إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 18للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل حينما يأمر عباده بأمر فإنما يأمرهم بما فيه صلاحهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة، وهو هنا يحثهم على الصبر على طاعته تعالى، والصبر عن مناهيه، والصبر على بلائه، ويدعوهم إلى المصابرة عند لقاء العدو والتحام الصفوف للقتال، ويحضهم على الرباط في سبيله حفظاً لبيضة الدين، ودفاعاً عن حياض المسلمين، وأن يتقوه سبحانه وتعالى، ووعدهم لقاء ذلك بالفوز العظيم.

    1.   

    الأمر بالصبر والمصابرة والرباط والتقوى رجاء الفلاح

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، جعلنا الله وإياكم منهم. آمين.

    وهذه النداءات الإلهية حواها كتابه الكريم القرآن العظيم، وهي تسعون نداءً، وقد حوت كل ما يحتاج إليه المسلم في هذه الحياة، وما تركت مطلباً من مطالب حياة الكمال والطهر والصفاء إلا وقد اشتملت عليه، وواجب كل مؤمن ومؤمنة أيضاً، أن يستمع إلى هذه النداءات أو يقرأها، فإن كان في الإمكان أن يقرأ فليقرأ، وإن كان لا يقرأ فليستمع إليها، وحسبك يا عبد الله! أن تعلم أن الله ناداك بعنوان إيمانك؛ لأن المؤمن حي، يعي ويفهم، ويسمع ويبصر، ويقوى على أن ينهض بالتكاليف، فما كان فعلاً فعله، وما كان تركاً تركه.

    وقد انتهينا في هذه النداءات إلى النداء الثامن عشر منها.

    وإليكم هذا النداء الكريم: [ النداء الثامن عشر ] وهو [ في الأمر بالصبر والمصابرة والرباط والتقوى رجاء الفلاح ] والفلاح هو الفوز، ويكون الفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة، فقد قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. وفسر لنا الفلاح بالفوز، وفسر الله تعالى لنا الفوز بقوله في هذه السورة: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]. فهيا نتغنى بهذا النداء حتى نحفظه بإذن ربنا، ثم نتعرف إلى محتوياته من العلوم والمعارف الإلهية.

    قال: [ الآية (200) من سورة آل عمران: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] ].

    معاشر أبنائي وإخواني العوام! إذا حفظتم هذا النداء فصلّوا به النوافل، فإنكم تغنموا وتكسبوا، حتى يستقر في أذهانكم، ويبقى نوراً في قلوبكم، وليس هناك مانع من أن تحفظوه وتفهموا معناه، وتتحدثوا به في بيوتكم مع زوجاتكم وأولادكم، أو مع أبائكم وإخوانكم، ولا تروه شيئاً تافهاً، فهو والله لخير مما على الأرض، ووالله لئن تحفظوه وتفهموا مراد الله منه وتعيشوا عليه لخير لكم مما طلعت عليه الشمس وغربت، فهو كلام ربي، وقلوب المؤمنين تتحرق شوقاً لرؤية ربها، وها أنتم تتلقون كلام ربكم، وهو كلام لا يشك فيه إنسي ولا جني، وقد تحدى الله الإنس والجن على أن يأتوا بمثله فعجزوا، فثبت أنه كلام الله.

    وعبدة الهوى والدنيا والشيطان يسمعون الكلام الباطل الرخيص لا الغالي ولا النفيس فيرددونه ويفتنون به قلوب الناس، وأنتم تسمعون كلام الله العليم الحكيم وتتلقونه في بيته وكلكم يقين بأن هذا كلام الله، فاحفظوا منه هذه الجملة، فهي آية من ستة آلاف ومائتين وأربعين آية.

    يقول الشارح شرح الله صدره وصدوركم للإيمان وحب الله والمؤمنين: [ اذكر أيها القارئ الكريم! ] هذا إذا كنت في بيتك، والكتاب عند مخدتك، فقبل أن تنام اسمع نداء من نداءات الرحمن؛ حتى تبيت على نور وتستيقظ على نور، ولا تزال كل ليلة تنام على نداء فتحفظه، فإن استوفيت هذه النداءات التسعين وفهمتها فإنك والله تصبح من أعلم أهل الأرض، ولا تدخل كلية ولا جامعة، واجلس في دكانك، فهذه التسعين النداء عبارة عن تسعين كوكباً من كواكب النور الإلهي، ويفهم معناها، ويتنقل بينها، وقد عمل بما علم، ولم يبق إلا خطوة أخيرة، وهي أن ينقل هذا العلم الذي علمه وعمل به إلى أفراد أسرته .. إلى زملائه في العمل .. إلى رفقائه في السفر، فيصبح من أهل العظمة في السماء لا في الأرض، وقد علمتم ما رويناه عن مالك في موطئه حيث يقول: من علم وعمل بما علم وعلم غيره دعي في السماء عظيماً. وتذكرون أولئك الذين يسمونهم عظماء الرجال أفلاطون ونابليون وزادوا ماركس أولئك شر الخلق، ولا أبالغ، فأنا سمعت الله تعالى يقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]. فهم شر الخليقة، ولا تقل: شر الخليقة القردة والخنازير، ولا الكلاب والحيات والثعابين، ولكن قل: الكفار والمشركون، فالثعابين والقردة والخنازير ما عصت ربها، بل تسبحه الليل والنهار، وهؤلاء يكفرون بالجبار، ويحاربون أولياءه، فهم شر الخليقة. وعظماء الرجال هم الذين يتعلمون الهدى ويعملون به ويعلمونه غيرهم، فهم يدعون عند الله في الملكوت الأعلى بين الملائكة بعظماء الرجال. وليس هناك مانع أن نكون مثلهم، فهيا نبدأ، من هذا النداء الذي حفظناه، والآن نعرف معناه، فلا نغادر مجالسنا إلا وقد صممنا على أن نعمل بما علمنا، وننقله بعد ساعة إلى من يجلس إلينا، وإذا بنا قد أخذنا في الطريق، وإنا واصلون إن شاء الله.

    سبب نداء الله تعالى لأهل الإيمان دون غيرهم

    قال: [ اذكر أيها القارئ الكريم: أن الله تعالى ينادي المؤمنين] والنداء هو قوله: ( يا أيها الذين آمنوا) [ لأنهم أحياء] وواحدهم حي، والذي يعي ويسمع ويعقل ويقوم ويجلس هو الحي، فهو يناديهم لأنهم أحياء بإيمانهم، ولو لم يوجد إيمان لما كانوا أحياء، ولا استحقوا أن يناديهم رب الأرض والسماء، فهو لا ينادي ميتاً؛ لأنه لا يعي ولا يفعل، فهم أحياء [ بإيمانهم بالله رباً ] وإلهاً، فلا رب غيره، ولا إله سواه، وهذه ليست مبالغة، فوالله لا يوجد في الأكوان العلوية والسفلية رب إلا الله، ولا يوجد إله حق إلا الله، ولو اجتمع علماء الكون كلهم وفلاسفة الحياة لم ينقضوا هذا، وادخل إلى بهو جامعة الكفر في موسكو، وانظر أمامك إلى أولئك الفلاسفة والمناطقة والعلماء، علماء الذرة والكون والحياة وقل لهم: اسمعوا هذه الحقيقة، لا إله إلا الله، وانقضوها، فوالله ما ينقضونها. واذهب إلى بهو جامعة إيطاليا حيث القسس، وقل: اسمعوا يا علماء الكنيسة! لا إله إلا الله، انقضوها! فوالله ما ينقضونها ولو أخذوا في التفكير والحل والتقدير والأقلام، فنقضها لا يكون إلا بوجود إله حق مع الله، وهذا لا يوجد؛ إذ الإله الحق - أي المعبود بحق- هو الذي خلق من لا شيء، ورزق المخلوقات ودبر حياتها، ونحن ما نرى إلا مخلوقين، وعيسى والبتول وجبريل وميكائيل كلهم مخلوقون، فلا تتخذ من المخلوقات خالقاً بالكذب وبالتزوير، هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3]؟ فليشيروا إلى من شاءوا فيفتضحوا، فالذي يشيرون إليه مخلوق، والمخلوق لا يكون خالقاً، والرب هو الخالق من لا شيء، فهذه العوالم علويها وسفليها لم تكن موجودة من قبل، وقد مضى عليها والله زمن لم تكن موجودة فيه، إذ كان الله ولا شيء غيره، إذاً: فالذي خلق الأرض والسماوات وخلق ما فيهما وما بينهما واحد، ومن قال: اثنين أو ثلاثة فهو يهرف بما لا يعرف، فهو واحد اسمه الله، ونحن نتعرف إليه بهذه الآيات في الأكوان، فحيث تلقي نظرك تشاهد كائناً، فتعلم أن هذا الكائن كونه الله، فهو ربه وخالقه، وإذا أردت أن تعرف عن قدرته التي لا يعجزها شيء فانظر إلى السبع الطباق، والسبع الطباق ما رحلنا إليها، فانظر فقط إلى هذا الكوكب النهاري الشمس المحرقة، فهذه الشمس أكبر من الأرض بآلاف المرات، فهي أكبر منها بمليون ونصف مليون مرة، فهذا الكوكب الناري الله هو الذي جمع ناره، ومادة الاشتعال فيه ليست من البنزين أو الفحم أو الحطب، والله هو الذي يديره كعقرب الساعة الدهر كله، وليس آباؤنا ولا أجدادنا ولا سحرة الكون، بل الله وحده.

    وعندنا ما لم يكن عند الآخرين، فعندنا كتابه الذي أملاه على جبريل ونطق به وأنزله على مصطفاه ومجتباه محمد صلى الله عليه وسلم، وأنت لا يأتيك ساعي البريد بكتاب من أحد الخلق وتقول له: أنا لا أؤمن بأن هذا الكتاب كتبه إنسان أو قاله إنسان، فهذا لا يقوله عاقل، فإذا وصل الكتاب فقطعاً أن هناك كاتب له، وناطق به، وممل له أملاه؛ إذ لا يوجد كتاب بدون موجد، فهذا مستحيل، وليس الكتاب فقط يا شيخ؟! بل والله حتى فنجان قهوة أو شاي أو حليب تجده على الطاولة لا تستطيع أبداً أن تتصور أن هذا وجد بلا موجد، ولا يمكن أن تفهم أن هذا ممكن جاء بدون أن يأتي به أحد، ولا يمكن أن تقول هذا الكلام. هذا كأس شاي فقط، فكيف ببقرة كاملة لها خوارها، وتحمل لبنها؟ وكيف بما هو أكبر من ذلك؟ فواعجباً للإنسان كيف يكفر لا كيف يؤمن! فلا إله إلا الله لا يستطيع أحد أن ينقضها، ولا ينقضها قولهم: لا إله والحياة مادة، فهذه زبالة أفكار الملاحدة، والذين صنعوا هذا هم بنو عمنا اليهود لا غفر الله لهم، فهم الذين صنعوا هذه الآلة الساحرة، ورموها في أوروبا، ففتتوها ومزقوها وحولها إلى بلاشفة حمر وملاحدة وعلمانيين، يقولون: لا إله ولا خالق، فأصبحوا مجانين، وإذا سألت أحدهم: وأنت من خلقك؟ انفضحوا، وقبل أن ينجح اليهود في هذا كان الصليبيون في أوروبا بينهم رحمة وعدل وغير ذلك، فحولوهم إلى بلاشفة وحيوانات بهذا الباطل، وهو قولهم: لا إله، وقبلت عقولهم هذا، وأنه لا إله، ولا خالق ولا رازق، ولم يسألوا أنفسهم من خلقهم وخلق أمهاتهم؟ ومن رزقهم بالماء العذب الفرات؟ ومن خلق لهم هذه الفواكه والخضروات؟ وهذا النعيم الذي يعيشونه؟ مع أنه لا يستطيع أي كائن أن ينقض لا إله إلا الله.

    وهم يحاولون نقضها بأحد شيئين: بقولهم: بأن (لا إله) بالمرة، وأن هذه خرافة وزبالة أفكار هبطت وانتهت، أو بقولهم: بتعدد الآلهة، وأنها ثلاثة كما هي خرافة الصليبيين، فهم عندهم جبريل ويسمونه روح القدس وعيسى وأمه، ووالله إنهم لفي حيرة إلى الآن، فقد صنع لهم الشيطان هذا التمثال، وما دروا كيف يكون الإله ثلاثة؟ والقرآن وضح السبيل وأنار الطريق، وقال: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة:73]. وهم قالوا: عيسى إله، وعلقوا له صليباً في أعناقكم لتحبوه، ويستجاب دعاءكم، واسمع عيسى يخطب في بني إسرائيل: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]. هذا عيسى ابن مريم عليه ألف سلام. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]. ويصنع الشيطان صورة لصليب، ويقول: هذا هو ثالث ثلاثة، ودخل الملايين من النصارى في الإسلام لما وجدوا من يبين لهم الطريق، ثم فتر المسلمون وهبط نورهم، فبقيت الصليبية كل يوم تنمو، وكيف يعتقد عاقل: أن الله ثلاثة؟! ولا بأس إذا تجولنا خارج الدرس؛ لأن العبرة بالعلم والمعرفة، وليس بالكتاب.

    إذاً: الله تعالى ينادي المؤمنين لأنهم أحياء بإيمانهم - لا بأرواحهم، وإلا فالبهائم حية بأرواحها- بإيمانهم بالله رباً [ وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، والحي ] حسب سنة الله وعادتنا في الخلق [ إذا نودي سمع ] فإذا ناديته يا عثمان! سمع؛ لأنه حي، ولو كان ميتاً لم يسمع، فلو ناديت أبا بكر الصديق فوالله ما يسمع، فقد مات، ولكن نادِ أحد الجالسين باسمه فإنه يسمع؛ لأنه حي ما مات. والآدمي إذا آمن بأن لا إله إلا الله، وآمن أن محمداً رسول الله، وأن الإسلام هو دين الله الذي لا يقبل سواه حيي، ونفخت فيه الحياة، وانتشرت فيه [ وإذا أمر أطاع، وإذا نهي انتهى، وإذا أنعم عليه ] بنعمة [ شكر، وإذا أوذي في الله صبر، والكافر لا نصيب له من هذه المظاهر الحيوية؛ وذلك لكفره بالله ورسوله ودينه ] فالكافر ليس له نصيب من هذا؛ لأنه ميت، وأما المؤمن فهو الذي إذا أمر فعل، وإذا نهي ترك، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا أوذي في الله صبر، والكافر لا نصيب له من هذه المظاهر الحيوية؛ وذلك لكفره بالله ورسوله، وهذا كلام معقول.

    مواطن الصبر

    قال: [ واذكر ] أيها المؤمن الحي المنادى من قبل الله! [ ما ناداهم لأجله في هذا النداء ] الذي حفظناه [ وهو ] أن يأمرهم بـ [ الصبر ] أولاً [ والمصابرة ] ثانياً [ والرباط ] ثالثاً [ والتقوى ] رابعاً، فهو ما ناداهم لهواً وباطلاً أو عبثاً، تعالى الله وتنزه عن اللهو والباطل، وهذا النور لنبصر به، فقد نادانا ليأمرنا بما يكملنا ويسعدنا، ولينهانا عما يشقينا ويخسرنا ويمزقنا، ولم ينادنا لا لغرض ولا للاشيء، تعالى الله عن اللهو واللعب. فنادانا بأربع أمور عظام، وهي: الأمر بالصبر أولاً، والمصابرة ثانياً، والرباط ثالثاً، والتقوى رابعاً، وهي ملاك الأمر كله.

    قال: [ وإليك بيانها ] أي: بيان هذه الأربع مفسرة مشروحة مبينة.

    قال: [ أولاً: الصبر. وهو: حبس النفس على ما تكره ] وفلان قتل صبراً أي: أوقفوه وربطوه على خشبة أو عمود وقتلوه، أي: محبوساً. فالصبر إذاً معاشر المتسمعين والمستمعات! هو حبس النفس على ما تكره، وأما على ما تحب فهي تغني وتفرح، ولا تحتاج إلى أن تربطها أو تحبسها، فهي تجري وراءه، لكن إذا كنت تريد أن توقفها على شيء لا تحبه فتحتاج إلى تثبيتها بالحبال والسلاسل. فإن استطعت أن تحبس نفسك عما تكره فقد فزت ونجحت.

    قال: [ وله ثلاثة مواطن ] أي: ثلاث ساحات لا رابع لها، وهذه المواطن الثلاثة نحن حابسون أنفسنا فيها ورب الكعبة، وهي:

    [ الأول: الصبر على طاعة الله ورسوله وأولي الأمر من المؤمنين] وأولو الأمر الحكام والعلماء، وليس هناك غيرهم، فالعالم إذا أمر أو نهى فهو: باسم الله يأمر وينهى، والإمام الحاكم الذي بايعناه وأعطيناه القيادة تجب طاعته؛ لأن الله فرضها، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59]. لا من اليهود والنصارى، بل منكم أيها المؤمنون! والآن يتفنن أبناء الإيمان في أنواع الكفر، فالرجل الذي وقف إلى جانبي الآن طويلاً، هذا طبيب ماهر، قال: يا شيخ! أنا وصديقك الطبيب الفلاني صدر علينا حكم بالإعدام.

    وزارني أمس طبيب ثالث وقال: قالوا لي: إما أن تلحق بنا إلى الجبل معنا تداوي جراحانا وإلا تقتل، وهؤلاء يسمون أنفسهم مجاهدين، فهم لم يربوا في حجور الصالحين، وما عرفوا الله جل جلاله وعظم سلطانه، ولا غشيت أنواره قلوبهم، فهم يهرفون بما لا يعرفون، ويصدرون أحكاماً جائرة باطلة؛ ظناً منهم أنهم ناصرون الحق وواقفون إلى جنب الإسلام يؤيدونهم، وهم في ضلالة.

    وأنا أعرف أن بين السامعين والسامعات من يتألم، وأعطوني واحداً وقولوا: انطق بما سمعت وبما تؤمر به، وهاتوا واحداً أمر بأن يكفر في بلاد المسلمين، أو بأن يسب الله ورسوله، أو بأن قيل له: اسجد على هذا الصنم، أو علق هذا الصليب، أو من قالوا له: لو تصلّ لمزقناك قطعا قطعاً، أو لو لم تشرب الخمر وتنتجها وتبيعها حرقناك وصلبناك، لا يوجد أحد، وأنا أتكلم على علم، فنحن الذين حاربنا ديننا بأيدينا، وأعرضنا عن ذكر ربنا وكتابه ورسوله، واستبحنا المحرمات وغرقنا فيها، وبعد هذا نقول: الحكام هم الذين يجب قتالهم والخروج عنهم، وهاهم يوقدون نار الفتنة هنا وهناك، لا لشيء وإنما فقط لأنهم ما علموا وما عرفوا، ولا يحل لمؤمن أن يقول بدون علم عن الله ورسوله.

    إذاً: الصبر على طاعة الله ورسوله والحاكمين من المؤمنين، وحتى لو حكمتنا إيطاليا وقهرتنا نطيع، ولا نتبجح بالكلام والصياح والضجيج، حتى نعد العدة ونقاتل أعداء الإسلام ونتحرر منهم، ومن باب أولى الحكام الذين ينتسبون إليكم، ويؤمنون إيمانكم، وأنتم فيكم من يصلي ومنكم من لا يصلي، ومن أمه تصلي وامرأته لا تصلي والله العظيم، وهم يريدون القتال بأي صورة، ويريدون فقط أن يحترقوا، وإذا أرادوا إقامة الإسلام فالإسلام ما يقام بالسحر والشعوذة، ولا بالهيدروجين والذرة، وإنما يقوم بالإيمان وعلى الإيمان. فهيا نؤمن، فنصل إلى أهل القرية ونعلمهم أنهم لا بد وأن يجتمعوا في مسجدهم الجامع لهم كل ليلة بنسائهم وأطفالهم ورجالهم، يتعلمون الكتاب والحكمة، هذه المرحلة الأولى التي لابد منها، ولا تقل: لا استطيع كل ليلة، فكيف لا تستطيع ولا تقدر على أن تفزع إلى ساحة ربك، أنت وأطفالك وامرأتك؛ لتتلقوا الكتاب والحكمة، وليقوى نوركم، ويزداد إيمانكم ويقينكم؟ وأنتم تصبرون على الجوع إن أصابكم، وعلى الحر والبرد إن لم تجدوا مبردات ولا مدفئات. فلو أقبل أهل المدن والقرى في بلاد المسلمين على الله في صدق، واجتمعوا في بيوته يبكون بين يديه لغير أوضاعهم وبدل أحوالهم، ورفعهم إلى قمم من الكمال لم يكونوا يحلمون بها، ولكننا ما نريد الله! وإنما نريد الحكم.

    وهؤلاء يكفرون غيرهم، فقد كفروا الشيخ الجزائري مليون مرة، وما هكذا يا سعد تورد الإبل، وليست دعوة الله هكذا، فالسجون قد امتلأت وتعفنت في العالم الإسلامي، والآلام والأتعاب كلها نتيجة فهم باطل، لا ينتج شيئاً.

    وقد قلت بالأمس: لو أن عمر رضي الله عنه يخرج الآن - وهذا مستحيل- لم يستطع أن يقود هذه الأمة إلا بعودة جديدة إلى الإيمان ومعرفته، فإذا كنت مؤمناً تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فاستقم في منهجك .. في كلامك .. في شرابك .. في مشيتك .. في منطقك .. في أسرتك، ولما يوجد المسلمون ترتفع راية الحق عالية، فنحن نحطم الإسلام بأيدينا ثم نريد أن نوجد الإسلام بالقوة.

    وإذا كان الحاكم يقول لك: اسجد للصليب، أو انكح أمك، أو لا تعترف بالإسلام، أو اشرب الخمر وكل ما شئت من الخنازير فهذا ليس مؤمناً، بل هو كافر، فانظر إن استطعت أن تحاربه وتجاهده تفضل، وإن لم تستطع فاصبر كما صبر رسول صلى الله عليه وسلم، فقد صبر ثلاثة عشرة سنة، وكان الوحي ينزل وجبريل يتردد، وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يعذبون، وينكل بهم، ويسحبون على الرمضاء، وتوضع الصخور على صدورهم، ومع ذلك ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لواحد من رجالاته البررة: امشِ اغتال فلان أو اقتله، والله ما قالها مدة ثلاثة عشرة سنة، وإنما بعث المؤمنين إلى الحبشة وهجرهم حتى يسلموا، وبعث بهم إلى طيبة إلى المدينة، وما قال سوف نفعل ونعمل ونقيم الدولة الإسلامية، والله ما قال ذلك، ونحن ما نعرف إلا الهيجان والثوران، والأمة تأكلها النيران، فهذا مشرك، وهذا قلبه مريض، وهذا تارك صلاة، وهذا عاق لأبويه، وهذا يسب الله أمام الناس، وهذا كذا. فهيا أولاً نصلح هؤلاء، وهم يقولون: ما نستطيع نصلحهم إلا بالدولة، بالعصا والحديد والنار، وأنا أقول: والله ما يصلحون بذلك، ولا يصلحون إلا بأن يدخل هذا النور الإلهي في قلوبهم، ويتجلى على أسماعهم وأبصارهم، ويعرفون كيف يسلكون الحياة، وقد غضبت لأن هذا مؤمن قال: حكموا عليّ بالإعدام، وقالوا: اطلع إلى الجبل وإلا تموت، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل أحداً من أصحابه، ولا قال لأحد: تأتي وإلا نقتلك.

    وأمس جاءني واحد إلى البيت وقال لي: فتحت عيادة منذ ثمانية أشهر، وقد بعثوا لي: إما أن تلتحق بنا بالجبل وإلا تقتل، وبأي حق يقتل؟ وحتى لو لم يقتلوه فقد نغصوا عليه حياته، وهو الآن يعيش في كرب، ولا ندري ما هو غرضهم، وهم يقولون: لإقامة الدولة الإسلامية، ولا يوجد الذين تقام عليهم الدولة، فلا يوجد المؤمنون والمؤمنات الذين ظهرت أنوارهم في الأرض، ولا صدق ولا وفاء، ولا حب ولا ولاء، ولا مودة ولا إخاء، ونريد أن نقيم الدولة الإسلامية، ونتلذذ بكلمة الدولة، وإقامة الدولة من أجل أن يعبد الله، فاعبدوه، فلم يصرفكم أحد عن عبادة الله، ولم يقل لكم أحد من قال: الله أقطع لسانه، وإنما تحللنا وتبخرنا وذبنا في تيار الشهوات والأهواء، وظلمات الجهل، ولما أفقنا بعض الشيء أردنا أن نفسد هذا النور ونطفئه، ولا تقولوا: ما شأن السياسة هنا، فهذا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك راية: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    [ و] الموطن [ الثاني ] من المواطن الثلاثة التي يجب أن يصبر المؤمن فيها: [ الصبر عن ترك ما حرم الله ورسوله من الأقوال والأفعال والصفات] فاحبس نفسك بعيدة عن الزنا والربا والخمر والكذب والخيانة وخلف الوعد والتهاون بالصلاة وعقوق الوالدين وأذية المؤمنين والنظر الحرام. وهذا الموطن أصعب من الأول، فاحبسها بعيدة عن معاص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وهي كارهة.

    [ و] الموطن [ الثالث ] من مواطن الصبر الثلاثة: [ الصبر على البلاء الذي يبتلي به الله تعالى عباده المؤمنين ] كالمرض والفقر والخوف؛ لأن الله ابتلاك ليظهر ما في باطنك، أتصبر أم تؤمن أم تضجر وتصرخ وترتد عن إيمانك؟ ويبتليك بما تكره نفسك وتنزعج، فاحبسها على البلاء، وقل: آمنت بالله، والحمد لله، فإذا لم تطعم ثلاثة أيام فقل: الحمد لله، وإذا مزق المرض باطنك فقل: أنا، والحمد لله في خير. وهذا هو الموطن العظيم [ تكفيراً لذنوبهم أو رفعاً لدرجاتهم.

    والصبر على البلاء معناه: الرضا به والتسليم لله تعالى فيما ابتلاه به، وآية ذلك عدم الجزع والسخط، والإكثار من حمد الله تعالى على قضائه وابتلائه ].

    هذه مواطن الصبر، فكونوا مستعدين للصبر، هذا هو أول أمر وأول واجب في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا [آل عمران:200]. فهيا نصبر على طاعة الله ورسوله وأولي الأمر منا، فلا نخرج عنهم، ولا نرفع السلاح، ولا نكفر ونسب ونشتم ونلعن، ونحن أسوأ منهم حالاً، فنصبر بالنفس بعيداً عن كل ما يغضب الله من الغيبة والنميمة والكبر والحسد والتلصص والجريمة والسرقة والفجور بنساء المؤمنين وبنات المؤمنات، وإفسادهن على آبائهن وأزواجهن، وثم ندعي الإيمان والإسلام؛ لأن النفوس خبيثة طايشة، لم تثبت ولم تكبل بأغلال الصبر والثبات، وصبر على البلاء، فإذا لم تطعم ثلاثة أيام فقل: الحمد لله، وإذا كانت الحمى تهزك هزاً فقل: الحمد لله على قضاء الله. هذا هو الصبر المأمور به، فلا جزع ولا سخط، ولا إظهار للغضب أبداً. ونحصل على هذا من طريق العلم، ولو كنا طول حياتنا نجلس هذا المجلس لأصبحنا ربانيين، ولكننا في المقاهي والملاهي والملاعب، وفي مجالس الضحك والباطل والسوء.

    المصابرة عند لقاء العدو

    قال: [ ثانياً ] أي: الأمر الثاني في هذا النداء أيها المؤمنون!: [ المصابرة: وهي الصبر في وجه العدو الصابر ] على حربك وقتالك وتمزيقك أو إفقارك وإذلالك وإهانتك، فاصبر في وجهه، ولا تلين ولا تنكسر ولا تطأطئ رأسك، بل صابره حتى ينهزم [ لذا كانت المصابرة أشد من الصبر؛ لأنها صبر في وجه عدو صابر، فأيهما لم يثبت على صبره سقط وهلك، ولذا كان النجاح والغلبة لأيهما أطول صبراً. يؤكد هذا زفر بن الحارث في اعتذاره عن الانهزام ] الذي حصل له [ إذ قال شعراً:

    سقيناهم كأساً سقونا بمثلها ولكنهم كانوا على الموت أصبراً

    ] ويروى أن عنترة بن شداد وهو بطل معروف في التاريخ قال: أنتم تتوهمون أني أفضل من فلان وفلان، وعيناني كعينيه ويداي كيديه، وجسمي أصغر، وكل ما في الأمر أني أصابر، وكلما أضعف أتثبت حتى يسقط عدوي بين يدي، لا أقل ولا أكثر. هذه هي المصابرة في وجه العدو، والآن ما عندنا عدو يحاربنا بالسلاح، وإنما عدونا الشيطان كما سيأتي، فهو يريدنا أن نصبح لاهين لاعبين عابثين ماديين، فنصابر ونثبت على إيماننا واستقامتنا ومنهجنا، فهذا العدو يريد أن يهبط بنا إلى أسفل، وأن تتبرج نساؤنا، ويتبخترن في الشوارع، وينتهي الحياء، وتزول الكرامة، ونصبح كالأوروبيين، فلنصبر على حجاب نسائنا، ولنصبر على قوتنا القليل، ولنصبر على علمنا والكدح في الليل والنهار، ولا نلين ولا ننكسر أمام العدو، ونظهر أننا أهل لا إله إلا الله، وأنه لا يؤثر فينا فقر ولا بلاء، ولا نجري وراءهم حتى يهبطوا بنا، ونصبح أسوأ منهم حالاً، كما في بعض الديار.

    المرابطة في الثغور

    قال: [ ثالثاً ] أي: الأمر الثالث في هذا النداء: [ المرابطة: وهي لغة: مصدر رابط يرابط رباطاً ومرابطة.

    وهي في الشرع: ربط النفس والخيل والعتاد الحربي في الثغور الإسلامية، وهي الأماكن التي يخشى أن يتسرب منها العدو إلى بلاد المسلمين، وهي غالباً تكون على السواحل البحرية، والأماكن الخالية من المدن، كما تكون ] أيضاً [ في حدود بلاد العدو المتصلة بالبلاد الإسلامية، والرباط فرض كفائي إذا قام به من يؤمن حدود بلاد المسلمين ويرهب عدوهم سقط الواجب عن الباقين؛ إذ هو كالجهاد ] والجهاد فرض كفائي إلا إذا عين الإمام أشخاصاً أو جماعة تعين، أو إذا هاجم العدو بلداً فقبل أن يأتي المدد أهل البلد يقاومون، كما سيأتي [ ويتعين على من عينه الإمام عليه، وفيه يقول الله تعالى في سورة الأنفال: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60] ] والآن ليس هناك خيل تربط، بل هناك النفاثات والميراج كما يقولون وإف (16) والصواريخ على الحدود، وهذه هي الخيول.

    قال: [ وللرباط فضل عظيم، فقد روى البخاري عن أنس رضي الله عنه قوله: ( رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ). وروى مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: ( رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ). وإن ( من مات مرابطاً جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه، وأمن الفتان )، أي: في قبره ].

    قال: [ واعلم ] يا من يسمع![ أن الجيوش الإسلامية اليوم إن هم أقاموا الصلاة في ثكناتهم، واتقوا الله فلم يعصوه بترك واجب أو فعل مكروه، ثم نووا الرباط في سبيل الله لحماية بلاد المسلمين فإنهم مرابطون، ويجري لهم كل ما ورد في فضل الرباط والمرابطين ] في سبيل الله. وباستثناء هذه المملكة وهذه الديار - وسيقول الشيطان: هو يمدح السعودية، أو هذا عميل، وهذا مرض هذا- فهي الوحيدة التي تقام فيها الصلاة إجبارياً بين العسكريين والمدنيين، وليس هناك مانع أن تقام الصلاة في بلادنا الأخرى إجبارياً، والمانع أن دعاة الفسق والفجور يعرفون أن إقام الصلاة يخفف من نسبة الزنى والفجور بنسبة أكثر من (75%)، ولذلك لا تقام الصلاة، وإلا فإن إقامة الصلاة لا يكلف الأمة أو الحكومة أي شيء.

    فلهذا أقول دائماً للجيوش عندنا: إنكم مرابطون تجرى لكم أجوركم بعد موتكم، فاستقيموا على منهج الله، وأغلقوا آذانكم عن سماع الباطل والشر، فإنكم بذلك تصبحون سادة الدنيا وخير العالمين؛ لأنكم تحمون راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتحمون الحرمين الشريفين، فالزموا تقوى الله عز وجل فقط، وصونوا ألسنتكم وأسماعكم، ولا تقولوا الهراء والباطل، ولا تسمعوا الباطل، واخشعوا في صلاتكم وانووا الرباط في سبيل الله، وهكذا في كل بلد إسلامي لو أن جيوشه أقاموا الصلاة وتركوا الباطل والفجور وعبدوا الله، فهم والله مرابطون، ويأتيني بعضهم ويقولون لي: كيف ندخل في هذا الجيش والدولة كافرة والحكومة كافرة؟ فنقول لهم: لا، هذا لا يضركم أنتم، فهذا البلد بلد إسلام، يجب حمايته من اليهود والنصارى والمجوس، فأنتم انووا الرباط في سبيل الله، فادخلوا الثكنة وأقيموا الصلاة، وعلموا إخوانكم الصلاة، ودعوهم يصلون، وعلموهم ما تستطيعون، وبذلك تكونون مرابطين، ولا شأن للحاكم ولا للحكومة، فتعلموا كيف تقاتلوا في سبيل الله، ولا تكونوا من الذين لا يريدون أن يدخلوا، بحجة أن هذه الحكومة كافرة، فلن ندخل في جيشها، فهذه هزيمة مرة، يعبث الشياطين بأصحابها، بل ما دمتم بهذا الوعي والبصيرة فادخلوا الجيش، وانفخوا في أذن هذا، وكلموا هذا كلمة طيبة، هيا نصلي، لم تأخرت عن الصلاة؟ هيا كذا، أنت مؤمن لا تقل الباطل ولا ننطق بهذا، قم أحي ليلك، واصبروا وتعلموا بجد حمل السلاح وتوجيهه إلى العدو، وبذلك تكونون في عبادة. وهذا الكلام كله لا يدخل في آذاننا؛ لأننا نعيش في ظلمات الجهل والعياذ بالله.

    تقوى الله عز وجل

    قال: [ رابعاً: التقوى ] وقد كان الأول: الصبر، والثاني: المصابرة، والثالث: المرابطة، والرابع: التقوى [ وهي تقوى الله عز وجل بالخوف منه والخشية من عقابه وأليم عذابه، الحاملة للعبد على طاعة الله وطاعة رسوله بفعل الأوامر واجتناب النواهي في السراء والضراء ] أي: في الخير والشر [ والمنشط والمكره، والعسر واليسر، هذه التقوى هي التي بها وبالإيمان يتحقق للعبد ولاية الرحمن، وما بعد ولاية الرحمن من مطلب أسمى ومقام أعلى ] ووالله لا مطلب أعظم في الدنيا من أن تكون ولي الله، وتكون ولي الله بأن تؤمن وتتق الله. أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63]. فكل مؤمن تقي فهو والله لله ولي، وقد سمعنا هذه الأيام من يقول: الولي خفي، أي: أنه لا يعرف، وأقول: أنتم أولياء الله، فلا يجوز سبكم ولا شتمكم ولا أذيتكم؛ لأنكم أولياء الله. لكن العدو الماكر في كتاب (فقه في المذهب المالكي) يقول المؤلف فيه: من قال: أنا ولي يخشى أن يموت على سوء الخاتمة، إذاً قل: أنا عدو الله، وحينئذٍ أفجر كما تشاء، بل كل مؤمن تقي فهو لله ولي، وقد فعلوا هذا لأنهم قالوا: الأولياء هم السادة الذين ماتوا وبنيت الأضرحة والقباب على قبورهم، والذين تذبح لهم الذبائح ويعكف حولهم، وأما هؤلاء فليسوا بأولياء، فاسرقهم وأفجر بهم واكذب عليهم والعنهم؛ لأنهم ليسوا بأولياء.

    وهذه النكتة وهي حصر الولاية في سيدي عبد القادر وفلان وفلان لم يفهمها العالم الإسلامي، وكما قلت ألف مرة: لو تدخل كراتشي أو إندونيسيا وتقول لمن تلقاه في الشارع: أنا قدمت من بلاد بعيدة، فمن فضلك دلني على ولي من أولياء هذه البلاد أريد أن أزوره، فوالله ما يأخذ بيدك إلا إلى ضريح، ولا يفهم أن كراتشي فيها ولي حي، وكذلك لو دخلت القاهرة والتقيت بأول رجل وقلت له: يا سيد! أنا غريب، أريد زيارة ولي، فدلني على ولي، فوالله ما يأخذك إلا إلى ضريح فقط، ولا يعلم أن هناك ولي حي. ومن هنا أصبحنا نزني بنساء بعضنا البعض، ونسرق أموال بعضنا البعض، ونغش بعضنا البعض في البيع والشراء، ونخلف الوعد، ويحسد بعضنا بعضاً، ويلعن بعضنا بعضاً؛ لأننا لسنا بأولياء، ولو عرفنا أن هؤلاء أولياء الله لاحترمناهم وبجلناهم وأكرمناهم ومشينا وراءهم، ولم نتكبر عليهم أو نسيء إليهم؛ لأنهم أولياء، ولكن هذا من وضع اليهود والنصارى والمجوس، ونحن ما زلنا في سكرتنا، وما أفقنا بعد [ إذ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لا في الدنيا ولا في البرزخ ولا يوم القيامة ] في الآخرة [ ولهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    وبعد: اذكر أيها القارئ الكريم! هذه الأوامر الأربعة التي تضمنها هذا النداء الكريم، اذكر وعد الله تعالى لأهلها، وهو الفلاح، وما هو الفلاح؟ إنه الفوز العظيم المتمثل في دخول الجنة بعد النجاة من النار. واذكر أن هذه الأوامر الأربعة سرها: أن تزكي النفس وتظهرها من أوضار الذنوب والآثام، وإذا زكت النفس وطهرت استحقت الفلاح، واقرأ لذلك قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. واذكر للفوز قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] ] اللهم اجعلنا من الفائزين [ ألا فلنذكر هذا أيها القارئ والمستمع! ولا ننساه، والله ولي من تولاه. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].