إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 21للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة هي عمود الدين الإسلامي، ولابد لكل من أراد الدخول فيها أن يلتزم بشروط الطهارة النفسية والبدنية، فلا يجوز لفاقد العقل أن يدخل في الصلاة، ومن ذلك السكران الذي لا يعي ما حوله، كما لا تصح صلاة الجنب والحائض والنفساء حتى يتطهروا، ومن لم يجد ماء أو وجده وعجز عن استعماله فطهارته تكون بالتيمم، فإذا تطهر جاز له أن يصلي كما أمره الله.

    1.   

    ملخص لما جاء في النداء السابق

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، جعلنا الله منهم وحشرنا في زمرتهم. وبالأمس كان النداء يتضمن النهي أو التحريم لأمرين:

    الأول: تحريم أموال المؤمنين وأكلها بغير حق، إلا أن تكون تجارة، وعن تراض بين البائع والمشتري.

    والثاني: حرمة دماء المسلمين، فلا يحل لمؤمن أن يزهق روح مؤمن، ولو كانت روحه هو، والنداء نصه إن كنتم تذكرون: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]. فعرف المؤمنون هذا، وعاشوا عليه قروناً، لا يأخذ مؤمن من مال أخيه إلا برضاه، أما السرقة .. أما الاغتصاب .. أما الغش .. أما الخداع .. أما ما يؤخذ من طريق الحيل فهذه الأموال لا يحل للمؤمن أن يأكلها، أو أن ينتفع بها أبداً، ودماء المؤمنين كأموالهم، واذكروا خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في عرفات عام حجه، إذ قال: ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا ). الحديث.

    وقد عرفتم أن الانتحار شائع اليوم، وقد امتلأت به بلاد العالم مع وجود الرخاء، ووجود الراحة، فالناس يطيرون في السماء، ويفجرون المياه في الجدران، ومع هذا ينتحرون، والمنتحر أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يعذب بما قتل به نفسه في النار خالداً مخلداً، سواء احتسى سماً أو طعن نفسه برمح أو أفرغ عليها رصاصة، فهو يعذب بنفس ذلك العذاب إلى يوم القيامة، ويوم القيامة أبداً ولا يخرج منه.

    1.   

    حرمة الصلاة حال السكر والجنابة ومشروعية التيمم للعذر

    قال: [ النداء الحادي والعشرون ] ومضمونه أنه [ في حرمة الصلاة حال السكر، وحرمة الصلاة والمكث في المسجد حال الجنابة، ومشروعية التيمم للعذر ] فهذا النداء الكريم قد حوى هذه الأحكام الشرعية، وهي أحكام ضرورية، يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يعلمها ويعمل بها.

    فهذا النداء مضمونه: حرمة الصلاة حال السكر، فمن كان سكران فلا يحل له أن يدخل في الصلاة؛ حتى يفيق ويذهب ما غشى قلبه وغطاه من السكر، وهذا كان قبل تحريم الخمر، وأما بعد تحريمها فلا سكر ولا من يسكر، وإن فسق فاسق وشرب الخمر وسكر فحرام أن يدخل في الصلاة في حال سكره.

    وحرمة الصلاة والمكث في المسجد وهو جنب، فلا يصلي الجنب ولا يدخل المسجد الجنب، حتى يغتسل من جنابته، أو يتيمم إن كان معذوراً.

    ومشروعية التيمم للعذر. وكل هذا تضمنته الآية الثالثة والأربعون من سورة النساء، فهيا بنا نحفظ هذا النداء وبجد؛ لأنه حوى هذه الأحكام.

    قال: [ الآية (43) من سورة النساء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:43] ]. وهذا النداء إن شاء الله نعيده غداً رجاء أن نحفظه حفظاً جيداً.

    ونعيد الآية ونتأمل، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43]، أي: حتى تفيقوا من سكرتكم، وهذا كان قبل تحريم الخمر، ومع هذا حكم الله باق، فإذا فسق فاسق وفجر فاجر وعصى الرحمن وزين له الشيطان فشرب الخمر وثمل وسكر فلا يحل له أن يصلي وهو سكران، لأنه قد يقول الكفر.

    وَلا جُنُبًا [النساء:43]. فالجنب لا يصلي وهو جنب، اللهم إلا يمر بالمسجد، وقد كان الأصحاب رضوان الله عليهم لهم أبواب من بيوتهم داخل المسجد، فيضطر إلى الخروج من بيته على المسجد، فعفا الله عنهم، وأما أن تجلس وأنت جنب فلا، وأما المار فلا بأس للحاجة والضرورة.

    إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43]، أي: من الجنابة.

    وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:43].

    [ الشرح ] قال الشيخ غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم في شرح هذا النداء الإلهي الحاوي لحكم الجنب، وحكم الذي انتقض وضوءه، وحكم من لم يجد ماء، وحكم التيمم وبيانه، وهكذا يجب على كل مؤمن ومؤمنة أن يحفظ هذا النداء، قال: [ اعلم أيها القارئ الكريم! أن هذا النداء يحوي أحكاماً عدة ] أي: عدة أحكام [ ومعرفتها واجبة ] ولازمة ضرورية [ وها أنا ذا أفصلها لك تفصيلاً.

    فاحفظ النداء أولاً، ثم أقبل على معرفة ما فيه من أحكام فقهية ضرورية ] أي: لا بد منها كالطعام والشراب، فإذا لم تأكل ولم تشرب فإنك تموت، فأكلك ضروري، ومعرفة هذه الأحكام ضرورية حتى تعرف كيف تعبد الله وتزكي نفسك [ واعمل بها وعلمها غيرك، تظفر بشرف العظمة في السماء ] فاحفظها واعلمها واعمل بها، وعلمها غيرك لتظفر وتفوز بشرف ولقب أنك عظيم في السماء [ لما رواه مالك ] صاحب هذا المسجد، وكان إماماً به في القرن الأول [ من علم وعمل بما علم وعلمه غيره دعي في السماء عظيماً ] وهذا مرفوع إلى الحضرة النبوية، أو إلى يحيى بن زكريا عليهما السلام. فاعرفوا عظماء الرجال، فهم ليسوا نابليون ولا سقراط ولا بقراط ، ولا أنجاس البشر الذين عظمناهم، ورفعنا رءوسهم وهم أموات، ونسينا أن عظماء الرجال هم أطهار النفوس أزكياء الأرواح، الذين ما غشوا إثماً طول حياتهم، وليسوا الأنجاس الذين عظمناهم في التاريخ، وندرس أيضاً عنهم.

    حرمة الصلاة حال السكر

    قال: [ وإليك بيان الأحكام: أولاً: حرمة ] ومنع [ الصلاة حال السكر ] بالإجماع، فتحرم الصلاة إذا كان المصلي سكران فاقد العقل يهذي ويقول الباطل، وقد يسيء وهو يقرأ، وقد فهمنا هذا من قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43] [ وهذا الحكم نسخ ] والنسخ معروف [ بآية تحريم شرب الخمر من سورة المائدة ] وهي نداء كريم، وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:90-91]. انتهينا يا ربنا! وهذه قالها عمر ، فقد كان يقول: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً. لأنها حرمت بالتدريج، فقد انتقلت من حال إلى حال؛ لأنهم كانوا يعيشون عليها في مكة والمدينة، يعتقون الخمر أربع سنين، فكأسها يساوي مليار، فلا يمكن أن تبطل بسرعة، وإنما حرمت على مراحل، فكان عمر يتململ ويقول: يا رب! بين لنا في الخمر بياناً شافياً؛ حتى نزلت هذه الآية فقال: انتهينا يا ربنا! هذا عمر ، ووالله لو تأتي برجالات أوروبا والأمريكان واليابان والصناع والطيارين والصحة والفنانين ما كانوا رِجل عمر ، فلنتغنى بـعمر ، لا بـلينين واستالين الذين تمجدنا بهما ومدحناهما؛ حتى رفعناهما إلى عنان السماء، وهذا هو شأن أي أمة تهبط من عليائها إلى الأرض. وعمر يقول فيه أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ( ما سلك عمر فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه ). والفج: الشارع الواسع، وليس أزقة ضيقة كما يقولون، فمع سعة الشارع ما يقدر الشيطان أن يمشي فيه إذا كان عمر يمشي فيه، وقد حصل على هذا باليقين والاستقامة على منهج الله رب العالمين. فـعمر هذا كان يقول: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت آية المائدة، فلو رأيتهم وهم يريقونها ويصبونها من الآنية والدنان، فكانت تجري في أزقة المدينة، والأزقة ضيقة، والبنايات القديمة في العالم معروفة، فكانت التي عندها جرة أو قلة أو برميل كانت تريقها من العتبة بعد أن حرمت، فجرت أزقة المدينة بالخمر. وهذا هو الامتثال، وهذه هي الطاعة [ فلم يجز شرب الخمر بحال من الأحوال، وعلى فرض أن من شربها فاسقاً فلا يدخل في الصلاة وهو سكران؛ إذ وضوءه باطل ] وفاسد، ومن أغمي عليه بطل وضوءه، وكل من فقد شعوره انتقض وضوءه، وقد يكون خرج منه فساء أو ضراط وهو لا يدري، وزوال العقل ناقض للوضوء بالإجماع [ فلا تصح صلاته ].

    حرمة الصلاة ودخول المسجد على الجنب والحائض والنفساء إلا بعد الغسل أو التيمم

    قال: [ ثانياً: حرمة الصلاة على الجنب والحائض والنفساء إلا بعد الغسل أو التيمم، وكذلك دخول المسجد ] أيضاً حرام عليهم [ ولا بأس ] ولا حرج [ بالمرور فيه بدون جلوس ] أي: للحائض والنفساء والجنب [ وهذان الحكمان دل عليهما قوله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43] ] فالسكران لا يصلي حتى يذهب سكره؛ لأن الله قال: [ حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43] ] أي: حتى يفيق ويصبح يميز [ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [النساء:43]، أي: غسل الجنابة ] والجنب كالحائض وكالنفساء لا يحل لهم الصلاة، فالصلاة محرمة عليهم، وكذلك الجلوس في المسجد، اللهم إلا دخول المسجد للعبور والمرور فقط، وأما البقاء فلا، ولو أن مؤمناً احتلم فيه - والآن المعتكفون قد يحتلم أحدهم- فبمجرد ما يفيق من نومه ويجد نفسه قد احتلم فيشمر عليه ثيابه ويخرج على الفور، ولا يجلس أبداً، بل يخرج كعابر سبيل، وخروجه من المسجد يمشيه دقيقة، ولا حرج عليه؛ لأن الله قال: إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ [النساء:43]. وعبر يعبر الطريق: اجتازه، والسبيل: الطريق.

    إباحة التيمم للمريض والمسافر ومن انتقض وضوءه إذا لم يجدوا الماء أو عجزوا عن استعماله

    قال: [ ثالثاً: المريض ] الذي إذا توضأ ازداد مرضه، أو الذي به جراحات فإذا توضأ ازدادت الآلام، أو لا يقوى على المشي لإحضار الماء للوضوء [ والمسافر ] فهو في الغالب ليس عنده ماء أيام كان السفر من مكة إلى المدينة عشرة أيام على الإبل، فكان السفر مظنة انعدام الماء، وإذا وجد معه ماء فيحتاجه للشرب والطبخ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:43]. فالسفر مظنة انعدام الماء، ولهذا نص عليه، فقال: أَوْ عَلَى سَفَرٍ [النساء:43]. والذي وجد الماء متوفراً، وهو ليس في حاجة إليه وهو مسافر فيجب أن يتوضأ أو يغتسل، ولكن إذا الماء قليلاً والمسافة طويلة ويخشى أن يحتاج إليه فيتيمم وإن كان الماء في قربته أو في سيارته [ والذي انتقض وضوءه ] أي: بطل [ ببول ] ولو قطرة، فما دام قد بال قل البول أو كثر فقد بطل الوضوء [ أو غائط ] كما قال تعالى: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43]. وما قال: أو تغوط أو خراء، فهذا ليس كلام بشر، ومعنى جاء من الغائط بمعنى: قضى حاجته في الغوط من الأرض، أو الحمام وجاء. هذا معنى جاء من الغائط، أي: وضوءه انتقض [ أو ضراط ] والضراط: صوت الفساء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أذن المؤذن وقال: حي على الصلاة فر الشيطان وله ضراط إلى آبار علي، ويدخل إصبعيه ). فهو لا يريد أن يسمع: حي على الصلاة، ويكثر من الضراط حتى ما يسمع حي على الصلاة، وقد جاءني الآن مؤمن وقال: دخلوا على بيتي وسرقوا مالي وأنا في الصلاة، والذي فعل هذا وأمر به ودعا إليه الشيطان؛ لأن الغافلين والهلكى قد أضلهم الشيطان، فهذه الجرائم والموبقات والعظائم التي ترتكب ليست من فطرة الآدمي لولا إبليس عليه لعائن الله، والذي يأخذ أباه بالعصا يضربه ليست الفطرة البشرية هي التي أمرته بهذا، بل الذي دعا إلى هذا الشيطان، وقد بلغنا أن بعض العجم يتضارطون، يعني: يتبجحون بالضراط، يرفع رجله ويضرط أمام جماعته، أما الهالكون فنعم، وقوم لوط المؤتفكات أصحاب سدوم وعمورة وكانوا في مكان البحر الميت قبل أن تقلب بلادهم كانوا يتضارطون في أنديتهم، ويفعلون الفاحشة أمام بعضهم البعض، والآن توجد أندية اللواط في أوروبا، أفحش من تلك، ولكن الله مسخهم، وحول تلك المدن إلى بحيرة منتنة، وإلى الآن الحوت لا يوجد فيها ولا أي حيوان آخر [ أو فساء ] وفسا يفسو فساء: إذا خرج نسم من دبره، فإذا خرج انتقض الوضوء، وهو رائحة كريهة، وأنت تريد أن تناجي ملك الملوك رب السماوات والأرض، فإذا لم تكن على طهارة كاملة فحرام عليك أن تقف بين يدي الله وأنت قادر على الطهارة، فإن عجزت فالله غفور رحيم. وأكثر الناس لا يفهمون سبب انتقاض الوضوء، ويقولون: ماذا يحدث إذا فسا؟ وقد قال المولى الرب سيدنا على لسان رسولنا: لا تناج الله ولا تقف بين يديه تتكلم معه إلا وأنت طاهر، فإذا لم تكن طاهراً فلا تكلمه ولا تقف بين يديه [ والجنب ] وهو يطلق على المفرد والجمع، فلو كانوا ألفاً يقال لهم: جنب، ويطلق على الرجل والمرأة [ بجماع أو احتلام ] ولا يوجد غير هذا، إما أن يحتلم أو يجامع زوجته، فالشاب المؤمن الفحل إذا نام فوجد في ثوبه منياً أفرزه للرؤيا التي رآها فعليه الغسل، وكذلك المرأة أيضاً، فقد جاءت امرأة تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم: ( هل على المرأة يا رسول الله! غسل إذا رأت مثلما يرى الرجل؟ قال: نعم، إذا رأت الماء ). فصاحت الصديقة وقالت: يا فلانة! كيف تقولين هذا، فقال لها: (اسكتي، إن الله لا يستحيي من الحق). وكذلك الذي جامع امرأته وأولج ذكره في فرجها وإن لم يمن أو يفرز ماء، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل). ولم يقل كما يقول الصعلوك: إذا دخل رأس الذكر في فرج المرأة وجب الوضوء، فالرسول صلى الله عليه وسلم ما يقول هذا، فمستواه عال. والختان الأول: ختان الرجل، فهو يقطع القلفة من رأس ذكره، والمرأة أيضاً تختن، فالخفاض للنساء مكرمة، وهي قطعة كذلك تؤخذ من فرجها، وهذا يطيب جماعها لبعلها، لكن على شرط: أن تكون الطبيبة طبيبة ماهرة؛ لأن أم عطية الأنصارية قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا أم عطية ! اخفضي ولا تنهكي ). سبحان الله! [ هؤلاء إذا لم يجدوا ماء للوضوء أو الغسل عليهم أن يتيمموا ويصلوا أو يدخلوا المسجد ] أو وجدوه وهم عاجزون عن استعماله؛ لأنه يزيد في مرضهم أو يؤخر برأهم والطبيب قال: لا تبل هذا الجرح، فحكمهم حكم من لم يجد الماء [ دل على هذا الحكمين قوله تعالى ] في هذا النداء: [ وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43] ] والمقصود من الغائط المكان الذي يتغوط فيه، وهو المكان المنخفض، وهو الآن المرحاض أو الحمام [ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] ] فإن لمسها انتقض وضوءه، والمراد من قوله: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]، أي: جامعتموهن، فالمراد من الملامسة هنا: الجماع، وعبر عن الجماع بالملامسة لأن القرآن مستواه عال، فالبنت البكر الحيية تستطيع أن تقرأ القرآن على والدها، ولا تأتي آية تجعلها تمرض من الألم ومن الحياء، فقال: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]، ولم يقل: أو نكحتم النساء، ولا: أو جامعتم النساء، فهذا القرآن يقرؤه الرجل والمرأة والكبير والصغير، فلا يستحي أحد، ولا يخجل ولا يتألم، فكل عباراته سامية عالية كاملة. وفي آية الاعتكاف قال: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187]. والبشرة: الجلدة، فقال: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ [البقرة:187]، ولم يقل: ولا تجامعوهن، أو: ولا تنكحوهن وأنتم معتكفون، والمعتكف حرام عليه أن يجامع زوجته وهو معتكف، وهذا ليس معناه: أنها معه في المسجد وحرام عليه أن يجامعها في المسجد، وإنما لا يذهب إلى بيته ليجامع، فإن فعل ذلك فقد فسق وعصى الرحمن عز وجل، فعبر عن النكاح بالمباشرة، وهنا الملامسة، وقد كان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يسأله الطالب الصغير مثلي: عن المراد: بـ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43]، هل يمسها بيده .. برجله .. بكفها .. بكفه؟ فكان يدخل إصبعيه في أذنيه ويقول: ناكها، ولا يريد أن يسمع حتى هذه الكلمة، فكان يفتي ولا يستطيع أن ينطق بكلمة بذاءة؛ حتى أدخل أصبعيه في أذنيه حتى ما يسمع، وهذا هو الكمال البشري [ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43] ] أي: اقصدوا، وتيمم بمعنى: قصد [ صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43] ] والصعيد هو كل ما صعد على وجه الأرض، سواء كان تراباً أو رملاً أو سبخة أو حجارة أو صخوراً، إلا أن التيمم بالتراب أفضل، فإن لم يجد تراباً تيمم بما صعد على وجه الأرض ولا حرج.

    بيان كيفية التيمم

    قال: [ رابعاً: بيان كيفية التيمم، وهي أن يضع المتيمم كفيه ] اليمنى واليسرى [ قائلاً: بسم الله على التراب الطاهر ] وإن كان قذراً أو فيه نجاسة فلا يحل أبداً [ فإن لم يكن ] أي: التراب الطاهر [ فعلى حجر فطري ] أي: باق على أصل خلقته، و[ ليس مصنوعاً ] فالمصنوع لا يجوز التيمم عليه؛ لأن الله قال: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النساء:43]، أي: طاهراً صعد على الأرض، ولسنا نحن الذين صنعناه [ ويمسح وجهه، ثم يضع يديه أيضاً ] مرة أخرى [ على التراب أو الحجر ويمسح كفيه ] هكذا، والضربة الثانية سنة فقط، ولو اكتفى بواحدة أجزأته، فمرة واحدة تكفيه، والثانية يؤجر عليها. وفيه حكم آخر فتنبهوا، وهو [ وكان ابن عمر ] رضي الله عنهما [ يمسح مع كفيه ذراعيه، وهو جائز ] وهذا مذهب مالك ، فقد كان يحتاط ويأخذ بهذا، ففي الضربة الأولى: كان يمسح وجهه، وفي الثانية: كان يمسح كفيه مع ذراعيه كالوضوء، هذا عبد الله بن عمر تلميذ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم ينكر الشافعي ولا أحمد هذه الطريقة، وإنما يقولان: يجزئه أن يكتفي بوجهه وكفيه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم عماراً وقال: ( إنما يكفيك يا عمار

    ! أن تقول هكذا، وضرب الأرض بيديه، فمسح وجهه وكفيه
    ). وذلك لما تمرغ كالبهيمة، ثم أبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كذا وكذا، فقال: ( يا عمار

    ! إنما يكفيك أن تقول كذا وكذا
    ). وعمار بن ياسر هذا أبواه شهيدان، وهما سمية وياسر ، وهو شهيد، و( عمار

    تقتله الفئة الباغية
    ). فقد كان مسافراً فلم يدر ما يفعل، فقام فتمرغ في التراب كالبهيمة جسمه كاملاً، فلما عادوا من السفر أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل عمار ؛ لأن الذين كانوا معه ما استساغوا هذا، ومنهم عمر بن الخطاب ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ماذا فعلت؟ قال: كذا وكذا، قال: ( إنما يكفيك يا عمار

    ! أن تقول هكذا، وضرب الأرض بكفيه، ومسح وجهه وكفيه
    ). فهذا والله يكفي. وهذه الدروس ما تلتزم بمذهب معين يشتت المسلمين ويمزقهم، بل الوارد عن الله والرسول نتعلمه، ولا نتعصب للمذاهب، بل نتأدب، فنذكر الحديث أولاً ثم ننظر، والمهم ألا نخرج عما كان عليه رسول الله وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين. فهذه هي السلفية الحقة، والمرأة سلفية، والرجل سلفي، والسلفية طريقة، فكل من لم يكن سلفياً لن يدخل الجنة دار السلام، أحببتم أم كرهتم، وكل من يرغب عن السلفية المحمدية ويريد أن لا يكون من أهلها فالجنة محرمة عليه، وإذا عجبتم من هذا الخبر فاسمعوا، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ونحن في مسجده على مقربة من حجراته الطاهرة- كان يعلم الكتاب والحكمة ويزكي، فيقول: ( لقد افترق اليهود على إحدى وسبعين فرقة ). وهذا صحيح، والآن اسأل اليهود يخبرونك، ( وافترق النصارى على اثنتين وسبعين فرقة ). وسلهم، فالإنجيل حولوه إلى خمسة وثلاثين إنجيلاً، ولما صاح الناس وانفضحوا اجتمعوا وحولوه إلى خمسة أناجيل، فكتاب الله أصبح خمسة! يعني: ما هو من الله خمس، والباقي كفر وضلال. ( وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة ). وهذه الأمة التي تفترق كانت ما زالت جماعة بين يديه عندما أخبر بهذا بالغيب الإلهي الذي يعلمه الله، وها نحن قد افترقنا، ومن أراد أن يقف على هذه الفرق الضالة فعليه بتفسير القرطبي جامع البيان في تفسير آية آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:102-103]. فقد ذكر جداول وقوائم بهذه الثلاث والسبعين فرقة، فقولوا: صلى الله عليه وسلم، وليس بعد هذا شك في نبوته، فقد أخبر عن هذه الأمة قبل أن توجد أنه ستفترق، ووالله لقد افترقت إلى ثلاث وسبعين فرقة. ثم قال في بيانها: ( كلها في النار إلا واحدة ففي الجنة ). فكل هذه الثلاث والسبعين في النار إلا واحدة ففي الجنة، وهذه الواحدة ليسوا بنو هاشم، ولا آل النبي، ولا البيض ولا السود، ولا العرب ولا العجم، بل ( هم الذين يكونون على ما أنا عليه اليوم وأصحابي ). فالفرقة الناجية هم الذين يكونون على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في عقائدهم .. في عباداتهم .. في أقضيتهم وأحكامهم .. في آدابهم وأخلاقهم.

    وأرسم لك صورة واضحة لعقيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكيفية عباداتهم وطاعاتهم لربهم، فعش عليها لتكون من الناجين ومن الفرقة الناجية، وإذا اختلفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في عقيدته .. في عبادته .. في أحكامه فلست من الفرقة الناجية.

    فالإخوان المسلمون حرام عليهم أن يكونوا من الفرقة الناجية ألا أن يكونوا سلفيين، وأنصار السنة يجب أن يكونوا سلفيين، والدعاة والمبلغون يجب أن يكونوا سلفيين، والذي يقول: أنا لن أكون سلفياً فمعناه: أنه كافر، لا يريد الإسلام، ولا يريد أن يدخل الجنة.

    وكلمة سلفية هذه محدثة، وليس عندنا كلمة سلفي أو سلفية إلا إذا أردنا أن نبين، والصحيح أننا يجب أن نعيش على ما كان عليه نبينا وأصحابه .. في العقيدة .. في العبادة .. في المعاملة .. في الآداب .. في الأخلاق، فنكون صورة طبق الأصل، ولا بد من هذا العزم والتصميم، فنعتقد كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتقد، فهو صلى الله عليه وسلم لم يقل: اللهم إني أسألك بحق إبراهيم، فلا تقل أنت: اللهم إني أسألك بحق فاطمة ، وهذا مثال، وكذلك لم يقل: اللهم إني أسألك بحق عبد القادر ، ولم يكن يحلف هكذا، بل كان يحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: والذي نفسي بيده، أو بالله الذي لا إله غيره، هذه هي أيمانه، وأنت تقول: وحق سيدي فلان، أو ورأس فلان. فلست على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل: هذا الكبش على روح سيدي إبراهيم أو على جدي إسماعيل، ولم يفعل هذا والله، فلا تقل: هذا الكبش على روح سيدي البدوي ، أو سيدي عمار ، فمن أراد أن يكون من الفرقة الناجية فلينهج منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلا مذهب نتعصب له، ولا طريقة ننشدها، وإنما فقط: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فنصلي كما يصلون، ونتيمم كما يتيممون، ونجاهد كما يجاهدون، ونتعامل كما يتعاملون، ولا تقل: أنا كذا، فلا وطنية ولا قبلية ولا مذهبية.

    ونحن الآن في ديار الحرية، وقد مضى وقت لو يقول هذا قائل فمصيره السجن مباشرة.

    [ ودل على كيفية التيمم هذه قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ [النساء:43] ] وكل مؤمن يقرأ هذه الآية يعرف التيمم.

    الحكمة من التيمم

    التيمم يا عقلاء! سره الفقهي هو أننا مأمورون بأن نعيش على الطهر ظاهراً وباطناً، والطهر يكون بالماء العذب الصافي النقي، فلا بد وأن نغسل أبدننا وأعضاءنا به إذا أردنا أن نناجي ربنا، فإن انعدم هذا الماء ولم يوجد أو وجد وعجزت عن استعماله وأنا أريد أن أناجي ربي فقد سمح لنا بالتيمم هكذا، ومعناه: اعتراف بأنه لا بد من الطهارة؛ لتبقى مألوفة في النفس، إيذاناً بأنه لا بد من الطهارة، وإلا فوضع اليد لا يزيل شيئاً من وجهك أو كفيك، ونظير هذا قول علي رضي الله عنه أستاذ الحكمة: لو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره؛ لأن الباطن تمشي عليه، ولكن هذا ليبقى في ذهنك أنه لا بد من غسل رجليك في الوضوء. فانتبهوا لهذا السر.

    والمتعصبون يقولون: لو تيممت ولم تمسح ذراعيك فصلاتك باطلة، وآخرون يقولون: امسح باطن رجليك وإلا صلاتك باطلة؛ لأنه قرأ هكذا في كتاب فقهي، ولم يقرأ قال الله ولا قال رسوله، ولا جلس بين يدي مرب متحرر من القيود الأوهامية والوطنية.

    رحمة الله بالمؤمنين

    قال: [ وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:43] ] هذا القول [ فيه إظهار لرحمة الله بالمؤمنين، وعفوه عن مسيئهم؛ إذ الآية نزلت فيمن صلوا وهم سكارى قبل تحريم الخمر رحمة بهم ] فنداء اليوم له سبب نزل فيه، فقد صلى بهم حمزة رضي الله عنه وهو سكران، وهم كذلك، فقد استدعاهم أحد الأنصار، والعادة عند الكفار أنهم إذا وضعوا الطعام يضعون الخمر، والمؤمنون كانوا ما زالوا لم يكملوا، فلما جاء الغداء أحضروا أيضاً الخمر، فشربوا، فلما جاءت الصلاة صلوا، فأخذ يقرأ ويسب فلاناً وفلاناً [ فلم ينزل بهم عقوبة، وغفر لهم ذلك الذنب الذي ارتكبوه بغير قصد ] وهذا دل عليه قوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [النساء:43]. ولو ما عفا لكان يمسخهم، أو لأدخلهم النار.

    كيفية الغسل

    قال:[ وإن سألت عن كيفية الاغتسال ] بعد أن عرفنا التيمم والوضوء [ فاعلم أن الجنب ] والحائض والنفساء، فحكمهم واحد [ يصب الماء على كفيه قائلاً: بسم الله ] والتسمية سنة، والبعض الآخر يقول: واجبة، ومن لم يسم فغسله باطل، الأمام مالك سئل عن التسمية في الوضوء: يا إمام! فلان قال: إذا لم يسم الله عند الوضوء وضوءه باطل، فقال مالك : أو يذبحه هو؟ يعني: لا تجب التسمية إلا عند ذبح الشاة والبقرة والبعير، لقوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121]. وما عدا ذلك فالتسمية سنة من سنن الإسلام عند الأكل وعند الشرب وعند الوضوء وعند الغسل وعند الركوب وعند الهبوط؛ لأنك مع الله، لكن لو لم تفعل لم يبطل وضوءك أو غسلك. فافهموا هذه. والإمام مالك أراد أن يشدد على السائل [ ناوياً ] في قلبه [ رفع الحدث الأكبر، أي: الغسل من الجنابة ] التي أصابته؛ ليزيله، ولا بد أن تنوي الغسل؛ لأن الله أمرك، ويكفي أن تقول في قلبك: هذا الحدث الأكبر أزيله وأرفعه، ولو قلت فقط: أمرني ربي أن أغتسل فأنا أغتسل، فهذه هي النية بدون ما تتلفظ، والحدث الأصغر فيه الوضوء، والحدث الأكبر الغسل [ ثم يغسل فرجيه القبل والدبر وما حولهما ] حتى لا يمسهما مرة ثانية [ ثم يتوضأ ] بعد ذلك [ وضوءه للصلاة ] وكأنه بين الناس [ وهو أن يغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض ثلاثاً، ثم يستنشق ويستنثر ] الماء [ ثلاثاً، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ثم يغسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً، ثم اليسرى ثلاثاً، ثم يمسح رأسه ] ذهباً وإياباً [ وأذنيه مرة واحدة، ثم يغسل رجله اليمنى، ثم اليسرى إلى الكعبين. وهذا هو الوضوء ] الذي يرفع بع الحدث الأصغر [ فاعرفه، ثم يخلل شعر رأسه بكفيه ] فالذي عنده شعر يغمس يديه في الماء أو يصب عليهما الماء ويخلل الشعر؛ حتى تستأنس البشرة ولا تصطدم بالبرودة، فيصاب بالزكام، وقد علمنا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله ما عرفت الدنيا أطب من رسول الله، فقد كان يتلقى المعارف من خالق الكون [ ثم يغسل رأسه كله ثلاث مرات ] فيأخذ الحفنة الأولى ويعمم الرأس والأذنين، ثم حفنة ثانية، ثم ثالثة [ ويغسل أذنيه ظاهراً وباطناً، ثم يغسل شقه الأيمن من رأسه إلى قدمه، ثم الشق الأيسر كذلك ] بعد ذلك من أعلى رأسه إلى قدمه. هذا هو غسل الجمعة، وغسل العيدين، وغسل الإحرام، وغسل الجنابة، إلا أن بعض أهل العلم ونحن إن شاء الله منهم إذا اغتسلنا بدون جنابة فقط للعيد أو الإحرام نعيد الوضوء، لأن هذا الغسل ليس واجباً، فنعيد الوضوء، فنغتسل أولاً، ثم نتوضأ مرة ثانية، وبعض أهل العلم لا يبالون بهذا. فافهموا هذا. والغسل الواجب أنت فعلته طاعة لله أو تدخل النار، وهذا الغسل المستحب لو ما فعلته صلاتك صحيحة وثوابك صحيح، فهناك فرق بين الواجب والمستحب، فلهذا تعيد الوضوء؛ لأن الوضوء واجب والأول كان مستحباً وسنة، هذه قضية فقهية، فلا تجادلوا فيها، ومن قال: أنا يكفيني فقد قالها من قبلك علماء.

    وهذا النداء يحتاج إلى يومين. فنكتفي بهذا على أن نعود إليه غداً إن شاء الله.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    اللهم اقض عن هذا العبد دينه يا رب العالمين! اللهم اقض دين كل ذي دين. اللهم سدد دين كل من عليه دين من إخواننا المؤمنين الحاضرين والغائبين. اللهم اقض ديونهم، وسددها عليهم، وارفق بهم، والطف بهم يا رحمان! يا رحيم!

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.