إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 39للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أحل الله عز وجل لعباده الطيبات من الرزق، والمراد بالطيبات كل ما كان غير مستقذر ولا مستخبث مما أحل الله لعباده المؤمنين لمصالح عامة وخاصة، فمن امتنع عن شيء مما أحل الله لعباده مدعياً أن ترك هذا الحلال أولى من تعاطيه فقد اعتدى وظلم، فإن الله عز وجل لا يحل إلا لحكمة يعلمها، ولا يحرم إلا لحكمة، وهو أعلم بما يصلح عباده جل وعلا.

    1.   

    حرمة تحريم ما أحل الله من الطيبات وحرمة الاعتداء في الدين

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا والحمد لله ربنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، جعلنا الله تعالى منهم، وحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    وهذا هو [ النداء السابع والثلاثون ] وهكذا مضى ثلث النداءات، وهكذا تنتهي الحياة، وهذا النداء [ في حرمة تحريم ما أحل الله من الطيبات، وحرمة الاعتداء في الدين ].

    بيان ما تضمنه هذا النداء

    مضمون هذا النداء شيئان: الأول: تحريم ما أحل الله من الطيبات، أي: لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يحرم ما أحل الله من الطيبات التي هي الأكل والشرب واللباس والنكاح والركوب وما إلى ذلك؛ إذ ليس من حق العبد أن يحرم، وإنما يحرم المالك، والعبد مملوك، فلا يحرم ما أحل سيده. وفي حرمة الاعتداء في الدين، والاعتداء مطلقاً حرام، ولكن كونه يعتدي في الدين ويتجاوز حده ويأخذ يشرع أو يقنن هذه جريمة لا حد لها؛ إذ معناها أنه يقول للرب: ابتعد، فأنا الذي أقنن وأشرع. وهذه الكلمة المحزنة ترددت في هذه الدروس قرابة أربعين سنة، وما بلغت أحداً، لا حاكماً ولا محكوماً، ولا نقلت لغيرهم، ولا إله إلا الله! فنحن نقول للذين يحكمون المسلمين بغير شرع ربهم: هؤلاء مسلمون، فسوسوهم بدينهم، واحكموهم بشرع ربهم، فإن نجحوا فلكم ولهم، وإن خابوا وخسروا فعليهم، ولستم بمسئولين. فيا سيادة الحاكم! لو كنت يهودياً أو نصرانياً وحكمت أمة من المسلمين فمن العقل والمنطق والذوق أن تحكمهم بشرعهم؛ لأن حكمهم بشرعهم معناه: حفظ أرواحهم وأموالهم وأعراضهم ودينهم، فسسهم بشرعهم، فإن نجحوا فلهم ذلك، وإن خابوا فأنت بريء غير مسئول؛ لأن هذا دينهم، وإن أصررت إلا أن تنفذ أحكامك التي أملاها الشيطان عليك وأعرضتم عن شرع الله فهناك حل بسيط: اخلق مليونين .. ثلاثة .. أربعين مليون نسمة - كما طمعت روسيا- من البلاستيك رجالاً ونساء، وانفخ فيهم الروح، واجلس على أريكة الحكم وطبق، فمن لامك اقتله، وقل: أنا خلقت هؤلاء، وأنا المسئول عن إسلامهم وهدايتهم، ولن يتدخل في هذا إلا أحمق ومجنون. وأما أن يخلق الله ويرزق وينزل شرعه وحكمه وتقول: أبعدوه، وتنفذ أنت شرعك وحكمك فهذا الموقف لا يرضى الله به. ومعنى هذا حقيقية أنك تقول: أبعد يا رب! ودع هؤلاء نحكمهم بما نريد. وهذا الكلام لا يقوله عاقل، ولكنه لسان الحال، لا المقال، ولكن معنى هذا في الواقع: أن نترك شريعة الله المنزلة من عند الله الحكيم الحميد، الذي يعلم الغيب والشهادة، ويعلم الحال والماضي والمستقبل، ونقبل نفايات أفكار أوروبيين ملاحدة أو زنادقة، ونطبقها في أمة الإسلام. وهذا ليس من العقل. ووالله لو يعي الحاكم بهذه القوانين ما أقول وله إيمان لأغمي عليه، ولما استمر يوماً واحداً، ولترك هذا الكرسي وهرب، ولكن هذا لم يبلغهم، ولا عرفوا ولا سمعوا أبداً، فهم لا يسمعون إلا تكفيرهم ولعنهم، فظلت الفتنة قائمة إلى أن يشاء الله، فافهموا هذا، فإن الله قال: وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]. وليس هناك اعتداء أعظم من أن تقول: رب! أنت لم تفهم هذا، ولم تعرفه، وأنا أعرف منك بهذا، فأنا الذي سأقنن وأشرع. وهذا أمر عظيم جداً. ولو أن عبداً في قلبه إيمان سمع هذا الكلام لأغمي عليه، ولما رضي أن يبقى على هذا الوضع دقيقة واحدة، ولكن ما بلغهم أحد، ولا عرفوا، ونحن لم نعلمهم، ولم نزرهم، فبقوا تائهين كما نحن تائهين، ومصيرنا معروف، من محنة إلى أخرى، ومن عذاب إلى عذاب.

    وهذا النداء احتوى على أمرين: الأول: حرمة تحريم ما أحل الله من الطيبات.

    والثاني: الاعتداء وتجاوز الحد. وهذا أيضاً ممنوع، فالزم حدك يا عبد الله! ولا تتعداه، لا في قول ولا عمل ولا غير ذلك. هذا نظام حياة المسلمين. فهيا بنا نتغنى بهذا النداء إن كنتم تتلذذون بكلام الله، ولا أخالكم إلا كذلك.

    [ الآيتان (87-88) من سورة المائدة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة:87-88] ].

    صفة من يطلب حب الله سبحانه وتعالى

    لو أن مؤمناً يطلب حب الله مثلكم وبحث عنه الليل والنهار وبلغه أن من قال كذا أو فعل كذا لا يحبه الله فوالله أنه لن يفعل ذلك أبداً، بل يرضى أن يموت أو يحرق ولا يفعل ذلك؛ لأنه يفوت عليه أعظم أمل يريد الحصول عليه، وهو أن يحبه الله. والمؤمنون الأولون كانوا إذا علموا أن الله لا يحب الأعمال الفلانية يرضون بالموت دون أن يتخلوا عن حب الله؛ لأن من أحبه الله أكرمه وأنعم عليه، ومن أبغضه الله مزقه وخسره أعظم تخسير. فلاحظوا هذا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]. فيا ولينا إذا اعتدينا! والله لا يحب المعتدين، فلا نعتدي في أكل ولا شرب ولا لباس، ولا غير ذلك أبداً، بل نلزم الحد المحدود لنا بلا اعتداء.

    وهذه الآية عجيبة، وهي تصلح لأن تكون دستور الحياة كلها، وهي واحدة من ستة آلاف ومائتين وأربعين آية، والمؤمنون محرومون من هذا من قرون، فالقرآن لا يقرأ إلا على الموتى فقط، فإذا سمعت في بيت القرآن فثم ميت، وإلى الآن ما أفقنا.

    الطريق إلى نجاة المسلمين وعزتهم

    كتاب المسجد وبيت المسلم لا يطبق الآن في المساجد والبيوت؛ لأنه آية أو حديث، قال الله وقال رسوله، ومعنى هذا: إنه التزكية للروح البشرية، والشيطان لا يرضى بتزكية النفوس، وهو الذي يحلف: وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:39]. فلهذا ذاك الكتاب وإن وجد في أيدي بعض المؤمنين لم يبلغنا أن أهل المسجد الفلاني اجتمعوا عليه بنسائهم وأطفالهم كل ليلة، يقرءون ليلة آية وليلة حديثاً، أو أن أهل القرية الفلانية الذين ليس عندهم شطحات المدن قد اجتمعوا على هذا الكتاب، ولا أهل البيت الفلاني، وكأنما وزع على القبور، وهذا مظهر من مظاهر هبوطنا، ما زلنا كذلك، مع العلم أن لا تزكية تصح ولا تثبت إلا من طريق الكتاب والحكمة، ومن لم يصدق نقول له: لا توجد مظاهر الطهر والصفاء في عالمك اليوم إلا على من أخذوا بهذا الكتاب وهذه السنة، وقد قال الله تعالى على لسان إبراهيم وإسماعيل: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ [البقرة:129]. وإبراهيم آتاه الله رشده وهو في صباه، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [الأنبياء:51]. وقد سأل الله تعالى مع إسماعيل أن يرزق إسماعيل ولداً، تكون منه أمة، واستجاب الله لهما، وكان النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم استجابة دعوة إبراهيم، ووالله لقد كان يجمعهم ويتلو عليهم آيات الله، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وقد تعلموا وفضلوا وشرفوا وكملوا وسادوا وأصبحوا أمثلة الكمال البشري، ولم تكتحل عين الوجود بمثلهم قط على عهد أي نبي أو رسول. وهم لم يصلوا إلى هذا بالفلسفة، ولا بعلم الاجتماع والسياسة والمنطق، ولا بالكونيات وعلم الحياة، ولا بالذرة والهيدروجين، فأهل الإيدروجين وغير ذلك هابطون إلى الحضيض، فلا شرف لهم ولا كرامة ولا مروءة ولا غير ذلك، وهم كالبهائم ينكحون ويأكلون ويشربون، وأولئك ما بلغوا هذا الكمال وأصبحوا يمثلون أطيب البشرية وأطهرها وأكملها في العدل والإخاء والمودة والشجاعة والرحمة وفي كل ما شئت إلا بما تعلموه بالكتاب والسنة فقط، واقرءوا قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2]. وما زلت أقول والأيام محدودة والساعات معدودة جربوا، فالتجربة أكبر برهان. فخذوا قرية من قرى العالم الإسلامي في أي بلد، واجمعوها على الكتاب والسنة، وعلى قال الله وقال رسوله في بيت ربها كل ليلة سنة واحدة، ثم أوتوا بالخبراء والعلماء والعارفين ينظرون، لن يجدوا أي مظهر من مظاهر الشر والفساد، وإن بقي شيء فهو من الشاذ الذي لا قيمة له، فلا سرقة ولا كذب ولا خيانة ولا غش ولا خداع ولا زور ولا باطل ولا سرف ولا ترف أبداً، بل ينمحي، ولا يظهر إلا الإخاء والحب والولاء، والصدق والوفاء والتضامن واللين، والنشاط والعزم، فإذا كانوا فلاحين يصبحون ينتجون أضعاف ما كانوا ينتجونه أمس، وإذا قلنا: جربوا ستقولون: لا نستطيع، وأنا أقول: اغلقوا المقاهي فقط، وأنتم تقولون: لا نقدر؛ لأننا مربوطون بحبال الشيطان، والشيطان أمره سهل، فالعنه، وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فإنه يهرب.

    معاشر المستمعين والمستمعات! هذا البكاء في صالحنا، ونحن نؤجر عليه كلنا، ولا تقولوا: لا ينفع، لأننا أمام أنوار إلهية، فهذه الأمة قد هبطت هذا الهبوط، مع أنها عندها هذا الكتاب وهذا النداء، وانتشر فيها السب والشتم والتكفير واللعن والحسد وغير ذلك، لا إله إلا الله! وانعدم الإخاء والمودة والولاء، والآن علماء يتلاعنون، ويلعن بعضهم بعضاً. آمنت بالله. ولا تقولوا: لعل الشيخ واهم. ونحن الآن نعالج أمراضنا، ونحن عندنا نور الله ننظر به، فلا نقول ما لا نعلم، ولنلزم ما ألزمنا الله به من العدل والحق والوقوف عندهما، وما مزق الجماعات والأمم والدول إلا القول بالباطل، وفي الحديث: ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيراً أو ليصمت ). ونحن لا نستطيع أن نقول الخير، ولا نستطيع أن نسكت، مع أننا لسنا مربوطين، ولا مشدودو الوثاق، ولو التزمنا فقط الصمت لما صارت هذه الفتن والعداوات بين المسلمين، بل كل من يقول كلمة يوقد نارها ويزيد في أوارها. فلا نعتد.

    والآن مع [ الشرح ] وهو موجز، ولكن أنوار القرآن تتلألأ في كل كلمة.

    قال: [ اعلم أيها القارئ الكريم! ] الذي يجب أن يكون هذا الكتاب عند رأسه، وقبل أن ينام - والآن أنوار الكهرباء موجودة، فلا نحتاج إلى فانوس- يسمع نداء واحداً من نداءات ربه إليه، ويفهم مراد الله، ويعده أن يفعل ما أمره به، أو يترك ما نهاه عنه؛ لأنه منادى، ومن قال: لا فليس بمؤمن، وهذا لا يصلح إلا للمؤمنين، وأما الكافر المكذب فلا، وتعالى الله أن ينادي أمثاله، فهو لا ينادي إلا أولياءه.

    وأنا ألفت النظر بقولي: أيها القارئ الكريم! لأني أدعو كل مؤمن ومؤمنة أن يقرأ هذه النداءات، وإذا كان لا يحسن القراءة فيقول لأخيه: يا عبد الله! من فضلك: اقرأ عليّ نداءً من هذه النداءات وأنا أسمع، وسواء تحت شجرة أو في الظل أو على مقاعد السيارة، وليس شرطاً في المسجد فقط، فيأتي العلم ويعلم المؤمنون والمؤمنات بدون عناء، ولا تعب ولا إنفاق أنفقوه، ولا تتصورون أن عبداً يسمع هذه النداءات ويحفظها ويفهم معناها يبقى جاهلاً، والله ما كان، وحتى لو كان لا يعرف الكاف من الدال، أو الذال من الراء، فيصبح عالماً كجل الصحابة، فقد كانوا لا يقرءون ولا يكتبون، ومع ذلك لم يكن في الأرض من هو أعلم منهم، وبذلك نقاوم الجهل والفسق والفجور والظلم والشر كله مقاومة حقيقية، ولكن لو يسمع الثالوث بنا فيا ويلنا! فسيضع ألف حجر في الطريق، ولكن الآن أظن ما بلغهم شيء، وإلا لتحفزوا من الآن.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم)

    اعلم أيها القارئ الكريم! [ أن لهاتين الآيتين سبباً في نزولهما ] فقد نزلتا بسبب [ فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه ] خادم النبي صلى الله عليه وسلم [ قال: ( جاء ثلاثة رهط ) ] أي: ثلاثة أنفار [ (إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم) ] وبيوت وأزواج النبي ليست في صنعاء ولا في نجد، وإنما هنا في المدينة، ولو كنا في الصين أو الشرق أو الغرب وحدثنا شخص عن بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لاشتاقت إليها نفوسنا، وهي الآن إلى جنبنا والله العظيم، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهاتنا، وهن لسن بعيدات عنا [ ( يسألون عن عبادته ) ] وقد يكون هذا قبل الحجاب، وقد يكونوا سألوا من وراء الستار، فسألوا عن صلاته في الليل، وعن صيامه؛ لأنهم يريدون أن يفعلوا أكثر مما يفعلوا، وتاقت نفوسهم إلى ذلك [ ( فلما أخبروا كأنما تقالوها ) ] أي: كأنهم وجدوها شيئاً قليلاً يستطيعون أن يفعلوا أكثر منها [ ( فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر ) ] أي: فينبغي أن نفعل أكثر مما يفعل وأضعافه، فهو مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ونحن ليس عندنا علم، فلنعمل أكثر وأضعاف ما يعمل [ ( فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً ) ] ولا أنام طول الدهر، وإن نمت فسأنام في النهار، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يقوم نصف الليل أو ثلثه، وهذا قال: سيحيي الليل كله، ولن ينام أبداً [ ( وقال آخر: فأصوم الدهر ولا أفطر ) ] لا خميس ولا جمعة ولا أحد ولا غير ذلك [ ( وقال آخر: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج أبداً ) ] فقد أرادوا الانقطاع إلى الله، وهذه رهبانية ابتدعوها ما كتبها الله عليهم، ولكن الله لطف بهم ورحمهم [ ( فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا ) ] فقد دخل على أهله فأخبروه، ثم خرج فوجدهم في الروضة [ ( أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ) ] وهذا حق. فهو أشدهم خشية لله، وأعظمهم تقوى لله عز وجل. وهذا حق لا جدال فيه [ ( لكني أصوم وأقطر ) ] فقد كان يصوم الإثنين والخميس، ويفطر بقية الأسبوع، أو يصوم سبعة أيام أو ثمانية ثم يقف [ ( وأصلي وأرقد ) ] فيصلي ما شاء الله ثم ينام، حتى يأتي بلال يوقظه لصلاة الصبح [( وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ] فمن فكر بعد الآن طرد من النبي صلى الله عليه وسلم [ ونزلت هاتان الآيتان: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:87] ] لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا [المائدة:87]. فقد أرادوا أن يحرموا بعض الطيبات، وهي النكاح والنوم والطعام والشراب. وتحريم الشيء الامتناع منه [ أي: يا من آمنتم بالله رباً، وبالإسلام ديناً وشرعاً، لا يقبل دين غيره، ولا يطبق شرع سواه، و] آمنتم [ بمحمد نبياً ورسولاً لا يقتدى بغيره، ولا يتبع سواه ].

    حرمة تحريم الطيبات التي أحلها الله سبحانه وتعالى

    قال: [ لا تُحَرِّمُوا [المائدة:87]، أي: بامتناعكم عن طيبات ما أحل الله لكم من الطعام والشراب والنوم والنكاح، والمراد بالطيبات ] هنا [ ما كان غير مستقذر ولا مستخبث مما أحل الله عز وجل لعباده المؤمنين لمصالح عامة وخاصة ] فقد لا يكون الشيء محرماً ولكن فيه الديدان والجراثيم والأوساخ، أو قد يكون طعاماً قديماً، أو شراباً متعفناً، فلا يقال فيه: طيب، بل هو مستقذر [ وفوائد ظاهرة وباطنة؛ إذ الله تعالى حكيم، فلا يبيح ] ويحل الشيء [ ولا يمنع إلا لحكمه عالية ] ومن أجل مصلحة [ تدور ] وتعود [ على مصالح عبادة المؤمنين ] أفراداً أو جماعات، ولا يحرم كذلك إلا لمصلحة؛ لأنه حكيم عليم، ولو كان حكيماً بدون علم فإنه سيخبط، ولو كان عليماً بدون حكمة لخلط، ولكنه عليم بظواهر الأمور وبواطنها بمرور القرون وملايين السنين عليها، وعلمه تغلغل في كل شيء، وأحاط بكل شيء، وهو حكيم يضع الشيء في موضعه، فإذا أحل الله أكل العنب فاحمدوه؛ فإنه لحكمة، وإذا حرم العصير المسكر فلحكمة يعلمها، فلا نرجع إلى الأطباء ولا إلى العلماء، وإنما نرجع إلى الله، فإذا أحل الله حلالاً فتمتع به، وإذا حرم حراماً فاتركه؛ فإنه هلاك ودمار.

    حرمة الاعتداء والإسراف

    قال: [ وبعد هذا النهي عما أحل الله تعالى لعباده المؤمنين، وهم منهم وبينهم، فقد ورد أنهم عبد الله بن مسعود وعثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين ] وهؤلاء الثلاثة أبطال، ووالله لو يجتمع أبطال الدنيا كلهم ما كانوا كـعلي بن أبي طالب ، وهذا الجنرال كان صهر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يريد أن لا يتزوج أبداً؛ رغبة في الملكوت الأعلى، فقد عرفوا أن هذه زائلة وسريعة الزوال، وأنها لا قيمة لها، وأنها أوساخ وقاذورات، فهم يريدون الطهر والصفاء في الملكوت الأعلى [ خاطبهم الحق تبارك وتعالى ناهياً لهم عن الاعتداء، وهو مجاوزة الحد المحدود، كتحريم الحلال، أو تحليل الحرام. ومن الاعتداء: الإسراف في الأكل والشرب والجماع، وفي اللباس، وفي غيرها؛ لقوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]. والإسراف هو: مجاوزة النافع إلى الضار، والحق إلى الباطل، والمسعد إلى المشقي، فقال تعالى: وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة:190]. فكيف ترضون لأنفسكم بغض الله لكم، وعدم محبته إياكم، وأنتم ما حرمتم على أنفسكم ما حرمتم إلا طلباً لحب الله تعالى ورضاه، وهروباً من بغضه وعدائه؟

    واعلم أيها القارئ الكريم! والمستمع المستفيد! أن الرسول صلى الله عليه وسلم أبان ] وأظهر [ وأفاد في هذا الباب، فلنستمع إلى ما قال في هذا الشأن ] من التحريم والتحليل:

    [ أولاً: ] قال: [ ( كلوا وتصدقوا والبسوا ) ] والآمر هنا هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والمأمور المؤمنون [ ( في غير إسراف ) ] والإسراف: مجاوزة الحد [ ( ولا مخيلة ) ] وهي [ المخيلة من الخيلاء ] والتبختر [ وهو الكبر والعجب ] فكل واشرب والبس مما أعطاك الله، مما هو غير مستقذر ولا مستخبث، ولكن في غير إسراف. فإذا يكفيك كوباً من اللبن فلا تشرب ثلاثة ولا اثنين، واكتف بما يكفي.

    [ ثانياً: وقال ابن عباس في رواية البخاري : كل ما شئت، والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة ] والإسراف: مجاوزة الحد، والمخيلة: الخيلاء والكبر والعجب.

    [ ثالثاً: ] قال: [ ( كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا إسراف؛ فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده ) ] لكن مع التحفظ الكامل، فلا إسراف ولا خيلاء.

    [ رابعاً: ( عليكم بثياب البياض فالبسوها؛ فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم ) ] وهذه ما فاز بها إلا السعوديون فقط، ومع هذا داخلوكم أيضاً، وأخذوا يعبثون بأولادكم، ويلبسونهم البرانيط، ويأتون بها من اليابان والصين، ويبيعونها بريالين. ونحن نشاهد الأطفال في هذا اللباس الأبيض كالملائكة، وبعضهم يخرج وعليه بنطلون أسود وفيه حيات والعياذ بالله، وهذا مما غزوكم به؛ لأنكم غير منتبهين. وهذه تعاليم أبي القاسم. والمسلمون أخذ صورتهم القسس، فهم يلبسون البياض، وقد جاءهم هذا ولا شك من حواري عيسى عليه السلام، ونحن تركنا هذا، وتفرنسنا وتبرطنا كالأوروبيين، وتركنا زينا الذي أحبه الله ورسوله بدافع التقليد الأعمى فقط، وعدم المبالاة، أو حب الريال؛ لأن الثوب الأبيض غال، وذاك الأسود بلاش. واسمعوا أبا القاسم - فداه أبي وأمي والعالم أجمع- يقول: ( عليكم بثياب البياض فالبسوها؛ فإنها أطهر وأطيب ). فهو أطهر لأن الثوب الأبيض أدنى نجاسة تقع فيه تظهر، والأسود لو وقع عليه لتر من البول لم يعرف، وأما البياض فقطرة بول تظهر فيه. وقد أمرنا بلبس الثوب الأبيض لأننا أشباه الملائكة، ونحن والله أشبههم في الطهر والصفاء، وأما الآخرون فيخرون ويبولون ويخرجون، وليس عندهم حتى الاستجمار أو الاستنجاء بالماء، فهم أنجاس. وأما أولياء الله فيلبسون البياض فالبسوها؛ لأنها أطهر وأطيب، ويكفنون فيها موتاهم. وهذه أظن ما زالت موجودة، فهم لم يأتوا بكفن أسود، وممكن يأتي تجار ويعرضونه رخيصاً، ولا يصلح أن يكفن الميت في الأسود.

    [ خامساً: قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية، وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31] ] لما قال طبيب كان عند هارون الرشيد : كتابكم ليس فيه طب، فقال أحد وزراء هارون الرشيد : يا بهلول! عندنا نصف آية فقط جمع الله فيها الطب كله، فاندهش ذلك النصراني واحترق، وسأل عن هذه النصف الآية، فقال له: قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31]. وأرني إنساناً آدمياً يلتزم بهذا المبدأ من صباه، فيأكل ويشرب ويتغذى ولا يسرف، فإنه لا يأتيه المرض، وهذا أمر مسلم؛ لأنه من خالق الطب والأطباء الله. فقد قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [الأعراف:31] فقط. فمن أكل بمقدار معين وشرب بمقدار معين لم يمرض، لا بالتخمة ولا بالكبد ولا بالمعدة.

    إباحة الأكل من الحلال الطيب

    قال: [ وقوله تعالى في الآية ] الثانية [ رقم (88): وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة:88] إنه بعد أن نهاهم عما حرموا على أنفسهم من النساء والطعام والمنام واللباس أيضاً أمرهم أمر إباحة ورحمة وإرشاد، فقال: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [المائدة:88]، أي: من الحلال لا من الحرام؛ فالحرام لا يكون رزقاً ] أبداً [ إلا في ضرورة الخوف من الموت، كأكل الميتة و] شرب [ الدم ولحم الخنزير. وقوله: حَلالًا [المائدة:88] يفيد أن الحرام لا يكون رزقاً، والطيب هو ما لم يكن مستقذراً ولا مستخبثاً ولا محرماً ] هذا الطيب.

    الأمر بتقوى الله عز وجل

    قال: [ وأخيراً: أمرهم تعالى - وهو أمر لكل مؤمن ومؤمنة ممن نزلت فيهم الآية ومن غيرهم إلى يوم القيامة، أمرهم- بتقوى الله عز وجل، وذلك بطاعته فيما حرم وأحل، وفيما أمر ونهى من سائر ما حواه شرعه وبينه رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ] وفي [ قوله: الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة:88] تذكير لهم بإيمانهم به سبحانه وتعالى؛ فإن من آمن بالله وعرف صفات جلاله وكماله من قدرة وعلم وحكمة ورحمة لا يخطر بباله معصيته، فضلاً عن أن يعصيه ] فيها [ فكيف تجرءون على تحريم ما أحل ] الله [ ولم يوبخهم سبحانه وتعالى في هذا التوجيه؛ لأنهم ما حرموا ما حرموا على أنفسهم لا على غيرهم إلا طلباً لمرضاته، وسعياً ] وجرياً [ وراء حبه سبحانه وتعالى ].

    مخالفة الصوفية لهذا النداء

    [ هذا واعلم أيها القارئ الكريم! أن هذه الآية ترد على غلاة المترهبين وأهل البطالة من بعض المتصوفين الذين يلبسون الصوف لا غير، ويمتنعون عن لذيذ الطعام والشراب ] والآن خفت الضغطة، فالتصوف الآن كاد ينقرض؛ لأنهم طولبوا بتصوف حقيقي فلم يستطيعوا، فالتصوف الأول فيه دجل وتضليل وأكل أموال الناس والاعتداء على حرماتهم، فقد كان الشيخ تجلس الحرمة في حجره؛ ليباركها! ولما فطن المسلمون انتهى التصوف وانقرض، وكان بعض المتصوفة لا يلبس إلا الصوف، والقطن موجود، والجسم يحرقه، ولا يأكل إلا أكلاً معيناً، ونحن نأكل ونشرب في غير مخيلة ولا إسراف في حدود ما أذن الشرع فيه.

    حكم من حرم على نفسه ما أحل الله له

    قال: [ واعلم أيضاً أن من حرم ما أحل الله لا يحرم عليه ما حرمه ] فلو قلت: حرام عليّ اللبن أو البطيخ أو البرتقال فإنه والله لا يحرم، فتب إلى الله واستغفره؛ لأنك اعتديت على الله، فالله أحل وأنت حرمت، اللهم [ إلا الزوجة، فإنها إذا حرمها تحرم، فمن قال لزوجته: أنت علي حرام وأراد طلاقها تطلقت ] وأما إذا قال: ثوبي أو طعامي أو لباسي أو بيتي أو سيارتي حرام فلا يحرم شيء، وإنما هو آثم؛ لأنه اعتدى على جناب الله تعالى، فالله هو الذي يحلل ويحرم، وقد أعطاك ذلك فقط في المرأة، فإذا قلت: هي حرام وأردت طلاقها فهي حرام [ وإن لم يرد طلاقها كفر كفارة يمين وعادت إليه ولا تحرم عليه ] فإذا قلت: هي حرام، وأنت لا تريد طلاقها وإنما فقط تريد أن تمنعها من الدخول أو الخروج فكفر عن يمينك، وهي زوجتك [ فاذكر هذا، والله ولي المتقين.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].