إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 35للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بتقواه لينجوا من عذابه، وأمرهم بطلب الوسيلة إليه سبحانه ليتقربوا من جنابه، ثم دعاهم إلى الجهاد في سبيله؛ بقتال الكافرين المارقين، أو تأديب الفاسقين المنحرفين، أو لعن الشياطين، أو تربية النفس وتزكيتها، وذلك بالتعرف على محاب الله وإتيانها، والتعرف على مكاره الله واجتنابها.

    1.   

    تابع الأمر بتقوى الله عز وجل وطلب الوسيلة إلى الله تعالى والجهاد في سبيله عز وجل

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، جعلنا الله منهم، وحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    وبالأمس كنا مع النداء الثالث والثلاثون، وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35].

    الأمر بتقوى الله عز وجل

    نادانا مولانا ليأمرنا -وقد أمرنا- أولاً: بأن نتقيه، ولا نتعرض لغضبه وعذابه، ولا نتقيه بالجيوش، ولا بالحصون، ولا بالأسوار، وإنما نتق عذاب الله بطاعته، وبالإسلام إليه، والاستسلام له، فإن قال: اسكت سكتنا، وإن قال: انطق نطقنا. وبهذا نتقي الله.

    الأمر بابتغاء الوسيلة إلى الله عز وجل

    الأمر الثاني: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35]، أي: تملقوه وتزلفوا إليه وتقربوا إليه، فأنتم في حاجة إليه وفقراء إليه، ونتملقه تعالى بما يوحي إلينا، فإذا علمنا أنه يحب المشية الفلانية مشيناها، وإذا بلغنا أنه يحب الكلمة الفلانية قلناها، ونتزلف إليه لأن حاجتنا وحياتنا بين يديه، ولا غنى لنا أبداً عنه بحال من الأحوال، فهو بيده كل شيء، لا أن نتملق الأغنياء وأرباب الدنيا حتى يرضوا عنا، بل نتملق الجبار الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، فقد قال تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35].

    وقد عكسها أعداء الإسلام، وجعلوا التملق إليه الإعراض عنه والإقبال إلى سواه، تحت شعار الوسيلة الكاذبة. وقد عرفتم أنهم دعوا غير الله واستغاثوا بغير الله، وتوسلوا إلى غير الله، فذبحوا الذبائح ونذروا النذور، وحلفوا بالأولياء وعظموهم؛ بحجة أن الله قال: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35]. وفسروا الوسيلة بأنها: أعطني بحق سيدي فلان، واعمل لي بجاه فلان، مع أن هذه لم تجئ في أي آية ولا في أية سنة، وإنما وضعها اليهود والنصارى والمجوس، وقبلناها منهم؛ لأنهم حرمونا من الكتاب، وأبعدونا عن رسول الله، فأصبحت الوسيلة المشهورة من إندونيسيا حتى موريتانيا وحتى بالمدينة النبوية هي: أعطني بحق فلان، وهذا استهزاء بالله وتهديد له وتخويف، مع أنه ليس لأحد حق على الله، بل الوسيلة هي أن تتملق له، وأن تقول: أعطني من فضلك، كما قال تعالى: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:32]. واطرح بين يديه، وتمرغ في التراب وأنت تبكي.

    وقد دافع عن هذا الباطل علماء، وظلت أمة الإسلام في متاهات قرابة ثمانمائة سنة، وإلى الآن هذا الدرس لم تسمعونه، ولم تعلموا به إلى الآن، وملايين المسلمين لم يعرفوه، ولا عرفوا كيف نتوسل إلى الله ليرضى عنا، لا ليقضي حوائجنا فقط، وليكن همنا أن يرضى عنا ولا يسخط، وأن يحبنا ولا يكرهنا.

    وعرفنا أنك إذا مشيت في شارع أو زقاق من أزقة المؤمنين ووجدت حصاة أو شوكة أو عقرب أو أي أذى وقلت: هذا يمشي عليه عباد الله المؤمنين، وهذه الحصاة تضرهم أو هذا الأذى يؤذيهم ثم أبعدته تملقاً إلى سيدهم لا إليهم هم فإنك تتزلف إلى مولاهم، فيسجل لك في ديوانك، وإذا قلت: اللهم إن كنت رفعت هذا الحجر من أجلك لأن عبادك يمرون فافعل بي كذا والله لأعطاك لو توسلت إليه. وهذا كله أنسونا إياه، وأبعدوه عنا وعن آبائنا وأجدادنا منذ قرون، ولم نعد نعرف إلا أعطني بحق فلان، ولا نستحي أن تقول هذا الكلام أمام الله، مع أنه ليس لأحد حق على الله؛ لأن هذا باللغة الفصيحة معناه: إن لم تعطني أنت من فضلك فأعطني بحق فلان عليك! وهذه لو تقولها لغني لصفعك ولما التفت إليك، وأنت تقولها للعزيز الجبار.

    وكل عمل صالح شرعه تعالى لعباده ليزكي به أنفسهم يفعله المؤمن ابتغاء مرضاة الله، وطلباً لرضاه، وتملقاً إليه يسمى الوسيلة، ويقبله الله عز وجل.

    الأمر بالجهاد في سبيل الله

    الأمر الثالث هو -فقد نادانا تعالى ليأمرنا بثلاثة أوامر: الأول: تقوى الله، والثاني: ابتغاء الوسيلة إليه، والثالث-: الجهاد في سبيله. وهذا هو النداء: قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ [المائدة:35]. ففي هذا النداء ثلاثة أوامر، وهذه الأوامر ليست مستحيلة، بل ممكنة، وحاشى لله أن يأمرنا بما لا نقدر عليه، فهذا لن يكون أبداً؛ لأنه الرحمن الرحيم، وقد قال: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]. فالصلاة والزكاة والصيام والرباط هذه كلها ميسورة وسهلة، والعبد قادر على القيام بها، فإن مرض أو انكسر أو عجز أو كذا رفع عنه التكليف، كما قال تعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور:61].

    إذاً: الجهاد، الآن تسمعونه من الكتاب من نداءات الرحمن.

    منزلة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة

    قال: [ هذا واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر ] وهذا الخبر في الموطأ وفي البخاري ومسلم وفي أحاديثه المحفوظة كالقرآن [ أن له درجة في الجنة ] وأنتم تعرفون درجات السلم، فهي درجة فوق درجة، وأما درجات السماء ومنازل أهل السماء فإن أهل الجنة يتراءون منازلهم كما نتراءى الكوكب الغابر في السماء في البعد، ومساحة أقل منزل أكبر من الدنيا مرتين، فهذا الكويكب المنتن لا قيمة له، فالشمس أكبر منه مليون مرة، ولا تعجب، وهذه العوالم كلها تتبخر وتعود سديماً، وعالم السعادة وعالم الشقاء وراء ذلك، فقولوا: آمنا بالله [ تسمى الوسيلة ] والذي أخبر رسول الله بهذا هو الله، فهو الذي أخبره بكل شيء، وهو الذي أعلمه بأن هذه الدرجة تسمى الوسيلة [ وهي أقرب منزل إلى عرش الرحمن ] جل جلاله وعظم سلطانه، وليس فوقها منزل، وكل المنازل دونها [ وأن من سألها من الله تعالى له ] أي: للنبي صلى الله عليه وسلم [ نالته شفاعته ] أي: الذي يسأل الله تعالى أن يعطي رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم هذه المنزلة نالته الشفاعة، وأصبح ممن سجلوا في ديوان المشفوع لهم، فلا يستغنين امرؤ عن شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنها أنواع:

    فمنها: أن يخرج من النار بشفاعته.

    ومنها: أن يدخل الجنة قبل غيره.

    ومنها: أن يرتفع مقامات ومنازل ما كان ليصل إليها بدون هذه الشفاعة. فلهذا لا غنى لأحدنا عن شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وكل هذا جحدوه وعلمونا أن نقول: يا رسول الله! اشفع لنا، والرسول لا يملك هذا، وليس بيده هذا، فقد قال ربنا جل جلاله: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]. فلنفهم هذا الكلام.

    لا شفاعة يوم القيامة بدون إذن الله عز وجل

    لا يوجد أحد يشفع بدون إذن الله والله، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا أي كائن. وإلا فنحن لم نعرف الله. فإنه إذا تكلم الجبار بالكلمة ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لله، ثم يفيقون بعد فترة ويقولون: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]. فلا أحد يقوى على أن يتكلم، وجبريل فقط رسول رسولنا رآه رسول الله في مكة في جياد قد سد الأفق كله، وله ستمائة جناح، ومدن قوم لوط سدوم وعمورة رفعها من تحت الأرض وقلبها. ثم اقرءوا كلام الله من سورة النجم: وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]. وهنا جماعات يأتون يقولون لـعبد القادر : كن شفيعنا، واشفع لنا، وغير هذا، وهؤلاء مساكين ما عرفوا.

    الشفاعة العظمى

    الشفاعة العظمى والمعبر عنها بالمقام المحمود الذي يحمده عليه أهل الموقف أجمعون هذه الشفاعة سبق وعد الله لرسوله، ومع هذا يطلب منا أن نسألها الله له طول حياتنا، وهذه الشفاعة تكون لما تفشل البشرية وتعجز، ولا تجد من يكلم الجبار يومئذ، فيأتون إليه صلى الله عليه وسلم وهم في ساحة فصل القضاء، فيأتي فلا يستطيع أن يتكلم مع الله، ولا أن يقول: وعدتني رب! بل يخر ساجداً تحت العرش، ويلهمه الله عز وجل محامد، أي: ألفاظ حمد وثناء على الله، ولا يزال يحمد الله ويثني عليه بها، حتى يقول له الجبار: ( محمد! ارفع رأسك، واسأل تعطى، واشفع تشفع ). والمسلمون لم يعرفوا هذا؛ فهم يقرءون البخاري للبركة، وليس للعلم والمعرفة.

    أجر من سأل الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم

    قال: [ إذ قال صلى الله عليه وسلم ] بالحرف الواحد: [ ( إذا أذن المؤذن فقولوا مثل ما يقول ) ] أي: أذنوا معه، ولكن بدون رفع صوت، إلا إذا قال: حي على الصلاة، فقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله. ولنعترف بالواقع، فكم ممن يسمع: أقبل على الصلاة ولا يقبل، وليس عنده قدرة ولا يأتي، وكم من هو على معصية لا يقوى على تركها؛ إذ لا تحول ولا قدرة على العمل إلا بالله، فافزعوا إليه وقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [ ( ثم صلوا علي ) ] وهي الصلاة الإبراهيمية، ونقول: الإبراهيمية نسبة إلى إبراهيم؛ لأن فيها: ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ). فاكشفوا الغطاء، فهذه الصلاة سمعها من المؤمنين والمؤمنات ملايين ولا يحفظونها، ففسروا هذه الظاهرة يا علماء النفس! والسبب لأنها ليس فيها ريالاً ولا ديناراً ولا درهماً، ولا أكلة لذيذة ولا بقلاوة، وأما لو انفتح لنا باب السماء وبلغنا هذا فوالله لنسافرن إلى اليابان ولا نبالي، ولو بلغ المؤمنون أن في اليابان من يقول كذا عن رسول الله، وأن القضية كذا، ولم يمكنهم الحصول عليها إلا بالذهاب إليها فوالله ليذهبن إليها المؤمنون، ففسروا هذا يا علماء النفس! وجابر بن عبد الله كان هنا، جار منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأيام أن صحابياً بمدينة حمص بالشام يحدث عن رسول الله بحديث هو كذا وكذا، وأبى جابر إلا أن يرحل على راحلته أكثر من ثلاثة أشهر ذهاباً وإياباً؛ ليسمع ذاك الحديث بأذنه من فم سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس ببعيد، فأنتم تذهبون إلى الشرق والغرب لتشاهدوا الكرة، وتشاهدوا الباطل، وتنفقون الآلاف، ولا عجب؛ لأننا نسينا الله والدار الآخرة، وقد صرفونا عن هذا فحصل الذي حصل.

    وهذه الصلاة تصلي بها على النبي في كل صلاة، نافلة أو فريضة، ولا تسلم إلا بعدها، فتقول: ( اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ). فاحفظها الآن، وإن لم تستطع الآن فاحفظها بعد العشاء، وإن لم تحفظها بعد العشاء فامش إلى أي مؤمن واجلس عند الباب وقل له: من فضلك حفظني هذه الصلاة؛ لأنك تسمع ولا تبالي، وهذا حال الملايين، وليس مؤمن ولا عشرة ولا ألف؛ لأنه ليس هناك رغبة ولا اهتمام ولا بصيرة ولا شيء من هذا، فقد خدرونا وأضلونا وأبعدونا، وأصبحنا شبه مسلمين بالاسم.

    والدليل على هذا: دلوني على أهل قرية في العالم الإسلامي أهلها متآخين متحابين كلمتهم واحدة وأمرهم واحد، والله لا يوجد؛ لأنهم ما عرفوا الله، وما علموا، وما أسلموا قلوبهم ولا وجوهم لله، ولا عرفوا الله. ولا نبكي.

    قال: [ ( ثم قولوا: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ) ] والوسيلة درجة عرفناها، والمقام المحمود هو موقف ومقام ومكان يقوم فيه، يحمده أهل الموقف كلهم. وهذا المقام هو مقام الشفاعة العظمى؛ إذ البشرية كلها تنظر إليه وهو يتقدم إلى الله ويخر ساجداً، ويلهمه الله محامد فيحمده، ويقول: ( ارفع رأسك، واسأل تعط ). فيسأل الشفاعة للبشرية، أي: القضاء فيها بأن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ لأن الزمان خمسين ألف عام، والناس في عرصة واحدة ينتظرون، وهذا وعد الله له في سورة بني إسرائيل: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ [الإسراء:79]. وليس هناك من يتهجد من المسلمين، فهم لا يعلمون التهجد، وإنما يعلمون الأغاني، وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]. وهذا وعد، ولكنه ناله بالعرق والسهر والدموع والدماء، وما ناله عفواً وطلباً، وهذا ربه يرشده: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ [الإسراء:79]، أي: فأزل الهجود ومزق حجابه، وقف سهران بين أيدينا تبكي طول حياتك. ونحن نغني وننام، ونريد أن ندخل الجنة بسلام، وترى الواحد يغني طول الليل ويرقص مع العواهر وينام، وهذه ليست صفة مسلم من أهل الجنة، ولو فتشت عن واقعه لوجدته لا أدب ولا خلق ولا مروءة ولا كرامة ولا حياء، ولا غير ذلك، إلا ما ندر، وهو لن يكتسب تلك الآداب والأخلاق وقد هجر كتاب الله وأقبل على كتاب الباطل والشر والفساد، وقد رأيتم مجلة أمس المظلمة تلك التي يلتفون حولها ويقرءونها، وأما نداءات الرحمن فدعها، وهذه محنة جديدة، فهيا نرجع إلى بيت الرب، فالله غفور رحيم، وإنما والله كلمة إبليس يقرقرها في نفوسهم، فينطقون بها وهم لا يشعرون.

    قال: [ ( فإن من قال ذلك وجبت له شفاعتي ) ] أي: وجبت له شفاعة رسولنا، ولا غنى لأحد منا عنها؛ لأنها ليست فقط في الخروج من النار.

    أبواب الجهاد في سبيل الله

    قال: [ وقوله تعالى في آخر النداء ] وهو الأمر الثالث: [ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35] هذا الأمر الثالث في هذا النداء ] فهو من جاهد يجاهد، فيا عبد الله! جاهد، ويا جماعة! جاهدوا أي: ابذلوا جهدكم وطاقتكم في طاعة الله عز وجل، إما بقتال الكافرين، وإما بتأديب الفاسقين، وإما بلعن الشيطان، وإما بتأديب النفس وتزكيتها. فمراتب الجهاد عندنا أربعة، فإن انتصرت في ميدان فانتقل إلى الميدان الآخر كما سيأتي.

    قال: [ وهو الأمر بجهاد الكفار لإدخالهم في الإسلام؛ رحمة بهم؛ حتى ينجو من الخلود في عذاب النار ] وسواء كانوا أشرافاً قرشيين أو كانوا تميميين أو كانوا صعاليك أوروبا وإفريقيا، فالكافر كافر، وإن كان ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا لا تطيقونه، وتقولون: هذا ضلال، فابن الرسول لن يكون في النار، وإذا قلت: أبو الرسول في النار غضبوا، وهؤلاء حمقى عندما يغضبون، ويمكن أنه ما عرفوا حكم الله، وهذا ابن نوح في جهنم، وامرأته وضجيعته وأم أولاده والله في جهنم، وهذا والد إبراهيم في جهنم، وهم لا يفهمون هذا، حتى قالوا: عبد المطلب في الجنة، ويقولون: إياك أن تقول: إنه في النار! مع أنه كافر، وقد مات مشركاً. وكذلك أبو طالب عرض عليه الرسول الإسلام، وقال له: ( قل كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال له الشيوخ - شيوخ الشيطان- أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ - وهو يلفظ في أنفاسه- فقال: هو على ملة عبد المطلب ). وعبد المطلب في جهنم. وقد أري الرسول صورة أبي طالب ، ( وأنه في ضحضاح من النار، في قدميه جمرتان من النار يغلي منها - والله- دماغه ). وواعده الرسول أن يستغفر له ما لم ينه عن ذلك؛ لما قدم من أعمال جلية للإسلام وأهله، وما هي إلا أيام ونزل القرآن: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113]. والمؤمنون اليوم لا يقرءون هذه الآية، وإنما يقرءونها على الموتى، وأما الحي فلا يقرأها ولا تقرأ عليه، وإلى الآن ما زلنا من إندونيسيا إلى موريتانيا في العالم بأسره نعيش في جاهليات، ونحن في ظل الإسلام، ولم نعرف الطريق بعد إلى الله، بل نتخبط في حيرتنا، ولن ينقذنا إلا الله، ولكن لهذا أسباب ووسائل، وهي أن يسلموا حقيقة الإسلام فقط، فأسلم تسلم، وآمن تأمن، وأما بالفوضى والتعالي والتكبر وادعاء الفهم والطعن والنقد والكبرياء فلن يهتدوا، فلابد من الإسلام، و( قل آمنت بالله ).

    وقتال الكفار جهاد، وهذا ليس لنأكل أموالهم أو لنستحل محارمهم والعياذ بالله، بل إننا نبذل أرواحنا في سبيلهم، ومن أجل أن ننقذهم من الخلود في عالم الشقاء. ونحن لم نعلم هذا المعنى؛ لأننا ما علمناهم، ولا عرفناه نحن، والآن لو يعرف الكفار ما تعرفون الليلة لأسلم كل يوم منهم مائة ألف، ولكن لم يعلمهم أحد، وحتى الذين معهم ما مثلوا الإسلام ولا طبقوه حتى يكونوا هداة، أو قدوة يقتدى بهم، وفوق ذلك فهم يشاهدون العالم الإسلامي في ذلة وحيرة واضطراب وفقر وبلاء وفسق، فيقولون: هذا هو الإسلام، فلن ندخل فيه. وهذا الكلام والله لكما تسمعونه، وهو ليس كلام هوى أو جهل، فهم من قديم ينظرون إلينا، وينظرون إلى الإسلام من خلال سلوكنا، وهم الذين هبطوا بنا، وهذا جزاؤهم. فهم الذين صرفونا عن الله، وأبعدونا عن هدايته، فهبطنا، ثم تقززوا منا ومن إسلامنا، وهذا جزاؤهم وإلى جهنم، كما قال تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]. وهذه القاعدة وضعها رب السماوات والأرض، فهم الذين حرموا أجيالهم وأممهم من الجنة دار السلام، وأفسدوا الإسلام وأهله، ثم فروا منه وهربوا منه؛ ليبلغوا منتهى ما أراده الله لهم. فنحن نجاهد الكفار من أجل أن ننقذهم من الخلود في النار.

    قال: [ وهناك جهاد آخر ] ثان [ يدخل تحت هذا الأمر ] لأن كلمة: وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ [المائدة:35] عامة، ولا بد لها من فهوم متعددة [ ألا وهو جهاد الفساق بأمرهم ونهيهم ] والفساق يوجدون عندنا في القرية، ففلان يشرب الخمر، وفلان حالق وجهه، وفلان يعق أباه، وقد سمعناه يسب أباه، وفلان لا يحضر الصلاة إلا مرة أو مرتين في اليوم، فإذا فسقوا فعلينا أن نجاهدهم. فعلى أهل القرية وخاصة في مسجد الحي الإمام والمرشد .. اثنين .. ثلاثة من الحي يمشون إلى فلان في بيته أو يستدعونه إلى مقصورة المسجد، ويأخذون يعلمونه ويهذبونه؛ حتى يلين ويتوب من معصيته، فإن كان عقوقاً تركه، وإن كان تركاً للصلاة صلى، وإن كان يشرب محرماً تركه، وهكذا. فالمسئول عن هدايته نحن، فالمؤمن أخو المؤمن، والمسلم أخو المسلم. هذا جهاد الفساق. فنحن نجاهدهم لأنهم خرجوا عن الطريق، فنردهم إلى الطريق؛ ليسعدوا ويكملوا، ولا نتركهم يخرجون من الطريق ويتقلبون ويحترقون، فهم إخوننا. وإذا جربنا هذا الآن فلا نستطيع ولن تستطيعوا، فهو أمر لا يطاق، ولكنه يطاق عندما نسلم قلوبنا ووجوهنا لله، ويجتمع أهل القرية وأهل الحي في مسجدهم ويتعارفون، فإذا عرف بعضهم بعضاً وتآخوا وتعانقوا وتعاونوا، وتعلموا يوماً بعد آخر وشهراً بعد آخر فإنهم يصبحون كتلة من نور رباني، فإذا فسق أحدهم فبسهولة يأتون به ويهذبونه، وتغمره أنوار الحق والرحمة، وأما اليوم فكل ينظر بعينه نظرة شزرة إلى ما في جيبك أو مركوبك أو امرأتك، ولا إله إلا الله!

    ونجاهد الفساق فقط بتكوين هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكومة الإسلامية هي التي تقوم بهذا الواجب إن وجدت، ونحن والحمد لله دولة لا إله إلا الله، وبيننا هيئة الأمر بالمعروف، وهي التي تتعرف على الفسقة والفجار وتؤدبهم وتصلحهم، وأما العالم الإسلامي فلا يوجد فيه شيء اسمه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكأنهم لا يؤمنون بالقرآن، ولعلهم ما سمعوا بهذا الكلام، ومنذ أربعين سنة في هذا المسجد وخبراؤهم ومستشاروهم وعلماؤهم وصحفهم يسمعون، ولم يبلغنا أن دولة كونت هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأحياء والأسواق، مهمتها إذا رأت منكراً أن تبطله، وإذا شاهدت معروفاً متروكاً أن تأمر بفعله، وهذا ما حصل؛ لأننا ما عرفنا الله، ولا آمنا به، وقد قال ربك: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41]. وإن قلت: هذا من النظريات فقط، فقد جاء الله بدولة عبد العزيز ، وأصبحت النظرية حقيقة واقعة، يشهدها الإنس والجن، ولو لم يجئ الله بهذه الدولة وبقيت أمة الإسلام هابطة في الشرق والغرب فممكن أن يقولوا: هذه نظريات، ولا يمكن تحقيقها، وقد تكونت هيئات الأمر بالمعروف قبل أن تلتهم هذه البلاد هذه الجاهليات، ثم تكالبنا على الدنيا، وانتشر فينا الطمع، وقد كنا والله ما تجد فينا مدبراً عن المسجد لا في قرية ولا في جبل ولا في أي مكان أبداً، ومستحيل أن يدبر المؤمن، بل يمشي ولا بد، ويصلي ولو بدون وضوء، ونحن ما ننتظر من الله عز وجل إلا البلايا والرزايا يوماً بعد يوم، وهذه العنتريات والشعارات من الجهاد والثورة والحكم والشريعة والحاكمية هراء، فعلينا أولاً أن نسلم ونظهر لله قلوبنا وأجسامنا، ونطرح بين يديه، ونمتثل أمره، ومن ثم يأتي الحكم الإسلامي، وأما أن نطالب بتحكيم الشريعة وإخواننا زناة فسقة فجرة يأكلون الربا يقولون الباطل يفعلون المنكرات، والقرية ملتهبة فهذا ليس كلام عقلاء، فهيا نسلم أولاً، ولا تقولوا: يا شيخ! ما نستطيع، فهذا ممنوع، فالذي يدخل المسجد يضرب بالرصاص، والذي يقول: لا إله إلا الله يقتل، والذي يغطي وجه امرأته يسجن خمسين سنة، فنقول: إذاً: هاجروا، فلا يحل لكم المقام هنا في هذا البلد، ولكن هذا لا وجود له، لا في تركيا ولا في غيرها، فمن أراد أن يسلم فليسلم في حرية كاملة، بل صل ولا يقول لك أحد: لا، وهذا هو الواقع، ولا ننتظر حتى الحكم الإسلامي، ونضحك على الله، فإذا عرفت أن هذا حرام فاجتنبه، ولا تقل: الحكومة لم تغيره، فأنت مطالب من الله وليس من الحكومة.

    قال: [ وجهاد الشيطان ] ويكون [ بلعنه وعدم الاستجابة له فيما يزين من القبائح، ويحسن من المنكرات، وجهاده يكون بعدم الاستجابة له ] وعدم قبول كلامه [ والتعوذ بالله منه ].

    وأخيراً [ جهاد النفس: وهو أشدها ] وهو أعظم جهاد؛ لأن جهاد الكفار ليس طول العام، بل قد يكون غزوة في العام أو مرة أو مرتين، وقد تمضي عشرين سنة بدون غزو، وقد تكون الأمة ضعيفة، فتعقد معاهدات مع العدو وتنتظر حتى ينقضها، ولكن جهاد الشيطان وجهاد الفساق وجهاد النفس يومياً، وهو دائم مستمر، وخصوصاً جهاد النفس.

    [ وحقيقته: أن يحمل العبد نفسه على أن تتعلم أن تعرف محاب الله عز وجل، وتعمل بها ] فارحل إلى الهند أو إلى السند أو إلى أوروبا أو إلى حيث شئت، فيجب أن تعرف ما يحب الله من أجل أن تتملقه بذلك، فارحل واقرع أبواب العلماء وزاحمهم حتى تعرف ما يحب الله من اعتقاد وقول وعمل وسلوك وهيئة [ وتتعلم مكاره الله وتتجنبها ] وتحفظها بالحرف والواحد لتتجنبه. وهذه خطوة أولى في جهادك، أن تعمل بما تعلمت، فإذا عرفت أن المخدرات محرمة فلا تدخلها بيتك ولا جيبك، ولا ترضى أن يبيعها مؤمن أمامك، وإذا عرفت أن الغيبة يبغضها الله فلا تتكلم في غيبة مؤمن أبداً، وإذا عرفت أن الله يحب أن تؤتى الصلاة في بيوته فلا تصلي إلا في بيته، إلا مضطراً في الشهر أو العام مرة، هذا هو الجد، وهذا هو الجهاد، فاعمل بما عملت [ وتعلم غيرها ذلك من المؤمنين والمؤمنات ] فالخطوة الأخيرة: أن تعلم ذلك امرأتك وبناتك وأولادك وإخوانك وجيرانك وزملاءك ورفقاءك ومن معك، فإذا تعلموا كلهم فامش إلى البادية وابحث عن جهال وعلمهم، أو ارحل إلى بلاد أخرى ليس فيها علم ولا علماء وعلمهم ما علمت، وبذلك تكملوا وتسعدوا، وتصبحوا أهلاً للجائزة العظمى، وهي: ( من علم وعمل بما علم وعلمه دعي في السماء عظيماً ). وبذلك تكون في عداد المجاهدين والشهداء.

    جزاء المجاهدين

    قال: [ والجزاء على هذا الجهاد هو ما واعد به الرحمن يقول: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35] ] وهذا هو الختم الأخير، فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ [المائدة:35]. والجزاء: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:35]، أي: من أجل أن تفلحوا، فلعل إعدادية، أي: ليعدكم لذلك إلى الفلاح [ و] هذا [ الفلاح ] ليس فلة ولا وظيفة ولا إذناً بفتح محل للخمر من الحكومة، وإنما هو الفوز، و[ هو النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار. جعلنا الله تعالى من أهلها. آمين ] ولا تفهم فلاحاً ولا فوزاً في الدنيا سوى هذا الفلاح. وأما أفلح في تجارته أو نجح في بنايته فكل ذلك هراء، وهذا لا يسمى فوزاً ولا نجاحاً، وإنما الفوز والفلاح أن تزحزح عن عالم الشقاء، وتجد نفسك في عالم السعادة، واقرءوا لذلك قول ربنا: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]. حتى الرؤساء يموتون، ولا يستطيعون أن ينقضوا حكم الله، ولو تجتمع البشرية كلها على نقض حكم من أحكام الله فوالله لن يمكنها نقضه، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185].

    فيا أيها العمال! اعملوا الليل والنهار، ولا تطالبوا بالأجور اليوم، فأنتم في دار العمل، وإذا انتهيتم من عملكم فتسلموا أجوركم يوم القيامة، وصوموا الدهر كله، ولا يقولن أحد: أنا فقير لن أصوم، فهو يريد الجزاء، والجزاء هو: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]. وهذه الأجور قال الله في بيانها: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]. وليس بعد هذا البيان بيان، ولو كنا نقرأ القرآن ونجتمع عليه فليس بعده بيان.

    ولا تقوموا إلا من كان مضطراً للقيام لبول أو غائط؛ فإن الجائزة العظيمة، وهي: أن الملائكة تصلي عليكم الآن، وتقول: اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، ما دمتم جالسين تدرسون كتاب الله بينكم، ثم إذا أذن المؤذن فلا نشرد، وقد قاومنا هذا مرات؛ لأننا هابطون، فنقاوم أسبوعاً أو أسبوعين ثم ننهار، فينبغي أن نبقى جالسين ونحكي ما يقول المؤذن، ونختم الأذان بتلك الصلاة الإبراهيمية، وندعو للرسول بالدعوة التي طلب منا في هدوء وسكون، ونضع الجائزة في جيوبنا ونقوم بهدوء.

    ووالله لا أحب أن أقوم كما تقومون، لا لمصافحة ولا لسلام، وهذا ورثناه لأننا ما ربينا في حجور الصالحين، فينبغي أن نحمل الهم في نفوسنا، ونستمع ونأخذ ما سمعنا، ونبلوره نوراً في قلوبنا، وتتجلى حقائق ذلك في مجلسنا.

    ولو ذهبنا إلى الجالسين هناك وقلنا لهم: قوموا صلوا ركعتين لقالوا: ليسوا في حاجة إليها، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم سن هذا، وقال: ( ما بين كل أذان وإقامة صلاة ). في الصلوات الخمس، والركعتان خير من الدنيا وما فيهما.

    والنداء الذي بعد هذا هو النداء الرابع والثلاثون من نداءات الرحمن، وهذا النداء موضوعه وفحواه وما يدعو إليه هو في حرمة اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وبيان علة ذلك والتحذير من موالاتهم.