إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 27للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أوجب الله على عباده الإيمان، وأمرهم بالثبات عليه وعدم النكوص، فهو بمثابة الروح للعباد، ولا حياة بدون روح، والعبد إذا فقد إيمانه وانطفأ نوره في قلبه فلا يعدو أن يكون بهيمة من البهائم تدب على الأرض، بل إن البهائم أعز شأناً وأعلى قدراً ممن لا إيمان له.

    1.   

    وجوب الثبات على الإيمان وتقويته، والتحذير من ضده وهو الكفر

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم، وارض عنا كما رضيت عنهم، إنك ولينا ووليهم.

    هذا هو [ النداء السادس والعشرون ] من نداءات الرحمن لأهل الإيمان، وهي تسعون نداء، وهذا النداء هو [ في وجوب الثبات على الإيمان وتقويته، والتحذير من ضده ] أي: من ضد الإيمان ألا [ وهو الكفر ] والعياذ بالله تعالى. هذا هو النداء الذي انتهينا إليه بفضل الله ومنته، وفحواه ومضمونه هو وجوب الثبات على الإيمان، وعدم التقهقر أو التراجع عنه، فهو بمثابة الروح، فالحياة بدون روح لا وجود لها، والعبد إذا عدم الإيمان فهو أيضاً موجود وغير موجود، فلا بد من الثبات على الإيمان وتقويته؛ لأن الإيمان كهذه الطاقة الكهربائية تضعف فتقوى، فإذا قوي إيمان العبد استطاع أن يفعل ما لا يخطر بالبال، وإذا ضعف فإما أن يقف أو يتراجع، ولا ينتج خيراً، فلهذا دعانا ربنا وله الحمد والمنة إلى أن نثبت ثبوت الجبال الراسية على إيماننا، ولا نسمح أبداً بأن يحصل فيه أي خلل، فتضعف طاقاتنا ونعجز عن مواصلة السير إلى دار السلام. والإيمان يضعف ويقوى والله بلا جدال في هذا.

    وهيا نتغنى بهذا وقتاً ما.

    الفرق بين الضلال القريب والضلال البعيد

    قال: [ الآية (136) من سورة النساء

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136] ].

    الضلال القريب يرجى لصاحبه العودة، ولكن إذا بعد ضلاله لا تتأتى له العودة، فأنت إذا أردت الشام فإنك لا تمشي جنوباً، فإن مشيت مائة كيلو .. مائتين .. ثلاثمائة فيمكن أن ترجع، ولكن إذا مشيت عادلاً عن مرادك ألف كيلو أو ألفين فلا يمكنك الرجوع. فلهذا الضلال يكون بعيداً ويكون قريباً، فالضلال القريب صاحبه إذا نبه وعلم وقيل له: انتبه، الطريق وراءك، ففي الإمكان أن يعود ويرجع، وما زالت صحته وافرة وزاده معه، ولكن إذا ضرب في الأرض مسافات فلن يقدر على الرجوع، ولو هم بالرجوع فإنه يموت في الطريق، وتنقطع حاله.

    وعلى سبيل المثال: لو أن شخصاً تسلط عليه شيطان فأوقعه في معصية من معاصي الرحمن فإن نبه وذكر ووعظ وخوف في الأسبوع الأول والثاني والثالث في العام الأول ففي الإمكان الرجوع، ولكن إذا استمر على تلك المعصية عشرات السنين فأنى له أن يتوب؟ ولن يستطيع، وأقرب مثال: الدخان، فالذي تعاطاه من أيام ففي الإمكان من الليلة يرجع إذا عرف قبحه وأذاه وضرره فيرجع، والذي دخن خمسين سنة أو أربعين عاماً فإنه قلما يرجع.

    ومن الأمثلة على هذا أيضاً: لو أن امرأة وسوس لها شيطان إنسي وقال لها: تركي هذا الحجاب وهذا التزمت، واكشفي عن وجهك، واخرجي شاهدي الحياة كغيرك، ثم فجأة خرجت في الحي كاشفة، وما إن لقيها رجل أو امرأة حتى قال لها: اتق الله يا أمة الله! عودي إلى بيتك، وغط محاسنك، فإنها ترجع، وبسهولة تعود إلى حجابها وطهرها، ولكن التي قضت أربعين سنة كاشفة حتى عن فخذيها، فإنها لن ترجع، وليست مستعدة أبداً للتوبة؛ لأنها قد توغلت ومشت بعيداً في الضلال، ولو كان ضلالها قريباً فإنها ترجع.

    وأزيدكم بياناً: أن الله تبارك وتعالى فرض علينا التوبة الفورية من كل ذنب، وهي الرجوع إلى الله بعد الخروج عن طاعته، فإذا حصل هذا الخروج فقد أمرنا الله تعالى أن نعجل التوبة، وأن نستمر عليها، وإلا انقطعنا، ولم نستطع أن نعود إلى جادة الصواب وطريق الحق، واقرءوا لذلك قوله تعالى من سورة النساء أيضاً: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ [النساء:17]، أي: إنما التوبة حق على الله يعطيها من طلبها ورغب فيها، وهم لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17]. فالتوبة المتأكدة الواقعة هي لعبد لم يكن متعمداً لما ارتكب الجريمة، متحدياً لله وشرعه ورسوله وعباده، وليس في قلبه هذا التعمد.

    ثانياً: يتوب من قريب، ولا يتوغل في هذا الذنب عشرات السنين، فإنه بعد ذلك لا يتوب. قال تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [النساء:17]. فيجب العود إلى التوبة بعد الذنب على الفور، ولا تقل: السنة المقبلة، أو حتى أحج، أو حتى يتزوج فلان، فهذا كله قد يعوق التائب من التوبة. والتوبة بإجماع أهل العلم من الصحابة والتابعين إلى اليوم أنها تجب على الفور، فمن زلت قدمه وسقط فعلى الفور يرفع رأسه ويعود إلى الطريق مستغفراً باكياً نادماً، وأما أن يواصل الذنب يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام فهذا قد يحال بينه وبين التوبة، حسب سنن الله في الخلق، وحسبنا أن يقول تعالى: فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136]. فلا يمكنه الرجوع.

    وهذه الآية من عجائب القرآن، والقرآن عجب، فلو سمعته أو قرأته وكنت ذا رأي وبصيرة لرفعت صوتك وقلت: إن هذا القرآن عجب، ويدلك على ذلك: أن إخواناً لنا من الجن رضي الله عنهم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أرض نصيبين بالعراق ، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس الصبح في بطن نخلة، وهي مكان بين مكة والطائف، فسمعوا القراءة فأسلموا، وعادوا دعاة هداة مبشرين، وهؤلاء النفر من الجن لما رجعوا قالوا لقومهم: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ [الجن:1-2]. وهذه كلماتهم مسجلة في هذا الكتاب الكريم، يقول تعالى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف:29-30]. فهؤلاء كانوا متهيئين للإيمان؛ لأنهم آمنوا بالشرائع السابقة. وقالوا عن هذا الكتاب: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [الأحقاف:30]، إلى أن قالوا: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31]. وهؤلاء الزمرة من الجن وفدوا لما بلغهم ظهور النبوة التي يتطلع إليها العالم بأسره في تلك الأثناء، وما إن حضروا مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم قال بعضهم لبعض: أَنْصِتُوا [الأحقاف:29]. ولم يسمحوا لإخوانهم أن يتكلموا؛ حتى لا يعطلوا السماع، فسمعوه وعادوا هداة دعاة مبشرين، وهم الذين نزل فيهم قول الله ربنا: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:1-2]. ونزل فيهم عدة آيات من هذه السورة، والتي سماها الله سورة الجن.

    الأصناف الذين يشملهم هذا النداء

    هذا النداء الكريم يشمل المؤمنين بحق، وهو يدعوهم إلى التثبت، ويدعوهم إلى الثبات؛ لأن الفتن تعرض، والمحن تتوالى، فإذا لم يثبت المؤمن فسوف يفقد هذا النور، ويدخل الظلام مع أهله.

    ثانياً: يشمل المنافقين الذين آمنوا في الظاهر وكفروا في الباطن، محافظة على سمعة أو على مركز أو على تجارة أو على الحياة والأولاد، فيضطر إلى أن يعلن عن الإيمان الصوري، فيصلي ويخرج للجهاد مع الرسول وليس في قلبه إيمان، فهذه الآية تتناول المنافقين، وتتناول اليهود الذين كانوا مع رسولنا صلى الله عليه وسلم في هذه الديار، وهم ثلاث قبائل: بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة، فالآية تدعوهم إلى الإيمان الصحيح، وألا يؤمنون بما أنزل الله على موسى وداود ويكفرون بما أنزل على عيسى ومحمد. والقرآن حمال وجوه، فهذه الآية اشتملت على دعوة الله للمؤمنين الصادقين .. للمؤمنين الكاذبين .. للمؤمنين المنحرفين، الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وقد شملتهم لأن الرب ربهم جميعاً، ولأن السيد سيد الجميع، ولأن المولى مولى الكل، وهؤلاء كلهم عبيده، وإن اختلفوا في بواطنهم فالأصل أنهم عبيد الله، فيجب أن يستقيموا على منهجه؛ ليكملوا ويسعدوا.

    فهذا النداء وجه إلى ثلاث طوائف: إلى المؤمنين بحق، فدعاهم إلى الثبات؛ حتى لا يتزعزعوا في أوقات الزعزعة، واشتمل أيضاً على توجيه أهل الكتاب إلى الإيمان الصحيح، ولا يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، وكذلك توجيه المنافقين ليعودوا إلى الحق، ويظهروا الإيمان في قلوبهم كما أظهروه بلسانهم. ومنة الله على الجميع؛ إذ هو مولاهم ووليهم، ولا يريد لهم إلا كمالهم وسعادتهم.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136]. وصاحب الضلال البعيد لا يمكن أن يرجع، وهذا ليس معقولاً، فعمره قد انتهى، وزاده قد انتهى، فلا يمكن أن يرجع، ففي هذا إذاً: التحذير من الضلال البعيد، فعجل بالتوبة قبل أن يحال بينك وبينها.

    الحث على التعجيل بالتوبة

    معاشر المستمعين والمستمعات! التوبة التوبة والعجل بها! وإياك أن تقول: سأتوب؛ لأن الله قال: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ [النساء:17]. والقرب نسبي، وليكن حالنا كحال من يمشي، فإنه إذا سقط ينهض بسرعة، ولا يبقى على الأرض أياماً وليال، وإنما ينهض مباشرة، وهذا يمكنه أن يواصل مسيرته إلى دار السلام، ولكن إذا برك كالبعير وثبت على تلك الجريمة فإنه لا يخلص منها.

    سبب التعبير بـ(نَزَّل) في قوله تعالى: (والكتاب الذي نزل على رسوله)

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء:136]. وهو هذا القرآن. وقال: نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء:136] لأن الكتب السابقة نزلت جملة واحدة، إلا هذا القرآن العظيم نزل في خلال ثلاث وعشرين سنة، وهو ينزل اليوم بعد اليوم، بل والساعة بعد الأخرى، وما إن اكتمل وتم حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباقي الكتب كالتوراة والإنجيل والزبور نزلت دفعة واحدة جملة واحدة، وأما قوله: وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء:136] فقد نزل منجماً مفرقاً وليس دفعة واحدة. واسمع: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء:136]. التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى. وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136].

    خطاب الله في هذا النداء للمؤمنين حق الإيمان

    الآن مع [ الشرح ] حتى نزداد معرفة بإذن الله [ اعلم أيها القارئ الكريم! ] وهو الذي وضع كتاب النداءات على سريره بجانب رأسه، وقبل أن ينام يسمع نداء الله، ويسمع الله يكلمه، فيأمره أو ينهاه، ويبشره أو يحذره، ويعلمه ويزيده، فإذا سمع نداء الله وفهمه نام على رحمة الله. فهذا الكتاب ينبغي أن يوجد في بيت كل مؤمن ومؤمنة، وهذا إيجاب أدبي فقط، وإذا كان لك سيد أمرك له وبيديه يناديك تسعين مرة وأنت واضع القطن في أذنيك فإنك لا تستطيع أن تعتذر وتقول: مع الأسف أنا ما سمعت أو ما بلغني؛ لأنه سيقول لك: أين كنت يا عبدنا؟! ولم لم تكن مع أوليائنا وعبيدنا، فهم قد سمعوا وأنت ما سمعت؟

    وهذه النداءات التسعون قد حوت واشتملت على كل ما يكمل الآدمي ويسعده في الحياتين، فلا يعرض عنها إلا هالك، ولا يجهلها إلا جاهل متوغل في الجهل، وها نحن نسمع هذا النداء، وهو أعذب من السكر وأحلى من الحلوى، لو كنا كافرين أو مشركين والعياذ بالله لم نجد فيه حلاوة، ولا رغبة لنا لأن نسمع؛ لأن ظلمة الكفر تحول بيننا وبين ذلك، ولكن مع الإيمان نجد هذه اللذة.

    [ أن هذا النداء الإلهي يشمل المؤمنين ] الصادقين [ حق الإيمان، وهم ممن آمنوا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً ورسولاً ] بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [النساء:136]، أي: اثبتوا [ فناداهم ربهم تعالى بعنوان الإيمان الذي هو صفتهم ] فصفتنا ليست البياض والسواد، وإنما صفتنا الإيمان، وليس هناك أعز وأغلى من هذه الصفة، وهناك في الشرق والغرب يومياً يموت عشرات الآلاف على الكفر، وما استطاعوا أن يؤمنوا، فالإيمان هبة إلهية، وعطية ربانية لا تطلب أبداً، وإنما هي منحة الله لعبده، وكم ممن هو أعقل منا وأفهم وأعلم ما آمن ولا عرف الطريق إلى الله، فالإيمان أكبر نعمة أنعم الله بها على عباده المؤمنين، قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3]. فالإيمان صفة ثابتة لازمة كبياض الأبيض وسواد الأسود لا تتحلل، وقد [ ناداهم ] بصفة الإيمان وعنوانه [ ليأمرهم بالثبات على إيمانهم، وبتقويته وزيادته؛ حتى يبلغوا أعلى مستوى فيه ] أي: في الإيمان [ وهو اليقين ] فاليقين أعلى مستوى في الإيمان، ومن آمن ولم يوقن فهو لا يزال يخطو بإيمانه ويقويه في طريق الكمال حتى يبلغ مستوى اليقين. وهناك علم اليقين وعين اليقين أيضاً، وقد بينهما الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأساليب، منها قوله في الصديق أبي بكر رضي الله عنه يقول: ( لو وضع إيمان الأمة في كفة ميزان ووضع إيمان أبي بكر في كفة ) مقابلة ( لرجح إيمان أبي بكر عن إيمان العالم ). وكانت الآيات تنزل وفيها يقول تعالى: زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]. وكل آية تنزل تزيد المؤمن إيماناً، وتزيده طاقة أخرى من النور؛ حتى يبلغ المستوى اللائق، وهو اليقين. وهو هنا تعالى يأمر المؤمنين بحق ليزدادوا إيماناً فوق إيمانهم؛ ليرتفعوا به حتى يبلغوا درجة اليقين، واليقين أعظم من العلم.

    خطاب الله في هذا النداء للمنافقين

    قال: [ ويشمل ] هذا النداء أيضاً [ المنافقين، وهم مؤمنون في الظاهر كافرون في الباطن ] لأنهم يتظاهرون بالإيمان ويخفونه، ويبطنون الكفر في قلوبهم [ وما أكثرهم في المدينة أيام نزول هذه السورة القرآنية الكريمة سورة النساء ] وقد كانوا ينتظرون الفرصة التي تتاح لهم؛ حتى يعودوا إلى الشرك كما كانوا، وكان المنافقون أيضاً من العرب ومن اليهود ينتظرون متى تنكسر هذه الدعوة وتنطفئ، وقد مر بنا كيف صفقوا في غزوة أحد، وقالوا: هيا نعلن ولاءنا لـأبي سفيان ، فهم يتربصون بهم الدوائر، فلهذا هم مصرون على الكفر، ويظهرون الإيمان للحفاظ على وجودهم، ولو أعلنوا كفرهم لقاتلهم الرسول، ولن يتركهم كفاراً في المدينة، لكنهم كانوا يستترون بستارة زائفة فيها خير، وجلهم دخل في الإيمان نفاقاً يوم أن كانت آيات القرآن وهذا المطر والغيث الإلهي ينزل، فكلهم دخلوا في الإيمان إلا عدداً بسيطاً مات على الكفر، ثم قبض الرسول صلى الله عليه وسلم وليس في المدينة منافق، فقد انتهوا.

    قال: [ أمرهم بأن يؤمنوا الإيمان الحق، وهو الإيمان بالله وبرسوله ولقائه ] ويمكن أن نلتقي بالله ربنا في لقاء يومي عندما نتطهر ونستقبل بيته ونقول: الله أكبر، سواء في نافلة أو فريضة، فنحن والله مع الله وبين يديه، وإن لم نره فهو يرانا، واذكروا قول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( المصلي يناجي ربه )، أي: يتكلم معه سراً، فالمناجاة حديث السر. ويقول في الحديث الآخر: ( إن الله ينصب وجهه لعبده في الصلاة ). فيقبل الله عليك وأنت بين يديه تصلي، ولقاء الله المأمور به هنا هو اللقاء يوم القيامة، حيث تتطاير الصحف، ودواوين الأعمال، وينصب الصراط، ويقام الميزان، ويؤمر بنا إما إلى الجنة وإما إلى النار، كما قال تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7]. ولا وسطية، بل إما هبوط وإما طلوع .. إما سعادة وإما شقاء [ وبالملائكة والكتب والرسل ] عامة [ واليوم الآخر والقضاء والقدر ] وأعطيكم مثالاً حياً ناطقاً على القضاء والقدر لا تسألوا بعده عن كيفية الإيمان بالقضاء والقدر: لو مررت بمهندس معماري وهو جالس على كرسيه، وأمامه طاولته التي يضع عليها أدواته، فقلت: السلام عليكم، فقال: وعليكم السلام، والقلم في يده والورقة بين يديه، وهو يرسم، فسألته فقال: أنا الآن أرسم صورة لفيلا من أندر الفلل في العالم، أو لقصر من القصور، أو لعمارة من ناطحات السحاب، وأخذ يرسم عدد الغرف .. عدد الأبواب .. ألوان المفاتيح، وكل شيء على الورقة، ثم أعطاها لصاحب القوة على التنفيذ، فيطبق ما كتبه حرفياً، حتى نوع المفتاح .. وأنواع الشبابيك، وغير ذلك، وهذا موجود فعلاً، ولا يقول: لا، أنا لا أؤمن بهذا، وإذا قال هذا الكلام يضحك الناس عليه، فإذا كان هذا الآدمي عبد الله يرسم هذه الرسومات وتطبق وتنفذ وتتم، فما بالكم بمن يقول للشيء: كن فيكون؟ وفي الحديث الصحيح: ( كان الله ولم يكن شيء معه ). لا جنة ولا نار، ولا إنس ولا جن ولا ملائكة، ثم خلق كل ما أراد أن يخلق، وقبل أن يخلق كتب ذلك في كتاب، ورسم ذلك في اللوح المحفوظ، فلا يمكن أن يحدث في الكون حدث لم يسبق أن رسم في ذلك اللوح، فهذا -والله- لا وجود له، بل كل أحداث العالم منذ أن كانت إلى نهايتها موجودة في ذلك السجل الذي يسمى باللوح المحفوظ، أو كتاب المقادير، ويسمى الإمام المبين، كما قال تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]. فلا تتضايق الآن وتقول: ما فهمت القضاء والقدر، فالقضاء: هو الحكم، بأن حكم الله بأن يوجد كذا، والتقدير في الهيئة والزمان والمكان كما قدر الله، فلهذا قولك القضاء والقدر متلازمان، فهو أولاً: قضى بأن يكون الشيء الفلاني، ثم وضع الترتيبات لوجوده. هذا القضاء والقدر.

    فآمنوا معاشر المستمعين! بالقضاء والقدر، فالذي لا يؤمن بهما فهو كافر، كاليهودي والنصراني والمجوسي؛ لأنه كذب الله عز وجل وكذب رسوله، فلا يبقى مؤمناً، والله يقول: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]. فلا عبث في الحياة أبداً، فهذا الصوت الذي تسمعونه والله لمكتوب حرفياً، وإشارة يدي هذه والله إنها مكتوبة كما هي، ولا يمكن أن يكون شيء لم يسبق أن الله كتبه في ذلك الكتاب أبداً.

    ومن هنا كان الإيمان بالقضاء والقدر قوة دافعة للمؤمن، تعجب منها الأبيض والأسود، والشجاعة العظمى التي فاز بها أصحاب رسول الله لم تأتهم من أكل لحم البعير، وإنما والله من إيمانهم بالقضاء والقدر، في حين أن أعداء الإسلام شوهوا هذه العقيدة، وكذبوا الناس فيها، وحملوا تلامذتهم على أن لا إيمان بالقضاء والقدر؛ لينهاروا، وإلا الذي عرف أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه لا يجبن، ولا يأتي الجبن والخور والضعف إلا من عدم الإيمان بهذا، وقد عرف هذا أعداؤنا، وفعلوا العجب في إفساد هذا المعتقد، ونددوا به؛ لأنهم عرفوا أنه القوة الدافعة، وأن صاحبه هو الذي يصمد في وجه الخيول والرجال. وقد عرف الخصوم أن القرآن روح ونور، فأبعدوهما عن المسلمين، فحولوا القرآن إلى الموتى، ونجحوا في ذلك، وعرفوا أن الشجاعة الخارقة منشأها ومنبتها الإيمان بالقضاء والقدر، فشوهوهما للناس تشويهاً كاملاً، حتى انهار بناؤهم وسقطوا، وما أصبح أحدنا يجرؤ أن يقول كلمة حق، في حين أن الرسول يقول لـابن عباس ابن عمه الغلام: ( يا ابن عباس ! اعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك ). فلا تخف ولا تجبن إذاً، فمستحيل أن تنجو من القضاء والقدر، إذاً: فقابلهما وأقبل عليهما بروح شجاعة لا مهزومة، والبلاء نازل لابد.

    ومن المعلوم لدى المؤمنين والمؤمنات أن أركان الإيمان ودعائمه وأعمدته التي يقوم البناء عليها ستة بلا خلاف، ولو سقط ركن انهار البناء وكفر صاحبه. وقد جاءت هذه الأركان في القرآن موزعة في البقرة وفي هذه السورة وسور غيرها، لكن حسبنا من ذلك حديث جبريل عليه السلام، وجبريل هذا هو رسول الله إلى رسول الله، فهو رسول ربنا إلى رسولنا، والحمد لله، فالأول لنا والثاني لنا، ولو لم نكن مؤمنين لما قلنا هذه الكلمة، فقد جاء جبريل عليه السلام كما في حديث الصحيحين فجأة والأصحاب جالسون جلوسنا هذا، إلا أنهم أطهر وأصفى وأقدس، وفي هذا المسجد، وقد أتى في صورة رجل، وشبهوه بـدحية بن خليفة الكلبي الأنصاري ، وقد أوتي هذا حسن صورة واستقامة وكمال عجب، ومن هنا رشح بأن يكون سفيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعثه سفيراً إلى بلاد الروم، فجاء جبريل في صورته، وشق الطريق بين الصفوف حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع ركبتيه إلى ركبتيه، أي: أسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع يديه على فخذيه، وهذه صورة عجيبة لمن يتلقى العلم، والسر في هذه المفاجأة الغريبة أن القرآن نزل وحذر من أذية الرسول صلى الله عليه وسلم بكثرة الأسئلة والتعنت، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ [المائدة:101]. فأصبح الأصحاب لا يسألون، ويستحون ويخجلون، فإذا جاء أعرابي فرحوا؛ لأن الأعرابي ما تأدب بعد، فيسأل ويستفيدون.

    والشاهد عندنا في حديث جبريل - والمفروض أن يكون مكتوباً على باب كل مؤمن في لوحة؛ حتى يحفظه الكبير والصغير -: أنه لما جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلمهم كيف يتلقى العلم بكل طاقته البدنية والروحية قال: أخبرني يا محمد! عن الإسلام؟ ولم يقل: يا رسول الله! لأنه في صورة من لم يعرف بعد، ولو قال: أخبرني يا رسول الله! لقالوا: هذا مؤمن، فلذلك قال: أخبرني يا محمد! عن الإسلام؟ فقال: ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ). وهذه قاعدة أولى، ( وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت ). فقال الأصحاب: ( عجبنا له يسأله ويصدقه )! وما شاهدنا مثل هذا الموقف، فهو يسأله سؤال جاهل ليتعلم، ثم يوقع ويقول: صدقت، مما يدل أنه أعلم، فاندهشوا. ثم قال: ( أخبرني عن الإيمان يا محمد! ) وهذا محل الشاهد، فقال: ( الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه ). وهذا هو جواب الرسول عن الإيمان، وهو ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره ). فذكر ستة أركان، ولا يمكن أن يقوم البناء على خمسة أركان.

    قال: [ فمن رحمة الله بالعباد ناداهم بعنوان الإيمان ] وهم مؤمنون [ وأمرهم بالإيمان الحق؛ لينجوا ويسعدوا ] ومعنى هذا: اثبتوا وزيدوا في طاقات إيمانكم حتى تبلغوا مستوى اليقينيات؛ لأن الإيمان إيمان بالغيب.

    خطاب الله في هذا النداء لمؤمني أهل الكتاب

    قال: [ كما يشمل هذا النداء مؤمني اليهود ] أي: أهل الكتاب، وقد ناداهم الله لأنهم عبيده، فهو يريد كمالهم وسعادتهم [ الذين يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض ] ويتخيرون، فيؤمنون بكذا ولا يؤمنون بكذا، فهذا عبث ولعب وباطل. فقد كفروا بعيسى ابن عمتهم، أو أختهم، فعيسى عليه السلام هو بعث لبني إسرائيل، لا للروم ولا للصين ولا للهند، بل عيسى رسالته محدودة إلى بني إسرائيل، واعتنقها الروم خطأ وضلالاً، وكفروا بالوحي الإلهي والرسالة البشرية العامة.

    والشاهد من هذا: أن عيسى عليه السلام كفر به اليهود وحاربوه، وتآمروا على قلته، وقتلوا من شبه لهم به، وقالوا فيه: ابن زنا، وقالوا في أمه: عاهرة، وقالوا غير ذلك، وهما أسرة من أسرهم، لكن لما جاء عيسى يصرفهم عن الباطل والخبث والتمرد والعدوان وقتل الأنبياء ضجوا وأعلنوا عن كفره وقالوا فيه ما قالوا، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وليس لهم أي حق في الكفر بنبي والإيمان بآخر، بل إما أن يؤمنوا بكل أنبياء الله أو يكفروا بالكل، وليس لهم أن يتخيروا، فهذا معناه: أنهم يتبعون شهواتهم وأهواءهم ومنافعهم الدنيوية.

    قال: [ فقد روي أن عبد الله بن سلام ] وعبد الله بن سلام هذا من بني إسرائيل، وهو حبر من أحبار اليهود، وعالم من كبار علمائهم، وقد كان يعيش هنا في المدينة، سبحان الله! ولا يوجد هذا الاسم إلا له، فهو وحده عبد الله بن سلام ، وما عداه فهو ابن سلَّام، ولا يوجد عبد الله بن سلام إلا هذا، وأما ابن سلَّام فهذا كثير، وهذا الحبر تاريخه عجب [ وأسداً وأسيداً ابني كعب، وثعلبة بن قيس ، وسلام ابن أخت عبد الله بن سلام وسلمة بن أخيه، ويامين بن يامين ] هؤلاء السبعة كلهم [ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ] وهؤلاء من اليهود في المدينة، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة اجتمع هؤلاء وقالوا: نذهب إليه حتى نتأكد من صحة دعوته، والذي يروي لنا هذا عبد الله بن سلام المبشر بالجنة على لسان رسولنا صلى الله عليه وسلم [ وقالوا: يا رسول الله! إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ( بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن، وبكل كتاب كان قبله، فقالوا: لا نفعل، فنزلت هذه الآية، فآمنوا كلهم ). فهنيئاً لهم، ولمن قبل دعوة الحق مثلهم.

    والآن وقد عرفت أيها القارئ! أن هذا النداء الإلهي قد شمل ثلاث طوائف:

    الأولى: المؤمنون بحق، وهم أهل الإيمان والإسلام والإحسان من أمة محمد عليه الصلاة والسلام.

    والثانية: المؤمنون في الظاهر، الكافرون في الباطن، وهم المنافقون، وقد انقرضوا، فلم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالمدينة منافق؛ إذ جلهم آمنوا ودخلوا في رحمة الله، ومات منهم عدد على نفاقه، فهو في نار جهنم.

    والثالثة: هم من اليهود الذين كانوا بالمدينة، وقد آمن منهم من نزلت الآية فيهم، وقد تقدم ذكرهم وأسماؤهم، فانظر إلى إعجاز القرآن وبلاغته، إذ لفظ آمنوا تناول ثلاث طوائف، لذا قيل: القرآن حمال الوجوه.

    أما قوله تعالى: وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ [النساء:136] فالمراد به القرآن، والرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم. وسر تضعيف الزاي هو: أن القرآن نزل جملة واحدة، ولكنه نزل منجماً نجماً بعد نجم في ظرف ثلاث وعشرين سنة تقريباً، بحسب ما تدعو إليه حاجة الدعوة وأهلها. وسر عدم تضعيف الزاي في قوله تعالى: وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ [النساء:136] أن المراد بالكتاب: الكتب التي نزلت قبل القرآن، وهي: التوراة والزبور والإنجيل، إذ ( أل) في الكتاب للجنس، أي: دلالة على متعدد، كلفظ الإنسان، فإنه دال على عدد لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى. فسر عدم تضعيف الزاي والعدول عن نزَّل إلى أنزل هو: أن الكتب السابقة نزلت دفعة واحدة، بخلاف القرآن العظيم، فإنه نزل منجماً في خلال نيف وعشرين سنة ].

    1.   

    الوعيد الشديد لمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر

    قال: [ أما قوله تعالى في هذا النداء: وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النساء:136] فقد اشتمل على أركان الإيمان الستة، الوارد بعضها في آية البقرة، إلا ركن القضاء والقدر المذكور في سورة القمر، فلم يذكر في هذه الآية الكريمة، ولنعلم أن الكفر يلزم ولو بعدم الإيمان بركن واحد، بل ولو بجزء من ركن، كمن آمن بالرسل ولم يؤمن بواحد منهم، أو آمن بالكتب ولم يؤمن بواحد منهم، بل لو لم يؤمن بآية واحدة يكفر بها.

    وقوله تعالى: فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:136] أي: عن طريق الهدى الموصل بسالكه إلى سعادة الدنيا والآخرة.

    وفي هذه الجملة من النداء وعيد شديد، وتهديد عظيم؛ إذ من ضل ضلالاً بعيداً لا يعود إلى الهدى، بخلاف الضلال القريب، فإن صاحبه يرجى له أن يعود إلى الحق، فينجو ويسعد، ويدخل الجنة دار الأبرار ] فهذا قريب جداً، والذي عرف وآمن وارتد فهذا لا يرجع، فهذه صورة للضلال البعيد، وقد بينت لكم هذا في الدخان، لذا نحن مأمورون إذا زلت القدم أن نتوب إلى الله، فلا تأجيل للتوبة ولا تأخير أبداً [ والضلال البعيد سببه: الكفر بعد الإيمان، وأما الكفر المتوارث ] أباً عن جد [ الذي لم يسبقه إيمان فضلال صاحبه قريب، ولذا متى بلغته الدعوة ووجهت إليه آمن وأسلم ونجا من عذاب الله. فلنذكر هذا ولنتأمل. والله ولي التوفيق.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].