إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 26للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكون كله قام على العدل، وأمة الإسلام هي أمة العدل، فقد أمرها الله عز وجل بالعدل في أداء الشهادات ومراعاة حق الله عز وجل فيها، دون النظر إلى حال المستفيد من الشهادة، إن كان فقيراً أو غنياً، قريباً أو بعيداً، وقد وصف الله كاتم الشهادة بأنه آثم قلبه، وكفى بهذا زجراً.

    1.   

    وجوب العدل في الشهادة وحرمة اتباع الهوى المانع من العدل فيها

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا والحمد لله ربنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، جعلنا الله منهم، وحشرنا في زمرتهم ورضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    وهذا هو [ النداء الخامس والعشرون ] ومحتوى هذا النداء هو [ في وجوب العدل في الشهادة ] فإذا شهد عبد الله أو شهدت أمة الله على شيء أو في شيء يجب أن تكون الشهادة عادلة مستقيمة، لا مائلة يميناً ولا شمالاً، حتى ولو كانت على الشاهد نفسه [ وحرمة اتباع الهوى المانع من العدل فيها ] والهوى وهو ميل النفس إلى ما تشتهيه، وما يزينه الشيطان لها، فهذا الميل واتباعه حرمه الله على أوليائه.

    وإليكم هذا النداء الكريم، وهيا بنا نتغنى به ساعة:

    [ الآية (135) من سورة النساء

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135] ] وانظروا إلى الجملة الأخيرة، وهي خاتم النداء: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135]. وسوف يذيق المعرضين مر العذاب وأليمه، فالقضية ليست سائبة، من شاء أن يعدل عدل، ومن شاء أن يجور جار، فإن الله كان وما زال بما تعملون من خير وشر .. من عدل أو جور عليم خبير. وعجب هذا القرآن، فهو كلام الله، رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: خالق السموات والأرض وخالق ما فيهما ومدبر حياتهما، والله له مائة اسم إلا اسماً واحداً، ودلنا على ذلك كتابه، ولا يكتب كتاب بدون كاتب، ولا يكون كلام بدوم متكلم، ولا يكون مخلوق بدون خالق، ولو كان كأساً من الشاي، فيستحيل أن يوجد بلا موجد.

    تحدي الله للإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بسورة منه

    كتاب الله القرآن العظيم تحدى الله به الإنس والجن - وهي قدرات لا حد لها -على أن يأتوا بمثله، فطأطئوا رءوسهم، وانحنوا للجبار عز وجل، وأنتم تقرءون فيه سورة تسمى سورة بني إسرائيل أو الإسراء، وقد جاء فيها: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ [الإسراء:88]، أي: قل يا رسولنا! وأفصح بهذا الكلام، وقل أنت أيها المؤمن! في الشرق والغرب، عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]. وهذا التحدي مضى عليه ألف وأربعمائة وأربع عشرة سنة، ولم تستطع البشرية أن تتكتل وتتعاون مع الشياطين على أن يخرجوا للناس كتاباً يبطلون به كتاب الله، وهذا والله ما كان ولن يكون.

    وأشد من هذا سورة فقط، فهذا الكتاب فيه مائة وأربع عشرة سورة، منها الطوال والصغار والكبار، وتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة، واسمعوا التحدي الواضح البين، يقول تعالى من سورة البقرة المدنية حيث علماء اليهود وأحبارهم هنا وهناك يقول لهم: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:23-24]. قبل أن تأكل وجوهكم. فليفهم السامعون قوله: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]. قالت العلماء البصراء: هذه الجملة لا يقولها إلا الله، ومستحيل أن يقولها إنسي أو جني، فمن يملك الغيب والدهور الطويلة هو الذي يقول: وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24]. ولا يقول هذا إلا من بيده غيب السماء والأرض، وقد مضت ألف وأربعمائة وأربع عشرة سنة وما فعلوا ولن يفعلوا.

    حرمان أهل الكفر من الانتفاع بكتاب الله من أسباب بقائهم على الكفر

    ما دام هذا الكتاب في صدورنا فلا نستطيع أن نكفر، وما دام هذا الكتاب يتلى بيننا ويتدارس وتستخرج حلله وغرره فلا نستطيع أن نكفر، والذين كفروا سبب كفرهم أنهم حرموا من هذا الكتاب، وما اجتمعوا عليه ولا تلوه ولا تدارسوه، ولا أخذوا بهداه ولا بأنواره، وهؤلاء من الجائز أن يكفروا، وأما أسرة وأهل قرية وأهل إقليم يجتمعون على كتاب الله كل ليلة نساءً ورجالاً يتلونه ويتدارسونه بينهم فمستحيل أن يكفروا، ولا يمكن أن يأتيهم الكفر، والذين يعرضون عنه ويبتعدون ويصدون ويشتغلون بغيره أقرب ما يكون إليهم الكفر، وقد كفروا. والدليل على ما نقول في هذه القضية العظيمة لا يملكه سوى الله، فقد قال في سورة آل عمران في ذاك النداء الذي حفظناه واستنارت قلوبنا به وعشنا عليه، وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:100-101]. وهذا ليس كلام أفلاطون ولا نابليون ولا أبوقراط وسقراط ، فهؤلاء دجاجلة، بل هذا كلام الله. فهو يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران:100] المستشارين والعلماء والخبراء يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100]. وصدق الله رب العالمين، فكم من رجل ارتد كافراً؛ لأنه أخذ بتوجيهات علماء ممتازين عند اليهود والنصارى. سبحان الله العظيم!

    وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101]، أي: من أين يأتي الكفر؟ وكيف يدخل قلوبكم؟ وكيف يذهب النور ويطرده من نفوسكم؟ فهذا عجب، وهذه الصيغة صيغة تعجب، أي: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] والحال أنكم يتلى عليكم كتاب الله وفيكم رسوله؟!

    التدبر في آيات الله سبب للوقاية من الكفر

    المناعة .. الحصانة .. الوقاية أن يجتمع المؤمنون على كتاب ربهم وسنة نبيهم وطول حياتهم، وبذلك يكونوا آمنين، وإن أعرضوا .. أدبروا .. اشتغلوا بالأغاني والمزامير والباطل والأضاحيك والتمثيليات والرقص والله ليسلبن إيمانهم، ويموتون على سوء الخاتمة. فاعرفوا هذا النداء الكريم، إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ [آل عمران:100-101]. ونحن ما تتلى علينا، وإنما تتلى على موتانا فقط، وإلى الآن سنة ونصف ونحن نصرخ: يا مسلمون! يا مسلمون! عجلوا قبل فوات الفرصة، فإنكم تحت النظارة الإلهية، فعجلوا، واجتمعوا بنسائكم وأطفالكم في مساجد قراكم ومدنكم من المغرب إلى العشاء كل ليلة، ولا يتخلفن رجل ولا امرأة، إلا ذو عذر معذور شرعاً، وليلة آية وليلة حديث، فتحفظون وتفهمون وتعملون، فإذا بكم كالكواكب الزهر في سماء الدنيا طهراً وصفاءً وكمالاً، فييئس الشيطان منكم والكافرون، وهم يقولون: لا نستطيع أن نغلق أبواب دكاكينا ومقاهينا ومطاعمنا ومجالسنا التي نروح فيها عن أنفسنا، وأنت تريد سجننا وحبسنا. هذا لسان الحال، وهو أفصح من لسان القال والمقال. فنقول لهم: إذاً: ابقوا على الجهل، وأما كون هذا البقاء يضمن لكم الحياة السعيدة والأمن والرخاء فوالله ما يضمن، وما هي إلا إمهالة فقط، والله عز وجل يملي للظالم، والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فالذي يضع الشيء في غير موضعه والله لينقلبن ويتمزقن ويسقطن. وقد رددنا قول هادينا صلى الله عليه وسلم على المنبر: ( إن الله ليملي للظالم )، بمعنى: يزيد ويطول له الأيام ( حتى إذا أخذه لم يفلته، وقرأ صلى الله عليه وسلم آية سورة هود: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] ). وقد أخذ أجدادنا وآباءنا، فضاعت دولة الأندلس الخضراء، والجمهورية الإسلامية في روسيا، وغير ذلك، وأخيراً هذه البقعة استولت عليها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وغيرها، وهذا حق وليس باطلاً، فقد استعمرتنا هذه الدول الكافرة، فحكمتنا وساستنا وسادتنا وقننت لنا وشرعت؛ لأننا أعرضنا فأعرض الله عنا، ولم نستطيع أن نجتمع في بيوت ربنا بنسائنا وأطفالنا كل ليلة وطول العام، حتى لا يبقى بيننا خلاف ولا جهل ولا ظلام ولا ضلال ولا فسق ولا فجور ولا باطل ولا شر ولا كفر ولا فساد؛ إذ كل ذلك يمحى؛ لأنها سنة الله، فالطعام يشبع، والماء يروي، ولم تتعطل هذه السنة، والحديد يقطع، والكتاب والسنة يهديان، ولا تكون هداية بدونهما، ووالله ما كان هذا ولن يكون، وإذا أردت أن تكمل في آدابك ومعارفك وأخلاقك وحياتك بدون عوامل ذلك فهذا مستحيل.

    وقد ضربنا المثل - أبنائي- في كيفية هداية الكتاب والسنة، وقلنا: نجلس سنة كاملة نتعلم يوماً آية ويوماً حديثاً، لعل المسلمين اليوم يتأثرون، ولكنهم ما استطاعوا، وهم يشاهدون قصة في التلفاز ويطبقونها عملياً، وهذه مظاهر الهبوط، لا تقولوا: الشيخ يشنع، فوالله ما سمعتم إلا الحق والهدى، وليس خرافة ولا ضلالة ولا غير ذلك، وهذا هو الطريق، وهذه النداءات الإلهية تسعون نداء، والمفروض والواجب الحتمي أن يكون كل مؤمن قد ألم بها، وعرف ما فيها، وطبق ما قدر على تطبيقه منها، وما عجز عنه فقد أعذر إلى الله، ولن تكون مؤمناً بالله إذا كان قد ناداك تسعين نداء وأنت لا تعرف نداء واحداً منها.

    وشيء آخر: أنه يناديك ليعلمك .. ليهذبك .. لينقذك، وكيف تنقذ نفسك وتتعلم وتتهذب، وأنت معرض.

    وفي الأمس كنا مع نداء الحرب، فالمسلم لا يجوز أن يكون جاهلاً بما في الحياة كلها.

    قيام الكون كله بالعدل

    العدل قام عليه أمر السماء والأرض، والعدل ضد الجور .. ضد الحيف .. ضد الميل، وهذا العدل أقام الله عليه السماء والأرض، ونضرب على ذلك مثالاً: والله لولا العدل لكانت الشمس قد خرجت من مدارها منذ مئات السنين، واحترق الكون كله، لكنها تسير في عدل كامل لا تحيد عنه مليمتراً واحداً، ولو خرجت كثيراً أو نقصت لخرب العالم، فإما أن يحترق بالنار، وإما أن يتجمد بالجليد.

    وأنت عندما تبني جداراً لو أملته فقط والله ليسقطن، وإذا لم تقومه معتدلاً فسوف يسقط عليك، ولن تسكنه.

    وهذا العدل أعرضنا عنه، ففي بعض الجهات وبعض الأماكن يوجد شبه لصوص حول المحكمة، فإذا احتاج شخص شهادة طلبوا ديناراً أو دينارين ويشهدون لك في المحكمة، ويحومون حول المحكمة، وهذه فقط مهمتهم.

    هيا مع هذا النداء؛ لترتفع مستوياتنا فوق مستويات البشر، وإن كنا لا نقرأ ولا نكتب؛ لأن هذه أنوار الله للهداية البشرية، ولن تحتاج إلى القلم والقرطاس أبداً، بل فقط آمن وأقبل على الله.

    الأمر بالشهادة بالحق

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا [النساء:135] فليس لك شأن أنت، فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135]. ولا تقل: هذا غني نشهد عليه، أو هذا فقير نشهد له، فهذا ليس من شأنك، بل الله هو الذي أغنى هذا وأفقر هذا، فإن يكن غنياً أو فقيراً فأولى بهما الله، لا أنت يا عبد الله! فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:135] عن جادة الحق والصواب. وَإِنْ تَلْوُوا [النساء:135] ألسنتكم بالعبارة، ولم تفصحوا بالنطق حتى يضيع حق هذا المؤمن، أو تعرضوا وتقولوا: لا نشهد.

    ولا إله إلا الله! فهذه الأمة سمت وارتفعت وعلت، ووالله لم يعرف التاريخ البشري أمة كملت كهذه الأمة، أيام أن كانت تعيش على هذا القرآن، ثم كاد لها العدو فجرت وراءه فصرفها عن القرآن، وأصبحوا يقرءونه على موتاهم، وأما في المحكمة فليس هناك قرآن، بل القرآن يقرأ على الموتى والله العظيم، وهذا أمر عجيب، فالميت عندما تقرأ عليه القرآن فإنك توبخه فقط، فإذا كان ما تقرأ عليه عقيدة فإنك توبخه، وإذا كان صلاة فهو لم يصل، وإذا كان صياماً فهو لم يصم، وأنت توبخه فقط، وهو لا يستفيد من قراءة القرآن. فالقرآن يقرأ على الأحياء أولي البصائر والنهى، فتكمل معارفهم، وتسمو آدابهم وأخلاقهم، وهذا ليس بكلامي، واسمعوا الله يقول في سورة يس التي وضعتموها للموتى، يقول تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:69-70]. فالذي تسمعون الرسول يردده وينزل عليه إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:69-70]. وفي قراءة سبعية: ( لتنذر) يا رسولنا! به ( من كان حياً) وليس ميتاً، ففرق الله بين الميت والحي، ولم يطلق العبارة على كليهما، بل قال: لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا [يس:70]. يعي ويفهم .. يسمع ويتلقى وينطق، وأما الميت فلا فائدة من إنذاره، وإلى الآن يوجد من إخوانكم وآبائكم من يكاد يتمزق عندما يسمع هذا الكلام، ويسب ويشتم ويقول ما شاء الله أن يقول. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

    العدل مأمور به في كل شيء

    قال: [ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم! ] الذي يقرأ هذه النداءات الإلهية، ويضع نسخة عند وسادته، ولما يأتي إلى فراشه يقرأ نداء، ويسمع الله يناديه فيه، ويتقبل مراد الله منه، وينام مؤمناً طاهراً، ولا يمضي عليه زمان إلا وقد استوعبها وحفظها، وعمل بما فيها، وأصبح ربانياً، وأنت لو درست في جامعات العالم مليون سنة لم تتخرج كما تتخرج على القرآن. فاعلم [ أن هذا النداء الإلهي له شأن عظيم؛ إذ هو يوجب العدل في القضاء والشهادة والقول والعمل والاعتقاد ] ولا يجوز لقائل أن لا يعدل في قوله، وإلا فهو يكذب، ولا يجوز لعامل أن لا يعدل في عمله، وإلا فإنه يفسد، فهذا النداء ذو شأن عظيم؛ إذ هو يوجب ويحتم العدل في القضاء، فإذا قضيت وحكمت بين اثنين أو أديت الشهادة أو قلت قولاً أو عملت عملاً أو اعتقدت اعتقاداً فيجب أن يكون اعتقادك عادلاً، ولا إله إلا الله! فمن اعتقد أن الآلهة ثلاثة لم يعدل [ فعلى من قضى بين اثنين أن يعدل في حكمه، وأن من شهد أن يعدل في شهادته ] فإذا كانت الدابة لفلان يقول: لفلان، ولا يخاف غناه، ولا يرحمه لفقره، ويشهد أن السيارة لفلان صاحبها، وليست لأبي ولا لأخي، بل يشهد على أبيه أو على أخيه، ويشهد على نفسه فضلاً عن أبيه وأخيه [ وأن من قال متكلماً مخبراً أو آمراً أن يعدل في قوله أو أمره؛ إذ على العدل قامت السماوات والأرض ] ووالله لولا العدل لخرب العالم كله، وتبخر وتلاشى، وعاد سديماً كما كان، ولكنه قائم على أساس العدل.

    الأمر بأن تكون الشهادة لله

    قال: [ وهاهو ذا الرب تبارك وتعالى ينادي المؤمنين ويأمرهم قائلاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [النساء:135]، أي: بالعدل. هذا في الحكم بين الناس: شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135]، أي: أدوا الشهادة لله؛ لأن الشهادة على عبده كالشهادة له عز وجل ] فأنا عبد الله، فالشهادة لي كالشهادة له؛ لأني أنا عبده، والشهادة علي بالباطل شهادة على الله بالباطل؛ لأنني عبده، فلهذا الذي يشهد شهادة في المحكمة وبها تنقل العمارة أو السيارة فهذا قد أمضى ووقع باسم الله تعالى، وهذه جريمة. فإذا تنازع على العمارة الفلانية فلان وفلان وتوقف الأمر على الشهادة، فجاء الشاهدان يشهدان، فهذا الشاهد لما يشهد تنقل العمارة إلى الشخص الثاني، وقد أخذت باسم بالله، لأن هذا يشهد نيابة عن الله، فيا من يشهد إنك تنوب عن الله فلا تكذب على الله، وهذه جريمة ما لها حد، وقد رأينا بعض الإخوان يتبادلون الشهادة بالباطل، اشهد معنا ونشهد معكم، ويقولون: هذا من بلادنا .. هذا من قبيلتنا، ونحن لا نلومهم؛ لأننا فقدنا هذا النور من قرون، ولا نجتمع على القرآن ولا ندرسه ولا نعرف ما فيه.

    قال: [ إذاً أدوها عادلة لا حيف فيها ولا جور، ولو كانت الشهادة على أنفسكم؛ لأنكم عبيد الله، فلا تظلموا أنفسكم؛ لأن ذلك لا يرضاه سيدكم لكم ] بل اشهد على نفسك، وقل: نعم قلت .. ضربت .. أخذت، فاشهد على نفسك؛ لأنك عبد الله [ وظلم النفس يكون باقتراف الذنب بالحيف في الشهادة، وعدم العدل فيها ].

    الأمر بأداء الشهادة ولو على الأقربين

    قال:[ إذاً: فاعدلوا ولو كانت الشهادة على أنفسكم أو الوالدين والأقربين ] من الأخ والعم وغير ذلك، فيشهد الرجل على أمه، ويقول: أمي سرقت هذه الدجاجة، وهذه دجاجة جارتنا، وأمي أخذتها، ولا حرج، ودعها تقطع يدها؛ لأنها سرقت، وكذلك [ فليشهد أحدكم على نفسه بأنه فعل أو ترك، وعلى أبيه و] على [ أمه وأقربائه أنهم فعلوا أو قالوا أو أخذوا أو تركوا، فلا تحمله طاعة والديه وواجب الإحسان إلى أقربائه ] لا يحمله ذلك [ أن يكتم الشهادة عليهم، أو يبدلها حائفاً فيها ] مائلاً [ جائراً ] حتى لا تفيد. ومما يروى ويذكر: أن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه - وهو بعث وخرج إن صح التعبير في أمة لاصقة بالأرض في أيام الهبوط، وقد كان العالم الإسلامي كله رازحاً تحت نار الجهل والعياذ بالله، وكانت الجاهلية والله أقبح من جاهلية ما قبل الإسلام في مواطن كثيرة- أن امرأة جاءته وقالت: يا شيخ! إني زنيت فطهرني، فكاد يذوب، فقال: يا أمة الله! اذهبي واستري عن نفسك، فجاءت مرة ثانية وقالت: يا شيخ! طهرني، وأقم الحد علي، وجاءته أربع مرات في أربعة أيام، فأقام عليها الحد مع تلامذته، وكان أول حد يقام بعد قرون، فطهرت تلك المؤمنة، فيذكر الشيخ أنه ما شرح صدره شيء ولا حصل له من نعمة أكبر من ذلك اليوم، فقد عرفت ربها، فجاءت تريد تطهر نفسها، في الوقت الذي ما تستطيع أن تعرف إلى أي بعد وصلنا في الهبوط في القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر، فقد وصل هبوطنا إلى أبعد حد، وسبب هذا الجهل والبعد عن كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.

    [ ولا تراعوا في أداء الشهادة فقراً ولا غنى، كما لم تراعوا قرباً أو بعداً ] فلا تراعوا فقراً أو غنى [ فالله أولى بالفقير بالإحسان إليه، وأولى بالغني أن يأخذ منه غناه، فلا يميلن أحدكم مع الفقير رحمة به، ولا مع الغني طمعاً فيه ] وفيما عنده [ وليوكل ذلك لله تعالى، فهو أولى به ] واسمعوا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135]. فليصبح هذا الكلام مفهوماً عندنا كالأكل والشرب.

    النهي عن اتباع الهوى

    قال: [ بعد هذا الإرشاد والتوجيه إلى إقامة العدل في القضاء والشهادة نهى تعالى المؤمنين ] وهم أولياؤه [ عن اتباع الهوى ] والهوى كما يقول الحبيب: ( حبك الشيء يعمي ويصم ). فإذا زين الشيطان شمطاء فأحببتها فإنك تصبح والله ما تسمع ولا تبصر، فـ( حبك الشيء يعمي ويصم ). والذي يحبب هذا إلينا هو إبليس عدو أبينا وأمنا، الذي أجلانا من دار السلام، وتركنا هكذا سائحين في الأرض تائهين، فإذا زين لك الشيء وحببه إليك وأحببته أعماك وأصمك، وتصبح لا تسمع موعظة ولا أمراً، ولا تشاهد آية من آيات الله [ فقال تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا [النساء:135] ] فمن اتبع هوى نفسه عدل عن الحق، وجار في الشهادة وظلم فيها [ والهوى هو: ميل النفس إلى ما تحبه ] من الأشياء [ وما يزينه الشيطان لها، فترغب فيه وتطلبه، كحب السمعة والمال والجاه واللذات، فنهى تعالى عباده المؤمنين عن اتباع الهوى؛ حتى لا يجوروا في قضائهم وشهاداتهم ].

    التحذير من لي اللسان بالشهادة أو كتمانها

    قال:[ ثم حذرهم من لي اللسان بالشهادة حتى لا تأتي عادلة ] وأهلها يعرفونها، فنحن لا نعرفها حتى نمثل، وإنما نقول: هو عدم النطق بالعبارة واضحة صريحة، واللي عندنا حبل نلويه، فلي الشهادة: لي اللسان وعدم النطق بالعبارة واضحة، فيقول القاضي: مع الأسف هذه الشهادة ما تكفي، وليست قائمة على أساسها، فاطلبوا شاهداً آخر، ويخرج أخونا وقد لوى لسانه؛ ليتعطل الحكم الذي سيصدر عليه أو على أبيه أو أخيه. هذا هو اللي [ ومن الإعراض عنها بأن يكتموها فلا يؤدوها ] بالمرة. فإما أن يلويها فلا تخرج صالحة، ولا يستطيع القاضي أن يطبقها على حكم أبداً؛ لأنها ليست واضحة؛ لأنه لوى لسانه فيها وحرفها، أو يعرض ويقول: ما سمعت أبداً ولا رأيت ولا شهدت ويكتمها [ أو يعرضوا عن بعضها، فلا تكون ] إذاً [ كافية في إحقاق الحق وإبطال الباطل ].

    استحضار مراقبة الله لعباده بمنعهم من الوقوع فيما يغضبه

    قال:[ فقال تعالى: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا [النساء:135] ]. ولم يذكر الجزاء في هذه اللفظة، فقد سكت عنه، ولم يذكر جزاءه بالهراوة أو العصا، وإنما أشار إليه بالدليل: [ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135] ] ولم يقل: أفقركم .. أسلط العدو عليكم .. أمزقكم .. أصيبكم بالجنون؛ لأن هذا لا يكفي، فلهذا فقط ذكر العلة، فقال: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135]. وسيجزي عباده بحسب مواقفهم وسلوكهم، فإن الله كان ومازال بما تعملون خبيراً، فهو عليم، فلا يخفى عليه من أمرنا شيء، ووالله لئن تلوي لسانك بلفظة فقط تريد أن تخرج من الشهادة يعلمها الله [ أي: لا يخفى عليه أمركم، عدلتم أو جرتم، أتممتم أو نقصتم، فاحذروا رقابته تعالى لكم، وجزاءه إن عدلتم بالخير أو جرتم بالعذاب، فما أحسن هذا التذييل في الآية الكريمة: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:135] ] هذا الختم الأخير في الآية [ فاذكروا هذا ولا تنسوه؛ فإنه يعينكم على تقوى الله عز وجل بامتثال أمره واجتناب نهيه، فتكملوا وتسعدوا ].

    الأمر بالعدل في القضاء والحكم

    قال: [ واعلم أيها القارئ الكريم! أن الله تعالى أمر بالعدل في القضاء والحكم في غير هذه الآية أيضاً، فاسمع قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء:58]. وقوله: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:49] ] وهذه في الأحكام، أي: وأن احكم يا رسولنا! بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم.

    عاقبة كتمان الشهادة وعدم العدل في أدائها

    قال: [ كما نهى تعالى عن كتمان الشهادة في قوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:283] ] فالقلب يصبح كله أذى وقذر، ويصبح عفناً منتناً من ظلمة كتمان الشهادة والجور فيها، فمن يكتم الشهادة أو يجحدها ويغطيها دفاعاً عن قبيلته أو عن مواطنه أو عن أبيه أو أمه فقد أسود قلبه وتعفن وتنتن، وإذا فسد القلب لم يبق شيء صالحاً، ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب ). فلهذا قال تعالى: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:283]. ولم يقل: فإنه آثم، وإنما قال: قلبه آثم، وإذا فسد القلب فسد كل شيء.

    [ ومما يؤكد أمر حرمة الظلم والجور في الحكم والشهادة قول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب أصحابه: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! ) ] نبئنا بها وعلمنا إياها [ قال: ( الشرك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس ) ] اهتماماً بهذه القضية [ ( فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، حتى قال الحاضرون من أصحابه: ليته سكت، أي: تمنوا سكوته؛ خشية أن ينزل أمر عظيم لا يطاق ) ]. وخافوا أن ينزل بلاء أو نقمة من السماء؛ لأنه كان منفعلاً قد يغضب الله لغضبه فينزل بلاء. وجماعتنا يقولون: هذا الشيخ منذ سنين يتكلم عن الشرك، ونقول: يا بلهاء! يا أغبياء! رسول الله بين أصحابه أولئك البدور يبدأ: الشرك بالله، فالرسول يخاف أن يشركوا، وهم ليسوا مشركين. وإذا سمعك أحد تتكلم عن الشرك أبغضك، وقال: نحن مؤمنون، وهذا الشرك كان في أيام الجاهلية، ويغطون، حتى أصبح ثلاثة أرباع الأمة المحمدية مشركون في عقائدهم.

    فانتبهوا لهذه اللطيفة. فالرسول بين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة يقول: ( الشرك بالله). فهو يخاف أن يشركوا، وإلا لما قال: الشرك بالله، ولتكلم عن أشياء أخرى؛ لأن الرسول حكيم، وهو أستاذ الحكمة ومعلمها، فهو عندما يخاطب أصحابه الأطهار بهذا الكلام فهو يخاطب به من يأتي بعدهم إلى يوم القيامة.

    خير الشهود وشر الشهود

    قال: [ ويقول صلى الله عليه وسلم مخبراً أمته ومعلمها؛ لتكمل وتسعد: ( خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها ) ] فخير الشهود أيها المؤمنون! الذي يأتي بالشهادة قبل أن يطالب بها، فإذا عرف أن حق فلان يضيع، وهو يملك عدم إضاعته بالشهادة التي عنده يأتي إلى المحكمة ويقول: أشهد بالله إن فلان كذا أو كذا، هذا هو خير الشهود، وليسوا الذين يشهدون للقبيلة والمواطنة والمزاملة، ويقولون: هذا زميلنا نشهد معه، بل خير الشهود من يأتي بشهادته قبل أن يقال: تعال اشهد؛ لأنك حضرت الحادثة، بل هو يأتي قبل أن يسألها من المحكمة أو من صاحبها [ وبناء على هذا فشر الشهود من يكتم شهادته، فيضيع حق أخيه المسلم ] كأن يكون عنده شهادة ويعرف أنه لو شهد لنال فلان حقه، ويكتمها مراعاة لكذا أو كذا، فيضيع حق أخيه المؤمن بهذا الكتم، هذا والله شر الشهود. فإذا عرفنا خير الشهود عرفنا شر الشهود بالملازمة.

    من صور العدل والشهادة بالقسط

    قال: [ وأخيراً إليك أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد! هذه الصورة الجليلة في بيان العدل والشهادة بالقسط ] واسمعوا [ يقول عبد الله بن رواحة شهيد مؤتة رضي الله عنه وأرضاه ] فهو أحد الثلاثة الذين استشهدوا لما خرجوا يقاتلون الروم في مائتي ألف، وهؤلاء بهاليل، فهم ثلاثة آلاف ويقفون أمام مائتي ألف؛ لأن الله معهم، ومن كان الله معه لا أحد يهزمه، واسمعه يروي لك الحادثة: [ وقد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم ] والخرص: التقدير والتحزير، فينظر إلى النخلة ويقول: فيها قنطار أو نصف، ويصدق بالخبرة. وكانت خيبر في السنة السادسة قد وقعت تحت الدولة الإسلامية، والرسول صالحهم - أي: الرجال- لأن المؤمنين لم يكونوا مشغولين بالفلاحة والزراعة، فقد كانوا رجال تبليغ وجهاد ودعوة، فقال يا معشر يهود! نبقيكم في مدينتكم .. في مزارعكم .. في حقولكم، وأعطونا النصف ولكم النصف. والذي فعل هذا رسول الله، ولم يوزع على أصحابه حتى لا يعطلهم عن الجهاد، وقد أخبر فقال: ( تصابون يوم تأخذون بأذناب البقر )، أي: تحرثون وتزرعون، وهو كذلك، فالآن المسلمون لا يفكرون في إنقاذ العالم أبداً، وإنما يفكرون كيف يأكلون ويشربون ويزغردون فقط، والذين يريدون أن يسودوا ويحكموا بنوا عمنا اليهود، فهم عازمون على سيادة العالم، فيبذلون الرخيص والنفيس والغالي في سبيل هدفهم، وأيما دولة تريد أن تسود وتحكم لابد وأن تضحي بالشهوات والأهواء والدنيا والأموال، والمسلمون اليوم يكفي أن يعيشوا فقط، وهذا هو همهم، ولا يوجد دولة اليوم تنتمي إلى الإسلام تبذل أقصى ما تبذله؛ لأنها حريصة على أن تسود، وهذا مشاهد، بل اليهود هم الذين يفعلون هذا.

    [ فأرادوا أن يرشوه؛ ليرفق بهم ] وكان عبد الله بن رواحة فقيراً مثلي ومثلك، وجاء إلى خيبر بلاد المال نيابة عن رسول الله، فأرادوا أن يضعوا في جيبه نقوداً؛ حتى يرفق بهم، ويقول في النخلة التي فيها قنطاراً: فيها قنطار إلا ربعاً بالتخمين، وإذا كانت المزرعة هذه ممكن تحصد عشرة طن يقول: فيها تسعة طن مثلاً، فلا يظلم الحاكم ولا يظلم المواطنين، كما نفعل نحن الهابطون [ فقال لهم: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي ] الله أكبر! وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ولأنتم ] يا معشر يهود! [ أبغض إلي من إخوانكم من القردة والخنازير ] ولن أجمع بين هذا وهذا، فبينهما بعد كبير أبعد مما بين السماء والأرض [ وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم ] وعجب هذا الرجل! فأولاً قال: جئتكم من أحب الخلق إلي، وحب رسول الله لن يحملني على أن أؤذيكم بالباطل، وهذا والله ما كان، وأنتم أبغض إلي من إخوانكم من القردة والخنازير، ولن يحملني بغضكم على أن أجور عليكم، وأقول: القنطار فيه قنطاراً ونصف، والله ما كان. وعبد الله بن رواحة هذا لم يتخرج من أية جامعة، وإنما تخرج من مجالس رسول الله كهذه. فاحفظوا هذه الكلمة الخالدة لتكون نوراً لنا [ فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض ] فكان اليهود أفقه منا اليوم، وقلها في أي مدينة من مدن العالم الإسلام، فلا يوجد من يقول: بهذا قامت السماوات والأرض، والله ما يقولوها ولا يعرفوها، واليهود عرفوها، وقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، أي: بالعدل، لأنهم يقرءون ويجتمعون على شيوخهم، ونحن ما نجتمع، وإنما نمر بالحلقة ونضحك. وقد حدثنا أحد الصالحين وقد توفي، قال: منذ عشرين سنة وأنا أمر بالحلقة وأسخر وأهرب منها، قال: لأن الوهابية يفسدون عقيدتي، لا إله إلا الله! وهو لا يسمع إلا قال الله وقال رسوله، ووالله لقد شاهدنا الرجل يجلس عندنا في الحلقة فيجيء آخر من وراءه ويقومه، ويقول له: لا تجلس هنا، فهؤلاء يفسدون عقيدتك، هذا في مسجد النبوة في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه مظاهر أمتنا، ولن ننتصر على اليهود ونسود ونحن هكذا، ولن تجتمع كلمتنا، ولن تتحد راياتنا.

    قال: [ لنتأمل جميعاً هذا الموقف الذي وقفه عبد الله بن رواحة صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو موقف يجب أن يقفه كل مؤمن، فلا تغرنه الحياة الدنيا، فيحيف أو يجور أو يأخذ رشوة مالية مهما كانت الظروف والأحوال.

    اللهم أحينا على ما أحييته عليه، وأمتنا على ما أمته عليه، إنك رب العالمين، وولي المتقين.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].