إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 52للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المسلم الناصح يحب الخير لكل الناس، ويرغب لكل ضال ومنحرف بالهداية والصلاح، ولكن الهداية إنما هي بيد الله وحده، فمن اهتدى فهو من أولياء الله وحزبه، ومن ضل وكفر فهو من أولياء الشيطان وحزبه، وقد شرع الله لعباده المؤمنين تولي كل مؤمن وإن لم يربطه بهم رباط من قرابة أو دم، وأمرهم بنبذ كل كافر ولو كان أباً أو أخاً أو ابناً أو زوجاً.

    1.   

    حرمة اتخاذ الأقارب أولياء إن هم استحبوا الكفر على الإيمان

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا والحمد لله ربنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارضَ عنا كما رضيت عنهم. آمين.

    وهذا هو [ النداء الخمسون ] فهذا النداء يكمل خمسين نداءً، وقد نادانا الرحمن وسمعنا النداء، فأجبنا والحمد لله ربنا، وهذا فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:21]. هذا النداء الخمسون [ في حرمة ] ومنع [ اتخاذ الأقارب ] كالآباء والأمهات والأبناء والبنات والإخوان والأخوات [ أولياء ] أي: بحبهم ونصرتهم، وذلك [ إن هم استحبوا الكفر على الإيمان ] وأصبحوا يحبون الكفر والكافرين، ويبغضون الإيمان والمؤمنين، فيحرم على المؤمنين موالاتهم بحب أو بنصرة.

    وهذا النداء الكريم هو في [ الآية (23) من سورة التوبة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23] ] وقد عرفتم أن الظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه، فالله عز وجل يحب المؤمنين، فالذي يحب الكافرين وضع الحب في غير موضعه، والله يبغض الكافرين ويحب المؤمنين، فالذي يضع الحب في الكافرين والبغض في المؤمنين فهو ظالم، بل هو من أعظم الظالمين. وهيا نتغنى بهذا النداء؛ رجاء أن نحفظه، أو يحفظه منا من فتح الله عليه قبل شرحه وبيان ما فيه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23].

    تحذير الله للمؤمنين من اتخاذ أقاربهم الكفار أولياء

    [ الشرح ] شرح الله صدورنا وصدوركم للإيمان، وحب الله وأوليائه: [ اعلم أيها القارئ الكريم! ] لهذه النداءات، لأنه يحسن القراءة [ والمستمع المستفيد! ] الذي لا يحسن أن يقرأ، وإنما يقول لأخيه: اسمعني نداءات ربي، ويسمع، فهذا هو المستمع [ ولنعلم جميعاً ] القارئ والمستمع ونحن أجمعون [ أن هذا النداء الإلهي ] الخمسين [ يحمل إنذاراً شديداً ] والله لا ينادي أولياءه إلا ليأمرهم بما يكملهم ويسعدهم، أو ينهاهم عما يشقيهم أو يخسرهم، أو ليبشرهم بما يزيد في طاقات إيمانهم وصالح أعمالهم، أو لينذرهم مما يسبب شقاءهم وهلاكهم. وهذا النداء يحمل إنذاراً شديداً والله. وهو يحمل هذا الإنذار [ للمؤمنين به تعالى رباً وإلهاً، وبدينه الإسلام ديناً، لا يقبل الله ديناً سواه، وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ] وهؤلاء هم المؤمنون الصادقون، فهم الذين ناداهم الرحمن، فقد ناداهم لـ [ ينهاهم في هذا النداء الإنذاري عن اتخاذ من كفر من آبائهم وأمهاتهم أيضاً، وإخوانهم وأخواتهم أيضاً، ومن باب أولى من كان دون ذلك من عامة الأقارب ذكوراً وإناثاً ] وإذا نهانا عن الآباء والأمهات فمن باب أولى الأبناء والبنات، ومن باب أولى الأخوة والأخوات وغيرهم [ ينهاهم عن أن يتخذوهم أولياء ] والعوام يتخذون الأولياء يعبدونهم، ويحلفون بهم، ويوقدون الشموع على قبورهم، وليس هذا هو المقصود بالولاء هنا، وإنما المقصود [ يحبونهم ويناصرونهم ] وهذا هو الولاء الحق، فهو الحب والنصرة. والمؤمن الحق هو الذي يحب المؤمنين بحق وينصرهم، ويبغض الكافرين بحق ويخذلهم ولا ينصرهم؛ لأن المؤمنين أولياء ربي، والكافرين أعداء ربي، فلا تنصر أعداء ربي على أوليائه، فهذا لا يعقل، بل نتمزق ونحترق ولا ننصر أعداء الله على أوليائه. فتأملوا هذا يفتح الله عليكم.

    قال: [ ويدفعون عنهم ويطلعونهم على أسرار المؤمنين وبواطن أمورهم، وفي الحرب والسلم سواء ] وتصوروا أنتم المجتمع الذي نزل فيه هذه الآيات، فقد كان هناك بقايا من المؤمنين في مكة آثروا تجارتهم على الهجرة إلى مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وآثروا أقرباءهم من آباء وأمهات، ولم يستطيعوا أن يتركوهم، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، ووقفوا في صفوف الكافرين الذين يقاتلون رسول الله والمؤمنين، وما إن نزلت هذه الآية لم يبقَ مؤمن يستطيع البقاء في مكة أبداً، بل خرجوا يتسللون في الظلام؛ حتى لا يقعوا فيما نهت عنه هذه الآية [ إذ قال لهم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التوبة:23] ] أي: [ بالله ورسوله ولقائه ووعده ووعيده! ].

    الشر ضد فطرة الإنسان

    قال تعالى: [ لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ [التوبة:23] ] ما داموا قد استحبوا الكفر، ولم يقل: ( إن هم أحبوا الكفر على الإيمان) وإنما قال: اسْتَحَبُّوا [التوبة:23]. وقد مضى مثل هذا، وإنما أذكركم. واسمع قول الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]. ومعنى هذا: هو أن الخير يأتيه الآدمي بفطرته، ويرغب فيه ويميل إليه ولا يتكلف، وأما الشر فإنه ضد الفطرة، فلا يأتيه إلا بتكلف حتى يكتسبه. وقد ضربت لكم المثل لذلك، فالآن في استطاعة أي أحد أن يقوم ويمدح أي أحد من الحاضرين بسهولة، ولكنه والله لا يستطيع أن يقوم ويلعن أحداً أو أن يسبه، ولو استطاع فإنه يكون بتكلف؛ لأنه ليس بالفطرة الطبيعة، فقد طبعنا الله على حب الخير والرغبة فيه، إلا أن تنتكس الفطرة وتتغير الطبيعية بعوامل الشر والفساد، فيصبح الإنسان يأتي الفساد بدون تكلف، وإلا لما قدر الإنسان على أن يفعل الشر إلا وهو يكاد أن ينسلخ من فطرته، بخلاف الخير فإنه يأتيه وهو منبسط الوجه. فاعرفوا هذا.

    وقوله تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ [البقرة:286]، أي: من الخير. وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، أي: من الشر. وهنا قوله: اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ [التوبة:23]. فالكفر لا يستحبه الإنسان، ولا توجد عوامل الحب في الكفر والعياذ بالله. إذاً: فلا يحب ولا يصبح محباً للكفر إلا بالتكلف؛ فلهذا لم يقل: ( أحبوا الكفر)، وإنما قال: اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ [التوبة:23] [ أي: آثروا الكفر والإصرار عليه على الإيمان بالله ورسوله ].

    من تولى أقاربه الكافرين فهو ظالم لنفسه وللمؤمنين

    قال: [ ثم يهددهم عز وجل إن لم يتمثلوا أمره، فلم يفاصلوا آباءهم وإخوانهم المستحبين للكفر على الإيمان، والشرك على التوحيد ] بدليل أنهم أبوا أن يسلموا ويدخلوا في رحمة الله، وأصروا على الشرك وعبادة غير الله [ و] على [ الخبث ] في الأكل والشرب وفي كل شيء [ على الطهر، والفوضى على النظام، والظلم على العدل؛ إذ الكفر يكمن فيه كل ما ذكر ويزيد؛ ولذا قيل: ما بعد الكفر ذنب ] والكافر يأتي كل ذنب، وتحليل ذلك: لظلمة نفسه، وخبث روحه، فقد أصبحت كأرواح الشياطين، فهو لا يتقزز أبداً ولا ينقبض من فعل باطل، ولذلك فهو مرة ثانية [ يهددهم ] عز وجل إن لم يتمثلوا أمره، فلم يفاصلوا آباؤهم وإخوانهم، والمفاصلة معروفة، وهي أن يقولوا لهم: لا تكلمونا ولا نكلمكم، ولا نراكم بعد اليوم ولا ترونا في بيوتكم؛ فأنتم كفار ونحن مؤمنون، فإن أردتمونا فآمنوا وادخلوا في رحمة الله. وبعد ذلك السيف على رقاب الظلمة، والجزاء معروف، فإن ظلموا حتى أصبحوا من الظالمين فجزاء الظالمين معلوم. ولذلك يهددهم عز وجل [ فيقول: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ [التوبة:23]، أي: أيها المؤمنون! فَأُوْلَئِكَ [التوبة:23] أي: المتولون، هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23]، أي: المتوغلون في الظلم، الضاربون فيه كأن لم يكن هناك ظالم إلا هم. والعياذ بالله تعالى ] وهذه أيضاً عرفتموها. فكلمة الظالمون .. الفاسقون .. المجرمون .. الكاذبون تعني: أن العبد يذنب ويتوغل في تلك الصفة حتى تصبح صفة له، فمثلاً: الكاذبون أي: يتوغلون في الكذب حتى يصبح الكذب وصفاً لازماً لهم، فنقول: فلان الكذاب، أو الفلانيون الكذابون، أي: أصبح هذا الوصف لهم. وكذلك الفاسق، أي: يفسق الرجل أو المرأة، ومعنى يفسق: يخرج عن الطاعة، أي: طاعة الله والرسول، فيخرج عن الطاعة في كذا وكذا، حتى يصبح فاسقاً. وهكذا في الظالم، فهو يظلم ويظلم حتى يصبح ظالماً. وأما من ظلم مرة فلا يقال فيه: الظالم، ومن فسق مرة لا يقال له: فاسق، ومن كذب مرة لا يقال له: كاذب. ولا يقال: الكاذب .. الفاسق .. الظالم .. المجرم إلا لمن توغل في هذا الشأن، حتى أصبح الكذب أو الظلم أو الفسق وصفاً لازم له لا ينفك عنه. وهذا في كتاب الله، وأنتم لا تشعرون به، فقد قال تعالى: هُمُ [التوبة:23]، أي: لا غيرهم الظَّالِمُونَ [التوبة:23] [ ووجه ظلمهم ] معروف، فهو ظاهر [ غير خفي، وهو أنهم وضعوا المحبة موضع البغضاء، والنصرة موضع الخذلان ] فوضعوا حباً وولاءً في غير موضعهما، فظلموا، فقد وضعوا الحب والولاء اللذين هما لله ولرسوله وللمؤمنين وضعوهما للكافرين، وليس هناك ظلم أعظم من هذا [ إذ حقيقة الظلم هي: وضع الشيء في غير موضعه. فالذي تجب محبته وموالاته هو الله المنعم بالخلق والرزق والتدبير للإنسان ولسائر الخلق، والذي بيده كل شيء، وهو قادر على كل شيء، هذا الذي يجب أن يُحب ويوالى، أما الذي لا يملك شيئاً وهو مملوك، ولا يعطي شيئاً وكيف وهو معطى فكيف يحب ويوالى ] مع أصنامهم وشركياتهم؟

    بيان من تجب محبته وموالاته من الناس

    قال: [ والذي تجب محبته وموالاته من الناس هو من آمن بالله وكفر بالطاغوت، وهو ] أي: الطاغوت [ ما عبد دون الله جل جلاله وعظم سلطانه من إنسان أو جان ] أو حيوان أو [ من كوكب أو شجر أو حجر ] أو غير ذلك. فكل هذه طواغيت، فالطاغوت مأخوذ من طغى، إذا ارتفع، فالعبد كان عبداً، ثم رفعوه إلى مقام الإلوهية وعبدوه، فأصبح إذاً طاغوتاً. وكذلك الإنسان الضعيف إذا قبلوا رجله ورأسه وأخذوا يحلفون به ويدعونه ويستغيثون به وهو ساكت، فو هنا لم يصبح عبداً صغيراً، وإنما أصبح طاغوتاً، ولهذا من رضي أن يعبد فهو طاغوت، وكل ما عبد من دون الله فهو طاغوت؛ إذ رفعوه إلى مستوى الإلوهية والربوبية، مع أنه كان عبداً من العبيد.

    قال: [ وأحب الله تعالى ووالاه، وأحب ما يحب الله، ووالى من أحب الله وولاه من صالحي عباده المؤمنين به وبلقائه، المطيعين له ولرسوله. أما من استحب الكفر على الإيمان والشرك على التوحيد والكافرين على المؤمنين فكيف تجوز موالاته ومناصرته؟ اللهم إن هذا ظلم فاضح، وصاحبه ظالم لا أظلم منه ].

    عاقبة من آثر حب أقاربه على حب الله ورسوله

    قال: [ وختم تعالى إنذاره ] في هذا النداء [ بهذا التهديد العظيم الذي لا يطاق، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم ] في سياق الآيات [ قل لهم ] يا رسولنا!: [ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [التوبة:24] ] وقد ذكرت في أول الكلام: أن هذا نزل في الذين آثروا البقاء في مكة، فقد كان هذا يتعلل بأن أمه كبيرة، وهذا بأن أباه غائب، وهذا أولاده كذا، وهذا تجارته ستتوقف، وهذا كذا، وقد كان مفروضاً عليهم الهجرة، والالتحاق بدار الإيمان؛ من أجل نصرة الله والمؤمنين. فلما تململوا وتأخروا، ولم يجدوا أو ينشطوا أمر رسوله أن يبلغهم: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]. وهذه تخلخل وتزعزع القلوب، فلم يستطع أحد أن يبقى بعد هذا. وهذا كذلك إذا نادى إمام المؤمنين أن هلم إلينا، فمن قال: الفلة أنا ما سكنتها بعد، فلن أتركها وأمشي، أو قال: الآن أنا بدأت تجارة، فلن أتركها، يصدق عليه مثل هذا: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ [التوبة:24] حتى الزوجة إذا لم تتركها وبقيت تعيش معها ولم تخرج من البلاد، وَعَشِيرَتُكُمْ [التوبة:24]، أي: جماعتكم، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ [التوبة:24] إذاً: فَتَرَبَّصُوا [التوبة:24]. وانتظروا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]. ونحن إخواننا لا يصلون حتى الصلاة، ولا يأتون حتى المساجد، فهم مشغولون باللهو والباطل. وعلى كل حال: يدخل الله في رحمته من يشاء.

    وإقامة مجتمع قرآني إسلامي سهل، فليس هناك من يضغط علينا حتى نكفر، ولا حتى نفجر، ولا حتى نفسق، ولا حتى نكذب ونفعل المعاصي، وهذا في العالم الإسلامي بكامله. ونحن هكذا نقبل على الشيطان ودعواته، ونعرض عن الرحمن ونداءاته. وهذا موت. ويعذر المؤمنون إذا اضطهدوا أو إذا عذبوا أو إذا نكل بهم وذبح أطفالهم بين أيديهم؛ لأنهم قالوا: لا إله إلا الله. والحكومات اليوم - كيفما كان شأنهن- لا يلزمن إنساناً أبداً بأن يكفر بالله ورسوله، أو بأن يترك عبادة من عبادات الله، ولا يلزمنه ولا يقهرنه على أن يعصي الله ورسوله، وإنما نحن من أنفسنا نشرب الحشيشة، ونفعل الزنا والفجور، والخيانة والكذب والربا، ونترك الصلاة، ونأتي الغيبة والنميمة، وكأنا ما شممنا رائحة الإسلام. وأنا لم أبالغ فيما أقول. ولو كان هذا النداء موجهاً إلينا بهذا التهديد العظيم الذي لا يطاق فكيف سيكون حالنا؟ فقد قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ [التوبة:24]، أي: قل لهم: إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24] [ أي: إلى التوبة والإنابة إليه، والرجوع إلى محبته وموالاته؛ إذ هم توغلوا في الفسق يالكفر والظلم والشر والفساد؛ إذ سنة الله سبحانه وتعالى: أن من أدمن على شيء قل ما يتركه ويتخلى عنه ] وهذه معاشر المستمعين! خذوها واحفظوها؛ فهذه سنة من سنن الله، فارتفعوا بها إلى مستوى العالِمين، فإن لله سنناً لا تتخلف، فالذي يقبل على طريق في الفساد يوماً بعد يوم يأتي يوم لا يقبل الرجوع، وقد عرفتم من ابتلوا بالتدخين، فقد سمعوا النداء، فقد ناداهم الله، وناداهم الأولياء والمؤمنون: أن هذا حرام، ولكنهم لم يستطيعوا تركه؛ لأنهم دخنوا عشرين سنة، وظلوا يدخنون ليل نهار، وكذلك الذين ألفوا مجالس الباطل والفكاهة والكذب والقول الباطل، وتوغلوا فيه عشرين سنة، لم يستطيعوا الانتقال من ذلك المجلس الباطل إلى مجلس حق وهدى. ويقول علماء النفس - ونحن أعلم منهم-: لما ترى الشرطي قد وضع الحديد في يد السارق وهو يقوده إلى السجن، فإن السارق في ذاك الوقت وأنت خائف عليه يفكر كيف يسرق إذا انطلق. هذا الذي يفكر فيه، وأنت تقول: لقد رأيته أخذوه إلى السجن، وهو سارق، والآن سيعذب وتقطع يده، هو يفكر كيف يسرق؛ لتوغله في السرقة؛ فلهذا من حكمة الله وإحسانه ولطفه شرع التوبة وفرضها على أن تكون فورية، ولا تؤخر حتى يعاود الذنب مرة أو مرتين أو ثلاثاً [ وكلمة الفاسقين دالة على التوغل في الفسق بالكفر والظلم والفجور] فهو ما قال: والله لا يهدي قوماً فاسقين، وإنما قال: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24]. وقد بلغنا: أنهم يجلسون أمام الفيديو والتلفاز، وخاصة ما يأتي من طريق الصحون الهوائية، ويجلسون هكذا إلى نصف الليل .. إلى آخر الليل، نساء وأطفالاً ورجالاً، فقد أدمنوا عليه، ولا يستطيعون تركه، ومن قال: إنهم يستطيعون فليريني واحداً منهم يأتي يقول: أنا كسرت هذا الدش وتبت إلى الله، وأنا الآن أسمع الهدى وأعمل به. بل سنة الله فيمن ألف فقط أن يشرب كاس شاي بعد العصر فإنه لا يستطيع أن يتخلى عنه، مع أنه شراب طيب، ومن اعتاد أن يتناول إفطاراً بعد صلاة الصبح لا يقوى على تأخيره، ويدلكم لذلك: أنه يكافح هذه العادة بالصيام، ويكون الصيام صعب عليه؛ لأنه فقط اعتاد أن يأكل في النهار، فلا يطيق أن يترك أكل النهار ويكتفي بالليل.

    ومعنى هذا: يا معاشر المستمعين والمستمعات! ألا نمشي في طريق الباطل بعد الخطوة الأولى والثانية، بل نرجع ونتوب إلى الله عز وجل، وإلا فسنصبح ممن توغلوا في تلك المعصية، ونعجز عن الرجوع والعودة إلى الحق.

    من المعاني التي يهدي إليها هذا النداء الكريم

    قال: [ هذا وإليك أيها القارئ! والمستمع! بعض ما يهدي إليه هذا النداء الكريم زيادة على ما علمت من شرحه وبيانه ] وهذا كالخلاصة.

    [ أولاً: اعلم أن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ [التوبة:23] إلخ ] وهو قوله: [ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [التوبة:23]. فهذه الآية في هذا النداء [ متضمنة حكم حرمة موالاة الكافرين، ولو كانوا من أقرب الأقارب ] كالأم والأب، فلو أن أباك تنصر .. أمك تهودت .. أبوك أشرك أو أمك فقد انقطعت الصلة، فلا موالاة، ولا حب ولا نصرة، وإن قلت: لا، فمعنى هذا: أنك خرجت عن نظام الله، وأنت في طريقك إلى الكفر بالله [ وهذا الحكم عام في أمة الإسلام إلى يوم القيامة، ولا التفات إلى سبب نزولها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ] فلا يجوز لمؤمن في أوروبا أو في أمريكا أو في اليابان دخل في الإسلام وبقي أبوه كافراً أو أمه كافرة موالاة هذا الكافر، بل يجب أن يتبرأ منه ويبغضه، ولا يحبه، وإن طلب نصرته لا ينصره أبداً؛ إذ العلاقة قد انقطعت، ولما كان معه في الكفر كان يؤيه وينصره ويحبه، وأما وقد أسلم وأحب الله ورسوله والمؤمنين وأبوه باقٍ على كره وبغض الله والرسول والمؤمنين فلا يحبه، ولا ينصره.

    [ ثانياً: أن من تولى المشركين صار مشركاً ] ومعنى يتولاهم أي: يحبهم بقلبه، وينصرهم إن احتاجوا إلى نصرته، فمن فعل هذا فقد أصبح مشركاً، وما دام قد أحب المشركين ونصرهم فهو والله مشرك؛ لأنه رضي بالشرك، وما أحب أباه المشرك إلا أنه رضي بالشرك، ومن رضي بالشرك فهو مشرك [ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: من تولاهم فهو مشرك مثلهم؛ لأن الرضا بالشرك شرك ] ولهذا اذكروا ما تقرر عندكم وأنتم به عالمون: أن من قال وشهد: أشهد أن لا إله إلا الله فقد دخل في الإسلام، ويجب عليه أولاً: أن يعبد الذي شهد أن لا معبود إلا هو، فإن لم يعبده فقوله: لا إله إلا الله متناقض ولا يقبل منه، فإذا قلت: أنا أشهد على علم أن لا معبود إلا الله ثم لم تعبده فليس لهذه الشهادة معنى، كالذي يقول: أنا أعترف بهذا البيت لـأبي جميل فإذا قيل له: اخرج منه، قال: لا، لا أستطيع، ولن أعطيه إياه. فهذا الاعتراف لا ينفع هذا. فالذي يقول: لا إله إلا الله يجب أن يعبد الله، فإن لم يعبده فقد ناقض كلامه: لا معبود إلا الله؛ لأنه لا يعبده، فهذا تناقض. ولو كان صادقاً وقال: لا إله إلا الله وسيدي فلان، أو لا إله إلا الله والعزى، فيكون حينئذٍ حسب شهادته، وأما أن يقول: لا معبود إلا الله ويعبد معه غيره فقد تناقض، وقوله مردود عليه. بل لا يرضى ولا يعترف بعبادة غير الله أبداً، فليشهد أن لا معبود في العالم إلا الله، وليعبده ولا تعبد معه غيره، ولا يرضى بعبادة غيره، فإن رضي عن فلان وهو يعبد صنماً أو حجراً فقد تناقض. وهذا هو التناقض. فلا بد من التخلية قبل التحلية.

    معاشر المستمعين والمستمعات! من قال: أشهد أن لا إله إلا الله فيجب لكي يقبل منه هذا: أن يعبد الله أولاً: وأن يعبده وحده ثانياً، وأن لا يعترف بعبادة غير الله ثالثاً، وإلا قوله: أشهد أن لا إله إلا الله كذب، ليس صادقاً فيه أبداً.

    قال: [ ويستثني من هذه المقاطعة ] التي علمنا: [ الإحسان والعطية للأقارب الكفرة ] فإذا كانت أمه مشركة لكن احتاجت إلى طعام .. إلى كساء فيكسوها ويطعمها، ولا يتركها تموت. وإذا كان أبوه كافراً واحتاج إلى ماء أو إلى كساء أو إلى إيواء فيحسن إليه، وليس معنى هذا: أنه أحبه أو نصره، وإنما صلة الرحم اقتضت صلته. ونحن نقول هذا حتى مع العدو الكافر الأحمر، فإذا جاع نطعمه عله أن يسلم ويعبد الله عز وجل، ولا نتركه يموت؛ وذلك [ لحديث أسماء ] في الصحيح [ إذ قالت: ( يا رسول الله! إن أمي قد قدمت عليّ راغبة، وهي مشركة، أفأصلها؟ قال: صلي أمك ) ] يا أسماء ! وأسماء هذه هي بنت الصديق ، وهي أخت عائشة من أبيها، وهي أم عبد الله، وأسماء هذه تزوجها الزبير بن العوام ، وقد كانت تحمل التمر من وراء أحد إلى هنا، وهي ذات النطاقين، ومعنى ذات النطاقين أي: حزامين، فقد شقت حزامها، فاحتزمت ببعضه، والبعض الآخر ربطت به الطعام الذي كان يحمله أبو بكر والرسول صلى الله عليه وسلم ساعة هجرتهم، فسميت بذات النطاقين، فـأسماء هذه وهي بالمدينة جاءت أمها من مكة في أيام الهدنة - هدنة الحديبية- فقد كانت عشر سنوات، وكان الناس يتنقلون فيها؛ لأنه ليس فيها قتال. فجاءت المدينة وقالت: أنا محتاجة وراغبة، فلم تستطع أسماء أن تفعل شيئاً وهي لا تعلم حكم ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله، قالت: ( يا رسول الله! إني أمي أتت راغبة - طامعة فيّ- وهي كافرة، أفأصلها - أي: بشيء من الطعام أو الثياب- قال: صلي أمك يا أسماء ! ). ولا تقطعيها، بل أعطيها. ( فأهدتها ثياباً، وأعطتها طعاماً ). وليس معنى هذا: أنها أحبتها وهي تبغض الله ورسوله والمؤمنين.

    وإياكم أن تفهموا أن الصلة هي الموالاة، فالموالاة هي: الحب والمناصرة. وهي لن تحب أمها أبداً وهي كافرة بالله مشركة، ولو تمزقت، ولن تقف إلى جنبها تنصرها ضد مؤمنة، فهذا مستحيل، وإنما وصلتها لكونها احتاجت إلى طعام وشراب، وقد قلت لكم: هذا نعطيه لأي كافر.

    وأخرى: وقد ذكرتها لكم: إنها ما أقدمت على إعطاء أمها وصلتها حتى استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد علمتم هذا، وهو: أنه لا يحل لمؤمن أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه، فلا تقل ولا تفعل ولا تعط ولا تمشِ حتى تعلم هل أذن الله لك في هذا أم لا؟ وتستأذن ربك فيه، أي: كتابه ورسوله وعلماء ملته وشريعته، وتسأل عن حكم هذا القول؟ ولو أخذ المسلمون بهذا والله لما دخن منهم عشرة في المائة، ولا فتح باب بنك، ولكنهم لا يسألون، بل يقدمون على الشيء ويعملون بما تمليه أنفسهم، أو بما يمليه عليهم إخوانهم بدون سؤال، فيقعون في الورطة، ولا يخرجون منها. وهذه الصديقة تقول: ( يا رسول الله! إن أمي قد قدمت عليّ راغبة أفأصلها بشيء؟ قال: صلي أمك ) . فأهدتها الدقيق.

    ثالثاً: [ إن حُب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من أوجب الواجبات، ومن لم يحب الله ورسوله فليس بمؤمن وإن ادعى الإيمان ] وهذه واحدة. فاعلموا أن حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من أوجب الواجبات، وهي كثيرة، ومن لم يحب الله ورسوله فليس بمؤمن، كالذي يبغض الله ورسوله ليس بمؤمن، وإن ادعى الإيمان، وقال: هو مؤمن [ ولنصغ ] بآذاننا [ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرر هذه الحقيقة ] ويثبتها [ ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) ] أي: ثلاث خصال وصفات من وجدن فيه وأصبحت هذه الصفات عنده فهو قد وجد حلاوة الإيمان، وذاق طعمها وتلذذ بها، ومن لم توجد عنده لم يذق حلاوة الإيمان. ثم يقول صلى الله عليه وسلم في بيان هذه الخصال الثلاث: الأولى: [ ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) ] أي: أحب إليه من نفسه .. من أمه .. من زوجته .. من ماله .. من ولده. فيكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن الأمثلة العامية على هذا: لو كان حبيبك أبو عبد العزيز وقد علمت أنه أحب هذا الإناء الذي بين يديك من الماء أو الشراب فإنك لا تشربه، بل تعطيه لحبيبك. فإذاً: إذا طلب منك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ونفسك تحبه أو أبوك أو أخوك فانظر بمن تبدأ؟ فإن أعطيته الرسول صلى الله عليه وسلم فأنت تحب الرسول، وإن آثرت نفسك أو امرأتك أو إخوانك فوالله إن دعوى الحب لا تنفع. فاعرفوا هذا. ولو ناداك مناد الله: أن حي على الصلاة وأنت في مجلس، ولا تريد أن تترك إخوانك وأحباءك؛ حتى لا تقلقهم وتزعجهم إذا قمت وتركتهم، فواصلت الضحك واللعب معهم حتى انتهى وقت الصلاة فأنت لم تحب الله؛ لأنك لم تعطه ما يحب وقد ناداك.

    قال: [ ( وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ). وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصبحه وسلم.