنمل، والسجدة، وفصلت، والانشقاق، والعلق، واختلف أيضاً في سجدة ص ] لأن تلك السجدة سجدها داود عليه السلام، ونحن نسجد كما سجد، فنحن نأتسي بالصالحين ونقتدي بهم، فسجد داود وغفر له وقُبِلَ، فنحن نسجد [ والنجم ] وهذه أيضاً وإن لم يجمع عليها إلا أننا لا نحرم أنفسنا من أن نخر ساجدين لربنا؛ إذ ليس هناك مانع.

    وها نحن الآن قد عرفنا السجدات، فأول سجدة في سورة الأعراف، وهي في نهايتها، وثاني سجدة في الرعد، وثالث سجدة في النحل، ورابع سجدة في الإسراء، ثم في مريم، ثم في الحج أولى الحج، ثم هذه الثانية التي لم يُجمع عليها، ثم الفرقان، ثم النمل، ثم السجدة الم [السجدة:1]، ثم ص، وقلنا: إنها مختلف فيها، ونحن نسجد، ثم فصلت، ثم النجم، ثم الانشقاق، أي: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ [الانشقاق:1]، ثم العلق، أي: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1].

    وصاحب هذه النداءات لما يقرأ يحفظ هذا، ويعرف مواضع سجدات القرآن، فقد اختلف في سجدتين فقط، ولو لم يسجدهما أحدنا فلا بأس عليه ولا شيء، وكذلك السجدة الثانية من سورة الحج، وهي هذه في هذا النداء الذي درسناه أمس.

    وسبب سجدة ص أن داود عليه السلام وقع له الذي وقع، فخر راكعاً وأناب، قال تعالى: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص:25].

    كيفية صلاة الجنازة

    في هامش النداءات أيضاً صلاة الجنازة، ولم نجد لها موطناً إلا هنا.

    صلاة الجنازة هي الصلاة على الميت المسلم، وأما المسلم الحي فلا يصلى عليه، وكذلك الكافر الميت لا يصلى عليه، فصلاة الجنازة على المسلم الميت فقط. وليس فيها ركوع ولا سجود.

    ومن الحكايات التي حدثت عند طلبنا العلم وخذوها: أن أهل قرية مات أحدهم، فقدموا شخصاً يحفظ القرآن يصلي عليه، فصلى أربع ركعات بالركوع والسجود، فقيل له في ذلك، فقال لهم: اسكتوا، هذا بالركوع والسجود واللهم اغفر له؛ لأن هذا ذنوبه لا يحدها حد، فلا تلومونني على أنني صليت بالركوع والسجود، فهذا ذنوبه عظام، فاستطاع أن يخرج من المأزق واللوم والعتاب. وهذا من ثمار الجهل؛ لأنه ما سأل ولا تعلم، ويوجد في العالم الإسلامي قرى لا يصلون على الميت ولا يعرفون كيفية ذلك.

    فصلاة الجنازة ليس ركوع فيها ولا سجود؛ إذ هي الدعاء للميت لا غير.

    والآن نحفظكم إياها عملياً؛ لأنه قد يوجد من لا يعرف كيف يصليها، فكيفيتها هي: أن يوضع الميت على سرير، ولا يشترط أن يكون من حديد أو ذهب، بل حتى من خشب أو شعر، ويقف الإمام وراءه، والناس وراء الإمام، وهم على طهارة، والذي ليس بمتطهر لا يصلي صلاة الجنازة، ثم يكبر الإمام قائلاً: الله أكبر، ويكبر الناس وراءه، ثم يقرأ الفاتحة، ثم يكبر، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويكبر الناس وراءه، ثم يكبر، ويدعو للميت بالمغفرة والرحمة، ويكبر الناس وراءه، ويدعون للميت، ثم يكبر ويسلم، ويكبر الناس وراءه ويسلمون.

    وهنا لطيفة يمكن لطلبة العلم أن يستفيدون منها، فمن أهل العلم من لم يكن يقرأ الفاتحة كـأبي هريرة ، وإنما يحمد الله تعالى ويثني عليه، فيقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى، له العظمة والكبرياء، والملك والقدرة والثناء، وهو على كل شيء قدير، الله أكبر؛ لأن المقصود أن نتوسل إلى الله بحمده وثنائه ونصلي على نبيه، ثم ندعو لأخينا بالمغفرة والرحمة. فسر الصلاة على الميت هو التوسل إلى الله ليغفر له ويرحمه، وأنت تبدأ بتوسلك بحمد الله والثناء عليه وتمجيده وتملقه، ثم تصلي على نبيه، ثم تقول: اللهم اغفر لفلان وارحمه.

    ولكن قراءة الفاتحة أكثر أجراً، وأعظم تحميداً وتمجيداً وثناء، فقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:2-4] حمد وثناء وتمجيد، ثم قولك: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] تملق وتزلف. فمن قرأ الفاتحة كان أكثر أجراً ممن اكتفى بالحمد والثناء على الله، والكل جائز وواسع.

    ويقف الإمام - على خلاف في القضية- إذا كان رجلاً عند رأسه أو كتفه، وإذا كانت امرأة وقف في وسطها، والمسألة فيها ما فيها، وكله خير. فالمرأة يقف في وسطها، والرجل يقف عند منكبه أو رأسه على وجه الاستحباب. فهذه ليست بأركان.

    فصلاة الجنازة معناها الدعاء للميت، وندعو الله بأن نتوسل إليه بحمده والثناء عليه وتمجيده، والصلاة على نبيه، ثم نقول: اللهم اغفر لميتنا وارحمه. وعدد التكبيرات في صلاة الجنازة أربع، وإن كبر خمساً فقد كبر من هو أفضل خمساً، وكلاهما جائز. والمهم أنه في التكبيرة الأولى يحمد الله ويثني عليه ويمجده بقراءة الفاتحة أو بلفظ آخر، وفي الثانية يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الثالثة أن يدعو الله عز وجل، ويخلص في الدعاء، ولا يدعو للآخرين، بل يدعو لنفسه وللميت فقط، وبعد الرابعة إن شاء دعا للمؤمنين عامة، وإن شاء سلم، والسلام تسليمة واحدة: السلام عليكم.

    رفع اليدين وارد عن ابن عمر ، وقال به أحمد والشافعي وعلماء أئمة، وهو خير، فرفعك يديك لله أحسن، ولا نتعصب للمذهب ونقول: لا، نحن مالكية، لا نرضى بهذا، فهذا ليس عندنا أبداً، فنحن لا نتعصب لمذهب حنبلي ولا مالكي ولا شافعي ولا غير ذلك، بل نبحث عن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي هو أرجح وعليه أكثر العلماء والأئمة وهكذا، ولا نفتح باب الخلاف والفرقة.

    هذا نداء أمس، والنداء كان طويلاً، ولم نستوعبه كما ينبغي.

    1.   

    النهي عن اتباع خطوات الشيطان وبيان حال المتبع لها

    هذا النداء هو [ النداء السابع والخمسون ] وفحواه وما يحمله شيئان [ في النهي عن اتباع خطوات الشيطان، وبيان حال المتبع لها ] هذه واحدة. والثانية: [ وامتنان الله تعالى على المؤمنين بوقايتهم من الشيطان ] فقد تضمن هذا النداء السابع والخمسون ما يلي: النهي عن اتباع خطوات الشيطان، وبيان حال المتبع لها ومصيره.

    ثانياً: امتنان الله عز وجل علينا - أيها المؤمنون!- بوقايته لنا من الشيطان، ولولا أنه وقانا لما اجتمعنا هنا، ولكنا الآن في المقاهي. وهيا نتغنى بالنداء.

    قال: [ الآية (21) من سورة النور

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21] ] وهيا ندرس هذا النداء، وندخل في غمرة أنواره؛ علنا نعود بها إلى بيوتنا.

    قال: [ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم! والمستمع المستفيد! ] لأن هذا الكتاب من كان يحسن القراءة يجب أن يقرأ نداءات ربه، ويفهمها ويعمل بها، ومن كان لا يحسن القراءة يقول لأخيه: أسمعني نداء ربي لي، وكله نية وعزم على أن يستجيب لله فيما طلب منه.

    وعلى هذا القارئ والمستمع أن يعلما [ أن الله تعالى ما ينادي عباده المؤمنين به وبلقائه المصدقين بوعده ووعيده، الراغبين في فضله وإنعامه، الراجين رحمته وإحسانه، ما يناديهم إلا لما يعدهم لذلك ويقربهم منه ويحققه لهم ] والوعد والوعيد معروفان، فوعد الله بالخير بالجنة، ووعيده يكون بالعذاب، أي: عذاب النار.

    نهي الله عز وجل لعباده عن اتباع خطوات الشيطان

    قال: [ فها هو ذا عز وجل يناديهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [النور:21] لينهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، فيقول ] لهم: [ لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21]. فإنه عدو لكم ] وعداوة الشيطان لنا معروفة، وقد بدأت في الملكوت الأعلى في السماء؛ إذ زين الشيطان لـحواء ، وقلدها آدم - وأنتم تعرفون أن الفحل دائماً يجري وراء أنثاه- فزين لهما الأكل من تلك الشجرة، فلما أكلا منها وجب طردهما وإبعادهما، وحصل الذي حصل بسبب وسواسه وإغوائه وإغرائه، فلهذا الشيطان عدو الإنسان، ومن يشك في عداوته لا إيمان له، فلهذا نهانا ربنا تعالى أن نتبع خطواته، فالشيطان له خطوات، وإياك أن تجعله يمشي أمامك وتمشي وراءه، فوالله لن ينتهي بك إلا إلى المخمرة، ولن ينتهي بك إلا إلى الفجور، وهو لا يسوقك بعصاه، فهو لا يملك ذلك، وليس له قدرة والله، وإنما يملك التزيين والتحسين، وأنت إن مشيت وراءه وصلت إلى الهاوية [ فكيف تمشون وراءه وتتبعونه فيما يزين لكم من قبيح المعاصي وسيئ الأقوال والأفعال؟

    ويعلل لذلك النهي فيقول جل وعز: وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [النور:21] ] وهذا اللفظ صالح لأن تقول: الشيطان يأمر بالفحشاء والمنكر، وهو كذلك [ أي: ] وافهم [ أن من يتبع خطوات الشيطان لا يلبث أن يصبح شيطاناً يأمر بالفحشاء والمنكر ] وقد رأيناهم لما تورطوا في الزنا والباطل والشر أصبحوا دعاة لذلك بأساليب الدعوات، بالكتابة والصور وغير ذلك. ويجوز خُطُوَاتِ [النور:21] وخُطْوات، فيجوز التسكين للتخفيف، وهي قراءة نافع .

    قال: [ ألا ففاصلوا هذا العدو وقاطعوه ] وأعلنوا العداء بينكم وبينه، والمفاصلة هي ألا نسمع له ولا نستجيب، ولا نجلس مجالسه، ولا نحضر أبداً حفلاته، فهو له حفلات ومجالس، وكل بدعة يجتمع عليها أهلها هي حفلة إبليس، فهو الذي جمعهم وزينها لهم [ واتركوا المشي والجري وراءه؛ فإنه لا يأمر بخير قط، إذاً فاحذروا وساوسه، وقاوموا نزغاته بالاستعاذة بالله السميع العليم؛ فإنه لا ينجيكم منه إلا هو سبحانه وتعالى. فمن زين له سوءاً، أو قبح له حسناً، أو نزغه ليحركه فيجري وراء شهوة باطلة فليفزع إلى الله سبحانه وتعالى قائلاً: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ] فقد جاءت الاستعاذة منه في آيتين من القرآن، الأولى: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف:200]. وفي آية أخرى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت:36]. وقال: السميع لأنه لو كان لا يسمعك واستعذت به لم تستفد شيئاً، وكذلك لو كان لا يعلم حالك أو يسمع الصوت ولا يعرف ما بك فإنه لا ينفع، ولكنه سميع لأقوال عباده عليم بأحوالهم، فالاستعاذة به نافعة مجدية. لكن لو استعذت بمن لا يقدر وبمن لا يعلم وبمن لا يسمع -كالجهال الذين ينادون: يا سيدي عبد القادر ! يا رسول الله! يا فاطمة ! يا حسين !- فلو بقيت ألف عام والله لا يسمعك حسين ولا فاطمة ولا عبد القادر ، فلا تضيع وقتك، ولا تكن بهلولاً، بل ادع السميع العليم، الذي يسمع صوتك حيثما كنت، ويراك حيثما حللت.

    قال: [ وليواصل ذلك حتى يفر منه، ويهرب من ساحته ] فإذا قلت في غضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومزقت أمله والله ليهربن، ولا يبقى أبداً، وأما إذا قلتها وكأنك لا تؤمن بحقيقتها وغير مبال بها فإنها لا تنفع، وإذا قلت صادقاً: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فإنك تطفئ ناره ويبتعد عنك، ومن جرب وجد.

    فإذا شعرت بدعوة إلى باطل فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأسهل ما تطرد الشيطان إذا غضبت، فإذا حصل لك غضب وأردت أن تطلق امرأة أو تسب فلاناً فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإنك تعود إلى فطرتك. فهذا توجيه الله، فقد قال: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ [الأعراف:200] كبير أو صغير، فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [الأعراف:200]. وافزع إليه، ولذ بجنابه، فإنه يحميك من هذا العدو، وأصحاب الرادار هم أصحاب النفوس الزكية الطاهرة، فإذا حام حولهم العدو بطائرته يريد أن يفسد عليهم حالهم فإنهم يشعرون به على الفور ويطردونه، وهذا يوجد في القرآن الكريم قبل أن يوجد الرادار، ونحن لم نكن نعرف هذا أبداً، والآن عرفنا، واقرءوا قول الله تعالى من سورة الأعراف: وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:200-201]. فأصحاب الرادار هم أهل التقوى؛ لأن المتقي نفسه نقية طاهرة؛ لأن التقوى فعل الواجبات وترك المحرمات، فالواجبات تطهر وتزكي، والمحرمات تخبث وتلوث، وهو أبعد عنه المحرمات وتركها، فبقي طهره وصفاؤه لروحه، وهو عنده هذا الجهاز، فبمجرد أن يحاول الشيطان أن يلم بقلبه يتفطن ويلعنه، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ [الأعراف:201]. كطائرة العدو تطوف حول البلاد، والرادار يكتشفها ويطاردها، وكذلك الشيطان يطوف بعاصمتك وسلطانك الذي هو قلبك، فإذا شعرت به فالعنه حتى تطرده، فيهرب كما تهرب الطائرات المغيرة على البلاد [ كان هذا في بيان النهي عن اتباع خطوات الشيطان، وبيان حال المتبع له والعياذ بالله ].

    امتنان الرب تبارك وتعالى على عباده المؤمنين بوقايتهم من الشيطان

    قال: [ أما ما تضمنه هذا النداء في امتنان الرب تبارك وتعالى على عباده المؤمنين بوقايتهم من الشيطان، وقد قال تعالى فيه بقوله الحق: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا [النور:21] ] فيا أيها المحفوظون! ويا من لهم وقاية! إن هذا لم يجئ بقواتكم وإراداتكم، بل هذا فضل الله، فلا تنسوا أن هذا إنعام الله عليكم وإفضاله، وأمثالكم الملايين يبيتون في المعاصي، ويظلون في الجرائم، فلا تعولوا إلا على الله، ولا تتكلوا إلا عليه؛ حتى لا تأخذكم العزة والاغترار، وتتكبروا على الناس.

    قال: [ أي: أنه لولا فضل الله عليكم -أيها المؤمنون الصادقون!- ورحمته بكم وحفظه لكم بدفع الشيطان عنكم ما كان ليطهر منكم أحداً ] كما قال تعالى: مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا [النور:21] [ وذلك لضعف الإنسان واستعداده الفطري للاستجابة لعدوه وعدو أبيه من قبل ] كما استجاب آدم وحواء [ وهو الشيطان عليه لعائن الرحمن.

    إذاً: فعلى الذين شعروا بكمالهم - لأنهم نجوا مما وقع فيه غيرهم من الإثم- أن يستغفروا لإخوانهم الذين تورطوا ] في الإثم [ وأن يقللوا من لومهم وعتباهم، فإنه لولا فضله تعالى عليهم ورحمته بهم لوقعوا فيما وقع فيه إخوانهم. ألا فليحمدوا الله عز وجل الذي نجاهم مما وقع فيه إخوانهم، وليتطامنوا تواضعاً لله وشكراً له ] فإذا وقع أخوك في معصية فلا تتبجح أنت وتأخذ في لومه وعتابه، ولولا الله لما حُميت أنت، فلا تكثر من لوم المذنب وشتمه، والتعرض له وإهانته، بل إذا وقع أخوك في فتنة فمد يدك إليه وأنقذه، وعلمه كيف يستغفر ويتوب إلى الله، ولا تتعالى عليه وتتكبر، إذ لولا فضل الله عليك لوقعت فيما وقع فيه هو، فأنت لست أكمل منه، وليس لك قلبان أو ثلاثة، ولا أربع أعين ولا خمس، بل أنت وهو سواء، وسوف تسمعون سبب نزول الآية [ إذ هذه الآيات نزلت في حادثة الإفك التي تولى كبرها ] وعظمها [ رئيس المنافقين ابن أبي عليه لعائن الله.

    وقوله تعالى: وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [النور:21]، وعليه فليلجأ إليه المؤمنون طالبين تزكية نفوسهم منه سبحانه وتعالى؛ إذ هو الذي يزكي من يشاء، إلا أنه حسب سنته في خلقه لا يزكي إلا من طلب ذلك منه ] تعالى [ فمن طلب في صدق زكاة نفسه، فإن الله تعالى لا يخيبه ويزكي نفسه، ومادام تعالى سمعياً لأقوال عباده عليماً بنياتهم وأفعالهم فليفزع إليه المؤمن الراغب في زكاة نفسه، فليذكره وليشكره بفعل الصالحات، والبعد عن الطالحات من الذنوب والآثام، وبذلك يصبح أهلاً لزكاة نفسه، فتزكو نفسه وتطيب، والفضل لله والمنة له سبحانه وتعالى؛ إذ لولاه ما زكى ممن تورطوا في حادثة الإفك، ومن سلم منهم، ولم يشارك فيها ] أحد [ من أولئك الأصحاب رضوان الله تعالى عليهم ].

    حادثة الإفك

    حادثة الإفك هي: أنه كانت أم المؤمنين في غزوة مع نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ كان الرسول يقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتها أخذها معه، وكان يأخذ الغزاة والمجاهدون نساءهم يطبخن لهم، فحدث أن نزلت تقضي حاجتها البشرية، فمشت القافلة وتركوها وحدها ولم يشعروا، وإذا بأحد الصالحين صفوان بن معطل رضي الله عنه تأخر أيضاً، فمر بها، فإذا بأم المؤمنين وحدها، فتألم وبكى وتحسر، ثم أناخ الناقة، وهو مدبر برأسه، وقال: اركبي فركبت، وساقها حتى وصل المعسكر، وعبد الله بن أبي ابن سلول كبير المنافقين أشاع، وقال: لا، والله لا سلمت منه ولا نجت - وكما تعلمون إخوانكم يحلفون على أن الشيء قد وقع- وانتشرت القضية بين المعسكر، ونجا من نجا، وتورط من تورط، ثم نزلت هذه الآية فبرأها الله عز وجل، وبرأ صفوان بن معطل ، وتاب على من تلوث إلا من أصر على النفاق. هذه هي حادثة الإفك؛ لأن الإفك هو الكذب المقلوب، والكذب المقلوب هو أن تقول عن عبد صالح: إنه فاسد، وتقول عن عبد فاسد: إنه صالح، أو تقول عن الخبيث: إنه طاهر، أو عن الطاهر: إنه خبيث، أو تقول عن العادل: إنه ظالم، أو عن الظالم: إنه عادل، فتقلب القضية، هذا هو الإفك. وليس هناك أطهر من عائشة .

    إصرار الروافض على اتهام أم المؤمنين عائشة بالإفك

    قال: [ ومن عجيب أحداث الكون ] وأحداث الدنيا [ أن الروافض جلهم متورطون في تلك الفتنة إلى اليوم ] والله العظيم، ومازالوا يفهمون أن عائشة فجرت، وهذا كفر تماماً؛ لأنه تكذيب لله ورسوله، واتهام الرسول بالدياثة، وصاحب هذا لا يبقى مؤمناً، ووالله لو أسلم واحد منهم وعقل ما عقلنا لأغمي عليه؛ إذ كيف يرضى بالكفر بعد الإيمان بلا شيء إلا التقليد الأعمى؟ فلهذا ننبه عسى أن يمر بنا واحد ويسمع أو يبلغ.

    قال: [ إذ هم مصرون على اتهام أم المؤمنين بها، وقد برأها الله عز وجل في كتابه وبشرها بالجنة بقوله تعالى: أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور:26]. مع العلم أن من يكذب الله عز وجل يكفر كفراً يخرجه من الإسلام، فسبحان الله كيف يرضى المؤمن بالكفر، ولا لشيء سوى التقليد الأعمى لأئمته واتباعه هواه، والعياذ بالله؟! ] فقد أنزل الله فيها سبع عشر آية من سورة النور، وختمها بإعلان براءتها، فإذ قال مؤمن: لا فالعياذ بالله.

    سبب إصرار الروافض على إيجاد الفوارق بينهم وبين المسلمين في العبادات

    السر عندنا: أنه لا بد من إيجاد هذه الفوارق حتى يفصلونهم عن الإسلام والمسلمين، لا أقل ولا أكثر، وهمهم أن ينفصلوا عن الإسلام، ولذلك لابد أن يعملوا في كل عبادة فاصلاً، حتى الوضوء هناك فاصل بيننا وبينهم، فهم لا يغسلون أرجلهم، وحتى الإحرام هناك فاصل، والمهم أنه لابد من فواصل، وإلا اندمجوا وأصبحوا من أمة الإسلام، والمشايخ والمنتفعون كما تقدم لا يريدون هذا. وبعض الإخوان يقول: لا فائدة من هذا الكلام، وأقول: هذه نصيحة، ويا ليت من يفهم هذا، ووالله لو أن هناك المؤمن حقاً كان مضللاً وجاهد وسمع هذا الكلام لأغمي عليه، ولتبرأ من هذه الفتنة نهائياً، ولكنهم لا يسمعون، ولا أحد يبلغهم.

    خلاصة ما يدل عليه هذا النداء

    قال: [ وأخيراً: إليك أيها القارئ! خلاصة طيبة نفعك الله وإياي بها. آمين. وهي:

    أولاً: حرمة اتباع الشيطان فيما يزينه من الفحشاء والمنكر والباطل والسوء ] فكل ما يزينه الشيطان من الفحشاء والباطل والمنكر والكذب وما إلى ذلك والذنوب والآثام حرام.

    [ ثانياً: متابعة الشيطان والجري وراءه في كل ما يدعو إليه يؤدي بالعبد إلى أن يصبح شيطاناً يأمر بالفحشاء والمنكر.

    ثالثاً: على كل من حفظه الله من الوقوع في الفواحش والمنكر والسوء والباطل في الاعتقاد والقول والعمل عليه أن يشكر الله تعالى، وأن يتواضع ويتطامن، ولا يلغ في أعراض المتورطين، وليكف لسانه عنهم، ويدعو لهم بالهداية إلى طريق تطهير أنفسهم وتزكيتها، ويبين لهم ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.

    والجزاء على الله؛ إذ هو رب العالمين ومالك يوم الدين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] وصلى الله على نبينا محمد وصحبه وسلم.