إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 58للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عباده المؤمنين بالركوع والسجود، فخص بالذكر الركوع والسجود من بين أركان الصلاة؛ لأنهما أشرف أجزائها، وأكثرها دلالة على الخشوع والخضوع لله الواحد القهار، وعلى هذا فلا يجوز الركوع والسجود لأحد غير الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والجهاد ولزوم الإسلام والاعتصام به

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم، آمين.

    هذا هو النداء [ السادس والخمسون] إذ سبقه خمسة وخمسون نداءً، ونداءات الرحمن هي تسعون نداءً، وقد اشتملت على كل ما يتعلق بحياة المؤمن عقيد وآداباً وأخلاقاً، وعبادات وبيان الحلال والحرام، وعلى أحوال الحرب السلم والمعاهدات، فكل ما يتعلق بحياة المسلمين احتوته هذه النداءات؛ فهي نداءات الرحمن لأهل الإيمان.

    وقد ناداهم ربهم إما ليأمرهم بفعل ما يكملهم ويرشدهم، أو لينهاهم عما من شأنه أن يخسرهم ويشقيهم، أو يناديهم من أجل أن يعلمهم ما يسمون به ويعلون، أو يناديهم من أجل أن يبشرهم بما يزيد في طاقة إيمانهم وصالح أعمالهم، أو يناديهم ليحررهم مما هو ضرر بهم، مفسد لحياتهم، مخيب لعملهم. وهذا شأن الولي مع أوليائه. والله ولي المؤمنين.

    وها نحن مع هذا النداء الكريم، وهو نداء اشتمل على آيتين اثنتين من كتاب الله عز وجل، وهو نداء عظيم وجليل، ولسنا بأهل لأن نستوعبه، ولكن نطلب منه ما شاء الله أن يهب لنا ويعطينا منه، ونعترف بتقصيرنا وعجزنا، فمستوانا لا يصل إلى هذا، ولكن ما لا يدرك جله لا يترك كله، ولا نيأس ولا نقنط أبداً، فربنا واسع الفضل عظيم.

    وهذا النداء هو [ في الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والجهاد ولزوم الإسلام والاعتصام به ] وهيا نتغنى بهذا النداء ساعة؛ تلذذاً بكلمات الله، ونحاول أن نحفظها؛ لتصبح نوراً في قلوبنا.

    قال: [ الآيتان (77 ، 78) من سورة الحج

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج:77-78] ] وكلام الله لذيذ طيب، ينشرح له الصدر، وتتوق له الأرواح الطيبة الطاهرة، وهو لا يوازى بأغنية من أغاني العواهر والمجرمين، والبعد بينهما بعد ما بين السماء عن الأرض، وبعد الحق عن الباطل، وبعد الخير عن الشر. والمفروض على المسلمين أن يتغنوا بكلام ربهم في بيوتهم، لا أن يسمعوا أصوات العواهر من المغنيات؛ لأن البيت الطاهر الذي يتلى فيه كتاب الله لا ينبغي أن يلوث، أو أن يلطخ بأصوات من لا يحل سماع صوتها، ولكن لغفلة المؤمنين طردوا الملائكة من بيوتهم، وفتحوها للشياطين، وهذا لا يليق هذا بالمؤمنين.

    وإن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ). وقد قال هذا وهو يشير إلى صورة منسوجة بالخيوط، ولا ملامح لها ولا تجاعيد، ولا غير ذلك.

    ويقول: ( أزيلي عني قرامك يا عائشة ! فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة ). والغافلون من المؤمنين تمر ببيوتهم وإذا أصوات العواهر والمغنين وصورهم، فرحلت الملائكة، وحلت محلهم الشياطين، فظهر الخبث، ولاحت فضائحه في الأفق، وعرفنا أننا هبطنا.

    فلنستبدل بأصوات المغنين والمغنيات كلمات الله نتلوها، وليجتمع أهل البيت اجتماعنا هذا، ويتعلمون ليلة آية وأخرى حديثاً، فيتعلمون الهدى والعلم والمعرفة، فلا يزالون يسمون ويرتقون، لا أحسب أن تمضي عليهم سنة إلا وهم حقاً أولياء الله، إذا سألوه أعطاهم، وإذا استنصروه نصرهم، وإذا استعاذوه أعاذهم؛ لأنهم أولياؤه، ولن يضيعهم.

    والذي أصاب المسلمين أنهم نسوا ذكر الله، فأنساهم أنفسهم.

    وهذا النداء الكريم شمل آيتين، وسوف تمر بكم معارف وعلوم لن تحصلوا عليها في دنيا البشر، ولا في كلام الحكماء ولا في غير ذلك، وهما آيتان فقط من ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، وفي نداء واحد من تسعين نداء، فأصغِ يا بني! واسمع وتأمل ما يقال.

    أمر الله لعباده المؤمنين بالركوع والسجود وفعل الخير

    هذه السورة تسمى سورة الحج، وهي مدنية، وفيها آيات مكية، فهي مدنية مكية، وكل سورة فيها يا أيها الذين آمنوا فهي مدنية.

    [ الشرح ] يقول الشارح بعد بسم الله: [ إنه بعد تقرير العقيدة بأقسامها الثلاثة ] وأقسام العقيدة الثلاثة هي [ التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر والجزاء فيه ] فعقيدة المسلمين تشتمل على هذه الثلاثة الأقسام، وهي:

    أولاً: التوحيد بأن لا إله إلا الله، فلا يعبد في الملكوت إلا الله.

    ثانياً: وعقيدة النبوة، وتقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ونحن نقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فنثبت عقيدة التوحيد والنبوة المحمدية.

    ثالثاً: ثم عقيدة البعث والجزاء، وهو الإيمان باليوم الآخر. وهذه السورة قررت هذه العقيدة بأقسامها الثلاثة.

    بعد هذا التقرير الإلهي [ نادى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين، بعنوان الإيمان ] أي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:77] [ الدال على كمال الحياة الروحية ] فالمؤمنون أحياء والكافرون أموات، فلا نقتدِ بهم، ولا نأتسِ بسلوكهم، ولا نحاول أن نكون مثلهم؛ لأنهم أموات، ونحن أحياء. وهذه هي العلة. فالمؤمن حي، والحي يسمع النداء، ويعي ويفهم ممن يناديه ما من أجله يناديه، والكافر ميت، كما قال تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [النمل:80]. والمؤمنون اليوم لم تكمل حياتهم؛ لأن إيمانهم لم يكمل، بل ضعف، فقد احتال عليهم الكافرون أهل الثالوث فزعزعوا إيمانهم وأضعفوه، وأصبح ضئيلاً عند أكثر المؤمنين. فالله ناداهم بعنوان الإيمان الدال على كمال الحياة الروحية [ وقوة الإرادة العملية ] لأن المؤمنين أحياء.

    وهو إذا ناداهم ليأمرهم يعلم أنهم يقدرون على العمل، وإذا ناداهم لينهاهم فهو يعلم أنهم قادرون على أن يتركوا ما نهاهم عنه، ولو كان أعز عزيز عندهم أو أحب ما يحبون، وقد تركوا آباءهم وأمهاتهم، وأبنائهم وبناتهم، وديارهم وأموالهم، وخرجوا من مكة يريدون رضا الله وحبه، وإذا آمن العبد هان عليه أن يقدم نفسه لرضا الله عز وجل.

    قال: [ ناداهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:77]، أي: يا من آمنتم بالله رباً وإلهاً، لا رب غيره، ولا إله سواه، وآمنتم بمحمد نبيه ورسوله، وآمنتم بلقائه ] أي: لقاء الله [ وما أعد لأوليائه ] من نعيم مقيم [ وما لديه لأعدائه ] من العذاب الأليم. وقد ناداهم ليقول لهم: [ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77] ] فاعلموا أنه ناداكم ليأمركم بأن تركعوا وتسجدوا له؛ لأن الركوع والسجود سلم عكسي يرقى بنا إلى الملكوت الأعلى، كما قال تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19]. وهنا قال: [ ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77]، أي: لربكم وحده، فأطيعوه فيما يأمركم به، وفيما ينهاكم عنه، وَافْعَلُوا الْخَيْرَ [الحج:77]. وهو كل ما انتدبهم ربهم إليه ورغبهم فيه من أنواع البر وضروب العبادات؛ ليتأهبوا بذلك للفلاح ] فقد قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77]. وتستعدوا بذلك للفلاح، والفلاح ليس ربح شاة أو بعير أو قصر أو منزل أو وظيفة، وإنما هو الفلاح [ الذي هو الفوز بالجنة بعد النجاة من النار ] وقد عرفنا هذا وعلمناه الله، فقد قال: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]. فاعملوا أيها الشغالون! وواصلوا العمل، ولا تطالبوا بالأجر هنا، بل أجركم عند نهاية العمل. فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]. فالله يعلمنا هنا معنى الفلاح. وهذا الفلاح هو [ الدال عليه ] قوله تعالى: [ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77] ] ولعل هذه ليست لعل الترجية، بل هذه لعل الإعدادية، أي: ليعدنا بذلك للفلاح.

    سبب تخصيص الأمر بالركوع والسجود دون بقية أركان الصلاة

    قال: [ وخص من الصلاة ] بالذات [ الركوع والسجود من بين أركانها ] فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77]. ولم يقل: اقرءوا وسبحوا واجلسوا، بل خص الركوع والسجود؛ لأن مظاهر الخنوع والخضوع والعبودية لله تتمثل في الركوع والسجود، وأما القائم فهو دائماً قائم، والجالس يجلس في بيته بين نسائه وأطفاله، ولكن الراكع راكع لله، والساجد هو الذي يضع جبهته الطاهرة على الأرض ويسجد لله، فهذه مظاهر العبودية الحقة. ولهذا من ركع لغير الله فقد أشرك، ومن سجد لغير الله فقد أشرك وهبط إلى حضيض البهائم؛ إذ لا سجود ولا ركوع إلا لله رب العالمين؛ ولهذا بدل أن يقول: صلوا، أو أقيموا الصلاة قال: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا [الحج:77] [ لأنهما أشرف أجزائها، وأدلهما على خضوع العبد لربه، وذلته له سبحانه وتعالى ] وقد وجد من البشر في الزمن الأول وإلى الآن من يعظم مليكه وحاكمه ورئيسه بالركوع له، وهذا موجود، وإذا تساءلوا عن كيفية تعظيم هذا الملك أو هذا السلطان أو غيرهما قال لهم: الشيطان: اركعوا، فيركعون لهم ويسجدون، ولا يرون بذلك بأساً.

    ولا يحل أبداً أن يركع مؤمن لغير الله، ولا أن يسجد لغير الله، ومع الأسف توجد بدع في بلد زرناه، فهم يأتون إلى ضريح السيد يزحفون زحفاً، ولا يقفون، ويسجدون على الضريح، فيضعون وجوههم على التراب؛ تعظيماً للسيد، وأما أهل القرآن أتباع النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم فلا ركوع ولا سجود عندهم إلا لله.

    وأنبه أيضاً: أن لاعبي الكراتيه هؤلاء رأيتهم بعيني في غير ديارنا هذه يركعون - وهذه تحية- لرؤساء اللعبة أو المسئولين عنها، ويفعل هذا الفلبينيون واليابانيون، ومع الأسف يقر أهل الإيمان هذا، ويفرحون به إلا من شاء الله. وهذا لا يجوز. فإذا أردتم أن تجلوهم وتُكْبِرُوهم فقولوا: جزاكم الله خيراً، فقد أكرمتمونا، وأما أن تركعوا تقليداً لأهل الشرك والكفر وأنتم من أهل القرآن فهذه معرة كبيرة، وخزي لا يسكت عنه. وهذه اللعبة يسمونها الكراتيه، فانتبهوا.

    ونحن عندنا رياضة، فإذا احتجنا إلى الرياضة الحقة فعندنا الصلاة، ووالله لو أن أحدنا يحسن الوقوف بين يدي الله ويطيله وهو يتلو كتابه، وإذا ركع مد ظهره واعتدل في ركوعه، وأخذ يسبح الله عشر دقائق أو عشرين دقيقة ويقول: سبحان ربي العظيم، ثم يرفع ويعتدل ويطيل، ثم يسجد، ويركع أربع ركعات فهي خير له من لعبة الكراتيه كلها. ولكنهم صرفونا عن هذا المنهج، واستبدلوه لنا بهذه الأباطيل والتراهات. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( أذيبوا طعامكم بالصلاة وذكر الله ). وكيفية إذابة الطعام بالصلاة أي: بالركوع وإدامته، والسجود وذكر الله، فإذا أكل أحدنا فلا ينام مباشرة، بل على الأقل يصلي أربع ركعات قبل النوم؛ حتى يذوب طعامه في بطنه. وقد قال أحد الأبناء: من الليلة نبدأ، ونحن بدأنا من زمان يا بني! ولكن هذا هو المؤمن، فإذا عرفنا نلزم [ كان هذا ما دلت عليه الآية الأولى ] من هذا النداء.

    الأمر بالجهاد بجميع أنواعه

    [ أما الآية الثانية: فهي قوله تعالى لهم: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ [الحج:78] فإنه أمرهم بأمر عظيم؛ إذ الأمر الأول في تأثيره في أرواحهم بالتطهير والصفاء أكثر من تأثيره في أبدانهم ] فالصلاة تؤثر في إصلاح الروح والبدن [ وأما هذا الأمر ] الأخير الجهاد [ فإنه ذو تأثير أعظم في الأرواح والأبدان معاً، إنه جهاد أعدائه تعالى وأعدائهم، وهم الكافرون والمشركون والمنافقون، وهذا يتطلب بذل الأموال والأرواح، كما هو جهاد الشيطان الذي لا يبرح يزين الشر، ويقبح الخير، ويدعو إلى الخبث، ويصرف عن الطهر، حتى يهبط بالعبد إلى أسوأ الدركات في الخبث والشر والفساد، كما هو جهاد النفس الأمارة بالسوء، اللوامة عن فعله بعد أن تخضع العبد لفعله، وهذا في مرحلة جهادها إلى أن تنهزم وتقهر؛ فحينئذٍ تطيب وتطهر، وتصبح المطمئنة التي لا ترتاح ولا تسعد إلا على ذكر الله تعالى، وشكره بأنواع العبادات والقربات ].

    اعلموا أن الجهاد له ثلاثة مواطن: أولاً: جهاد الكفار والمشركين والمنافقين، والثاني: جهاد الشيطان - عليه لعائن الرحمن- والثالث: جهاد النفس. فإذا تعطل أو توقف جهاد الكفار لظروف وأحوال لم ينته الجهاد، بل يبقى جهاد أعظم، وهو جهاد الشيطان، وجهاد أعظم منه، وهو جهاد النفس، وليس عندنا فراغ حتى نغني، بل الجهاد دائم. فإذا لم يمكننا أن نجاهد الكفار لما أصابنا من خلل أو ضعف أو تفرق فجهاد النفس ملازم لنا، ولا ينفك حتى الموت، وجهاد الشيطان كذلك.

    وهنا لطيفة تروى عن إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وهو في سياقات الموت وابنه إلى جنبه، فقد كان يقول: آه! آه! بعد .. بعد، فاستغرب ولده هذا الكلام، فلما أفاق سأله ماذا يعني بكلمة: آه! بعد .. بعد، فقال: إن العدو واقف أمامي، ممسك بلحيته يقول: آه! فتنا يا أحمد ! ولم نستطع أن نظفر بك ونحصل عليك، فقد فتنا، فأقول: لا، بعد، فما دامت الروح في الجسم فلا اطمئن إلى أننا نجحنا. رحمه الله. هذا هو جهاد الشيطان، فهو لا يتخلى عنك أبداً إلا إذا فاضت روحك.

    وبالمناسبة: السامعون كثر اليوم، وعلهم يبلغون عنا المسئولين.

    وبالأمس كنا مع النداء الخامس والخمسين، وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التوبة:123]. وقد قاتل المؤمنون، واتسعت رقعة بلادهم حتى انتهوا إلى أقصى الغرب والشرق، ثم وقفنا بسبب كيد أعدائنا، بعد أن مزقونا وشتتونا، فهيا نعيد الجهاد، ونرسو بسفننا على سواحل أوروبا، وعلى سواحل اليابان، وعلى سواحل أمريكا، ولا تقولوا: لا، فقد فتح الله لكم الدنيا، فالآن الجماعات الإسلامية في أمريكا .. في كندا .. في أوروبا بكاملها شرقها وغربها .. في اليابان .. في الصين، فالأبواب مفتوحة، وليس هناك حاجة إلى أن نركب البواخر ونرسو على شواطئهم، فليس هناك حاجة إلى هذا أبداً والله.

    مقترح لكيفية إعادة توحيد الأمة الإسلامية والعودة بها إلى عزها

    في هذه الظروف التي يسرها الله لم يبق على المسلمين إلا أن يكونوا منظمة إسلامية ربانية، تظم من كل إقليم من أقاليم المسلمين عالماً ربانياً، فيكونون لجنة مكونة من أربعين أو اثنين وأربعين عالماً، ثم هذه اللجنة تطوف بلاد العالم الإسلامي في أدب واحترام، وتتصل بالمسئولين، وتطالب كل مؤمن أن يسهم بدرهم أو دينار في السنة ضريبة الجهاد، فتتكون ميزانية لا تفوقها ميزانية أخرى في العالم، وكل مؤمن ومؤمنة يدفع ضريبة كونه مؤمناً ديناراً أو درهماً في الشهر أو في العام، وهذه الميزانية الكبيرة الضخمة تتم بطريقة سرية، لا يسمع بها خصوم الإسلام وأعداؤه، ثم هذه اللجنة تبعث لجاناً صغيرة من ثلاثة أنفار، لجنة إلى اليابان، وأخرى إلى الصين، وأخرى إلى أوروبا الشرقية والغربية، وأخرى إلى كندا، وأخرى إلى أمريكا، وتضع هذه اللجان خريطة للجاليات الإسلامية الموجودة في كل بلد وأقليم توجد فيه جاليات في العالم، وتقوم على دين الله، ولا ينازعها أحد، بل تكون لها حرية كاملة، حتى في إيطاليا، وحينئذ تضع خارطة، فنعرف أن هنا الجمعية الفلانية، وهنا اللجنة الفلانية والمركز الفلاني، وحينئذٍ تطبع لهم كتاباً يدرسونه، يوحد عقيدتهم وآمالهم وتفكيرهم، ويقضي على الفرقة والخلاف الذي يمزقهم الآن كما مزقهم في بلاد المسلمين، فتطبع لهم كتاباً واحداً، وتبعث بالمربي العالم الرباني، فهي التي تضعه بينهم، وتأمرهم بطاعته والمشي وراءه، وعليها نفقات ما تتطلبه تلك الدعوة، فيتحد العلم والمعرفة على منهج واحد، وهو قال الله وقال رسوله، وليس قال سيدي فلان ولا إمامنا ولا فلان، بل قال الله وقال رسوله، والإمام يلتزم ألا يخرج عن هذا المنهج أبداً، ولن يمر ربع قرن فقط إلا وقد دخلت أمم في الإسلام، بلا سيف ولا بندقية ولا صاروخ، وإنما بتدبير الله، فالعالم الآن في ظمأ وفي عطش، وإن كانوا لا يطلعونكم، وكبارهم في هم وكرب، يبحثون عن الخروج، وقد كررنا مئات المرات: أن أرقى دولتين في العالم السويد والدنمارك، فتلك الدولتان ارتقتا، فأكلوا وشربوا ونكحوا في الغابات وفي الشوارع، وهم يطلبون سعادة الروح ولم يجدوها، فأخذوا يهبطون من تلك الكمالات، ويمشون في الشوارع في أوروبا وفي أفريقيا بلحاهم والقمل في وجوههم ورءوسهم، ويريدون أن يتذوقوا لذة الحياة، ولم يجدوها، ولن يجدوا لذة الحياة إلا وقلوبهم طاهرة، وأنفسهم زكية، وسيجدونها بالإيمان ومعرفة الرحمن.

    هذا نداء الأمس، وهو قوله: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التوبة:123]. وليس هناك حاجة الآن أبداً إلى قتالهم، فقد فتحوا لنا الباب، وقد قدمنا أنهم إذا سمحوا لنا بالدخول أننا لا نقاتلهم. هذا هو الواجب. وبلادهم الآن مفتوحة، ففرنسا فيها ألف مسجد، وأحلف لكم على هذا، ويمكن أن تكون بريطانيا فيها أكثر، وألمانيا ذات المخ الممتاز لا تسأل عن الجمعيات والمساجد فيها. وبعد هذا نسأل الله فقط أن يلهم المسئولين أن يكونوا لجنة أو منظمة على شكل رابطة العالم الإسلامي، فتمد يدها، وتبدأ بسم الله ونحن وراؤها. وأول شيء تفعله هو أن تزور العالم الإسلامي بلداً بلداً، وتطالب المؤمنين بأن يؤدوا ضريبة الجهاد، وفي ظرف أربعين يوماً تتكون هذه الميزانية الضخمة التي لا تملكها حتى أمريكا، ويمكنهم بعد ذلك أن يبعثوا لجاناً لكل إقليم في العالم، ويقدرون الجمعيات وأفرادهم وأعمالهم، ويقدمون الكتاب والمربي والنفقة للمسجد أو المركز، وتمشي أمة الإسلام، فلا يبقى مذهبية ولا عنترية ولا خلاف، بل قال الله وقال رسوله، فيظهر الزكاء والطهر والصفا، ويصبح الأوروبيون يعجبون من هؤلاء الأفراد عندما لا يرون فيهم خيانة ولا خمراً، ولا سرقة ولا تلصصاً، ولا غير ذلك، فيتساءلون عن سبب ذلك، فيعلمون أن النور قد غشا قلوبهم، فيتساءلون عن مكان وجود هذا النور، فيقال لهم: تعالوا عندنا، ومع ضعفنا وهبوطنا والله ليدخلون في دين الله أفواجاً. وقد بلغكم وقررنا ألف مرة: أن القوات التي غزت وجاءت لإنقاذنا أسلم منهم أربعة آلاف أمريكي، فقد وجدوا من يدعوهم، ومن يسلك بهم سبل الهدى والرشاد. وهذه النتيجة لو أننا أقبلنا. وعلى كل حال: اللهم اشهد، فقد بلغنا. وقد كتبت في الجريدة عدة مرات، ولا يوجد كاتب يعلق أبداً؛ لأن الوقت الذي يأذن الله فيه لم يأت بعد.

    أقسام النفس

    النفس ثلاثة أنواع:

    أولاً: النفس الأمارة بالسوء، وهذا نبي الله يوسف يقول: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف:53]. وقد قال بعض العلماء - ولعله شيخ الإسلام ابن القيم -: إن هذا القول لـزليخة ، ولا والله ما كان لـزليخة أن تقول هذا وهي مشركة، بل هذه قالها يوسف الصديق، فهو الذي قال: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [يوسف:53]. فهذا لا تقوله الصعلوكة، وهذا ليس معقولاً أبداً.

    ثانياً: النفس اللوامة، كما قال تعالى: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ [القيامة:1-2]، أي: أقسم بها. فالنفس لما تجاهدها جهاداً متواصلاً تنتقل من الأمر بالسوء إلى فعله مع اللوم عنه. فالنفس تأمر بالسوء وبالزنا وبالفجور وبالقبح وبالكذب وبالخيانة، فإذا جاهدها صاحبها وأخذ يعمل فإنها تنتقل إلى أن تصبح لوامة، بمعنى: أنه يفعل الجريمة وبعدها يندم ويستغفر ويتحسر. هذه المرحلة الثانية. أما إذا لم يجاهدها فتبقى أمارة حتى الموت، لكن إذا تفطن وأخذ يجاهدها فتنتقل إلى مرحلة ثانية، وتصبح إذا فعلت الجريمة تندم وتلومه على فعلها، ويلوم نفسه كما تعرفون.

    ثالثاً: ثم يواصل الجهاد حتى تصبح المطمئنة، كما قال تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر:27]. وهناك الآن نفوس مطمئنة في الحلقة، مرتاحة وسعيدة، ولا تريد أن ينتهي الدرس، وهناك القلقة اللوامة، التي ليست مستريحة.

    والمؤمن ذو النفس الطيبة الطاهرة إذا جلس مجلساً وذكر فيه باطل فإنه والله لا يطيق، بل يحزن، وتتألم نفسه؛ لأنها مطمئنة. هذه مراحل النفس.

    معنى الجهاد في الله حق جهاده

    قال: [ وقوله تعالى: حَقَّ جِهَادِهِ [الحج:78] إنه بذل الطاقة البدنية والعقلية واستفراغ الجهد كاملاً، نفساً ومالاً ودعوة في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى وحده، دل على هذا قوله تعالى: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ [الحج:78]، أي: في سبيل إعلاء كلمته ونصرة أوليائه على أنفسهم الأمارة بالسوء، وعلى الشيطان المزين للباطل المقبح للحق، وعلى أعدائهم، وهم الكفار والفجار الذين لا يريدون أن يعبد الله وحده، ولا أن يعز ويطهر أولياؤه.

    رفع الله للحرج عن هذه الأمة

    قال: [ ولما كانت طاقة العبد محدودة ذكر ] تعالى [ أولياءه بأنه لا يكلفهم ما يوقعهم في الحرج الذي هو الضيق، الذي لا يقدر العبد على اجتيازه ولا الخروج منه ] والحرج هو: أنه لما ترعى الغنم وخاصة العنزة ذات القرنين فإنها تطلب الورق وتدخل رأسها بين غصنين، ولما تدخله وهي تطلب الورق فإنها تحاول أن تخرج، ولا تستطيع، فقرناها يمنعانها من الخروج، فلا تتقدم ولا تتأخر، هذا هو الحرج. فالحرج هو: أن يقع العبد فيما لا يستطيع أن يخرج منه ولا يدخل [ ومن مظاهر رفع الحرج: أنه تعالى فتح لهم أبواب التوبة، من أذنب منهم ذنباً فليتركه نادماً على فعله، مستغفراً ربه؛ فإنه يقبل ولا يرد ] فقد انتهى الحرج. ولو لم يكن هناك توبة لهلك من زنى، أو من فجر أو قتل، ولكن باب التوبة مفتوح على مصراعيه؛ رفعاً للحرج [ ومن رفع الحرج: رخص للمريض والمسافر في الإفطار ] من الصيام [ حال مرضهما أو سفرهما، ورخص للمريض ] أن يصلي قاعداً أو على جنب أو مستلقياً على حسب قدرته [ والأعمى والأعرج في عدم الخروج إلى الجهاد في حال التعبئة العامة، ورخص لمن لم يجد الماء أو عجز عن استعماله أن يترك الغسل والوضوء ويتيمم بالتراب ويصلي. هذه جملة من رفع الحرج على أولياء الله المؤمنين ].

    الحث على اتباع ملة إبراهيم عليه السلام ولزومها

    قال: [ وقوله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج:78] حث منه تعالى لعباده المؤمنين على أن يلزموا ملة أبيهم إبراهيم عليه السلام، إذ هو أبو إسماعيل، وإسماعيل هو أبو العرب المستعربة، الذين منهم سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم. حضهم وحثهم على لزوم عبادة الله تعالى وحده بما شرع، وترك الشرك والبدع، بقوله: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج:78]، أي: الزموها، ولا تخرجوا عنها فتتركوها وتستبدلوا بها غيرها؛ فإنها هي مناط عزكم وشرفكم، ومدار سعادتكم في الدنيا والآخرة ] والرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أصبح يقول: ( أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين ). فهذا يقال كل صباح. وملة أبينا أي: الزموها، وهي التوحيد وعبادة الله بما شرع.

    تشريف الله تعالى للمسلمين بتسميته لهم المسلمين

    قال: [ وذكرهم سبحانه وتعالى بشرف آخر أضفاه عليهم، وهو أنه سماهم المسلمين في الكتب الأولى ] كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها [ وفي القرآن الكريم، إذ قال لهم: هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا [الحج:78]. وعلة هذه التسمية المشرفة الرافعة للقدر والجاه والمنصب: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ [الحج:78]. لأنه أول من أسلم منكم، فهو يعرف الإسلام وأهله؛ لذا إذا استشهده الرب تبارك وتعالى شهد عليكم، وإذا استشهدكم أنتم شهدتم على الناس، على من أسلم منهم قلبه ووجهه لله، فعبده وحده، ومن لم يسلم ذلك لله فعبد غير الله تعالى فأشرك وكفر وزاغ وضل وابتدع، فضل سواء السبيل ] وهذا منصب عالٍ، أي: كوننا شهداء يستشهدنا الله يوم القيامة.

    الأمر بإقامة الصلاة وكيفية إقامتها

    قال: [ وآخر ما ناداهم من أجله ودعاهم إليه: هو أن يقيموا الصلاة كما ينبغي أن تقام، وما تقام به الصلاة هو:

    أولاً: الطهارة الكاملة برفع الحدث بالوضوء إن كان أصغر، وبالغسل إن كان أكبر، وطهارة البدن والثوب والمكان الذي يصلي فيه العبد من ] سائر [ النجاسات كالبول والعذرة والدم.

    ثانياً: أن تؤدى في أوقاتها المعلومة، فلا تقدم ولا تؤخر إلا لعلة سفر أو مرض.

    ثالثاً: أن تؤدى في جماعة المؤمنين، لا انفرادياً، إلا في ضرورة قصوى.

    رابعاً: الإتيان بأركانها، وهي قراءة الفاتحة في كل ركعة، والطمأنينة في الركوع والرفع منه، وفي السجود والجلوس، مع اعتدال الأعضاء في ذلك كله.

    خامساً: مراعاة سننها وآدابها، حتى تصبح قادرة على إنتاج الطهر والصفا للروح ] أي: توليد الطاقة [ هذا معنى: إقام الصلاة، وأن يؤتوا الزكاة، ويعتصموا بالله، بمعنى: يتمسكوا بدينه الإسلام وما حواه من الشرائع والأحكام، وآداب وأخلاق؛ إذ هو سبحانه وتعالى مولاهم، والمولى يجب أن يُحب ويُعظم ويُطاع، فهو حينئذ نعم المولى لهم، ونعم النصير؛ لأنهم أحبوه وعظموه وأطاعوه ].

    وأخيراً: - على كل حال- لما يكون هذا النداء في أيديكم إن شاء الله وفي بيوتكم فستتمكنون من القراءة بشكل أوسع من القراءة في الدرس.

    قال: [ تنبيه: القارئ لهذا النداء ولما سبقه من آيات إذا كان متطهراً إذا قال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج:77] خر ساجداً مسبحاً ] لله سبحانه وتعالى.

    وصلى الله على نبينا محمد.