إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 53للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإيمان بالله سبحانه وتعالى نقاء وطهارة، والكفر به سبحانه دنس ونجاسة، وقد أمر الله عباده المؤمنين بعد أن استتب لهم الأمر، وقوي أمر الدين، أن يمنعوا المشركين عن دخول المسجد الحرام لنجاستهم، وبشرهم تعالى بأنه سيغنيهم من فضله، ويفتح لهم أبواب الخيرات في مقابل ما سينقطع عنهم من الموارد والأرزاق بانقطاع المشركين عن الحج.

    1.   

    حرمة دخول المشركين الحرمين الشريفين ووجوب منعهم من ذلك

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا، والحمد لله ربنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، جعلنا الله منهم، وحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. آمين.

    وهذا هو [ النداء الواحد والخمسون ] ومضمونه ومحتواه وما يحمله هو: [ في حرمة دخول المشركين الحرمين الشريفين، ووجوب منعهم من ذلك، ووجوب قتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية ] وهم صاغرون.

    وهيا بنا نتغنى بهذا النداء الإلهي الكريم؛ رجاء حفظه، ثم نسمع ونفهم، ونعزم على أن نعمل ونطبق؛ حتى نبلغ مكان السمو والعلو في الملكوت الأعلى؛ إذ من علم وعمل بما علم، وعلمه دعي في السماء عظيماً.

    قال: [ الآيتان (28 ، 29) من سورة التوبة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:28-29] ] وهيا ندرس هذه الآيات في هذا النداء العظيم، واذكروا قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله - كما تلوناها- ويتدارسونها بينهم -كما نتدارسها إن شاء الله- إلا حفتهم الملائكة، ونزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده ). وهذا الفضل العظيم لا يشترى بألف ريال والله، ولا بمائة ألف ريال، ولا والله ولو بملء الأرض ذهباً، ولو أردت أن تحصل على هذا الكمال بدون هذه القراءة وهذا الدرس فوالله لو تعطي ما في الأرض جميعاً ما حصلت عليه. ومع هذا فإخواننا غافلون .. شاردون، والمفروض أن المسجد مكتظ بالسامعين والسامعات، فهي ساعة فقط، أو ساعة ونصف، ولكن ما قدر الله يكون، فاحمدوا الله على أن فزتم وإن خربوا.

    [ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم! أن هذا النداء الإلهي الموجه إلى المؤمنين من عباده، وهم أولياؤه، لإيمانهم وتقواهم له سبحانه وتعالى ] وهذا يذكرنا بأن ولي الله هو المؤمن المتقي، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، وقد ناداهم لأنهم أولياؤه، آمنوا به واتقوه، فهو يناديهم ليعلمهم وليبشرهم، وليحذرهم ولينهاهم، والكل دائر على حقيقة واحدة، وهي أنه يريد إسعادهم وإكمالهم؛ لأنهم أولياؤه، وهو لا يرضى لأوليائه بالذل والمهانة، ولا بالصغار والعذاب والخسران، وحاشاه تعالى. ونحن لا نرضى لأوليائنا هذا، والله عز وجل من باب أولى.

    وهذا النداء الكريم [ يتضمن ] ويحتوي على [ أمرين عظيمين ] تجب معرفتهما:

    حرمة دخول المشركين الحرمين الشريفين ومكة والمدينة

    [ الأول: حرمة دخول المشركين المسجد الحرام، والحرم المكي تابع للمسجد، فلا يحل لمشرك أو كافر من أهل الكتاب أو من غيرهم أن يدخل المسجد الحرام، ومكة كلها حرم، كما لا يحل للمشرك والكافر أن يدخل المسجد النبوي ] هذا [ والمدينة كذلك ] كلها حرم [ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم المدينة ) ] وتحريم إبراهيم ليس أجل ولا أعظم من تحريم محمد صلى الله عليه وسلم [ وكما يحرم دخول المشركين والكافرين الحرمين الشريفين يجب على المؤمنين منعهم من ذلك، وصدهم بأية حال ] وليس فقط محرم عليهم، وإن شاءوا عصوا الله ودخلوا، لا، بل على المؤمنين أن يمنعوهم. وإياك أن تفهم: أن الله حرم على المشركين الحرمين فقط، وأن ذلك حرام عليهم فقط، فإن دخلوا فهم آثمون فاسقون فاجرون، ويكفي هذا، بل المراد: أن على المؤمنين أن يحموا الحرمين من دخول المشركين والكافرين [ وهذا ما دل عليه قوله تعالى في الآية الأولى في هذا النداء، إذ قال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة:28] ] فقولوا: لبيك اللهم لبيك [ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28] ] ومعنى نجس: قذر ووسخ، وهو هنا معنوي، وليس حسياً [ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28] ] ولم يقل: ( فلا يدخلوا)، بل قال: فَلا يَقْرَبُوا [التوبة:28]. ولا يضع حتى أصبعه داخل الحرم، بل من شاء أن يدخل في الإسلام، ومن شاء أن يرحل حيث يشاء. وقوله: بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28] [ وهو عام تسعة من الهجرة ] أي: من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

    وقد فرض الله عز وجل الحج في السنة السادسة، ولم يتمكن المسلمون أن يحجوا؛ لما عرفتم من منع المشركين لهم، ثم كانت المعاهدة سنة ست، ثم نقضها المشركون، وغزا الرسول صلى الله عليه وسلم مكة مع أصحابه، وفتحها الله في السنة الثامنة.

    وفي السنة التاسعة عين الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق أميراً على الحج، فحج أبو بكر بالمسلمين، وهذه هي السنة التي قال الله فيها: عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]. فالإشارة إلى السنة التاسعة [ حيث حج أبو بكر رضي الله عنه أميراً على الحج ] ولم يحج الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لمانع حصل، وهو لأنه لم يرد أن يحج والمشركون يحجون، فيشاهدهم يطوفون عراة، فأحل الحج للضرورة.

    وهنا لطيفة: كنا في السيارة فقلنا: هؤلاء المشركون أتقى منا نحن؛ فقد كانوا لا يطوفون إلا بثوب حلال، ونحن نسرق الحجاج حول الكعبة. فانظر الفرق! فالمشركون كانوا لا يطوفون بثوب حرام، وإذا لم يجدوا الثوب الحلال طافوا عراة، ونحن نسرق الحجاج حول الكعبة، وهم يسلمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل عام يفد وفود للتلصص والإجرام، ولو كان الله ما وعد رسوله بأن لا يصيبنا بمصيبة عامة لاستحققنا العذاب.

    والحج يجب عندنا على الفور، إلا أن توجد موانع فلا حرج. وأما أن نقول: الحج ليس على الفور بل على التراخي، ثم في كل عام نقول: إن شاء الله نحج بعد عام أو بعد كذا فهذا لا ينبغي، وإن قال به من قال، بل الصحيح: أنه على الفور متى استطعت ومتى قدرت، فإن حصل مانع فلا بأس أن تؤجله، ولا تقل: الرسول صلى الله عليه وسلم أخر الحج؛ لأن الحج فرض سنة ست لآية آل عمران؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحج لوجود الموانع، ولما فتح الله مكة ما حج الرسول صلى الله عليه وسلم لوجود موانع، وهي وجود المشركين يحجون في تلك السنة، بل ويحجون ويطوفون عراة أيضاً.

    فمن هنا: أمر الصديق رضي الله عنه، فقاد الحجاج [ ونزلت الآية، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من ينادي ] ويؤذن [ في عرفات ومنى ومكة بهذا الأمر ] فبعث علياً وفلاناً وفلاناً يؤذنون في عرفات في منى وفي مكة: [ ( أيها الناس! ألا لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن بعد هذا العام مشرك ) ] أيام الحج، فكانوا ينادون نداءات متوالية؛ إذ لا يوجد إذاعة في ذلك الوقت، وإنما الأذان، فعرف المشركون أنه قد انتهى حجهم [ إذ كان المشركون يطوفون بالبيت عراة ] والعراة: جمع عاري عارٍ، كغاز وغزاة [ إذا لم يجدوا ثوباً حلالاً ] أو لم يعطهم أحد من الحمس، والأحمسي إذا أعطاك ثوبه فلا بأس أن تطوف به، وإن كان لا يعرفك، والحمس هؤلاء جماعة من أهل مكة أشراف، فإذا أعطوك ثوباً أو أجروه لك فلا بأس أن تطوف به، وأما إذا لم تكن من الحمس الأشراف فحرام أن تطوف بثوب غير جديد، ولا يجوز، بل طف عارٍ، حتى كانت المرأة تضع يديها على فرجها، وتقول في أسف وتحسر:

    اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

    وهذه عربية عجيبة، وهي من أولئك الشريفات في الجاهلية اللائي قلن: (أوتزني الحرة يا رسول الله؟)، أي: لا تأخذ البيعة علينا في أن لا نزني، فالزنا للإماء، أما الحرة فلا تزني، بل تجوع الحرة ولا تأكل بثديها. فهذه كانت تضع يدها على فرجها إذا لم يكن عندها ثوب حلال تطوف به، ولم تحصل على ثوب من الحمس، فتبكي وهي تطوف، وتقول:

    اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

    وعد الله للمؤمنين بالغنى

    قال: [ وقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [التوبة:28]، أي: فقراً ] فالعيلة: الفقر والمخمصة والحاجة [ لانقطاع المشركين عن الحج ] بعد أن منعوا من الحج، وهذا معناه: أن تتعطل التجارة [ إذ كانوا ] يأتون [ يحملون ] أنواع [ البضائع التجارية، ويبيعون ويشترون ] أيضاً، فإذا انقطع المشركون عن الحج كسدت التجارة، فلا تخافوا من الفقر والجوع [ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:28]. فوعدهم بغناهم وسد حاجتهم التي خافوا أنها إذا امتنع المشركون من الحج حصلت لهم، أي: العيلة ] فيا جماعة! لا تبيعوا الدخان في دكاكينكم، ولا تقولوا: سيهرب منا الزبائن، فلا نستطيع، فلا تخافوا العيلة. ويا أصحاب الدكاكين! لا تبيعوا المجلات التي تحمل صور الخلاعة والدعارة، وتنشر الخبث في ديار الإيمان، واتقوا الله، وإن عرضت عليكم فلا تقبلوها، ولا تقولوا: إن فعلنا هذا فالزبائن لن يشتروا من عندنا، فلا تخافوا العيلة. ويا عبد الله! لا تقف أمام البنك الربوي، ولا تستقرض ولا تستلف منه، واسكن في بيت من الشعر؛ فإنه يكفيك، ولا تبن بيتك بالحرام. ويا عبد الله! لا تستلف لتشتري دابة وسيارة، واصبر وامش على رجليك فإنه خير لك، ولا تقل: الظروف والأحوال، أي: أنه يخاف من الفقر. وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:28]. ووالله ما ترك مؤمن ولا مؤمنة شيئاً لله خالصاً إلا عوضه خيراً منه، وهذا وعده. وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [التوبة:28] فأبشروا، فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:28]. فاعرفوا هذا. فهم قالوا: الآن إذا انقطع الحجاج المشركون وقد كانوا يأتون بالإبل وباللحوم وبالزيت وبالعسل من اليمن، وبالثياب من الشام، وكانوا يشترون منا أشياء، فالعام الآتي سيكون عام كساد وفقر، فدعهم يحجون، وطلبوا من الرسول أن يسمح لهم؛ حتى لا يخافوا الفقر، فطمأنهم الرحمن بقوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ [التوبة:28] [ وقوله: إِنْ شَاءَ [التوبة:28] ] فيه لطيفة من اللطائف؛ لأن الطماعين مثلي إذا حصلوا على وعد كهذا يرمي المسحاة وغيرها وينام؛ لأنه وعدني ربي أنه يغنينا، فلا نسقي زرعاً، ولا نجلب تجارة، ولا نعمل، ولذلك قال: [ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:28] ] أي: عليم بخلقه، حكيم بتدبيره، فلا تعولوا على الوعد هذا، وتقولوا: وعدنا الله بأن يغنينا، فمن الآن لا نتجر ولا نسقي ولا نعمل، وننام فقط، فقد وعد الله، فنصاب بالكسل والخمول والتسكع في الظلال، ونموت من الجوع. فاعرفوا هذ. وسبحان الله عز وجل! ما إن قال: فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [التوبة:28] حتى قال: إِنْ شَاءَ [التوبة:28]. وذلك لأنه عليم حكيم، فالذي لا يستحق الغنى لا يغنيه. وهذا كلام عجب! ولا إله إلا الله. وقد بلغكم إن أخواننا من الجن قالوا عن القرآن: إنه عجب، ونحن ما قلنا هذا، قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:1-2]. فرضي الله عنهم وأرضاهم. وهؤلاء جماعة من مؤمني الجن وفدوا من بلاد العراق، بعد أن بلغهم الخبر، فأدركوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح في بطن نخلة بين الطائف ومكة، ورجعوا يحملون الهدى. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:30-31]. وفي صباح واحد أصبحوا علماء دعاة، ولا إله إلا الله! ثم بدأت الوفود تفد.

    قال: [ هذا استثناء منه سبحانه وتعالى؛ حتى تبقى قلوب المؤمنين متعلقة به سبحانه وتعالى، راجية خائفة غير مطمئنة ] ولو لم يقل: إِنْ شَاءَ [التوبة:28] لانتهى كل واحد عن العمل، كما قلت لكم، لكنه قال: إِنْ شَاءَ [التوبة:28] لتبقى القلوب راجية طامعة خائفة، فيبقى الذكر والدعاء والاستغاثة والعمل. فاطلبوا الغنى منه ليلاً نهاراً

    وقد حدث أيام الاشتراكية الزائفة في بلاد ما من بلادنا العربية أن أمم الحاكم الدكاكين والبضائع، وقال لهم: لا تخافوا، فكلكم ستشتغلون بأجرة يومية أو شهرية، وحصل من الفساد في تلك الأسواق والبضائع ما جُن به جنونهم، وغيروا النظام، فما دمت أنا آخذ راتباً فسأجلس عند الباب، ومن جاء بعت له، وأما أن أرغب وأنظف وغير ذلك فكل واحد يتكل على الآخر، فساءت أحوالهم وضاعت بصورة عجيبة بوعد الحاكم، فقد أمم التجارة والبضائع، وهم يشتغلون عمالاً فقط، فلم يبق من يحرس ولا من يكرب ولا من يتأمل ولا من يخاف أبداً، وفي سنة أو سنتين هبطوا، فتركوا النظام.

    قال: [ وكونه تعالى عليماً حكيماً يرشح المعنى المذكور ] الذي ذكرته لكم [ ويرجحه؛ لأن ذا العلم والحكمة لا يضع شيئاً إلا هو موضعه، فلابد إذاً لمن أراد رحمة الله وفضله تعالى: أن يجتهد في أن يكون أهلاً لذلك بالإيمان والطاعة الكاملة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم ] هذا الأمر الأول الذي حمله قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:28].

    الأمر بقتال الكافرين بالله عز وجل حتى يسلموا أو يعطوا الجزية

    قال: [ و] الأمر [ الثاني: أي: الأمر الثاني الذي تضمنه النداء هو ما تحمله الآية الثانية، وهو قوله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] ] وهيا بنا ندرس هذه، وهذه من حقها أن تدرس في كليات السياسة، وليس في المسجد النبوي، ولا ينفع دراستها هناك؛ لأن القلوب ليست متهيئة للعمل بها، ولكنها هنا أنتجت وأثمرت، وخرجت هداة البشرية ودعاتها [ إنه لما أمر تعالى المؤمنين بمنع المشركين من دخول المسجد الحرام، وهذا يقتضي قتالهم حتى يسلموا ] وقد أراد الله عز وجل أن لا يقبض رسوله صلى الله عليه وسلم حتى لا يبقَ شرك في هذه الجزيرة التي هي قبة الإسلام وبيضته، وفي السنة التاسعة كانت الوفود لا حد لها من أنحاء الجزيرة، ونزل هذا الإعلان الحربي: بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التوبة:1]. والمعاهدة عدم إعلان حرب إلا إذا نقضوها. فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ [التوبة:2]. فأعطاهم فرصة ومهلة أربعة أشهر أن يدخلوا في الإسلام، أو يلتحقوا بالعراق أو بالشام، ولا يبقى أحد بعد الأربعة الأشهر. وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [التوبة:2]، أي: مذلهم، ثم زاد: وَأَذَانٌ [التوبة:3] بمعنى: إعلام مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [التوبة:3]. فالرسول صلى الله عليه وسلم قريباً سيموت، إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا [التوبة:3-4]، أي: من بنود المعاهدة. إلى أن قال: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة:5]. وهذا محل الشاهد، فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ [التوبة:5]. وهي أربعة أشهر فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة:5]. والله عز وجل ما قبض رسوله هنا ولا توفاه حتى طهر الجزيرة أو شبه الجزيرة من الشرك والمشركين؛ لأنها قبة الإسلام وحوزته، وأعلن الرسول قبل وفاته بأيام: ( لا يجتمع دينان في الجزيرة ). ولهذا لما جادلنا المسيو طرطار الفرنسي، وقال: أنتم لا تسمحون لإخواننا بإقامة قداس في جدة أو في الرياض أو في كذا، ونحن نسمح لكم ببناء المساجد، ففرنسا فيها ألف مسجد، فقلت له: يا مسيو! المملكة قبة الإسلام وبيضته كالمسجد، ولا يمكن أن نقيم كنيسة في مسجد، ولا أن نجعل مسجداً في كنيسة. هذا هو شأن المملكة، فلا يحل وجود دينين فيها أبداً، فاحتج بأن نصارى نجران صلوا في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقلنا: نعم، جاءوا وافدين ليعرض عليهم الإسلام، وبعد ذلك منع الرسول صلى الله عليه وسلم، فهم جاءوا في السنة السادسة أو الرابعة، ثم أعلن نهائياً: ( لا يجتمع دينان في الجزيرة ). فسكت، والشاهد عندنا الآن: أنه قال: قاتلوهم حتى يسلموا، ويدخلوا في الإسلام.

    قال: [ أمر المؤمنين أيضاً أن يقاتلوا أهل الكتاب حتى يسلموا، أو يدخلوا في ذمة المسلمين ويعطوا الجزية ] بعد أن أمرنا بقتال المشركين وتطهير الجزيرة من وجودهم وأصنامهم وآلهتهم وكل باطلهم؛ حتى تبقى الجزيرة بيضة للإسلام وقبة طاهرة، ثم أمرنا أن نقاتل أهل الكتاب [ فقال تعالى لهم: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [التوبة:29] إلخ ] وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [التوبة:29] ألا [ وهم اليهود والنصارى، ولم يرضَ الله تعالى إيمانهم الفاسد؛ إذ اليهود مشبهة مجسمة، يصفون الله تعالى بصفات ينزه عنها الله تبارك وتعالى.

    والنصارى يقولون ويعتقدون: إن الله ثالث ثلاثة، فهو كفر وليس والله بإيمان؛ فلهذا أبطل الله إيمانهم فقال: لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:29]. إذ لو آمنوا بالله واليوم الآخر لعملوا على دخول الجنة والنجاة من النار بالإيمان الصحيح والعمل الصالح الذي شرعه الله في دينه الحق الإسلام ] فلما لم يعملوا دلّ ذلك على عدم إيمانهم، ووالله لو آمنوا بالله وباليوم الآخر حقاً لسبقونا إلى المساجد والزكاة والصلاة، وهم الآن حتى لو دعوا دعوة لا قيمة لها، فعلام الغيوب العليم بذات الصدور نفى عنهم الإيمان به، فهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر وإن تبجحوا وقالوا [ فلذا هم كافرون بالله واليوم الآخر. وقوله تعالى: وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [التوبة:29] إذ اليهود يدينون ببدعة اليهودية، والنصارى ببدعة النصرانية، والدين الحق الذي لا يقبل ] الله [ ديناً غيره الذي هو الإسلام كفروا به وحاربوه، فهم إذاً يدينون بدين باطل، لا ينجي من النار، ولا يدخل الجنة دار الأبرار ] وهو كذلك، فقد قال: وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [التوبة:29]. والدين الحق هو الإسلام، وليس بدعة اليهودية والنصرانية، فاليهودية بدعة وليست ديناً، كبدعة القادرية عندنا والرحمانية والماتريدية، فهذه ليست ديناً، والنصرانية بدعة، وما كان عيسى يقول: النصرانية ملتنا، ولا موسى يقول: اليهودية ملتنا.

    قال: [ وقوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، هذه غاية قتالهم، فهم يقاتلون حتى يخضعوا للمسلمين ويعطوا الجزية، وبذلك يدخلون في ذمة المسلمين، ويؤمَّنون في أبدانهم وأموالهم وأعراضهم وأديانهم، مع شروط تُكتب عليهم، جاء تفصيلها في كتاب عمر رضي الله عنه، ذكره ابن كثير عند تفسير هذه الآية ].

    معنى قوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)

    قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ [التوبة:29] هذا اللفظ يحمل معنيين ضروريين: الأول: ( عن يد) يعني: عن ساعة وغنى؛ إذ الفقير لا تؤخذ منه الجزية، وكذلك لا تؤخذ من رجل كبير، ولا من امرأة، ولا من طفل، وإنما تؤخذ على الشبان الكبار الأغنياء، والمعنى الثاني في قوله: ( عن يد) لا يدفعها بالبريد أو يعطيها لشخص يبلغها، بل يأتي هو على جلالته ويعطيها؛ ليعرف الذلة والمهانة في ذلك.

    والآن أعطيكم لطيفة خذوها: ليلة الخميس تعشينا عند أحد الإخوان في الرياض يقال له: حذيفة ، وهو أمريكي أسلم، وسألناه أن يحدثنا عن إسلامه في جلسة عامة، فقال: كنت في باخرة مع ربانها، وأنا أسود، وعلى جانبي واحد أبيض وعلى جانبي الآخر أبيض، فجاء الربان الأبيض فصافح الأبيض أولاً، وتجاوزني أنا وصافح الأبيض الثاني، فوقع في نفسي أن أدخل في الإسلام.

    ثم فهمت فهماً - ولو اشتريته بعشرين ألف ريال لكان رخيصاً- فقد شُرح لي السبب في أننا نضطر أهل الكتاب من أهل الذمة اليهود والمسيحيين في ديارنا تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله إذا مشينا في الطريق ونلجئهم إلى أضيق الطريق، وقد عشنا سبعين سنة ولم نفهم هذا، ثم فهمناه، فلما فتح الله علينا أحببنا أن نعلمكم، ففهمت أننا إذا ألجأناهم إلى المضايقة يقولون: إلى متى ونحن في هذا الذل، ومن أجل ماذا؟ فهيا ندخل في الإسلام، فيقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويرفعون هذا الذل كله؛ لأن النفس البشرية لا ترضى الإهانة. فلما يضايقون ويأتون بالجزية ويقدمونها هم ويمدونها هكذا بأيدهم، فهذه تثير في أنفسهم عواطف، ولا يرضون أن يبقوا في هذا الهم، فيسلمون، ولهذا أسلم نصارى أفريقيا ومصر والشام والعراق، فقد كانوا نصارى، وهم لم يسلموا بالحديد والنار، ووالله لم يسلم واحد منهم كذلك، ولم يلزمنا الإسلام أو يأمرنا أن نقول للكافر: آمن أو نقتلك، فهذا والله ما كان أبداً، فالملايين الذين دخلوا في الإسلام لم يدخلوه بالقوة والحديد والنار، وإنما دخلوه بهذه التعاليم الإلهية، فهم أولاً: شاهدوا الأنوار تتلألأ في ديارهم، ثم شاهدوا الرحمة والعدالة والطهر والوفاء والصدق الذي لم يكونوا يحلمون به، فقالوا: هذا الدين أولى بنا من غيرنا، ومن تململوا أو تعصبوا أو تمسكوا فبقوا زمناً بعد زمن يشاهدون أنفسهم في الهون أو الدون أو المذلة، ثم دخلوا في الإسلام دين الله كإخوانهم. فافهموا هذا. وقد فرحت أنا بها والحمد لله.

    من المعاني التي دل عليها هذا النداء

    قال: [ وأخيراً إليك أيها القارئ! بيان بعض ما دلت عليه الآيتان فتأمله وعه وافهمه:

    أولاً: نجاسة المشركين، إنها معنوية، وهي شركهم بالله عز وجل، وإن كانوا لا يغتسلون من الجنابة، ولا يبتعدون من النجاسات ] فالمقصود: أنهم نجس في عقائدهم وقلوبهم، وأرواحهم خبيثة، وليس كالبول أو البراز الذي فيهم، فقد يغسل وينظف، فهذه نجاسة حسية، وأما هم فنجاستهم معنوية كنجاسة الخمر [ بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( المؤمن لا ينجس ). فمهومه ] ومعناه: [ أن الكافر نجس، أي: بكفره وشركه ] وليس معنى كلام الرسول: ( المؤمن لا ينجس ): أنه لا يكون فيه بول ولا خراء ولا نجاسة، وإنما يعني: أنه لا يكون نجساً، والكافر نجاسته هي شركه وكفره والعياذ بالله، والمؤمن الصادق الموحد لا ينجس [ لذا لو صافحت كتابياً لا تغتسل يدك كما يرى بعض الظاهرية، ولا ينقض وضوءك مصافحته ] أبداً.

    [ ثانياً: يجوز أن يدخل الكافر مساجد المسلمين، ما عدا المسجد الحرام والمسجد النبوي، ولكن بإذن المؤمنين ] لا أن يدخلوا المساجد بقوة قاهرين، ولكن إذا سمحنا لهم بالدخول، ما عدا الحرمين الشريفين، فلا نأذن لهم أبداً، ولا نعطيهم إذن، وأما باقي المساجد في العالم الإسلامي فيجوز أن يدخلها اليهودي أو النصراني، ولكن ليس قاهراً، وإنما بإذن من أهل البيت أو البلد، فإن إذن له دخل وشاهد.

    [ ثالثاً: وجوب قتال أهل الكتاب حتى يدخلوا في الإسلام ليكملوا ويسعدوا، أو يدخلوا في ذمة المسلمين، فيحكمهم المسلمون بالعدل والحق ] فيهتدون إلى الإسلام، ولا تمشي الآن إلى نصراني تقتله، وتقول: ادخل في الإسلام أو قتلناك، بل هذا لما تكون أمة الإسلام أمة واحدة، ورايتها واحدة، وإمامها واحد، فحينئذ يحملون راية الجهاد من أجل إنقاذ البشرية من هوة الفساد والشر، ومن أجل إنجائها من عذاب الخلد يوم القيامة، لا من أجل الاستعمار والاستغلال وتوسعة الرقعة، كما يفعل النصارى واليهود، بل من أجل هداية الخلق وإنقاذ البشرية، والطريق كما علمتم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ [التوبة:123]. فنأخذ ما يسمى الحلقة، ثم نوسعها حتى تصل إلى أطرف الحلقة أو البحيرة، فكذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ [التوبة:123]. الذين يلوننا الشام، فإن غزونا الشام فالذين يلوننا الأحباش، فإن غزونا الأحباش فالذين يلوننا العراق، ولا نزال نوسع حتى ينتظم الإسلام العالم، لا لأجل الدنيا، ولا الفخر ولا المباهاة، ولا غير ذلك، وإنما فقط من أجل إنقاذ البشرية، حتى تعبد ربها العبادة التي تزكيها وتطهرها، ولما قام أسلافنا بهذا الواجب وصلوا ما وراء نهر الهند أو السند وإلى الأندلس، ولما احتال علينا المشركون واليهود والنصارى وكبلونا وقيدونا وقفنا، ولعلنا في يوم من الأيام نتحرك يوم أن نسمع أنهم بايعوا في الروضة إمام المسلمين، ووضعوا مفاتيح البلاد بيده، فإن لم يستطيعوا فليبقوا هكذا مهانين.

    [ رابعاً: وجوب أخذ الجزية، وهي قدر معلوم من المال سنوياً على الرجال القادرين على الكسب والعمل، ولا تؤخذ من العجزة والشيوخ والأطفال والنساء ] إذ المقصود هو إذلال الرجال المقاتلين حتى يدخلوا في الإسلام، وإلا فهو ربع دينار في العام.

    [ خامساً: قوله تعالى: عَنْ يَدٍ [التوبة:29] له معنيان: الأول: أن يؤديها القادر دون العاجز، فمعنى عَنْ يَدٍ [التوبة:29]: عن قدرة. والمعنى الثاني: أن يؤديها صاحبها بنفسه، ولا يصح أن ينيب ] وينتدب [ عنه غيره، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، أي: ذليلون منقادون لحكم الإسلام.

    سادساً: لا يمنع المؤمن خوف الفقر أن يمتثل أمر ربه؛ إذ وعد الله تعالى من أطاعه فيما حرم عليه أو أوجب عليه أن يغنيه إذ هو امتثل أمره، وقد أطاعه المؤمنون في منع المشركين من الحج، فأغناهم بما فتح عليهم من الفتوحات، وما أفاض عليهم من أموال الجزية التي لا تعد ] ولا تحصى [ ألا فلنتمثل أمر الله، ولنترك الربا وبيع المحرمات. والله يغنينا من فضله، وهو الغني الحميد. والحمد لله رب العالمين ] وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمين.