إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 25للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الآداب التي أدب الإسلام بها أتباعه أن يتبينوا حال من يلقونه في طريق جهادهم، فمن ألقى إليهم السلام سالموه، ومن أظهر لهم العداوة قاتلوه، حتى لا يكون الطمع بمتاع الدنيا وغنيمة الحرب هي ما يحركهم، ويحملهم على قتال أعدائهم، والتثبت والتبين كما هو مطلوب عند القتال، هو مطلوب أيضاً في السلم وفي سائر الأحوال.

    1.   

    وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب على الخطأ فيها ضرر بالغ وعظيم

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا ما زلنا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، جعلنا الله تعالى منهم، وحشرنا في زمرتهم، ورضي عنا كما رضي عنهم. اللهم آمين.

    وهذا النداء هو الرابع والعشرون من النداءات الإلهية التي حواها كتابه القرآن العظيم

    [ النداء الرابع والعشرون: في وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب على الخطأ فيها ضرر بالغ وعظيم ] وفيه ينادي الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين - إذ هم أوليائه- فيوجب عليهم التثبت والتبين قبل إصدار الحكم، وهذا وإن كان يتناول رجال المباحث ورجال الأمن، والقضاء والحكام، فإنه يتناول الرجل في بيته، والمرأة في بيتها، ويتناول كل مؤمن ومؤمنة، فلا يصدر أحد حكماً بالنفي أو الإثبات إلا بعد التروي والتأكد والتثبت، ولا يلقي المرء خبراً ويشيعه بين الناس إلا بعد أن يتأكد من صحة هذا الخبر، وكم من آثار سيئة وفاسدة وآلام متعبة لا سبب لها إلا الاستعجال في إصدار الأحكام، وكم من شريف وضعوه، وكم من موضوع رفعوه بالأقوال والأباطيل، وحسبنا ما عرفناه الآن من عالم الإعلام والصحافة، وغير المؤمنين شأنهم، فيقولون ما بدا لهم، ويتصرفون كما يرون، فليس لهم قيمة عند الله ولا وزن، وأقوالهم وجودها كعدمها، والمؤمنون يسألون عن كل دقيقة وجليلة، فهم يسألون عن أقولهم وأحكامهم إذا لم يعلموا ويسمعوا ويتبينوا، وسبحان الله العظيم! فهذا القرآن الكريم يجعل من أمة الإسلام أمة ممتازة.

    واسمعوا هذا النداء، فهو نداء الله إليكم، ولا تستعجلوا في إصدار الأحكام وتحقيقها، وإعلان البيانات والقضايا بدون تريث وتأمل وتعقل، حتى يثبت لديكم يقيناً أن فلاناً قال كذا، أو أن فلانة فعلت كذا، أو أن فلاناً يريد كذا، وليس بمجرد ما يلوح لكم في الأفق شيء تحكموا وتصدروا حكمكم، وقد يكون حكماً بالدم والقتل، أو بسلب المال.

    [ الآية (94) من سورة النساء

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94] ] معاشر المؤمنين! هذا كلام الله لنا جميعاً، ولا تقل: هذا خاص برسول الله وخاص بالإمام، أو خاص بفلان، فبحكم أننا مؤمنون فالنداء يشملنا كلنا، إلا من قال هو غير مؤمن، فلهذا يجب أن نعنى بحفظه وفهمه وتطبيقه.

    والآن مع [ الشرح ] والتأمل والتروي وإعادة القول؛ حتى نستوعب مضمون هذا النداء الإلهي؛ لنكون على علم وبصيرة.

    الأسباب التي من أجلها ينادي الله تعالى عباده المؤمنين

    [ اذكر أيها القارئ الكريم! ] لهذه النداءات [ ما قد سبق أن علمته ] فهذا النداء هو الرابع والعشرون، وقد علمنا أشياء تتعلق بالنداءات السابقة [ وهو أن الله تعالى لا ينادي عباده المؤمنين إلا ليأمرهم بما فيه سعادتهم وكمالهم، وينهاهم عما فيه شقاؤهم وخسرانهم ] أو يبشرهم أو ينذرهم أو يعلمهم، فالله لا ينادي عباده المؤمنين للهو واللعب أو لا لشيء، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

    وأولياء الله لا يلهون ولا يلعبون، ولا يطلقون كلمة من أفواههم يعلمون أنها لا تثمر شيئاً، بل إما أن ينهوا عن باطل، وإما أن يقولوا خيراً ومعروفاً، فكيف بالخالق عز وجل ينادي لا لشيء؟

    وقد سبق أن علمنا من أول نداء أن الله تعالى لما ينادي عباده المؤمنين يناديهم إما ليأمرهم بشيء يكملهم ويسعدهم، أو ينهاهم عن شيء يبعد شقائهم وخسرانهم، أو يبشرهم بما يزيد في إيمانهم وخيراتهم وصالح أعمالهم، أو لينذرهم من خطر عظيم قد يفسد حياتهم، أو يعلمهم ما ينبغي أن يعلموه، وأما أن ينادي عباده لا لشيء فتعالى الله عن هذا علواً كبيراً، وإن شككت فلن تجد عاقلاً يناديك: يا إبراهيم! ثم يضحك، إلا إذا كان لا يعقل، بل يناديك: يا إبراهيم! أغلق الباب، أو يا إبراهيم! ادع فلاناً، أو يا إبراهيم! قم صل، ولا ينادي ليلعب، وهذا لا يفعله إلا من كان غير عاقل، فكيف بالخالق عز وجل؟ ولهذا أذكركم بذلك المؤمن الذي قال لـعبد الله بن مسعود : يا عبد الله ! اعهد إلي بشيء، فأنت صاحب رسول الله، وقد عشت في الحضرة النبوية، وأصبحت ذا علم، فاعهد إلي بشيء آخذ به في حياتي، فقال له: إذا سمعت الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فأعرها سمعك، وأعطها أذنك بكاملها؛ وذلك لأنه خير يأمرك به أو شر ينهاك عنه، وأنت تريد في حياتك الحصول على الخير والبعد عن الشر، فإذا سمعت القارئ يقرأ في إذاعة أو في أي مكان فأعطه أذنك، واسمع ما تؤمر. والله تعالى ينادي المؤمنين [ وذلك لولايتهم له ] فقد أصبحوا أولياؤه، فلا يتركهم ويهملهم ويضيعهم، بل لا بد وأن يأمر وينهى ويبشر ويحذر؛ حتى يكمل أولياؤه.

    حرص أعداء الله على سلب صفة الولاية عن المؤمنين الأحياء ومنحها للأموات

    أراد العدو أن يسلط بعضنا على بعض، وينشر الزنا والسرقة وسفك الدماء والغيبة والنميمة وغير ذلك، فسلبونا صفة الولاية، ووضعوها على قبور الموتى، وتركونا نحن أعداء، يأكل بعضنا بعضاً، وقد روى البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً إلى الحضرة النبوية وهو أن الله تعالى يقول: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). وليس هناك من يعي هذه ويقوم الآن يسب مؤمناً أو يشتمه، أو يأخذ نعله ويهرب، فضلاً عن أن يفجر بامرأته أو ابنته، ولكن الذي ما بلغه هذا ولا فهمه ولا وعاه متى احتاج إلى المؤمنين أكل لحومهم؛ لأنهم ليسوا أولياء في نظره، وإذا آذاهم فلن يغضب لهم ربهم ويسقطه أو يمزقه.

    ونحن الآن في خير، ووالله لقد مضى زمن لو تدخل بلداً وتقول لأحد أصحاب البلد: دلني على ولي من أوليائكم والله ما يأخذ بيدك إلا إلى قبر ميت، وأما ولي حي فلا، والذي فعل هذا بنا هم الثالوث، العدو المكون من ثلاثة حيات: المجوس واليهود والنصارى.

    الصفات المحققة لولاية الله عز وجل

    المؤمنون أولياء الله [ حيث آمنوا به وبلقائه، وبكل ما أمرهم أن يؤمنوا به، واتقوه بفعل أوامره واجتناب نواهيه ] وهذه هي عوامل تحقيق الولاية، فآمن واتق حتى تكون ولياً، وسواء كنت أبيض أو أسود، أو فقيراً أو غنياً، أو في القرن الأول أو في القرن العشرين فكل هذا لا قيمة له، بل آمن بالله ولقائه، وبكل ما أمرك الله أن تؤمن به من شأن الغيب والشهادة، واتق الله ولا تخرج عن طاعته، ولا عن العلم والعمل؛ حتى تكون ولي الله، ومن آذاك فقد أعلن الله الحرب عليه، ففي الحديث: ( من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ) [ إذ بذلك تطهر أرواحهم وتزكوا نفوسهم، والله يحب التوابين إليه والمتطهرين من أجله ] لأنهم بإيمانهم وتقواهم تتطهر أرواحهم وتزكو نفوسهم، فيحبهم الله، والله يحب التوابين إليه والمتطهرين من أجله، فإذا آمن العبد واتقى فقد أصبح ولياً؛ لأن نفسه طابت وطهرت وزكت بسبب الإيمان والعمل الصالح، وبسبب ترك الكفر والشرك والمعاصي، فلما زكت نفسه، أي: طابت، أي: طهرت، وأصبح ريحها طيباً أحبه الله؛ لأنه تعالى يحب الله التوابين ويحب المتطهرين. فالولاية من شأنها أن تحقق زكاة النفس وتطهيرها، فإذا زكت نفس العبد أو الأمة أحبه الله؛ لأن الإيمان والعمل الصالح عملية تطهير، كغسل الثوب بالماء والصابون، فمن زكت نفسه وطابت وطهرت تحققت له ولاية الله عز وجل.

    سبب تشريع الله للعبادات وتحريمه للمحرمات

    قال: [ ولك أن تعلم أيها القارئ الكريم! والمستمع المستفيد! أن ما شرعه الله تعالى من عباداته ] التي قننها وشرعها وحدد أوقاتها وأزمنتها وكيفياتها [ إنما شرعه لتزكية نفوس عباده وتطهيرها؛ ليقبلها ويرضى عنها ] وسر ذلك من أجل أن يزكي نفوسنا، وأن يطهر أرواحنا، وعلة هذه التزكية والتطهير حتى يقبلنا في جواره، وترفع أرواحنا إليه، وتنزل في عليين، فأرواح الكافرين والمجرمين والأخباث والله ما ترفع إلى السماء، وإن رفعت ترد من الطريق، والدليل على هذا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ [الأعراف:40]. وليس هناك بيان أعظم من هذا البيان، فالعجمي الذي يتعلم العربية يفهم هذا، فالروح الخبيثة والنفس المنتنة لا ترقى إلى السماء ولا تفتح لها، وقال تعالى في القرآن: إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين:7]. وقال: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين:18]. وليس عندنا من ليس فاجراً ولا باراً، فهذا النوع ليس عندنا، ومستحيل أن يوجد، بل إما ولي أو عدو، وإما في عليين وإما في سجين، وسجين الدركات السفلى التي لا تخطر في بالك في الكون، وإن أردت أن تتأمل فاغمض عينيك، واجعل رأسك بين ركبتيك، وانظر تحتك، ودلنا متى ينتهي الهبوط، فإنك تعجز ولم تتخيل موقع سجين. فلندرس كلام الله، ولنستنتج النتائج التي تعود علينا بالخير.

    قال: [ وأن ما حرمه على عباده ونهاهم عنه سواء كان اعتقاداً أو قولاً أو عملاً إنما حرمه عليهم ونهاهم عنه من أجل أن لا تخبث أرواحهم و] ألا [ تتدسى نفوسهم؛ فيكرهها ويبغضها، ولا يأذن لها بدخول الجنة حتى لا تنعم برضاه والنظر إلى وجهه الكريم فيها ].

    مسئولية كل إنسان عن عمله يوم القيامة

    قال: [ واقرأ لهذه الحقيقة ] العلمية [ قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] ] ولا يقدر أحد أن يراجع الله في هذا الحكم، فقد أفلح عبد زكى نفسه، وقد خاب عبد دسا نفسه، ولم يبق شيء، لا عمك ولا أخوك ولا جنسك ولا غير ذلك، ووالله لو كنت ابن نبي من الأنبياء ونفسك خبيثة فلن تدخل الجنة، ولو كنت ابن خربتشوف ونفسك زكية فوالله ما يمنعك ذلك أن تدخل الجنة، ونحن نستغرب هذا؛ لأن سحائب الخرافات غشتتنا، ونقول: هذا والد إبراهيم -إبراهيم الأب الرحيم، أبو الأنبياء .. أبو الضيفان- في النار، وهو لا يشفع لوالده، والله يترك والده وأباه في النار. وقال الضلال والخرافيون والطاعنون: ليس أبوه، بل هذا عمه! والله يقول: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ [الأنعام:74]. وهم يقولون: لا، هذا عمه وليس أباه. وهؤلاء علماء يحفظون قناطير الكتب. وهذه من مظاهر الهبوط، ظهرت عندما بدأ الثالوث يهبط بنا. ونحن نصدق الله لا هم، فالله يقول: أبوه، وهم يقولون: عمه؛ حتى لا يقال: عبد الله والد الرسول في النار أبداً، بل في الجنة؛ لأنهم ما فهموا .. ما عرفوا .. ما درسوا .. ما قرءوا القرآن ليرقوا به إلى سماء الكمالات البشرية، وإنما قرءوه ليأكلوا الحلوى والرز واللحم ليلة موت الميت، وهذا صحيح، وأمي رحمة الله عليها وأنا يتيمها كانت تدعو الله: اللهم اجعل ابني قارئ قرآن أو جزاراً؛ لأن الجزار يأتيها بالكبد والرئة كل يوم، وإن كان طالب قرآن فإنه يقرأ على الموتى ويحضر لها اللحمة ملفوفة أيضاً في منديل، رحمة الله عليها، وهذا وسط العالم الإسلامي، فلا يحفظ القرآن إلا ليقرأ على الموتى، وإذا قال شخص قال الله اسكتوه وطردوه؛ حتى لا يقول: قال الله، وساد بينهم مقولة: تفسير القرآن صوابه خطأ، وخطؤه كفر.

    والشاهد عندنا: أنهم ما علموا أن إبراهيم عليه السلام في عرصات القيامة في ساحة فصل القضاء ينادي بأعلى صوته: ربَّ! لقد وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، وهذا أبي الأبعد في النار، فأي خزي أعظم من هذا الخزي يا رب؟! فيقول له: انظر تحت قدميك إبراهيم! فينظر وإذا بوالده في صورة ذكر الضباع، ملطخ بالدماء والقيوح في صورة بشعة، وما إن يراه حتى يقول: سحقاً سحقاً سحقاً، فيؤخذ من قوائمه الأربع ويرمى في عالم الشقاء. وهذا الخبر أخبر به أبو القاسم، وهذا من صحاح أحاديثه، وليس من الخرافات.

    والسيدة امرأة نبي الله نوح حليلته وفراشه وأم أولاده في النار، ولا يمكنه أن يشفع لزوجته، وهذا لا ينفع، فقد صدر حكم الله، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. واقرءوا: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10]. فلا تنتظر شفاعة عمك. قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. وأنت الذي تقرر مصيرك بيدك يا ابن آدم! وقد وضع الله لك المطهرات، فطهر نفسك، وحذرك من المخبثات والملوثات، فابتعد عنها، وجاهد نفسك ودنياك وشياطينك حتى تنجح، وإذا أردت أن تلعب وتلهو فالعب واله واتكل على فلان، وربي لا ينقض حكمه، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. ووالله لو عرف هذا الكلام المؤمنون المسلمون لاختفت الجرائم بين الناس، وانتهى الباطل والشر، لو علموا فقط علم كهذا، ولكن كادوا لنا.

    وأبو نبينا صلى الله عليه وسلم شاء الله أن يسأله سائل ويقول: ( أين أبي يا رسول الله؟! قال: في النار ). فكشر ذاك وعبس وقطب وتململ، فقال: ( أبي وأبوك في النار ). وليس أباك فقط، بل أبي وأبوك. وعلماء العصور لا يقولون هذا الكلام، ويقولون: ممكن إنه يعني بقوله: (وأبي) يعني: حلف، ويؤولونها هكذا؛ لأنهم ما قرءوا: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14]. وهذا حكم أصدره الله. فعلة دخول الجنة الطاعة، وعلة دخول النار الفجور؛ لأن الطاعة تزكي النفس وتطهرها، والفجور يخبث النفس ويلوثها.

    وسيدنا نوح عليه السلام أبو البشرية الثاني ولده كنعان رفع شكواه إلى الله: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45] . ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمِل غير صالح) على قراءة، وسكت نوح، وقال: رب! أعوذ بك أن أكون من الجاهلين، فأسألك ما ليس بي علم. وبعد هذا يعول الرجل على أبيه؛ لأن أباه عبد صالح، ويريد أن يدخل الجنة معه.

    ولا تقولوا: ضيقتها يا شيخ! فقد والله وسعها الله والحمد لله، فقد بعث الرسول وأنزل الكتاب وأوجد العلماء، فتعلم ما يحبه الله وافعله، وتعلم ما يكره الله واتركه، وجاهد الدنيا والهوى والشهوة والشيطان، وإذا انتصرت نجوت.

    صفة أهل النعيم وصفة أهل الجحيم

    قال: [ وقوله ] تعالى: [ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14] ] فالأبرار في النعيم لبرهم، والفجار في الجحيم لفجورهم، والفجور معصية الله ورسوله [ فالأبرار وهم المطيعون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم في نعيم الجنة؛ وذلك لبرورهم؛ إذا البرور هو الطاعة، والفجار في جحيم النار؛ لفجورهم، وهو معصية الله ورسوله المنتجة لخبث النفس وتدسيتها وعفنها، الأمر الذي يسخط الله تعالى عليها، ومن سخط الله عليه حرم عليه دخول الجنة دار الأبرار، وأُدخل النار دار العذاب والبوار ] هذا حكمه ولا ينازع فيه [ أعاذنا الله تعالى منها ] وأعاذ كل مؤمن ومؤمنة من النار وعذابها.

    الأمر بالتبين في حال من سلم علينا عند ملاقاته في الجهاد

    قال: [ إذا عرفت هذا ] أي: قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10] [ سهل عليك أن تفهم قوله تعالى في هذا النداء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:94] ] وسواء ضربنا حيواناً أو إنساناً في سبيل الله، أو جنياً أو آدمياً، أو ضربنا الأرض بأرجلنا أو بدباباتنا وسياراتنا؛ لأن العامي يضرب الأرض في سبيل الله بأن يمشي عليها، وأنت عندما ترفع رجلك تضرب، فكما تضرب بكفك تضرب برجلك. فقوله تعالى: إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [النساء:94] [ أي ]: خرجتم مجاهدين [ غزاة ] داعين فاتحين [ ماشين لطلب العدو الكافر المحارب ] فعليكم - وهذا إرشاد وتعليم- [ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، أي: تثبوا ] هل هذا عدو أو لا؟ محارب أو مسالم ؟ [ ولا تتعجلوا. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ [النساء:94]، أي: سلم عليكم ] لا، هذا يريد أن يحفظ نفسه وماله، اقتلوه. بل ما إن يقول: السلام عليكم فكفوا أيديكم عنه، ولا تقولوا: يمكن يريد أن يتقي بالسلام حتى يذهب بماله، ويعود إلى أهله بحياته، ولا تقولوا: إنه منافق، أو قالها لأجل التقية فقط، فأنتم لم تشقوا على قلبه، وإنما قتلتموه من أجل أن تأخذوا الغنيمة. وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ [النساء:94]. وفي قراءة: (السَّلَم) [ أو أسلم بأن نطق بالشهادتين ] فقد يقول: لا إله إلا الله محمداً رسول الله، وهذا معناه: أنه أسلم، أو قد يقول: السلام عليكم؛ لأن السلام هذا خاص بجماعة المسلمين، وما كانت العرب تعرفه أبداً، بل كان عندهم صباح الخير ومساء الخير، وعمت صباحاً، وما زال إخوانكم من المسلمين عددهم ملايين لا يعرفون إلا صباح الخير ومساء الخير، ولا يوجد عندهم السلام عليكم، وممكن يقولونها بالإنجليزية والفرنسية، ولا عجب فهم ما قرءوا القرآن على الأحياء؛ فماتوا.

    إذاً: فَتَبَيَّنُوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام [ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94] ] أي: المال، فالغنيمة تسمى عرضاً؛ لأنها تعرض وتذهب، ولا دوام لها ولا بقاء كعرض البضائع في السوق، ولو مشيت الآن إلى السوق لم تجد بصلة واحدة، فالعرض كان في الصباح إلى الظهر وزال كل شيء، هذا العرض، والدنيا كلها عرض، فلا تبتغوا عرض الحياة الدنيا [ وتقتلوه رغبة في المال الذي عنده من غنم يسوقها أو غيرها من أنواع المال، فلا تفعلوا مرة أخرى مثل هذا، وإن كانت لكم رغبة في الغنيمة فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء:94] ] وما هي إلا سنيهات وأموال فارس والروم كلها في المدينة، والرسول يوزع بالحفنة، حتى العباس رضي الله عنه جاء يحثو، وملأ طرف ثوبه وما استطاع أن يقوم، فقال: ( يا رسول الله! احمل علي. قال: لا ). فحاول أن يقوم وهو حامل الفضة والذهب فما استطاع، فقال: ( يا رسول الله! أعني. قال: لا ). فأخذ يفرق وينقص منها شيئاً فشيئاً؛ حتى قدر على أن يقوم. وهكذا كان يوزع رسول الله المال، والآن المسلمون يقتلهم الفقر، واليابان الكافرة تحكم العالم؛ لأن المسلمين ناموا، ولا يريدون العمل ولا الكدح ولا غير ذلك، ويقولون: ليس هناك عمل، وأنا أقول لهم: جاهدوا، ودعوا البشرية هي التي تشتغل، وليكن أنتم همكم الدعوة ونشر الإسلام، وإذا لم تجدوا المال فماذا ستفعلون به؟ فالمغانم عند الله [ لا غنيمة واحدة، فاطلبوها برضاه لا بسخطه، واذكروا حالكم قبل إسلامكم؛ فإنكم كنتم مثل هذا الذي قتلتموه، لا تملكون إلا النطق بالشهادتين ] ونعم فالذين أسلموا في مكة لم يكن عندهم غير لا إله إلا الله محمد رسول الله، وسبحان الله! فهو يذكرهم بالماضي، فأنتم كنتم لا تتكلمون إلا السلام عليكم أو الشهادتين وهذا مثلكم، ثم من الله عليم وأسلمتم وعرفتم وعلمتم، وهو كذلك، سيمن الله عليه، ويعرف ما عرفتم، ويعلم ما تعلمون، فلا تستعجلوا في قتله [ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [النساء:94] ] وقد من عليهم بالعلم والمعرفة والعبادة والطهر والصلاح، وإلا كانوا كهذا الأعرابي سواء بسواء، وهذه من دعائم الأخلاق الفاضلة، يلفت الله النظر إليها، فلا تحتقر فقيراً، فقد كنت أنت أفقر منه، أو أبوك كان فقيراً، ولا تزدري ذا ثياب رخيصة، فأنت أو أبوك كان مثل ذلك؛ بل يذهب الله تعالى في تربية عبادة لأبعد من هذا، فيقول: إذا قال لك أحد الإخوان: اكتب لي صكاً أو شهادة أو رسالة فلا تقل: لا، واذكر أنك كنت لا تعرف الكتابة، والله هو الذي علمك، فاذكر الله واشكره واكتب لأخيك، فقد قال تعالى في آية الدين: وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ [البقرة:282]. وهذه أيضاً واضحة، فهو يقول: كذلك كنتم من قبل جهلة، لا تحسنون شيئاً ولا تعرفون، فعلمكم الله، وهذا - إذاً- أخوكم الآن كان مثلكم، وسوف يدخل في رحمة الله، ويصبح أعلم منكم [ أي: بنعمة الهداية إلى الإسلام، ومعرفة قواعده وشرائعه ] وآدابه [ إذاً: فَتَبَيَّنُوا [النساء:94] إن حصل لكم مثل هذا الموقف، وراقبوا الله تعالى في أقوالكم وأعمالكم، فلا تخرجوا عن طاعته عز وجل بحال من الأحوال، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94] ] وهذه إذا استقرت في ذهن العبد فإنه لا يستطيع أن يعص الله أبداً، وإن حصل مرة فإن الشيطان قد أفرغ عليه سحائب وظلمات حتى ما رأى شيئاً، أما وهو يذكر فوالله لا يستطيع أبداً.

    سبب نزول قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ...)

    قال: [ هذا ] أي: الذي سمعناه وفيه الخير الكثير [ واذكر أيها القارئ! ] أو المستمع! [ أن هذه الآية نزلت في حادثة معينة ] أيام نزول القرآن [ وإليك قصتها - كما هي- فانظرها، واعتبر بها كما اعتبر بها الأولون، فتثبت في كل خبر تسمعه، وفي كل عمل تشاهده، فلا تسارع في الحكم على الأشياء بدون تروٍ ولا بصيرة، فإنك تسلم من الأخطاء الضارة والمهلكة ] والقصة: [ روى البخاري مختصراً، وروى البزار مطولاً عن ابن عباس رضي الله عنهما ] فـابن عباس الحبر هو الذي يروي القصة [ قال: ( بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية ) ] والسرية: مجموعة من الفحول ثلاثين .. أربعين .. خمسين، يبعثهم في الليل؛ لأن السري والسراة بالليل في الظلام، ولا تطلع الشمس إلا وقد طوقوا العدو، أو أناخوا إبلهم عنده، وهذا العدو هو المشرك الكافر الذي رفض دعوة الله، وأبى إلا أن يدخل جهنم، فلا بد من حصاره ومضايقته حتى يدخل في رحمة الله؛ لأنهم إخواننا، فلا يصح أن تأكلهم النار ونحن نفرح، بل لا بد وأن نبذل أقصى ما يمكن بذله لإنقاذ إخواننا من النار، وهي ليست نار فرن من الأفران، ولا عذاب عام أو ألف سنة، بل هذا خلود في عالم شقاء لا نهاية له.

    قال: [ ( فيها ) ] أي: في تلك السرية [ ( المقداد بن الأسود ) ] وهذا من جماعة كان الواحد فيهم يعد بألف، فقد كان يوجد من الصحابة مجموعة كل واحد منهم مقوم بألف مقاتل، فإذا استنجد قائد حملة أو سرية وطلب ألفاً يعبثون له الزبير أو المقداد أو خالد بن الوليد ، فقد كانوا معروفين بجماعة ألف، أي: أن الواحد منهم يسد مسد ألف مقاتل، وإن ارتبتم - ولا أخالكم ترتابون؛ لأن المكان ليس مكان هراء أو كلام باطل، ونحن نقاوم الباطل- فإن جيش الروم كان مائتي ألف مقاتل، أي: مائة ألف مضافاً إليها أخرى، وقد واجههم وقاتلهم ثلاثة آلاف، ونسبة ثلاثة آلاف إلى مائتي ألف نسبة ضئيلة، واحتمل العبء خالد ، وتولى القيادة لما استشهد الأبطال: زيد بن حارثة مولى رسول الله ، وجعفر ابن عم رسول الله، وعبد الله بن رواحة ، فتولى القيادة واستطاع أن يخلص الثلاثة آلاف من بين مائتي ألف مقاتل، وهذا ليس بألف، وإنما بعشرين ألفاً، فـالمقداد هذا من هذا النوع [ ( فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا ) ] أي: بعد أن وصلوا إلى أرضهم أو عرصتهم وجدوهم قد ذهبوا وخافوا، فقد بلغهم أن سرية محمد آتية إليهم فتفرقوا [ ( وبقي ) ] منهم [ ( رجل له مال كثير ) ] أي: غنم ملء الوادي [ ( لم يبرح ) ] أي: ما استطاع أن يهرب ويترك ماله، وبقي في قومه أو ساحتهم، فلما وصل إليه خيل الله [ ( فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى إليه المقداد ) ] برمحه [ ( فقتله ) ] وإنا لله وإنا إليه راجعون، فاستعجل وما تثبت؛ لأن هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94] لم تكن قد نزلت، وهذا النور ما دخل قلب المقداد بعد فقتله [ ( فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلاً شهد أن لا إله إلا الله؟! ) ] أي: أقتلت رجلاً قال: أشهد أن لا إله إلا الله [ ( والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ) ] وأقول: المقداد فعل كذا، فقد غضب وما استطاع أن يكتم هذا، وله الحق؛ لأن الوحي ينز ل، والقرآن ينزل، والرسول عنده هذه لمعارف، فلا بد من إطلاعه لنعرف حكم الله عز وجل [ ( فلما قدموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله! إن رجلاً شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد ، فقال: ادعوا لي المقداد ، فدعوه) ] وأتوا به، وليسوا شرطة، ولم يكن عندهم شرطة، فقد كانوا كلهم شرطة، وهذه لا يعرفها الناس، فدولة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر والخلفاء ما كان عندهم بوليس ولا رجال أمن ولا شرطة، بل كانوا كلهم شرط وبوليس، فإذا رأى أحدهم منكراً غيره، وإذا رأى معروفاً قام به وأقامه، سواء كان رجلاً أو امرأة، ولم يكونوا يحتاجون للشرطة، وإنما احتجنا إليها لما هبطت الأمة ولصقت بالأرض كالكفار، فنحن أخذنا هذا عن أوروبا، بعد أن انتشرت السرقة والفجور والكذب والخيانة والسطو، ولو أتينا بمليون شرطي فإنهم لا ينفعون كثير نفع أبداً.

    وأنا أتحدى على علم، وأقول: هيا بنا إلى دائرة الشرطة أو مكتب المحافظة ونقول: أعطنا قائمة بالمجرمين في هذا الشهر، فإذا أعطانا قائمة فيها مائة واحد أو مائتان، فوالله ما نجد بين أولئك المجرمين نسبة أكثر من 5% من المقيمين للصلاة، و95% تاركون للصلاة أو مصلون عن صلاتهم ساهون، والذي يشك في هذا يكفر، فقد قال الله وقوله الحق وهو العلم الحكيم: وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45]. والعرب والمسلمون ما عرفوا هذا، وعرفه عبد العزيز تغمده الله برحمته، وإلا دلوني على إقليم استقل من إندونيسيا إلى موريتانيا وفرض الصلاة بفرض الله على المواطنين مدنيين وعسكريين .. رجالاً ونساءً، وأشيروا إلى إقليم في بلاد العجم والعرب، ولهذا انتشر الخبث والجرائم والفساد والشر، وقل ما شئت، والأطهار دائماً أقليات، والسبب هو أننا ما أقمنا الصلاة، فالذي يناجي ربه على علم ويتكلم معه، ويجلس بين يديه ويرفع كفيه إليه لا يخرج من باب المسجد يعصيه، ولا يكون هذا، وقد رددنا هذه الكلمة أربعين سنة، ولم يتحرك إقليم وقال: نفرض الصلاة على المؤمنين والمؤمنات؛ لأن اليد العابثة أجنبية، لا يريدون أن تطهر البلاد فيستجيب الله دعاء الصالحين والصالحات، ولا يريدون إلا الخبث، وهم يعملون على نشر الخبث بصورة عجيبة؛ حتى يفصلوا المؤمنين عن ربهم، وبذلك يركبونهم كما تركب البهائم.

    [ ( فجاء ) ] رضي الله عنه [ ( فقال له: يا مقداد ! أقتلت رجلاً يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله غداً ) ] فذاب المقداد وهو معذور، فهذه الآية ما نزلت بعد [ ( فقال: فأنزل الله ) ] تبارك وتعالى هذا النداء: [ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ... [النساء:94] إلى آخر الآية ) ] وهي قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [النساء:94]. فلم يبق بعد هذا النور صحابي يقدم على أن يفعل هذا، ووالله ما كان هذا ولن يكون، فإذا قال: لا إله إلا الله ولو قالها بلغته البربرية وليس بالعربية الفصيحة فاتركه، ولا يجوز أن تقتله؛ لأن معناها: لا إله إلا الله [ وقال الرسول صلى الله عليه وسلم للمقداد : ( كان ) ] ذلك [ ( رجل مؤمناً يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته ) ] فهنيئاً لهذا القتيل، فقد أعلم الله رسوله أنه كان مؤمناً حقاً، وأنه كان يخفي إيمانه فقط في جماعة الكافرين، فلما هربوا واتضح الحال أعلن عن الشهادتين، والمعنى: أنه من أهل الجنة. ولهذا ورد عنه صلى الله عليه وسلم: (أن الله يضحك -أو يعجب- لرجلين يقتل أحدهما الآخر ويدخلان الجنة ). وأمر عجيب هذا، وهي هذه، لأن قتل المقداد ما كان على عمد أبداً، وفهم أنه فقط قالها لأجل أن يهرب بالمال، وليس هناك أمر بالتثبت، ولا أُمر به، ولا غير ذلك، فـالمقداد في الجنة، وهذا الرجل في الجنة، ولو لم يخبر الرسول بذلك فمن الممكن أنه كان قالها تقية، ويكون في النار وإن قتل سبعين مرة، لكن الله أخبر الرسول أنه كان مؤمناً. والحمد لله [ ( وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل ) ] يا مقداد ! فقد كانوا يخفون إيمانهم، ومن يقول: لا إله إلا الله يمزقونه.

    وجوب التثبت في كل الأحوال

    [ وأخيراً إن هداية هذه الآية عظيمة ] يأيها المستمعون والمستمعات! [ حيث أوجبت على كل مؤمن التثبت والتبين في كل قول يقوله أو يسمعه، وفي كل عمل يقول به، أو يراه ويشاهده؛ حتى لا يقول غير الحق، ولا يخبر بغير الحق، ولا يعمل غير ما هو صالح، ولا يشهد بغير ما هو متأكد بصحة ما رآه وعلمه ] فالآن إذا سمعنا خبراً في جريدة .. في كذا فلا نشيع .. لا ننقل .. لا نستعجل حتى نتثبت، وكم من مفاسد ما أثارها ولا أوجدها إلا النقل بدون بيان ولا تثبت، وأعراض تمزقت .. إيمان سلب .. طهارة خبثت بالكلام، بأن فلاناً كذا. والآية أوجبت على المؤمن هذا [ مخافة أن يرتكب خطأً يهوي به في النار ] سبعين خريفاً [ أو يقعد به عن مواكب الصالحين ] وإذا ما دخل النار فإنه يتأخر عن مواكب الصالحين. وللصالحين مواكب لا تحجز لها تذاكر، ومن يريدهم ويرغب فيهم فعليه الرحلة إلى الملكوت الأعلى، واقرءوا قول الله عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69]. فهي موكب أربعة في الملكوت الأعلى، والتذكرة هي طاعة الله وطاعة الرسول فقط والله، فلا مال ولا دينار ولا درهم؛ لأن طاعة الله وطاعة الرسول تزكي النفس وتطهرها، ولو لم نقل لك: الطاعة فنقول لك: زك نفسك فقط، وتزكيتها ليست بالصابون والماء، ولكن لا بد ما هو مزك، ألا وهو هذه العبادات.

    قال:[ ولا سيما فيما فيه هدر دمٍ وإزهاق روح، أو إشاعة فاحشة، فالتثبت التثبت أيها المؤمن! والله يحفظ من يحفظه، وينصر من ينصره.

    وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين ].