إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 37للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنعم الله عز وجل على عباده المؤمنين بهذا الدين القويم، وجعله سبباً لسعادتهم وسيادتهم في الدنيا، وسبيلاً موصلاً إلى رضاه وجنته في الآخرة، فهي نعمة عظيمة لا يزهد فيها إلا سفيه، ولا يردها إلا مغبون، والله عز وجل غني عن خلقه، فمتى ما ظهر منهم التمرد على الدين، والإعراض عن سبيل المؤمنين استبدل الله غيرهم بهم، ممن يقوم بأمر دينه، ويرفع راية الجهاد في سبيله.

    1.   

    حرمة اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وعلة ذلك والتحذير من موالاتهم

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا والحمد لله لربنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، وبالأمس كنا مع النداء الرابع والثلاثين، وبقي من شرحه فقرات عديدة لا بأس أن نمر بها؛ تذكيراً للناسين، وتعليماً لغير العالمين.

    قال: [ فكيف لا نحذر ] ولا نحتاط لأنفسنا خشية [ أن نكون يهوداً أو نصارى ] وذلك [ إذا نحن واليناهم ] أي: أحببناهم ونصرناهم [ والعياذ بالله من الكفر بعد الإيمان، ومن الضلال بعد الهداية ] وإياك أن تفهم أن الولاء غير الحب والنصرة، فتقع في مهاو بعيدة، وقد قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، أي: يحب بعضهم بعضاً، وينصر بعضهم بعضاً، فمن أخل بالحب أخل بالولاية، ومن أخل بالنصرة أخل بالولاية، ولا تكمل الولاية للعبد المؤمن إلا بحبه ونصرته، وأنواع النصرة كثيرة، ومنها: أن تنصره على الشيطان إذا استزله وأغواه، ورماه في مزابل الذنوب والآثام، وأن تنصره على أعدائه، الذين قد يكيدون له ويمكرون به.

    قال: [ ولتعلم أيها القارئ والمستمع! أن الموالاة التي حرمها الله تعالى علينا هي أن نحب اليهودي بقلوبنا ] كما نحب الابن والأب والأخ والأخت [ ونعرب له عن ذلك ] ونفصح [ بألسنتنا ] كأن تقول: إني أحبك [ وأن نقف إلى جنبه ننصره على أعدائه، وهم إخواننا] فنهزم إخواننا نصرة لعدو الله [ هذا الحب والولاء هما للمؤمنين لا للكافرين، فالمؤمن يحب المؤمن، ويعرب له عن حبه بلسانه وعمله، ويقف إلى جنبه ينصره ويموت معه أو قبله؛ لأنه أخوه في الإيمان والإسلام والإحسان وولاية الرحمن.

    أما الكافر من يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بوذي أو مشرك فإنهم كفروا بربنا ونبينا وديننا، وحاربونا وحلموا الحقد والبغض والعداء لنا ولربنا عز وجل، فكيف تسوغ موالاتهم مع هذه الفواصل المختلفة والصوارف المتعددة؟ اللهم لا، لا.

    وأخيراً لنجتنب أي مظهر من مظاهر اليهود والنصارى وأهل الكفر قاطبة، حتى في الزي واللباس والشعار، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. والله ولي من والاه، وعدو من عاداه، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] كان هذا بقية نداء أمس، ونص النداء هو بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51].

    1.   

    التحذير من الردة عن الإسلام وبيان صفات المؤمنين الصادقين

    نداء الله لنا في هذه الليلة المباركة هو [ النداء الخامس والثلاثون ] ومضمونه وفحواه والمطلوب منه هو [ في التحذير من الردة عن الإسلام، وبيان صفات المؤمنين الصادقين ] بحيث تنظر إلى هؤلاء المؤمنين وتراهم، وهذا أمر عظيم؛ لأنه أولاً: يعلمك تمام الحذر من أن تنزلق فترتد عن دين الله بكلمة، فتخسر خسراناً أبدياً.

    وثانياً: لأن الاتصاف بصفات هؤلاء المؤمنين كله نور، فيصبح المؤمن موصوفاً بصفات يعرفها القريب والبعيد. اللهم اكسنا كل تلك الصفات، وحلنا بها، وأظهرها علينا يا رب العالمين!

    قال: [ الأية (54) من سورة المائدة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54].

    الشرح: اذكر أيها القارئ الكريم! أن نداءات الرحمن ] السبعين [ لعباده وأوليائه المؤمنين تدور حول زيادة هدايتهم، وطلب كمالهم وسعادتهم في الدارين ] أي: في الدنيا والآخرة، وليس هناك نداء يخرج عن هذا؛ لأن الله وليهم ومولاهم، وهم عبيده وأولياؤه، وهو لا يريد أبداً منهم إلا أن يكملوا ويسعدوا في الدنيا والآخرة. فإذا أمرك بأمر فافرح؛ لأنه لإكمالك، وإذا نهاك عن شيء فافرح؛ لأنه لإبعادك عن المخاطر والمهالك والنقصان والخسران، ولن يكون سوى هذا؛ فلهذا صدور المؤمنين والمؤمنات منشرحة إذا ناداهم الله. وقد أتى مؤمن إلى عبد الله بن مسعود وقال: يا عبد الله ! اعهد إلي بشيء؛ فأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصني وكلفني بشيء طول حياتي أقوم به، فقال له: إذا سمعت الله تعالى يقول: ( يا أيها الذين آمنوا) فأعرها سمعك؛ فإنه إما خير تدعى إليه، وإما شر تنبه وتحذر منه. فلا ننسى هذه، ونحن لم بلغ هذه لإخواننا في البيت ولا في السوق ولا في الشارع ولا في المسجد؛ لأن الجفاء موجود. فإذا جلست تتحدث مع بعض المؤمنين فقل لهم: اسمعوا، عندنا حكمة عظيمة، وهي أنه بلغنا من طريق صحيح: أن أحد المؤمنين من التابعين قال لـعبد الله بن مسعود الهذلي الصحابي الجليل: يا عبد الله ! اعهد إلي بشيء، ووصني، فأنت عشت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلمت منه الهدى، فاعهد إلي بشيء، فقال له: إذا سمعت الله القارئ يقرأ أو قرأت أنت: ( يا أيها الذين آمنوا) فأعطها سمعك؛ لأنه خير تؤمر به، أو شر تنه عنه، وأنت لا تريد إلا أن تكون سعيداً في الدنيا والآخرة. ونحن ما بلغنا هذه؛ لأننا ما فارقنا الأرض ولا بشبر، ولكن عما قريب إن شاء الله، ومن علم وعمل بما علم وعلّمه دعي في السماء عظيماً، فلتتق أنفسنا؛ حتى نكون من عظماء الرجال في الملكوت الأعلى، لا أن نكون في أوروبا الهابطة أو في أمريكا الساقطة، بل في الملكوت الأعلى، فإذا تعلمت مسألة فاعمل بها في ليلتك، وانقلها إلى غيرك في غدك وأنت ماش؛ فإنك تكمل بهذا، وهذا لا يعجز عنه المرء، ولكن سمة الهبوط ما زالت فينا، فلنصح منها، نسأل الله تعالى أن يغيرها.

    التحذير من الردة عن الإسلام والعودة إلى الشرك

    قال: [ وها هو ذا تعالى يحذرهم ] أي: أولياء الله المؤمنين [ من الردة عن الإسلام، والعودة إلى الشرك، وهذا نادر، وإنما المتوقع هو التهود والتنصر والعياذ بالله ] وهناك فئام وخلق كثير تنصروا وتهودوا في العالم بعدما كانوا مسلمين، وأما الرجوع إلى الشرك فنادر، وإن كنا نتعاطى الشرك عن جهل، ولكن هذا ليس بردة، وإنما الردة هي رفضنا الإسلام والعودة إلى عبادة الأصنام، ولكن الجهل غلب الناس فعبدوا مع الله الأولياء والقباب والقبور بدون علم، ولكنهم لم يرفضوا التوحيد، ويقبلوا على الشرك

    قال: [ ويدل لذلك ] أي: أن العودة إلى التهود والتنصر أقرب منها إلى الشرك [ تحذيره في النداء الرابع والثلاثين ] الذي مضى أمس [ قبل هذا؛ إذ حرّم موالاة اليهود والنصارى، فقال: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ [المائدة:51]. إذ هذا سبيل التهود والتنصر ] ونحن قد اتخذناهم أولياء، وتلاقينا معهم وتحاببنا وتعانقنا، وهذا هو طريق التنصر والتهود.

    عاقبة تولي الكافرين

    قال: [ ثم اعلم أن من تولاهم أصبح منهم، وبذلك يكون قد ارتد عن الإسلام، ودخل في اليهودية أو النصرانية -والعياذ بالله تعالى- من السلب بعد العطاء، ومن الضلال بعد الهدى ] لأن الله قال: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ [المائدة:51]، أي: قد ارتد [ وها هو ذا سبحانه وتعالى يناديهم فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ ] وفي قرائية سبعية: (من يرتدد) [ أي: يرجع مِنْكُمْ أيها المسلمون! عَنْ دِينِهِ الذي هو الإسلام ].

    بيان ما تقع به الردة

    قال: [ وقل لي: بِمَ تكون الردة؟ ] وقد حرم الله تعالى علينا الردة وأخبر أن من يرتد يلقَ جزاءه [ إنها تكون باعتقاد اليهودية ] وأنها دين حق [ أو النصرانية ] وأنها دين الله [ وحبهم وموالاتهم، وشهود معابدهم وعباداتهم ] والغافلون في غير ديارنا هذه يحضرون معهم الاحتفالات الدينية، ويشهدونها في معابدهم [ والتزيي بزيهم ] ودافع هذا الرغبة الأكيدة في أن يكون مثل المسيحي أو اليهودي في كل شيء، حتى في رباطة العنق كما يسمونها، وأنت مطالب بأن لا تحبهم، فإذا أصبحت تقلدهم في أزيائهم وسلوكهم ومنطقهم فسوف تساق قطعاً إلى أن تحبهم، وفي الحديث: ( من تشبه بقوم فهو منهم ). وهذه القاعدة قلنا: لو يجتمع علماء الفلسفة والكون والحياة والاجتماع والسياسية والآداب على أن يبطلوها بالبراهين لم يستطيعوا، ولا يستطيع شخص أن يتشبه بعاهرة دون يكون مثلها، ولا يستطيع أن يتشبه بعفريت من اللصوص ولا يكون مثله.

    وقوله: ( من تشبه) معنى تشبه: أراد وعمل وعزم، وأخذ يعمل على أن يكون مثلهم. وهذه صيغة التشبه، على وزن تفعل، أي: أراد أن يكون، فإذا أراد الشخص أن يتشبه بمغني فإنه يصبح مثله، وإذا أراد أن يتشبه بممثل أصبح ممثلاً، وإذا أراد أن يتشبه بـعلي بن أبي طالب في بطولته فإنه يصبح بطلاً، وإذا أراد أن يشتبه بغني سخي أصبح مثله، المهم: لن يستطيع ذو عقل أن يرد على من يتعلم علومه من خالق العلوم وواهبها.

    ولما نكون في أزياء اليهود والنصارى لا يمكننا أن ندعوهم إلى الإسلام، وليس لنا سمة مميزة لنا، وهم لن يعرفوننا.

    ولهذا من عشرات السنين وأنا أقول: عندما يجلس حكام المسلمين وممثلوهم في مجالس الأمم المتحدة والأمن يجب أن يجلسوا بلباسهم الإسلامي؛ حتى يتساءل العالم عن هذا الزي، فيقال: هؤلاء مسلمون، فيتساءلون عن الإسلام، ويتعرفون عليه، وأنا أعرف أن أغلب السامعين لا يستسيغون هذا الكلام، فهذا يحتاج إلى وعي وبصيرة. وأستاذكم رسول الله عمل جهده أن يستقل المسلمون في زي خاص بهم، وحتى في الأيام باعد بيننا، فقال: ( لا تصوموا يوم السبت ). حتى لا تتشبهوا باليهود، وهذا ليحفظ استقلال المسلم، فيصبح آية يدعو إلى الله باستقلال، وأما إذا أصبحنا مثلهم فلن ندعوهم؛ إذ لا فارق بيننا وبينهم.

    وأزيدكم: قبل خمسين سنة تبجح فرنسي في جريدة وقال: نحن سدنا العالم العربي وحكمناهم، وهم في قبضتنا، ومع هذا فنحن لا نتميز عنهم، بل نسمح لهم أن يلبسوا لباسنا، ويتزيوا بزينا نساءً ورجالاً، ويفرح بذلك، وعمرهم هذا الذي دوخ الدنيا، كان يمنع منعاً كاملاً أهل الذمة في بلاد الشام وبلاد الإسلام أن يتزيوا بزي المسلمين، ويضرب على أيديهم. فقد كان عمر لا يسمح ليهودي أو نصراني يعيش معنا أن يصبح كالمسلم في زيه، وهو كافر، بل كان يمنعهم، ويأمرهم بشد الزنار. فألهم الله مؤمناً فرد عليه، وهذا الرد يساوي قنطار ذهباً، وإن كنتم لا تحفظونه؛ لأنكم لستم في حاجة إليه. وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام:83]. وما حاج كافر مؤمناً إلا هزم الله الكافر، وإن كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وعندنا لهذا مثالين: الأول: هذا، وهو أن عمر كان يعتبر المسلمين كلهم جيشاً حاملاً للسلاح، يغزو ويجاهد، فلذلك لم يسمح للمدنيين الذين لا يجاهدون ولا يطلب منهم جهاد وهم أهل الذمة أن يلبسوا لباس الجندي، وأنتم في فرنسا لا تسمحون للمواطنين أن يلبسوا بدلة الجيش، فهذا ممنوع؛ لأن هؤلاء جيش، فكذلك عمر ، وهذا الحق، فالمسلمون كلهم في سلك الجهاد، وأهل الذمة ممنوعون وغير مسموح لهم في الجهاد، وحرام أن ندخلهم في المعارك، فأسكت. ونستفيد من هذا أن على المسلمين أن يكون لهم زي إسلامي واحد؛ لأنهم جيش الله، ولو عرف المسلمون هذا لما تبرموا ولا تململوا.

    والمثال الأخر في لبنان: وهو لمسيحي عامي مع مؤمن جاهل من إخواننا، قال له: أنتم المسلمون تقولون: أهل الجنة يأكلون ويشربون ألوان الطعام والشراب وكذا، ولا يبولون ولا يتغوطون، فإذاً: بطونهم تصبح مراحيض، لأن معتقد النصارى أن نعيم الجنة روحاني فقط، وليس فيها أجسام، ولا طعام ولا شراب، فقد عبث بهم اليهود ومسخوهم، فقال له هذا المؤمن الجاهل: اسمع، الآن أمك في بطنها جنين، وهو في الشهر الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع يشرب، إذاً: فقد أصبح بطن أمه مرحاضاً، فالجنين يشرب ويتغذى بالإجماع، ولا يبول ولا يتغوط؛ لأن الله ما أراد له ذلك ، وأهل الجنة يأكلون ويشربون ويتحول إلى عرق وإلى جشاء، ووالله لا بول ولا غائط ولا مخاض، فغلبه. وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام:83]. وأبشروا فأمامكم العلم.

    وأيضاً مما تحصل به الردة: [ والسير في ركابهم، بفعل ما يفعلون، وترك ما يتركون تعبداً وتديناً ] وإليكم لطيفة: فـعلي بن أبي طالب لم يكن يدخن، ولا الإمام أحمد إمام أهل السنة، ولا الشافعي ، وإنما والله جاء هذا التدخين من السير في ركابهم بعد أن حكمونا، فقد ابتلوا بالتدخين، وقضيته معروفة في العالم، فلما دخنوا دخنا، ولم نسأل إن كان فيه نجاسة أو مرض، وعما إذا كان يحبه الله أو يكرهه، بل كان همنا أن نتملق إليهم، وندخن كما يدخنون، وإلى الآن ما زلنا لم نستيقظ، ولم يفكر أي عاقل يدخن عن سبب تدخينه، فهو لا يسمن، ولا يكثر المال، ولا يزيد في الذكاء، بل السبب هو أننا هكذا تعلمنا فقط، وهذا هو التقليد الأعمى، والسير في الركاب.

    وأما السفور وكشف الوجوه في العالم الإسلامي فوالله إنها لآية ظاهرة، وهذا تقليد لليهوديات والنصرانيات، وإلا فـفاطمة لم تكشف وجهها ولا عائشة ، ولا امرأة الشافعي ولا أمه أبداً، وإنما فقط أحببنا أن نمشي معهم، فلما أسفرت نساؤهم عن وجوههن أسفرت نساؤنا. وهذا هو السير في ركابهم. فافهموا وعوا [ فلنذكر هذا ولا ننسه ] ويوجد اليوم جهلة مغموسون في الجهل - وهم علماء في الطب والحكمة والفلسفة- يقولون: ليس هناك فرق بين اليهودية والنصرانية والإسلام، فكلها أديان الله، ونحن نعرف أن اليهودية بدعة، ما نزل بها كتاب، ولا بعث الله بها رسوله، كما ابتدعنا نحن سيدي فلان وفلان، والنصرانية بدعة أيضاً، فقد لفقوها وحسنوها، ودعوا الناس إليها، ودخلوا فيها، كبدعة المولد، وبدعة زيارة القبور، والذبائح عليها، والاحتفال بها.

    والآن في العالم العربي هناك كثير يحتفلون بأعياد النصارى، وهذا موجود، ولا يبالون، ويعدون هذا خروجاً من التزمت، وأنت إذا شهدت عبادتهم وسكت فقد رضيت بها، فإذا دخلوا النار فأنت السبب؛ لأنك لم تقل لهم: هذا لا يصح، وهو باطل، وأنه يؤدي بكم إلى خسران أبدي، وهذا ليس بدين الله، بل هو بدعة، وكونك تحضر معهم وتصفق معهم فهذا دليل على أنك راض بهذا، وهم سيقولون: ديننا صحيح، فهاهم المسلمون معنا يشهدون ويحضرون، فأنت لم تغير المنكر، بل غششتهم.

    قال: [ ونحذر كل مسلم ومسلمة من الوقوع فيه؛ فإنه الردة الموجبة لغضب الله وعقابه. كان هذا في التحذير من الردة ].

    صفات المؤمنين الصادقين

    قال: [ أما صفات المؤمنين الصادقين فقد بينها الله بقوله: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54] ] أي: يلومهم. فالآية اشتملت على التحذير وعلى صفات المؤمنين [ فأولى هذه الصفات: حب الرحمن ] عز وجل [ لهم، ولنعم هذه الصفة ] وهذه الصفة لا توهب، بل إنها تطلب من الله. وهذه أعظم صفة.

    [ وثانيها: حبهم لله تعالى، وأعظم بها ] وأنعم بها من [ نعمة ] أيضاً، فكونك تحب الله وقبل ذلك قد أحبك الله ليس بعد هذا من مطلب. والله لا يحب فلاناً إلا لأنه طيب طاهر، والله يحب الطيبين ويحب الطاهرين، ولو كان خبيثاً منتناً فحاشا لله أن يقبله؛ لأن نور الإيمان والاستقامة على منهج الحق تجعل القلب كله كتلة من نور، والنفس كلها طهارة وزكاة.

    [ وثالثها: كونهم أذلة على المؤمنين أي: هينين لينين ] وليس هناك عنجهية وغطرسة وتعال، ولا ضرب ولا ركل، وخاصة مع الضعفة والمساكين، وهذه ليست صفة المؤمنين، بل صفة المؤمنين: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54]. فكن مع الكافر كالجبل، لا لين ولا انكسار ولا غير ذلك، ومع المؤمنين متواضعاً، تسألهم عن حالهم، وتطلب منهم المسامحة، وتتكلم مع الفقير، وتجلس إليه، ولا تحاول أن تترفع فوقه. هذه صفات المؤمنين أولياء الرحمن.

    [ ورابعها: أعزة على الكافرين؛ أي: أقوياء أشداء.

    وهاتان الصفتان الرابعة والثالثة جاءتا في نعت الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ] رضي الله عنهم [ إذ قال تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ] تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29]. ونحن ليس عندنا سيما؛ لأننا نصلي على الفرش والزرابي والحرير الناعم، وهم كانوا يصلون على الحجارة والتراب، ونحن نصلي على الزرابي المبثوثة والسجاجيد الحريرية، وكأننا في الجنة، وهم والله كانوا يصلون على التراب وعلى الحصباء، والذي يصلي يوماً .. يومين .. شهراً .. عاماً على الأرض لا بد أن يظهر ذلك على جبهته، وكانوا يتلذذون بذلك.

    وهنا لطيفة خذوها أيضاً قبل الفوات: روى أحد العلماء المعاصرين في الحديث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجن الأرض لما يقوم من السجود إلى القيام )، أي: يضع يديه هكذا على التراب، وهذا الحديث وإن صح سنداً فقد لا يصح واقعاً، والآن تشجعنا لتلك النظرية، فإذا مالك روى تسعمائة ألف رددناها وأخذنا ثلاثة آلاف، وهو من أبناء أبناء الصحابة، فقلت لأحد الأبناء: هذا الحديث لا يصح أبداً، ولو كان من السنن لما أغفله مالك ولا أحمد ولا الشافعي ولا الإمام أبو حنيفة ولا غيرهم، ولا تركوه، فقلت له: اسمع، هيا صل أنت على الأرض كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي واعجن هكذا، فإن أصابعك تصبح كأنها حوافر بغل أو حيوان. فالحديث وإن صح لا يصح، لكن الآن إذا عجنت لم يضرك شيء؛ لأنك تسجد على الزرابي المبثوثة، لكن لو كنت تصلي طول حياتك على الأرض لضرتك. فاعرفوا هذه وخذوها.

    وقد عرفتم العلة في أن هذه السيما ليست عندنا، وهي ليست صفة خاصة بهم، وللمؤمن نور، وهذه السيما في الوجوه من السجود، فالذي يسجد وإن قل على الأرض يحدث له هذا، وهي علامة بارزة، وتشهد لأهلها يوم القيامة، وأهلها من الغر المحجلين من آثار السجود. ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ [الفتح:29] أيضاً، وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ [الفتح:29] شيء آخر.

    [ وخامسة الصفات: يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المائدة:54]، أي: كلما دعا داعي الجهاد حملوا سلاحهم وخرجوا، لا هدف لهم ولا غاية سوى رضا الله ونصرة دينه وأوليائه.

    وسادسة الصفات: أنهم لا يخافون في اعتقاد الحق وقوله والعمل به وإظهاره والدعوة إليه لومة لائم، بل ولا عداء معاد، ولا حرب محارب؛ وذلك لكمال علمهم ] أولاً [ وصحة إيمانهم، وعظيم يقينهم ] هذا هو السبب.

    [ وقل لي أيها القارئ الكريم! بم ختم الله توجيهه لأوليائه في هذا النداء العظيم؟ إنه ختمه بقوله: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54] ] أي: واسع الفضل، عليم بمن هو أهل لهذا الفضل، لا يعطيه لكل من هب ودب، بل يعرف أين يضع فضله.

    ولطيفة أخرى: وهي أننا كنا شبيبة نقرأ كتب قديمة الطبع، مثل الطبعة الحلبية الاسطنبولية وغيرها، وكان يقول الطابع: أتحدى من يثبت عندنا خطأً أو خطأين في هذا التأليف، ويكون المؤلَف مجلدات، ويقول: لا يمكن أن يوجد خطأ، واليوم أصبح لا يسلم كتاب من الخطأ، والسبب: أولاً: كان العلماء علماء كبار، ولا يوجد علماء صغار، بل إما عالم وإما جاهل، ومن عكف على العلم ورحل إليه وفاز به واحد، وعامة الناس جهال، فالذي يتولى تصحيح الكتاب علماء.

    والثانية: كان خريج الأزهر أو الكليات الإسلامية هنا وهناك لا يجدون وظيفة، فيقبلون أن يوظفوا في مطبعة يصححون، ويعكفون على التصحيح مقابل الحصول على قوتهم، وأما الآن فقد انتشر العلم حتى بين النساء. وقد فتحت أبواب الوظائف ليطلب العلم لغير الله، فأصبح العلماء موظفين، ولم يوجد من يصحح هذه الكتب، فكبار العلماء مشغولون، ولم يعودوا محتاجين لأن يصححوا، فأسند هذا إلى الطلبة الصغار، وهم لا يفرقون بين قام زيد وقعد عمرو، فيخبطون ويخلطون، ومن هنا انتشرت الأخطاء في الكتب، اللهم إلا القرآن فإنه محفوظ بإذن الله، وإلا لكانوا قد بدلوه. هذا هو السر، وهذه هي الحقيقة.

    الطريق الموصل إلى اكتساب صفات المؤمنين

    قال: [ إن هذه الصفات الست التي لا يقدر على إعطائها إلا الله، ولا يستحقها إلا أولياء الله هي من فضل الله تعالى، وفضل الله لا يعطى إلا لمن طلبه ورغب فيه وصدق في طلبه، وسلك السبيل المحقق له والموصل إليه ] قطعاً، وأما من أعرض فيعرض الله عنه [ وقل لي: بم يطلب هذا الفضل العظيم؟ فإني أعلمك بأنه يطلب بالإيمان بالله، والكفر بالطاغوت؛ إذ قال تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:256-257]. وإن قلت: ما كيفية الإيمان بالله والكفر بالطاغوت؟ قلت: إنها حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله هو: أن يؤمن بالله رباً لا رب سواه، وإلهاً لا إله غيره، ويعلن ذلك بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويعبد الله بما شرعه من عبادة بين كيفيتها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعبد مع الله غيره بأية عبادة، ويسخط ولا يرضى بعبادة غير الله أبداً ] فأهل لا إله إلا الله يسخطون على عبادة غير الله.

    [ وأخيراً أيها القارئ! - وأحسبك قد فهمت نداء الله وما تضمنه من هداية وهدى- فإليك وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبه أبي ذر ] الغفاري [ فافهمها واعمل بها تكمل وتسعد.

    أخرج ابن كثير في تفسيره رواية أحمد في مسنده رحمه الله إذ قال: عن أبي ذر قال: ( أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم ) ] وخليله هو الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن حبه تخلل قلبه [ ( بسبع ) ] أي: خصال [ ( أمرني بحب المساكين ) ] فخذوا هذه اجلسوا مع المساكين، وكلوا معهم الخبز، وقد مر الحسن بن علي على فرس في بلاد وإذا بفقراء جالسين في ظل يأكلون شيئاً من الخبز والتمر، فقالوا: يا ابن بنت رسول الله! تفضل باسم الله، فنزل من على فرسه وجلس معهم يأكل التمر والخبز ويداعبهم.

    وصلى الله على محمد.