إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 33للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو ولي المؤمنين؛ يدافع عنهم، ويكبت عدوهم، وقد امتن الله على عباده المؤمنين بنصره لهم في مواطن كثيرة، سواء فيما يتعلق بعموم المسلمين أو ما يخص نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، فجعل سبحانه وتعالى حمايته له صلى الله عليه وسلم بمثابة حماية الدين، ودفاعه عنه صلى الله عليه وسلم بمنزلة الدفاع عن كل أفراد المؤمنين.

    1.   

    الأمر بذكر النعم لشكرها وتقوى الله عز وجل والتوكل عليه سبحانه وتعالى

    الحمدلله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. جعلنا الله منهم وحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. آمين!

    وهذه النداءات الإلهية البالغة تسعين نداء قد علمتم وتكرر علمكم أنها احتوت على كل ما تتطلبه حياة المؤمن، وما تركت شيئاً تتوقف عليه سعادتك أيها المؤمن! إلا وقد بينته، بحيث لو أن مؤمناً أو مؤمنة يحفظها عن ظهر قلب، ويعلم ما دلت عليه وهدت إليه ويطبقه لأصبح من أهل ولاية الله وكرامته، وأصبح قبل ذلك من أهل العلم والبصيرة في دين الله، وسما وارتفع، فكان سيداً لمن دونه.

    وهذه سنة الله التي لا تتبدل، فمن علم وعمل دعي في السماء عظيماً، ولن تدعى في السماء من عظماء الرجال وأنت في الأرض من دونهم، فهذا ما كان ولن يكون، ولن تكون فوقهم وسيدهم وأشرفهم. وهذه سنن الله، فالطعام يشبع، والماء يروي، والنار تحرق، والحديد يقطع، وهذه سنن لا تتبدل، وكذلك بالعلم والعمل والإيمان والتقوى تتحقق ولاية الله، ولن تتخلف.

    وهذا هو [ النداء الثاني والثلاثون ] وقد درسنا واحداً وثلاثين من تلك النداءات من أول رمضان إلى اليوم، وفحوى هذا النداء ومضمونه ومحتواه وما يتحمله هو [ في الأمر ] أي: أمر الله عبده المؤمن أو أمته المؤمنة [ بذكر النعم ] حتى لا ينساها، والمراد من ذكر النعمة [ لشكرها ] أي: شكر المنعم، ويكون شكره بحبه وطاعته، وبذلك تفتح أبواب السماء لأوليائه.

    [ و] كما تضمن أيضاً [ تقوى الله عز وجل ] لأنها الخطوة الثانية في تحقيق ولاية الرحمن، ونحن موقنون بهذا ومؤمنون، فلا ولاية إلا بتقوى الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل قال: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. ثم بين أولياء الرب فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]. فبالإيمان الحق والتقوى الصادقة تتحقق ولاية الله للعبد، ومن والاه الله والله لا يخاف ولا يحزن لا في الدنيا ولا في البرزخ بعد الموت ولا في الحياة الآخرة. فقد قال تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64]. وليس هناك من يعقب على هذا الحكم، فقد قال تعالى: لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:64].

    [ و] تضمن أيضاً هذا النداء وجوب [ التوكل عليه سبحانه وتعالى ] لأن السالك لطريق النجاة تعترضه العقبات الكأداء، والمخاوف والتهاويل، فلا بد وأن يطرح بين يديه، ويفوض أمره إليه، ويسارع إلى طريقه حتى النجاة، فإن تململ أو خاف أو رجع انقطع. فلا بد من التوكل على الله.

    وآية هذا النداء هي [ الآية (11) من سورة المائدة ] المباركة، وقد احتوت على ما سمعتم، الأمر بذكر النعمة لشكرها، وتقوى الله عز وجل، والتوكل عليه سبحانه وتعالى. وهيا بنا نتغنى بهذا النداء، وممكن أن نجد لذاذة في ذلك إذا كانت النفوس طاهرة، وأما إذا كانت خبيثة فإنها لا تطيق، وتريد أن تسمع صوت ليلى وسلمى؛ لأنها تطرب وتذوب، وقد كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم؛ لأنهم ما يطيقون سماعه؛ إذ في آذانهم وقر، أي: ثقل، وهو عليهم عمى، وهؤلاء هم الكافرون المشركون المكذبون، أو بعبارتنا: الأموات غير الأحياء؛ لأن الكافر ميت لا حياة له.

    [ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11] ] ومن حفظها يصلي بها ركعتين قبل صلاة العشاء؛ فإنها تستقر في ذهنه.

    ومع [ الشرح ] لهذا النداء الكريم، الذي هو نداء الله رب العالمين لأوليائه المؤمنين. جعلنا الله منهم. وها أنتم منهم والحمد لله، وملايين البشر كلهم غضب الله عليهم، وسخط ولعنهم، وأعد لهم مصيراً مظلماً، لا يطاق أبداً، ووالله لو ينكشف منه شيء على العبد لأغمي عليه، ولفقد حياته. وأنتم رزقكم الإيمان بفضله، وما جاهدتم ولا تعبتم، فالحمد لله، فحققوا التقوى يكمل لكم الكمال.

    الحث على العودة إلى الله والرجوع إلى الكتاب والسنة وأثر ذلك في عزة المسلمين وسيادتهم

    قال الشارح غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم: [ اعلم أيها القارئ الكريم! ] وهذا القارئ هو الذي يقرأ هذا النداء، فهو نداء الله، ولا يجوز للؤمن ألا يقرأه، ولا أن يناديه سيده ويقول: لا، ما أسمع والعياذ بالله، فينبغي على المؤمن القارئ أن يقرأه، والذي لا يحسن القراءة يقول: لأخيه أو أمه أو من يقرأ: اقرأ علي نداءات ربي. وعلى أهل المساجد أن يقرءونه طول العام، وأهل البيوت كذلك، وعندئذ سنعود إلى الله تلقائياً بلا عصا ولا حديد ولا رشاش، وإذا عاد المسلمون إلى الله وتعارفوا على الله سادوا وسموا، وما ذلك على الله بعزيز، وليس هناك طريق آخر للسيادة والسمو والله، إلا أن نعود إلى بيوت ربنا بنسائنا وأطفالنا، ونتلقى الكتاب والحكمة ونزكي أنفسنا، وكل ليلة وطول العمر، وعلى امتداد الحياة. وقد سبقنا لهذا الصحابة ورب الكعبة، وقد سادت أمة الإسلام في عهدهم في ظرف خمس وعشرين سنة، فنشرت العلم والهدى، والعدل والرحمة والإخاء في العالم؛ لأنه كان يجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد، ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، فيتخرجون في أربعين يوماً أهل علم وبصيرة وهدى ومعرفة، ولم تكتحل عين الدنيا بمثلهم، وهم لم يتعلموا الفلسفة ولا العلم الكاذب، وإنما قال الله وقال رسوله فقط.

    وليجرب أي أهل إقليم في العالم الإسلامي، ويجتمعون كاجتماعنا هذا كل ليلة، ونسائهم وراء الحجاب والستارة، ومكبر صوت بينهن، والأطفال صفوف دونهن، والفحول هكذا، والمربي يعلمهم ليلة آية كهذه، وليلة حديثاً، وهم يتعلمون ويعملون ويسمون، ووالله لن تمضي السنة إلا وأهل القرية قد أصبحوا كوكب في السماء بالنسبة إلى باقي القرى، فلا خيانة ولا غش، ولا كذب ولا فقر، ولا جوع ولا ألم، ولا حسد ولا بغضاء، ولا شره ولا طمع. لا إله إلا الله! وهذا ممكن وقوعه، فأنت إذا شربت ارتويت، وإذا طعمت شبعت، وكذلك إذا تعلمت الكتاب والحكمة فإنك تسمو وتعقل، ومستحيل ألا يقع هذا، فلنتحلى بالصدق إذا أردنا الله واللحاق بمواكب الصالحين، وإن كانت الحكومة كافرة والله - ولو كانت إسرائيل- واجتمع المؤمنون في صدق في بيت ربهم والتزموا بالكتاب والحكمة، وما فيهما من الآداب والأخلاق، والتعاليم والعدالة، والسياسة والرحمة لرهبهم أهل الأرض وخافوهم. وبدون هذا لا يوجد أبداً نجاة، بل قل لهم: ينتظرون البلاء بعد البلاء.

    سبب مناداة الله تعالى لعباده المؤمنين

    اعلم أيها القارئ الكريم! [ أن الله تعالى لا ينادي عباده المؤمنين به ] أي: بوجوده وربوبيته وألوهيته وولايته [ وبلقائه ] يوم القيامة [ إلا ليأمرهم بفعل ما يكملهم آداباً وأخلاقاً، ودولة وسلطانا، ويسعدهم في دنياهم وأخراهم ] والله تعالى لا ينادي عباده لا لشيء، فقد تنزه الله عن اللهو والباطل والعبث، فهو لا يناديهم إلا ليأمرهم أو ينهاهم، أو يبشرهم أو يحذرهم؛ من أجل أن يكملوا ويسعدوا، ويعزوا ويسودوا، وقد فعل، ومضت ثلاثمائة سنة ما عرفت الدنيا أمة أطهر ولا أرحم ولا أعدل من هذه الأمة، وهذا ليس خيالات، وإلى الآن أعرفنا بالله أتقانا له، وأتقانا لله هو أقلنا شراً وخبثاً وفساداً وهبوطاً. ولا نحتاج إلى براهين أخرى، ففي قريتك .. في مدينتك .. في حيك أعلمنا هو أتقانا وأفضلنا، ولست واهماً في هذا، ولا أحد يرد هذا، وأجهلنا بالله وأبعدنا عن طريقه هو أفسقنا وأظلمنا وأشرنا.

    قال: [ لأنه ربهم ووليهم ] وخالقهم ومالكهم [ والرب لا يريد لعبده ومملوكه إلا كماله وسعادته ] فإذا ملك شخص عبداً فإنه يريد له الأذى والضرر، بل يريد له السعادة والكمال [ والولي لا يريد لوليه إلا ما فيه كماله وسعادته، والولي لا يريد لوليه إلا ما فيه خيره وكماله وسعادته ] وهذا واقع لا يرده ذو عاقل أبداً [ وها هو ذا الله تبارك وتعالى ينادي عباده المؤمنين بهذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة:11] ] اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]. وهذا نداؤه، فقد ناداهم وأعطاهم هذا [ ليأمرهم بذكر نعمة عظيمة أنعم بها عليهم، هي أنه ما من مؤمن ولا مؤمنة من يوم تلك النعمة إلى يوم القيامة إلا وهو مأمور بشكر الله تعالى على تلك النعمة ] لأن عوائدها عادت عليه، وسنعرف هذه النعمة، [ والشكر متوقف على ذكر النعمة بعد معرفتها ] وفي القرآن الكريم في عدة آيات: يا بني إسرائيل! اذكروا نعمة الله عليكم إذ فعل بكم كذا وكذا وكذا، والمراد: اشكروها، ومن ذكر النعمة وتفكر بها شكرها، ومن نسيها وغفل عنها ولم يذكرها فوالله ما شكر الله عليها. فالأمر بذكر النعمة معناه: الأمر بشكرها، فاذكر نعمة الله عليكم إذ كنتم كذا وكذا؛ لتشكروه على تلك النعمة، وما شكر الله إلا طاعته، وتلك الطاعة هي سلم الرقي إلى السماء والملكوت الأعلى، وتلك الطاعة هي أدوات حفظ الإيمان والإسلام والطهارة والصفاء والعز والكمال [ فلذا قال لهم: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:11]. وبين موقعها، وجلى لهم حقيقتها، فقال عز من قائل: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11] ] بالضرب والقتل [ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11] ] وهذه هي النعمة.

    من مظاهر ولاية الله لنبيه وللمؤمنين أن أنجاه من محاولة غورث بن الحارث لقتله

    قال: [ وقد تكررت محاولة قتل نبيهم صلى الله عليه وسلم عدة مرات، وفي كل مرة يكف الرب تبارك وتعالى أيدي الخادعين الماكرين، فلم يصلوا بالأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالضرب أو القتل ] والحمد لله.

    [ ومن تلك المرات محاولة غورث بن الحارث الواردة في الصحيح ] أي: صحيح الأحاديث [ وهي أن ( غورث الأعرابي رأى النبي صلى الله عليه وسلم قد نزل منزلاً، وتفرق أصحابه عنه ) ] هنا وهناك [ ( يستظلون بالأشجار للاستراحة ) ] وهم في غزاة [ ( من عناء الغزو والتعب والسير في سبيل الله، وقد علق النبي صلى الله عليه وسلم سيفه بشجرة واستراح كما استراح أصحابه، وإذا غورث الأعرابي يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ سيفه من الشجرة ) ] إذا علق النبي صلى الله عليه وسلم سيفه على الشجرة ودلاه [ ( وسله ) ] غورث [ ( من غمده، أقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: من يمنعك مني؟ ) ] والسيف مصلت، وهو سيف أبي القاسم، فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: علي بن أبي طالب ، وإنما [ ( فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: الله عز وجل ) ] وإي والله، فالله هو الذي يمنع، وإذا لم يمنعه الله فلو اجتمع أهل الأرض ما منعوه [ ( قال الأعرابي مقالته ثلاث مرات، والرسول صلى الله عليه وسلم يرد عليه بقوله: الله عز وجل، فسقط السيف من يد غورث ) ] وانهار [ ( وجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ساكتاً) ] خامداً لا حراك له، وكأنما خدر، وانهار تماماً [ ( لا يتكلم ) ] أبداً [ ( والرسول صلى الله عليه وسلم معرض عنه ) ] لا ينظر إليه، ولا يلتفت إليه، وتركه [ ( ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس ) ] أنه أتاني وسيفي معلق، وانتزعه وسله من غمده، وأراد أن يقتلني [ ( ولم يعاقبه ) ] ولو كنت أنت أو أنا لقلنا: يا مجنون! يا أحمق! يا مسحور! ولكن: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]. وإذا عفوت فقد سموت ونجوت [ ولعل الأعرابي كان مبعوثاً من قوم مشركين؛ ليقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم ] وهو كذلك [ فهذه نعمة، وهي نعمة نجاة نبيهم من القتل على أيدي أعدائه وأعدائهم ] وهذه واحدة، ولو مات الرسول صلى الله عليه وسلم لما اجتمعتم الليلة، ولا عرفتم الله ورسوله، ولانتهى كل شيء [ وهي أكبر نعمة شملت المؤمنين من عهده صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة.

    من مظاهر ولاية الله لنبيه وللمؤمنين إنجاؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم من محاولة بني النضير قتله

    قال: [ ومرة أخرى ] أيضاً [ وهي أن يهود بني النضير ] وقبيلة بني النضير شرق المدينة [ تآمروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلقوا عليه رحى من سطح المنزل الجالس تحته؛ إذ ذهب إليهم مع بعض أصحابه لمهمة تطلبت الذهاب إليهم بمقتضى المعاهدة السلمية التي كانت بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم ] وكانت الاتفاقية أو المعاهدة السلمية بينه صلى الله عليه وسلم وبين بني النضير أنهم إذا كانت هناك دماء أو أموال يتعاونون على سدادها بمقتضى الاتفاقية، وإذا أصيبوا بحادثة فالرسول يساهم معهم في تخفيفها، وإذا أصيب الرسول أيضاً بحادثة فيساهمون أيضاً في التخفيف عنه، فحدث قتل بين صحابيين وديتين، فذهب ليطلب المساعدة منهم بموجب الاتفاقية، وليس صدقة، فلما جلس مع بعض أصحابه، قالوا: الفرصة متاحة، واليوم ننهي حسابه معنا، وهو تحت ظل الجدار، وكان البناء قديماً طابقاً واحداً كما تعرف الدنيا في ذلك الوقت، فقالوا: نأخذ رحى-مطحنة- ونطلقها عليه، وبالفعل أعدوا العدة وأرادوا أن يفعلوا ذلك [ لكن الله تعالى خيبهم حيث أوحى إليه صلى الله عليه وسلم بالمؤامرة ] وأوحى الله إليه أن قم، فالقوم قد مكروا [ فقام سريعاً مع أصحابه ] فأخذ ثيابه ومشى مع أصحابه [ وندم اليهود لما فضحوا، وأمر الله رسوله بإجلائهم بحكم المعاهدة التي نقضوها، فحاصرهم صلى الله عليه وسلم برجاله، وأجلاهم عن المدينة، فالتحقوا بالشام ] ومن ثم نقض المعاهدة، وأعلن الحرب عليهم، وطوقهم وأجلاهم بإذن الله، كما قال تعالى: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:3-4]. هؤلاء بنو النضير. والرسول صلى الله عليه وسلم كان سياسياً، ووالله ما اكتحلت عين الوجود بأعظم سياسة رشيدة من سياسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله الذي لا إله غيره لا توجد سياسة رشيدة سليمة محيية معطية نافعة غير ضارة إلا في الإسلام، أي: في القرآن والسنة، ومن أعرض عن الكتاب والسنة فوالله أنه لا يبرح يتخبط في الضلالات حتى يتمزق، وأحلف هذا الحلف لأن عالمكم الإسلامي يتخبط اليوم بعد أن أعرض عن الكتاب والسنة.

    من مظاهر ولاية الله لنبيه وللمؤمنين إنجاؤه لنبيه صلى الله عليه وسلم من محاولة قتله بالسم في خيبر

    قال: [ وثالثة ] أيضاً: [ تآمر يهود عليهم لعائن الله على قتله صلى الله عليه وسلم ] وذلك [ بإطعامه سماً ] في غداء، فذبحوا له شاة، وجعلوا فيها السم، وهي مصلية ومشوية، وذلك في خيبر [ فنجاه الله تعالى. فهذه النعمة نعمة نجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من القتل حتى يتم الله شرعه ويكمل دينه، ولما نزلت آية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] توفاه الله ] إذ تمت الرسالة، وتم دين الله وكمل، فلو كان قتل في المرة الأولى أو الثانية أو الثالثة لما كمل الدين، ولما عرفنا كيف نعبد الله، ولا كيف نعرفه. فهذه النعمة تشمل كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة؛ ولهذا نادى الله المؤمنين وهو يعلم أنهم باقون إلى يوم القيامة، فهذا النداء لا ينتهي بعهد نزول القرآن.

    وقد توفاه الله تعالى [ في حجرته المشرفة التي دفن فيها ] فقد مات فيها ودفن فيها، ولم يوجد نبي على سطح الأرض يعرف قبره وداره وحجرته إلا هو صلى الله عليه وسلم.

    وأزيد كلمة: اليهود والنصارى والمجوس والمشركين والجن والشياطين وكل عدو لله ولرسوله وللمؤمنين والله ما استطاعوا ولن يستطيعوا أن ينالوا تلك الحجرة بسوء، أو ينبشوا ذلك القبر، فقد حماه الله ألفاً وأربعمائة سنة، فقولوا: آمنا بالله، وهناك مجوس يحاولون إلى الآن، ويريدون أن يدخلوا الحجرة ويعبثوا بها، ويخرجوا الشيخين رضي الله عنهما، ولكن الله مخزيهم ومذلهم إلي يوم القيامة؛ لأنه ولي محمد والمؤمنين.

    قال: [ ودفن معه صاحباه الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما ].

    امتنان الله على المؤمنين بإنجائه لرسوله صلى الله عليه وسلم من محاولات القتل المتعددة

    قال: [ لهذا نادى الله تعالى عباده المؤمنين بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [المائدة:11]، أي: بإنجاء نبيكم من القتل المدبر له صلى الله عليه وسلم من قبل أعداء التوحيد وأعداء الإسلام اليهود. وبين ذلك بقوله: إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ [المائدة:11] ] وبسط اليد معروف، فقد بسطها ليضرب [ أي: بقتل نبيكم. فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة:11].

    المساس بشخص النبي صلى الله عليه وسلم هو اعتداء على كل مؤمن، وحمايته حماية لمستقبل الدعوة وكيان الأمة

    قال: [ تأمل أيها القارئ! ] والمستمع! [ كيف نسب الله تعالى القتل إلى المؤمنين، والمتآمر على قتله هو نبيهم صلى الله عليه وسلم، فتفهم أن على كل مؤمن ومؤمنة أن يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وماله وولده ووالديه والناس أجمعين. وهو كذلك.

    وتأمل قول الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6] ] فهو أولى بالحياة، وأولى بمقتضيات الحياة، وأولى بالأكل والشرب واللباس وفي كل شيء، فهو مقدم علينا، ونموت كلنا ويحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونجوع كلنا ويشبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونخاف كلنا ويأمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقد عرف هذا أصحابه فأحبوه وأطاعوه، وقد انتهى بهم ذلك إلى السيادة والكمال والعز والطهر والصفاء. وإذا تأملت قول الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6] فإنه [ يتبين لك سر أمر الله تعالى عباده المؤمنين بذكر نعمة الله عليهم بنجاة نبيهم من مكر أعدائه به ليقتلوه، فكف أيديهم وصرفهم خائبين خاسرين ] في ثلاث مرات.

    الأمر بتقوى الله عز وجل

    [ وأخيراً ] تأمل [ أمره تعالى للمؤمنين بتقواه بقوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ [المائدة:11]. وذلك لما في تقواه عز وجل من رضاه وولايته الموجبة للسعادة والكمال في الحياتين.

    ألا فلنتق الله تعالى ] واتقاء الله ليس بالجيوش الجرارة، ولا بالحصون المتينة، ولا بالأسوار، ولا بالسلاح، وإنما بالإسلام له، فأعطه قلبك ووجهك، ولا تلتفت إلى غيره، وليكن هو همك، ولا هم لك سواه، فافعل ما يأمرك، واترك ما ينهاك، وتكون بذاك قد اتقيت غضبه وعذابه وسخطه، ولا يتقى بغير هذا. ولكن الذي لا يعرف الله لا يتقيه، والذي لا يعرف ما يحب الله وما يكره لا يتقيه. وعدنا من حيث بدأنا، ألا فلنعلم أنه لا إله إلا الله، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]. ووالله ما يستطيع آدمي أن يعبد الله عبادة حقة إلا إذا عرف الله، وعرف ما يحب وما يكره، ولا يمكنه أن يعرف هذا دون أن يقرأ كتابه، وهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، ونحن لا نقرأ؛ لأننا مشغولون، فالدنيا قد أكلتنا، فنحن نجري وراء الطعام والشراب واللباس، وهذه مشكلة لا بد لهما من حل. والحل هو: يا أهل القرية! ويا سكان الحي! اعملوا من بعد صلاة الصبح، فصلوا الصبح في جماعة ثم انطلقوا إلى ميادين العمل في جد وصدق، فهذا يبني وهذا يهدم، وهذا يحصد وهذا يبذر، وهذا يصنع وهذا يروج إلى أن تغيب الشمس أو تكاد، فتغتسلون أو تتوضئون وتأتون إلى بيت ربكم، وهو المسجد، وتجتمعون نساء وأطفالاً ورجالاً، وتتعلمون ليلة آية وأخرى حديثاً، فتتعلمون الكتاب والحكمة، فإذا النفوس تزدهر، والمعارف تنمو، والإخاء يتوثق، وإذا بكم لا تخافون الموت أبداً، ولا تخافون الفقر أبداً، والقليل من طعامكم والله يصبح كافياً، والقليل من لباسكم والله يفيض عنكم، و

    تسعدون رغم أنف الدنيا كلها؛ لأنها سنة الله عز وجل، وبدون العلم بالله لا يتقى الله، وبدون معرفة كيف نتقيه لا نتقيه، فلا بد من العلم. ولا تقولوا: المدارس امتلأت بها الدنيا في كل العالم الإسلامي، وكذلك الكليات والجامعات؛ لأنه لا آثار لتلك المدارس والعلوم والمعارف، فهي ما ظهرت بالمودة والإخاء والحب والولاء، ولا ظهرت بالتعاون على البر والتقوى، وترك التعاون على الإثم والعدوان، ولا تجلت آثارها في قراءة الصحف والكتب، ولم تنفع، وأنا لا أقول: عطلوها أبداً. وإنما فقط هيا نعود إلى الله عز وجل في صدق، فإذا غابت الشمس لم يبق رجل ولا امرأة في غير بيت الرب أبداً، فلا دكان ولا مقهى ولا باطل ولا غير ذلك، بل أهل البيت في بيت ربهم يتعلمون الكتاب والحكمة كل ليلة، ولا يمضي زمن إلا وهم ربانيون، أفضل من سيدي عبد القادر مليون مرة. فإن رفعوا أكفهم إلى الله لم يردها خائبة أبداً، ولرهبهم الإنس والجن، ولا تقل: هذا رجعي، والناس يملكون الهيدروجين والذرة والصواريخ؛ إذ هذا يأتي عفواً، وسيأتيك ذلك؛ إذ الله يدفعك إليها، فتصنعها وتنتجها قبلهم، وهو لن يهملك وقد عرفته وعرفك. ولذلك عليك أولاً: أن توجد ولاية الله في نفسك، والذي أعطاهم سيعطيك أضعاف ما أعطاهم. والغافل يقول: الشيخ يريد أن نرجع إلى المسجد! وأقول: الرجوع إلى المسجد معناه: أن نرجع للطاقة النورانية؛ لنصل إلى السماء، والذين هربوا من المسجد لم يصلوا إلى شيء، بل وصلوا الحمامات والخانات، وإلى المنكر والباطل والخبث والشر في أوروبا وأمريكا في العالم الكافر الذي خمت الدنيا منه وتعفنت، فهي أوساخ لا قيمة لها.

    الأمر بالتوكل على الله عز وجل

    قال: [ وأمرنا ] تعالى [ بالتوكل عليه لا على غيره ] في قوله: وَعَلَى اللَّهِ [المائدة:11] لا على سواه، فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [المائدة:11]. فليعتمدوا على الله، وليظهروا للدنيا أنهم أداة الإسعاد والإكمال في الحياة [ إذ التوكل عليه يحقق المطلوب بدفع الأذى وتحقيق الخير الكثير، وأما التوكل على غيره فإنه يجلب الخيبة والمذلة والضياع.

    ألا أيها المؤمن القارئ والمستمع! اذكر هذا ولا تغفل عنه؛ فإنه سلم سعادتكم، ومفتاح كل نعيم يحصل لكم. وفقنا الله تعالى لذلك، وزادنا رضاه. آمين ].

    معاشر المستمعين! خلاصة هذا: ما منا إلا وقد كف الله عنه يوماً الأذى، إما مرض وإما جوع، وإما خوف وإما غير ذلك، ونحن لا نذكر ذلك ولا نشكره. وقد أقول: بالتجربة ما من مرة يغمض أحدنا عينيه ويذكر ما أصابه إلا بكى. فاذكروا نعم الله عليكم؛ فإنها تحملكم على الشكر [ وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] وصلى الله على نبينا محمد.