إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 30للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن شعائر الله عز وجل أمرها عظيم، وشأنها جسيم؛ لذا فقد خاطب الله عباده المؤمنين بالمداومة على حفظها، وبين أن حفظها علامة على حياة قلب العبد، وبمقابل ذلك نسخ الله تعالى بعض الشعائر التي كانت قائمة مثل تحريم القتال في الأشهر الحرم، وهدي المشركين وقلائدهم، وأمر عباده المؤمنين بالتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان.

    1.   

    تحريم استحلال شعائر الله إلا ما نسخ منها وفي إباحة الصيد بعد التحلل وفي وجوب التعاون على البر والتقوى

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، وهي تسعون نداءً، حواها كتاب الله واشتمل عليها القرآن العظيم، وهذه النداءات المنادي فيها هو الله رب العالمين، وولي المؤمنين، ومتولي الصالحين، والمنادى بها هم المؤمنون المتقون. وثمار هذه النداءات الاستقامة على منهج الحق إلى دار السلام.

    وقد كررنا القول: أنه ينبغي للمؤمن أن يسمعها، فاسمع مولاك وهو يناديك ويوجه إليك نداءه، وقد علمتم ما قاله عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقد قال له أحد التابعين من أبناء الصحابة: اعهد إلي يا عبد الله! ووصني بشيء، فأنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: إذا سمعت (يا أيها الذين آمنوا) فأعرها سمعك؛ فإنه خير تؤمر به، أو شر تنه عنه.

    وهذا منهج الكمال والإسعاد، وهو فعل الخير وترك الشر، ولغفلتنا وإعراضنا وإبعادنا ما منا أحد قصد أن يسمع هذه النداءات الإلهية، مع أنها احتوت على كل ما تتطلبه حياة المؤمن من العقائد .. العبادات .. بيان الحلال والحرام .. المال .. الاقتصاد .. السياسة الحربية السلمية، وما تركت شيئاً تتوقف عليه حياة المؤمن إلا وحوته.

    وقد شاء الله أن تكتب في كتاب وتجمع وتشرح وتبين وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، علها تنتشر وتبلغ بين المسلمين، وتترجم إلى لغات المسلمين. وهذه الخطوة الأولى قد تمت، وما بعدها إلى الله، فإن أراد الله أن يجمع المؤمنين على الهدى وعلى الخير والتقوى ليتآلفوا ويتحابوا ويتعاونوا ساقهم لهذا الكمال، وإن لم يرد - عقوبة لنا- فها نحن كما نحن، ما سمعنا ولا قرأنا.

    وهذا [ النداء ] هو [ التاسع والعشرون ] وقد سبقه ثمانية وعشرون نداء، وفحواه وما احتوى عليه هو: [ في تحريم استحلال شعائر الله ] وشعائر الدين: أعلامه كالصلاة والزكاة [ إلا ما نسخ منها ] إذ بعض الشرائع - والقرآن ينزل- نسخها الله عز وجل، وأوقف العمل بها وأبطله، والله ينسخ ما يشاء ويبقي ما يشاء، ولكنه يبقي ما فيه كمال المؤمنين وسعادتهم، وينسخ ما ليس فيه طائل ولا فوائد؛ لأنه عليم حكيم، وبالمؤمنين رحيم [ وفي إباحة الصيد بعد التحلل ] وقد تقدم لنا في نداء قبل هذا: أن المحرم بالحج أو العمرة لو عرضت له غزالة بين يديه لا يمسها، ولو وجدها نائمة في فراشه يتركها ما دام محرماً، فلا يصيد طيراً ولا غزالة ولا شيء، وأما بعد التحلل من الإحرام فله أن يصيد، ولكن لا يصيد في الحرم، ولا في حرم المدينة، وحرم المدينة من جبل أحد إلى جبل عير، فهذا لا يحل الصيد فيه أبداً، وقد كان أحدهم يجد الضبي في ظل شجرة فلا يبعده ليستظل بظلها أبداً، وحرم مكة معروف أيضاً، وحدوده معلومة، فلا يحل للمحل ولا المحرم أن يصيد في الحرمين.

    وخارج الحرمين من أحرم بعمرة وقال: لبيك اللهم لبيك عمرة فكأنما دخل في الصلاة، فكل لهو أو لعب أو باطل يفسد عليه حجة وعمرته، والصيد في الغالب مما يتلهى به، وإلى الآن يأتونه للهو، فإذا اشتغل بحيوان يصيده ويذبحه ويأكله فإنه ينقطع عن ذكر الله، وعن العبادة التي دخل فيها، والله أكبر! فالمصلي لا يأكل طعاماً، ولا يشرب ماء، ولا يصح هذا، وكذلك من أحرم بالحج أو العمرة لا يصيد [ ووجوب التعاون ] فهو فريضة بين المؤمنين أولياء الله، فيتعاونون [ على البر والتقوى ] وجوباً، فإن لم يتعاونوا كما هم اليوم فقد تركوا واجباً، وسيؤاخذون به [ وحرمة التعاون على الإثم والعدوان ] فإن تعاون اثنان أو ثلاثة أو أهل قرية على إثم يفعلونه أو اعتداء يقومون به فذلك تعاون على إثم ومحرم. فهذا النداء اشتمل على هذه كلها، وإليكم النداء، فلنتغنى به؛ علنا نحفظه أولاً.

    قال: [ الآية (2) من سورة المائدة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:2] ] فإذا عاقب وأخذ بالعقاب فإن عقابه شديد، فلنتقه.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ...)

    وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2] هذه بالذات نزلت لما تم الصلح بين رسول الله والمؤمنين من جهة وبين عمرو بن سهيل ممثل قريش وقريش من جهة، وكانت الحديبية سنة ست. فنبه الله عباده المؤمنين على أنهم لا يحملنهم بغض الآخرين أن يعتدوا عليهم، بل يجب أن يوفوا بالصلح إلى نهاية عشر سنوات، ولا أحد يف بالعهود سوى المؤمنين؛ لأن الله عز وجل يربيهم، وقد قال لهم: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2]. وكان قد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بألف وأربعمائة مؤمن يلبون بالعمرة، وفي حدود الحرم قالت لهم قريش: لن تدخلوا، وشهروا السلاح، وتمت مصالحة، ورجعوا بلا عمرة على أن يقضوها في العام المقبل، ونحروا إبلهم وأنعامهم وعادوا، وكان مدة الصلح عشر سنوات، ولكن نقضها المشركون، فهزمهم الله وسلط عليهم رسوله، وفي السنة الثانية دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة. وفي الشرح بيان وتفصيل كثير. نسأل الله أن يرزقنا حفظه وفهمه والعمل به.

    تحريم استحلال شعائر الله

    قال: [ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم! ] وهو الذي لما يطبع الكتاب ويصبح عند رأسه كل ليلة يسمع نداء، وليس أحد من الناس أسعد من مؤمن يسمع كل ليلة نداء الله من السماء، فهو يناديه بعنوان إيمانه؛ ليحثه على خير يفعله، أو ينهاه عن شر يجتنبه، وليس هناك إسعاد أكبر من هذا الإسعاد.

    ويا أصحاب الفنادق في العالم الإسلامي! اجعلوا هذا الكتاب في الفنادق، وترجموه إلى اللغات الحية، فلا ينام النزيل حتى يفتح الكتاب، وهذا ليس جديداً، فالمسيحيون يضعون الإنجيل عند رءوس النائمين في الفنادق، فلنضع نحن هذا، فنحن أولى بالدعوة إلى الحق منهم، وهم يدعون إلى الكفر والباطل، ولا نضع القرآن يمسه كافر نجس، ولكن النداءات هذه مسموح بها، فهي ليست القرآن الكريم، وإنما هي تسعون آية أو ما يقاربها. ولا بد أن نضعها نحن في بيوتنا، ونسمع ما ينادينا ربنا من أجله؛ من أجل أن نكمل ونسعد لا أقل ولا أكثر، ومن أجل أن نتهيأ للسماع والنزول في الملكوت الأعلى مع مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ولكنهم غفلونا .. غيبونا .. أماتونا .. طردونا .. وأرادوا أن نخلد في جنهم، وهذه أيدي الصليبية الكافرة والمجوسية الملعونة واليهودية الخبيثة، فلنفق مما نحن فيه.

    واعلم أيها القارئ الكريم! [ أن هذا النداء الإلهي، قد تضمن أموراً ] أي: احتوى على أمور عظيمة [ ذات خطر وشأن عظيم، وإليك بيانها بالتفصيل ] فخذ بيان تلك الأمور الخطيرة بالتفصيل حتى ما يخفى عليك شيء إن كنت تريد السناء.

    [ أولاً: تحريم استحلال شعائر الله تعالى ] فقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [المائدة:2] [ و] شعائر الله [ هي أعلام دينه ] ومظاهره [ من سائر ما فرض وأوجب ونهى وحرم، فلا يستحل ترك صلاة ] إذا أصدر ملك أو أمير أمراً بإيقاف الصلاة؛ لأته بذلك تتعطل الحياة [ ولا صيام ] كما أصدر أحد الحكام أمراً بإيقاف الصيام في بلد إسلامي حتى لا تعطل الحياة والإنتاج، أو كأن يصدر قراراً بحلق اللحى ومنع هذه الشعيرة وتحريمها، أو بلبس البرانيط وخلع العمائم [ ولا حج ولا اعتمار ولا زكاة ولا جهاد، ولا بر الوالدين ولا صلة أرحام ولا يستحل ما حرم الله من ربا وزنى وكذب وغش وسرقة وخيانة وسب وهتك عرض، إلى غير هذا مما هو واجب في الإسلام أو حرام؛ إذ كل ذلك من أعلام الدين وشرائعه ] فشعائر الله وأعلام دينه لا يحل لأحد أن يستحلها، ولا أن بمنعها بحال من الأحوال. وقد سمعتم نداءه للمؤمنين، وأما الكافر فلا يسأل.

    والاستحلال أن يقول: ليس هذا حراماً، فافعلوه، وأما كون المذنب يذنب ويفعل جريمة فهو لم يستحلها؛ لأن الاستحلال كفر. فإذا صدر قرار على المؤمنات بكشف وجوههن ورءوسهن والمشي سافرات عاريات في الشوارع فهذا والله استحلال لشعائر الله، وقد عطل بهذا أكثر من ثلاثين آية، ولا يوجد استحلال أعظم من هذا، وإذا فعلت المرأة ذلك من رأسها فإنها تأثم فقط؛ لأنها لم تستحله، ولا تقول: استحللته، وإنما فعلته، لكن من استحل ما حرم الله فقد كفر وخرج من الإسلام وارتد.

    هذا هو ما تضمنه اللفظ الأول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [المائدة:2]. فشعائر الدين هي أعلامه، كالصلاة والزكاة من سائر الواجبات، وكالزنى والربا والغيبة والخمر من المحرمات، فالذي يستبيح الغيبة قد استحل ما حرم الله، والذي يستبيح سب المؤمن وطعنه وضربه والبصاق على وجهه قد أحل شعائر الله. وجميع الواجبات كجميع المحرمات لا يستحل منها شيء، فما هو واجب يبقى واجباً، وما هو حرام يبقى حراماً، وليس لأحد أن يستحل أو يعقب على الله عز وجل، ويحلل ما حرم الله، فهو ليس له علم ولا حكمة ولا يملك حياته حتى يفعل هذا، بل هو مخلوق مربوب، وهذا من خصائص الرب الذي إذا شرع فإنه يشرع ما يكمل الآدمي ويسعده.

    نسخ القتال في الأشهر الحرم وهدي المشركين وقلائدهم

    قال: [ ثانياً: إن ما نسخ من شعائر الدين ] أي: كان من شعائر الدين وأعلامه ونسخه الله [ هو الشهر الحرام، وهو رجب ] فقد [ كان ] في الجاهلية وفي شطر الإسلام قبل نزول هذه الآية [ محظوراً القتال فيه ] ولا يصح، وكان العرب يسمونه: رجب الأصب، أي: يصب فيه الخير صباً، ويقال فيه: رجب الأصم، أي: لا تسمع فيه قعقعة السلاح، وهم في الجاهلية، والحاجة إلى هذا أنهم كانوا قبائل فقراء رحل ويتقاتلون، ويعيشون على التجارة في الشمال والجنوب، فأعطاهم الله بتدبيره وألهمهم قبل وجود حكومة إسلامية تقيم الحدود تحريم القتال في هذا الشهر، فإذا أهل هلال رجب امشِ إلى اليمن أو إلى الشام، وشرق أو غرب بمالك، ولا يعترضك أحد، وهذا تدبير الله. فلما جاء الإسلام وقامت دولته أباح القتال فيه، فإن وجب القتال قتالنا، ولا نقول: لا نقاتل [ ثم نسخه الله تعالى بقوله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ [البقرة:194] ] فإن احترمه المشركون لم نقاتلهم، فإن قاتلونا فيه قاتلناهم، ولا نقول: ممنوع [ وكذا سائر الأشهر الحرم ] وكذلك القعدة والحجة ومحرم، هذه ثلاثة أشهر محرمة متتالية، ورجب بعدها، فهو الشهر السابع. وكان القتال في هذه الأشهر ممنوعاً، ومع هذا كان المشركون يحتالون كاحتيال إخواننا اليوم، فكان يعلن رئيسهم أننا أجلنا وأخرنا محرم إلى صفر فاغزوا، وفي هذا يقول القرآن: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا [التوبة:37]. فكانوا إذا احتاجوا إلى غزو أعلنوا: يا قومنا! -ولا يقولون: المواطنون، فهذه عصرية بريطانية- المحرم هذا العام أخرناه، فقط لمصلحة اقتضت هذا، فجاء الإسلام فأبطل هذا، وقال: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [التوبة:36-37]. وبقي الأمر على الإباحة، فنحترم الأشهر الحرم، ونكثر فيها من الصالحات، ونقلل فيها من السيئات، والأجر فيها عظيم [ وقد نُسخ القتال فيها إذا قاتلنا العدو فيها ] فإذا دنا منا أو داهمنا عدو فنقاتله، وليس علينا شيء، وهذا مما نسخه الله تعالى بقوله: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194]

    ولو كنا نعظم رجب ولا نقاتل فيه لقال اليهود: القوم ما يقاتلونكم أبداً فادخلوا، ونحن لا نحمل السلاح، وهذا معناه: أن نعطيهم أعناقنا، فرفعه الله، ولو أراد الله هذا لاستسلمنا، وتركناهم يقتلوننا، ونموت شهداء، ولكن الله ما أراد هذا، وقد وقع هذا، فقد فرض الله على اليهود على عهد موسى أن يقتل بعضهم بعضاً، ومات منهم سبعون ألفاً، ومن قال: لا كفر، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54]. فلما اتفقوا على عبادة العجل في غيبة موسى عليه السلام ورجع ووجدهم يعبدون عجلاً من ذهب أوحى الله إليهم كفارة ما فعلوا: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ [البقرة:54]. وكيفية التوبة فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54]. فحملوا السلاح واستقبل بعضهم بعضاً، فكان الرجل يقتل ابنه، والابن يقتل أباه، والأخ يقتل أخاه حتى سقط منهم سبعون ألفاً، ورفع موسى وهارون أيديهما إلى الله فكف الله القتال. ولو أن الله لم ينسخ الشهر الحرام أو الأشهر الحرم وهاجمنا عدو لوجب ألا نبسط أيدينا ونسكت، لكن من رحمة الله وتدبيره - وهو العليم الحكيم- أن أذن لنا في الأشهر الحرم أن نقاتل من يقاتلنا، فقال تعالى: الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194]. وكذا سائر الأشهر الحرم، فقد نسخ القتال فيها إذا قاتلنا العدو فيها.

    قال: [ ومن المنسوخ هدي المشركين وقلائدهم ] وقد كان المشركون يهدون إلى الله الإبل والغنم من شرق الجزيرة وغربها؛ تقرباً إلى الله وتزلفاً، وقد يأخذ الرجل عشرين بعيراً هدياً، وإذا خاف أن تنهبها منه القبائل من الطريق قلدها بقلادة خاصة، فإذا رآها العربي مقلدة يقول: هذه لله، ولا يعترضها، سواء يأتي من تبوك .. يأتي من نجد .. يأتي من أي جهة، فما دام أنها مقلدة فهي للحرم، وقد كانوا يعرفون الله، ولكنهم يشركون به.

    والهدي هو: إذا أهدى الثور أو البقرة أو البعير يجرحه بسكين حادة حتى يسيل الدم ويلطخ ذروته وظهره بالدم ويمشي، فإذا شاهده عربي بسلاحه مر بقبيلته، ورآه مهدياً يتركه؛ لأنه لله، والآن لا نستطيع نحن أن نفعل هذا، بل نأكله في الطريق. ونحن الآن ما نهدي بهذه الطريقة ولا نقلد، بل من أراد أن يهدي فليهدي بدون أن يجعل فيه دماً ولا علامة، ولا قلادة في العنق [ والمشركون أنفسهم حرم عليهم دخول المسجد الحرام، فكيف يبقى لهم قلائدهم التي كانوا يقلدون بها الإبل؛ ليهدوها إلى الحرم؟ والهدي ] هو [ ما يهدونه إلى الحرم، والقلائد: جمع قلادة، ما يعلقونه على البعير أو الشاة؛ إيذاناً ] أي: إعلاماً [ بأنه مهدي إلى الحرم، فلا يتعرض له، وقد يعلق أحدهم لحاء من شجر الحرم فيحترم لذلك، ولا يتعرض له ] بسوء. فأنت إذا كنت ماشياً إلى الطائف وخائفاً أن يستقبلك جماعة ويأخذوك فخذ لحاء أو قشرة من شجر الحرم وعلقها في ذراعك أو في رأسك ومر بهم، فيقولون: هذا كان في الحرم، ولا يمسونك بسوء. وهذا تدبير الله عز وجل؛ لأنهم يعيشون في فوضى، ولا رسول ولا نبوة ولا كتاب ولا شرع ولا قانون، فهيأ لهم مولاهم وخالقهم وسيدهم العليم الحكيم فرصاً كهذه ليعيشوا [ كان هذا قبل الإسلام ] أي: قبل الدين الإسلامي [ ثم نسخ في الإسلام ] وهذا عرف من قوله تعالى في الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا [المائدة:2].

    بيان حرمة التعرض لقاصد البيت للعبادة والتقرب إلى الله للحصول على رضوانه

    قال: [ ثالثاً: حرمة التعرض لقاصد البيت للعبادة والتقرب إلى الله للحصول على رضوانه، إلا أن يكون هذا القاصد كافراً أو مشركاً فإنه لا يؤذن له بدخول الحرم ] كما قال تعالى في الآية: وَلا آمِّينَ [المائدة:2]، أي: قاصدين الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا [المائدة:2]. فلا تصدونهم عن الحرم، إلا من كان كافراً أو مشركاً، فقد نسخ الله دخول المشركين والكافرين.

    بيان إباحة الصيد لمن تحلل من إحرامه من المؤمنين

    قال: [ رابعاً: إباحة الصيد لمن تحلل من إحرامه من المؤمنين؛ لأن المحرم لا يحل له الصيد حال إحرامه، كما لا يحل له أن يأكل ما صيد له ] أي: من أجله [ وهو محرم ] فإذا كان معك زميل ليس محرماً وقلت له: أمامك غزالة فصادها وقدم لك اللحم فلا يجوز لك أن تأكله؛ لأنك راض بذلك، وأما إذا صاده لغيرك وأنت لا تدري ثم قدمه لك فلا بأس. وهذا يفهم من قوله: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2]، أي: وإذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا [ وهذا الحكم ] أي: حرمة الصيد [ باق ] إلى الآن وإلى يوم القيامة [ لم يطرأ عليه نسخ ] وما نسخ بشيء.

    حرمة الاعتداء على العدو

    قال: [ خامساً ] وهذا مما احتواه هذا النداء العظيم: [ حرمة الاعتداء على العدو، فمن كان له عدو لا يجوز له أن تحمله عداوته على ظلمه والاعتداء عليه ] فلو كان لك عدو كافر أو مؤمن لم يعتد عليك فلا تحملك عداوتك وبغضك له أن تأخذه، أو تضربه وتأخذ ماله، بل حتى ولا تسبه أو تعيره؛ لأن الإسلام دين الله للبشرية جمعاء، والكل عبيده، فإن أعلن عداءه لنا فنعاديه، ولكن لا نعتدي عليه [ إلا أن يظلم العدو ] ويجور [ فحينئذٍ يرد ظلمه واعتداؤه ولا حرج ] فإن شهر السلاح وقاتل فلنا أن نبيده، ولا نرحمه [ وهذا معنى قوله تعالى في ] هذا [ النداء: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ [المائدة:2] ] أي: ولا يحملنكم [ شَنَآنُ قَوْمٍ [المائدة:2] ] أي: بغضهم وعداوتهم [ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [المائدة:2] ] كقضية الحديبية [ أَنْ تَعْتَدُوا [المائدة:2] ] عليهم. لا أن يجد الإنسان رجلاً من مكة .. في ينبع ويقول: هذا ممن يصد عن المسجد الحرام، ويأخذ في ضربه وقتله بعد الاتفاقية. وهذا ما فعله أصحاب الرسول لما أن زلت قريش بقدمها، وساقها الله إلى الملحمة، بعد أن خانت المعاهدة ونقضتها، وأيدت جماعة على جماعة، فغزاهم بعد سنة فقط في السنة الثامنة، ففتح الله عليه مكة.

    قال: [ وهذا تم في الحديبية ] ضد المشركين [ إذ صد المشركون الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين صدوهم عن العمرة، وتم صلح بينهم ] وهو [ المعروف اليوم بصلح الحديبية، فحذر الله تعالى المؤمنين من أن يحملهم بغضهم وعداؤهم للمشركين الذين منعوهم من المسجد الحرام أن يعتدوا عليهم بعد أن تم الصلح بينهم ].

    وجوب التعاون بين المؤمنين على البر والتقوى

    قال: [ سادساً: وجوب التعاون بين المؤمنين على البر والتقوى ] ففريضة الله على المؤمنين في قرية .. في مقهى .. في أي مكان إذا كانوا مجموعة أنه يجب أن يتعاونوا على البر والتقوى [ أي: على فعل الخيرات ] وعلى ما تتحقق به تقوى الله من فعل الواجبات وترك المحرمات [ كالصدقات والمعونات المختلفة كالقرض والسلفة والإحسان والمعروف؛ إذ كل هذا من البر، وأما التعاون على التقوى -وهو طاعة الله ورسوله في الأمر والنهي- فهو تعاون على إقامة الدين بكامله، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن تُرك واجب أو حق من الحقوق وجب على المؤمنين أن يتعاونوا على إقامة الواجب الذي ترك، على إحقاق الحق الذي هدر بينهم؛ لأنهم أمة واحدة ] ويتحقق هذا عندما تتبين لنا الطريق، وليس هناك أمل لتحقيق هذا إلا بالعودة إلى منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والطريق إلى هذا -ونحن ممزقون ومشتتون ومجهلون وغير ذلك-: أن أهل القرية الإسلامية في أي إقليم عرباً أو عجماً يجتمعون بنسائهم وأطفالهم في بيت ربهم كل ليلة طول العام من المغرب إلى العشاء كاجتماعنا هذا، ويتعلمون ليلة آية وأخرى حديثاً على نهج كتاب المسجد الذي درسناه سنة وزيادة، وأهل القرية لما يعلمون ويعملون يكملون، ويصبحوا ربانيين، ويومها لن يوجد بغض ولا عداء ولا كبر ولا حسد ولا ترفع، بل أمرهم واحد، وكلمتهم واحدة، وصندوق برهم في محراب مسجدهم، يجمعون فيه الزائد عن قوتهم، وينمونه في تجارة أو صناعة بينهم، وهم والله كأسرة مؤمنة واحدة، وحينئذ إذا ترك معروف فكلهم يقومون ويقيمونه، وإذا ظهر منكر قاموا كلهم ووضعوه وأسكتوه، وهذا ليس فيه مشقة، فنحن لن ننفق شيئاً على هذا الاجتماع، ولن نتعلم ونحن جهال رجالاً ونساء، وكباراً وصغاراً إلا بهذا الطريق، ولا تقولوا: سنتعلم في المدارس، والرسول لم يكن له مدارس، ومع ذلك كانوا يتعلمون بجد وقصد، ويعلمون ويعملون ويعلِّمون.

    فعلى أهل الحي في المدينة -وإن كانت ذات أحياء فعلى أهل كل حي- أن يجتمعوا اجتماعنا هذا، والنساء وراءنا والرجال أمامنا، ويتعلمون ليلة آية وأخرى حديثاً، فيحفظون ويفهمون ويطبقون بجد وصدق، وفي أربعين يوماً فقط تتجلى أنوار ذلك الإيمان، ويصبحون أهلاً لأن يتعاونوا على البر والتقوى. وأما مع الجهل والفرقة والخلافات والصراعات فنحن هابطون يومياً، ولا ارتفاع أبداً، والسلم الرافعة هي: قال الله وقال رسوله. واسمعوا الدليل من القرآن الكريم من سورة الأعراف: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف:175-176]. فالرافعة هي آيات الله، كما قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الأعراف:176] أيضاً. ولو اتبع عقله لأنقذه عقله عن المهاوي المهالك، فَمَثَلُهُ [الأعراف:176] ليس كمثل الأسد، وإنما كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ [الأعراف:176]. وهذا والله لينطبق على هذه الأمة في عصور هبوطها، فلا رفعة لنا بغير الكتاب والسنة، ومن شك أضرب له مثلاً - وإن كنتم لا ترضون عنه لضعفكم-: هذه البلاد قبل عبد العزيز كان الحاج يبتع ما يسمى بالوجدة الذهبية حتى لا تؤخذ منه، وكانت الأشجار والقبور تعبد في كل مكان، ولا إسلام بالمرة، ثم ظهرت فيها آية من آيات الله لتكون عنواناً بارزاً لمن أراد الهداية، فجاء هذا الرجل، وكان لاجئاً بعيداً عن الجزيرة، وأقام دولة، وهو عامي مثلي، وحوله عوام أيضاً، وأخذ من ستة آلاف ومائتين وأربعين آية من القرآن آية واحدة، وضعها الله لتقوم عليها الدولة، فيتحقق الأمن والطهر والصفاء، وهي: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]. وما إن ظهرت حتى أصبح الرجل يمشي من جدة إلى الرياض لا يخاف إلا الله، في الوقت الذي كانوا يأكلون بعضهم بعضاً، أكثر والله من الجاهلية الأولى قبل الإسلام، وساد طهر وصفاء لم يوجد في أي مكان من العالم، ولم تكتحل عين الدنيا بمثله إلا في القرون الذهبية الثلاثة. وتحقق مراد الله، وأقيمت فيه حدود الله وشرع الله، ووجدت هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقيمت الصلاة، وجبيت الصلاة، وكانت الزكاة يومها صاع الشعير والضأن، ولم يكن عندهم شيء، ولكنهم أطاعوا أمر الله. ولما استقل لنا نفياً وأربعين إقليماً إسلامياً فيهم مئات ملايين ما استطاعوا فقط أن يجبروا الناس على الصلاة، وما وجدت هيئة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر من طلبة العلم في الشوارع أبداً، وليس هناك مانع أن يصدر قرار في الجمهورية الفلانية بوجوب الصلاة على كل مواطن عسكري أو مدني، ومن يتخلف يعدم إذا أصر على ترك الصلاة، كما هو شرع الله، ولو أقيمت الصلاة فقط فوالله إن نصف الباطل يموت تلقائياً، ولكننا لا نتحرك؛ لأننا أموات غير أحياء، وصدق الله العظيم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا [الأعراف:175]. كالذي ينسلخ من ثوبه، وكالثعبان ينسلخ من ثوبه، ويترك ثوبه أبيض لماعاً، ويمشي أسود بسمه، وكذلك هؤلاء أبعدوا القرآن الكريم عن المحاكم، ووضعوه وراءهم، ووضعوه على القبور والموتى، وليس هناك انسلاخ أفظع من هذا الانسلاخ، فقد آتيناه فضلاً منا ورحمة آياتنا فانسلخ منها، ولما انسلخ منها زالت المناعة والحصانة فأتبعه الشيطان، وأيام كان القرآن في يده لم يستطيع له الشيطان، ولما تخلى عنه القرآن أتبعه الشيطان، فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [الأعراف:175]. والغواية: الخبث والسفول والهبوط وكل نتن، هذه هي الغواية. ثم يقول رب العزة: وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف:176]، أي: بالآيات، لا بالاشتراكية ولا بالماركسية ولا بالديمقراطية ولا بالعلمانية، ولا يمكن لأمة أو إقليم أو فرد أن يرتفع بدون القرآن، ووالله ما كان هذا ولن يكون، وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا [الأعراف:176]. ولكن لم يشاء الله لأنه انسلخ منها وأعرض عنها، ومن أعرض أعرض الله عنه، وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ [الأعراف:176]. والخلود إلى الأرض هو التفكير في المال والطعام والشراب واللباس والنكاح، وعدم النظر إلى السماء أبداً، ولا الاندفاع إليها، ولا الادخار لها. وَاتَّبَعَ هَوَاهُ [الأعراف:176]. وهذه محنة، ولو اتبع عقله لفكر في هبوطه وسقوطه، ولعاد ككواكب السماء في طهره وصفائه، ولكنه فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ [الأعراف:176]. وهذا القرآن يقول هذا، وشبهه بالكلب؛ لأن الكلب إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ [الأعراف:176]. ووالله ما ينتهي لهاث المسلمين حتى يعودوا إلى القرآن، وحيرتهم وتبعيتهم لازمة لهم حتى يعودوا إلى القرآن، والكلب إذا وضعته تحت شجرة وعنده الماء البارد والظل فهو يلهث، ولو جريت وراءه تطارده فلسانه يلهث، ولا يستريح من اللهاث، ووالله لن يستريح المسلمون إلا إذا عادوا إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولن ينتهي لهثهم وتبعيتهم وذلتهم إلا بهذا، وهذا الكلام الذي نقوله ليس جديداً، فنحن والله نردده من قبل أربعين سنة، والحجاج يسمعونه، والساسة يسمعونه، والمخابرات يسمعونه، ولكن الأمة ميتة، ولا إله إلا الله، آمنا بالله.

    حرمة التعاون على الإثم والعدوان

    قال: [ سابعاً: حرمة التعاون على الإثم والعدوان، أما الإثم فهو كل كبيرة من كبائر الذنوب ] كأن يتفق جماعة على فتح ماخور للدعارة فهذا تعاون على الإثم، ولو اتفق جماعة على فتح بنك ربوي في قرية أو مدينة فهذا تعاون على الإثم، ولو تكونت جماعة للصوصية والسرقة فكذلك، وكذلك لو تعاونوا على الغيبة، أو [ كالزنا والسرقة والغيبة والنميمة ] والسب والشتم [ وترك الواجبات وارتكاب المحرمات في المناكح والمطاعم والمشارب والملابس وغيرها ] وكذلك لو اتفقوا على أن يوردوا الخمر، أو يوردوا آلات التصوير، أو يفتحوا استيديوهات للتصوير، فكل هذا تعاون على الإثم، أو يوردوا الكعب العالي واللباس الهزيل الذي يكشف سوأة المرأة، كما يفعل هؤلاء السادة التجار في بلاد المسلمين، أو يصنعونه هم، كالذين يصنعون الدش الآن. وقد ضرب الله على أيديهم والحمد الله.

    قال: [ تلك هي الإثم الذي يحرم التعاون على إيجاده أو بقائه بين المؤمنين، أما العدوان فهو الظلم، وهو الاعتداء على أرواح الناس أو أعراضهم أو أموالهم، فلا يحل إعانة ظالم بحال من الأحوال، بل ولا الركون إليه؛ لقول الله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113]. والركون يكون بالميل إليه، والرضا بظلمه، وعدم نهيه عنه ].

    الأمر بتقوى الله عز وجل

    قال: [ ثامناً ] وأخيراً: [ الأمر بتقوى الله عز وجل، إذ قال تعالى في آخر نداء: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:2]. والأمر بالتقوى معناه: الأمر بطاعة الله و] طاعة [ رسوله، وأولي الأمر من المؤمنين، وتتحقق التقوى بفعل ما يأمر الله به، ويأمر به رسوله من الواجبات والمندوبات، وبترك ما نهى الله عنه ونهى عنه رسوله من الاعتقادات الباطلة والأقوال السيئة والأفعال الضارة الفاسدة.

    وختم تعالى مضمون هذا النداء العظيم بقوله: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [المائدة:2] ] إذا عاقبك. وأخذ العقاب من الوراء والعقب، ولما يهرب أمامك الشخص فإنك تمسكه من وراءه. وحاشا الله أن يبدأك بالظلم، بل لما تظلم وتمشي فإنه يأخذك من وراءك. هذا العقاب [ ليحذر المؤمنين من عدم النهوض بما تضمنه هذا النداء من الأوامر والنواهي، فإنهم إن أهملوا ما كلفوا به ستنزل بهم عقوبة الله، فيندمون ولا ينفعهم ندم. ألا فلنحذر عذاب الله يا عباد الله! وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [الرعد:41] ] والآيات واضحة، ومفسرة في الواقع.

    وهذا نداء من تسعين نداء، فلم يبق شيء من العلم غير موجود في هذه النداءات، فلتطبع وتوضع عند كل رأس كل مؤمن ومؤمنة، ولكن ما زالت الشمس لم تطلع علينا.

    [ وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ] وصلى الله على نبينا محمد وآله.