إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 17للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكافرون هم أعداء الله، يظهرون عداءهم لدينه ونقمتهم على أوليائه، أما المنافقون فهم شر منهم، إذ يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر والإلحاد، ولا يدعون مناسبة يسعهم فيها التثبيط من عزيمة المؤمنين، ويوهنون من قوتهم إلا اهتبلوها، لذلك فقد حذر الله سبحانه وتعالى من الركون إليهم، ومشابهتهم في سلوكهم وأخلاقهم، وأقوالهم، وتوعد فاعله بالعقوبة الشديدة في الدنيا والآخرة.

    1.   

    صفات المؤمنين الواردة في سورة الأنفال

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان. وهذه النداءات هي نداءات الله عز وجل الواردة في كتابه القرآن العظيم، وقد بلغت تسعين نداء، وهي تحمل الهدى والخير والفلاح للمؤمنين. وقد نادى تعالى المؤمنين لأنهم أولياؤه، وهو وليهم؛ لأن المؤمن التقي هو ولي الله عز وجل بحق، واقرءوا لذلك قول الله عز وجل من سورة يونس عليه السلام: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. فلا خوف عليهم في الدنيا ولا في البرزخ ولا في الآخرة، ولا حزن كذلك ينتابهم ويمزق قلوبهم، ويسيطر على أحاسيسهم ومشاعرهم، فأولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ثم قال تعالى في بيان هذا: الَّذِينَ آمَنُوا [يونس:63]، أي: صدقوا التصديق الجازم بكل ما أمر الله تعالى ورسوله أن نؤمن به ونصدق، وسواء كان من عالم الغيب أو عالم الشهادة، فلا نرد على الله ولا على رسوله صلى الله عليه وسلم غيباً ولا شهادة، وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63].

    لا بأس معاشر المستمعين والمستمعات! أن نستعرض لوحتين من لوحات القرآن الكريم ليشاهد المستمعين والمستمعات أنفسهم على تلك اللوحتين الأولى والثانية؛ لنتأكد هل نحن مؤمنون؟

    اللوحة الأولى: من سورة الأنفال، إذ قال تعالى وقوله الحق: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال:2]، أي: بحق وصدق لا بالادعاء والنطق، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:2-4].

    فلننظر معاشر المستمعين! هل نرى أنفسنا بينهم؟ وهل نحن معهم؟ ولنعد إلى اللوحة وننظر.

    أولاً: الخوف من الله تعالى إذا ذكر وزيادة الإيمان عند سماع آياته والتوكل عليه

    قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]، أي: خافت قلوبهم، فالذي يغشى كبيرة وتقول له: يا أخي! خف الله، فلا يتعظ ولا يتحرك قلبه فليس بمؤمن، وليعلم أنه ما آمن، والذي يتوكل على زوجته أو ولده .. على وظيفته .. على عمله وسعيه ولا يتوكل على الله الذي بيده كل شيء فليس بمؤمن. وعلى سبيل المثال: من يزعم أنه مؤمن وهو يبيع المحرمات في متجره وإذا ذكر بالله يرفض أن يتخلى عن بيع الحرام، ويخاف أن يفتقر أو أن يجوع أو يعرى، ويصر على بيع ذلك المحرم للمؤمنين؛ ليفسد عليهم نفوسهم وقلوبهم فهذا لم يتوكل على الله، ولم يعرف التوكل على الله.

    والذي يعجز عن أداء فريضة مع المؤمنين لأوهام ومخاوف في نفسه هذا لم يتوكل على الله. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الأنفال:2] أي: بصدق وحق الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ [الأنفال:2]. لا على الوظيفة ولا المرأة ولا الولد ولا المزرعة ولا المتجر يتوكلون، ولكن على ربهم فقط يعتمدون، ويفوضون أمورهم إليه، ولا يخرجون عن طاعته، أو يفسقون عن أمره من أجل وهم يتوهمونه في طعامهم أو شرابهم أو لباسهم.

    ثانياً: إقامة الصلاة

    ثم قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [الأنفال:3]. وإقام الصلاة معاشر المستمعين! له شأنه وله كيفيته، فإقام الصلاة لا يتم للعبد إلا إذا شهد بيوت الله ليصلي فيها مع المؤمنين أولياء الله، ولا يقال: أقام الصلاة لمن يؤخرها عن أوقاتها، أو لمن يؤديها وقلبه بعيد عن الله لا يخشاه، ولا ترتعد له فرائصه، ولا تذرف عيناه الدموع، ولا يشعر بأنه بين يدي الله، وإذا فقدت الصلاة الخشوع فقدت روحها وماتت، ولا الذي لا يطمئن في ركوعه ولا في سجوده ولا يعتدل، وينقرها كنقر الديك للحب، فهذا ما صلى، وقد ورد في هذا قول الله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5].

    ثالثاً: الإنفاق مما رزقهم الله

    ثم قال: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:3]. أي: مما أعطاه الله من القليل والكثير ينفق، ولا يضن ولا يبخل في حدود قدرته واستطاعته. هذه آيات الإيمان وبراهينه. فلننظر هل نحن مؤمنون؟

    1.   

    صفات المؤمنين الواردة في سورة التوبة

    اللوحة الثانية: من سورة التوبة: يقول تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ [التوبة:71].

    أولاً: موالاة المؤمنين

    المؤمن ولي المؤمن والمؤمنة، والمؤمنة ولية المؤمن والمؤمنة، والولاية هنا تتحقق بالحب والنصرة، فالولاية تتحقق بأمرين:

    الأول: حبك لأخيك المؤمن.

    والثاني: نصرتك له، لا هزيمتك له، ولا إعلان الحرب عليه، وبدون الحب والنصرة لا تتحقق ولاية المؤمنين، ويكذب من يدعي أنه يوالي المؤمنين وهو يكرههم، ويقف ضدهم ولا ينصرهم. وتأملوا هذه الآية: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:71].

    ومرة ثانية انظر يا عبد الله! إلى شاشة هذه الآية النورانية، فهل ترانا أو لا؟ والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [التوبة:71]. والولاء ضد البراء، فالولاء حب ونصرة، فمن كان يبغض المؤمنين فوالله ما هو بالمؤمن! والذي يهزم المؤمنين بل يحاربهم وينتهك حرماتهم ويمزق أعراضهم ويقف إلى جنب عدوهم ينصره عليهم والله ما هو بالمؤمن، بل المؤمن كما قال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ [التوبة:71]بحق بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71].

    ثانياً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    ثانياً: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ [التوبة:71]. فلا يرى أحدهم معروفاً ترك أو أهمل أو ضيع في بيته أو بين إخوانه أو في شارعه وطريقه إلا أمر به بالرفق واللين والابتسامة على الوجه، فيقول: أي بني! أو أخي! افعل كذا فإنك مؤمن، ولا يرى منكراً ويشاهده مرتكباً معمولاً به إلا قال لفاعله: أي أخي! أو بني! هذا لا ينبغي لمثلك؛ فأنت مؤمن! وهذا القول وهذا السلوك لا يصح منك وأنت ولي الله، فاترك هذا.

    فمن صفات المؤمنين أنهم يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:71]. ولا فرق بين الذكر والأنثى .. بين الرجل والمرأة؛ إذ الكل مخاطب بهذا الخطاب.

    ثالثاً: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة

    وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ [التوبة:71]. وإقام الصلاة يا أبناء الإسلام! حقيقته: إذا قال المؤذن: حي على الصلاة وقف دولاب العمل، ورأيت أهل القرية .. أهل الحي .. أهل المدينة .. أهل السوق .. أهل المصنع أوقفوا العمل وأقبلوا على ربهم، وما إن تنتهي تلك المقابلة مع ذي الجلال والإكرام حتى يعودوا إلى أعمالهم يديرونها بصورة أقوى من الأولى؛ لأنهم استمدوا طاقة أخرى على أعمالهم. وهذا هو إقام الصلاة.

    وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [التوبة:71]. فإذا حل حولها ووجبت لم يترددوا في إخراجها.

    رابعاً: طاعة الله ورسوله

    وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71] في كل أمر أمرا به، أو نهي نهيا عنه، إذا كان الأمر للوجوب، وكان النهي للتحريم، وما كان للندب والكراهة التنزيهية فهما ميدان المسابقة والتنافس بين أولياء الله.

    معشر المؤمنين والمؤمنات! إن شاء الله ونرجوه أن تكون ظهرت لنا صورة في هذه الشاشة، ومن ظهر هنا واختفى هناك فليعمل على أن يظهر هناك.

    من صفات المؤمنين صوم رمضان

    من صفات المؤمنين: صوم رمضان، ولنعلم أنه ليس علينا أبداً ضغط ولا إكراه ولا معاناة أبداً، قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]. أبداً، بل فقط نطارد شياطين الكسل والأوهام والوساوس من النفوس، والله عز وجل لم يكلفنا بأمر يشق علينا ولا نقوى عليه أبداً، فقال: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، وهذا الصيام يقول تعالى فيه: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184]. يقضيها ويصومها.

    والآن مع النداءات الرحمانية، وهذه النداءات رغبناكم أمس فيها، وما زلنا نرغب حتى قلت: المفروض أن توجد هذه عند وسادة كل مؤمن، فهي كتيب صغير يضعه عند رأسه، وقبل أن ينام يسمع نداء من تلك النداءات من ربه، وينظر هل استجاب لله؟ فإن استجاب حمد الله وشكره، وإن وجد نفسه قد قصر فليعزم على التوبة والرجوع إلى الله، والقيام بما أوجب عليه، أو بما نهاه وحرم عليه. وبهذا نوجد مربين لنا، فقد فقدنا المربين، وهذا قضاء الله وقدره، لكن مثل هذا الكتاب كالمربي، فتضعه عند رأسك، والحمد لله مصابيح الضوء موجودة، وقبل أن تنام اسمع نداء وتأمله، وقل: لبيك اللهم ولبيك! فإن كان أمراً قمت به، وإن كان نهياً تخليت عنه وابتعدت وتركته، ولا تزال هكذا حتى تكمل في آدابك .. في أخلاقك .. في عقائدك .. في عباداتك، ووالله لتكملن الكمال المطلوب؛ لأن العلم نور، وصاحبه لا يقع في المهاوي والحفر والمهالك، وهو يعيش على نور من ربه. والقرآن نور، فقد قال تعالى: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [التغابن:8]. وهو روح، وعوا هذا معاشر المؤمنين والمؤمنات! فالقرآن روح، ولا حياة بدون روح، ولا توجد حياة بدون روح والله، لا في الإنس ولا الجن ولا الحيوان، بل إذا فقد الكائن روحه مات، والقرآن روح، واقرءوا لذلك قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52]. وهو القرآن والله، وقد كانت أمة العرب في هذه الديار ميتة قروناً عديدة، ثم حييت وكان سبب حياتها القرآن.

    فمن هنا أنصح للمؤمنين أن يتعاونوا على نشر هذا الكتاب، وبما أنهم فقدوا المربين من قرون فهذا كلام الله يربينا إن صدقنا، فيضعه أحدنا عند رأسه، وكل ليلة يسمع نداء ويتفهمه، ويعاهد الله عز وجل على العمل بما أمره به، وعلى ترك ما نهاه عنه، وعلى الأخذ بما أرشده إليه، ولا يزال كذلك حتى يكمل!

    وقد سبق هنا أن قلت للمؤمنين والمؤمنات: بما أننا فقدنا المربين من قبل أكثر من خمسمائة سنة، أي: خمسة قرون، وليس هناك مربون نجلس في حجورهم، ونتخرج بين أيديهم ربانيين، بل قد عمت الجهالات واضطربت الحياة فعلى الأقل يأخذ أحدنا أخاً له من أهل القرية .. من أهل العمل .. من أهل المسجد ويتآخى معه، ويقول: أي أخي! أسألك بالله ألا ترى في نقصاً إلا وضعت يدي عليه، وألا ترى في عيباً إلا نبهتني إليه، وأمرتني أن أفعل أو أترك، ويقول الثاني: وأنا كذلك، أسألك بالله ألا ترى في نقصاً إلا بينته لي، وأعنتني على إكماله وتكميله. ولو أخذنا بهذا فقط لتربينا، ولكن لا هذا ولا ذاك، وما زلنا كما تعلمون ونعلم.

    فإذاً: هذا الكتاب اجعله شيخك وأستاذك ومربيك ومعلمك، فضعه عند رأسك كل ليلة، وقبل أن تنام اقرأ نداء، وافهم ما فيه، والتزم بما دعاك إليه، ولا تزال تكمل وتكمل حتى تبلغ مستوى الكمال المطلوب للمؤمن ولي الله.

    أرجو أن يكون السامعون قد وعوا هذا وفهموه.

    1.   

    حرمة التشبه بالكافرين والمنافقين في عقائدهم وسلوكهم

    قال: [ النداء السابع عشر: في حرمة التشبه بالكافرين والمنافقين في عقائدهم وفي سلوكهم ] هذا النداء نادانا فيه ربنا جل جلاله ليمنعنا ويحرم علينا التشبه بالكافرين والمنافقين في القول وفي الحركة وفي الأخذ وفي العطاء، فلا تشابه أبداً بين ميت وحي .. بين نجس وطاهر .. بين كامل وناقص .. بين من يتأهل لأن ينزل الدرجات العلى وبين من يتأهل لأن ينزل الدركات السفلى. فقد حرم علينا مولانا وسيدنا وربنا جل جلاله التشبه بالكافرين والمنافقين في عقائدهم وسلوكهم؛ لأنهم أموات، والذي يتشبه بالميت ليس عاقلاً، فإذا أردت أن تكون كالميت فأغمض عينيك كما أغمضهما ومد رجليك، ولا يفعل هذا عاقل.

    والدليل على أن الكافر ميت: أن اليهود الذين في بلاد المسلمين والنصارى الذين هم من جملة المواطنين إذا هل هلال رمضان لم يأمرهم الحاكم المسلم بالصيام ويقول لهم: صوموا؛ لأنهم أموات، والميت لا يكلف، ولا يأمرهم بأن يحجوا، ولا بأن يدخلوا المسجد ليصلوا، والله ما يأمرهم؛ لأنهم أموات غير أحياء، ولأن الروح الحق هو روح الإيمان، فإذا دخل هذا الروح في الجسم فالعين تبصر، والأذن تسمع، واللسان ينطق ويعرب، وإذا خرجت الروح لم يبق شيء. إذاً: عباد الله! أولياء الله! اسمعوا نداء الله إليكم: [ الآية (156) من سورة آل عمران : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156] ]. وهذا كلام عال لا نصل إليه إلا بالتدرج.

    واسمع ما يقول الله فيه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:156]. أي: كفروا بالله رباً وإلهاً، وبمحمد نبياً ورسولاً، وبالآخرة وما فيها من جزاء، وبالكتاب وما فيه من شرائع، فهم أموات.

    فـ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:156] في سلوكهم .. في اعتقادهم .. في منطقهم .. في نظرهم .. في تفكيرهم .. في أعمالهم، فلا نتشبه بميت، فنموت كما مات، ونخسر كما خسر، بل نتشبه بالأحياء؛ لنكتسب الحياة وكمالها، ولا نتشبه بالأموات، وآثار هذا تجلت كالشمس في الضحى لما أخذ المؤمنون بهذا المنهج، ففي خمس وعشرين سنة فقط أصبحت المدينة النبوية هذه عاصمة العالم، فهذه طيبة هي القرية التي أكلت القرى، ولم تمض خمس وعشرون سنة إلا وقد انتشر نور الله في الأرض، بلا هيدروجين ولا ذرة، ولا صواريخ ولا نفاثات، وإنما بسبب فقط أنه حيى القوم، ومن دونهم كانوا أمواتاً، فساقوا الأحياء والأموات إلى مطاهر الحياة، فطهروا البشرية، وأصلحوها وهيئوها للكمال، فسعد من سعد، وخرج بلايين المؤمنين من تلك الدعوة التي هي دعوة القرآن الكريم، فآتت نتائجها، وأظهرت براهينها، وأعطيكم صورة من ذلك: سلمان الفارسي - الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ( سلمان منا أهل البيت )- كان أعجمياً، ووالده كان قيماً على إله المجوس النار، وتنقل من إقليم إلى إقليم، وبيع مرتين عبداً رقيقاً، حتى وصل إلى هذه المدينة؛ لأن بعض العالمين من المسيحيين نصحوا له أن نبي آخر الزمان قد أظل زمانه، وأنه يوجد في كذا، وأنه يخرج من جبال فاران، أي: جبال مكة، وينزل مهاجراً بيثرب، وهي قرية من القرى ذات نخيل وسبخة، فجاء إلى المدينة، وما إن طلعت الشمس المحمدية ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، بل كان ما زال في ديار بني عوف في قباء حتى جاء بهدية من التمر يقدمها للرسول صلى الله عليه وسلم، وقال: خذ هذه صدقة، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إنا لا نأكل الصدقة ). فذهب فلما كان من الغد جاء بهدية أخرى وقال: خذ هذه هدية. فقال: نعم. نأخذ الهدية، فقال: أشهد بالله أنك رسول الله! لأن هذه النعوت والصفات في الإنجيل والتوراة. وقد عاش سلمان أكثر من مائة وستين عاماً، ولما ولي عمر الخلافة أو أبو بكر عين والياً وحاكماً في البصرة من أرض العراق، فكان يمشي في الشارع وحده، والعصا في يده، ويلبس السروال القصير تحت ركبتيه قليلاً. فجاءت قافلة تجارية من الشام، فأناخوا إبلهم، أو أوقفوا حميرهم أو بغالهم؛ لأنه لم يكن يوجد يومئذ في العالم إلا البغال والإبل والحمير، وطلبوا فندقاً أو نزلاً فدلوا عليه وعرفوا مكانه، فمر سلمان والعصا في يده يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقالوا: حمال تعال احمل إلى الفندق الفلاني، وظنوه حمالاً، وهو أمير البصرة، فوالله لقد أخذ حقيبة على رأسه وأخذ أخرى بيده ومشى، فمر بهم رجل من أهل المدينة فقال لهم: ويلكم! هذا إمام المسلمين، هذا حاكم المدينة، فاطرحوا بين يديه يعتذرون ويطالبونه السماح، فقال: والله لأصلن بها إلى الفندق، ووصل بالحقيبتين إلى الفندق. والذي كمل هذا البشر ورفعه ووصل به إلى هذا المستوى الذي لم تحلم الدنيا به هو القرآن والسنة .. النور الإلهي والروح الرباني.

    وهذه أمكم الصديقة رضي الله عنها - ومن قال: ليست أمي فهو كافر، ولعنة الله عليه إلى يوم الدين- لما ولي معاوية رضي الله عنه أمر المؤمنين بعد وفاة الخلفاء الراشدين بعث إليها بمال -لأنها أمه، فهي عائشة بنت الصديق ، وهي أم المؤمنين، وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم- فبعث لها بمال من بيت المال، فوزعت المال على كل أهل البلاد، وكانت يومئذ صائمة لله متطوعة، وجاء الإفطار وأذن المؤذن، فقدمت لها خادمتها خبزاً جافاً بلا مرق، فقالت لها: أي فلانة! لو أنك اشتريت لنا بدرهم زيتاً حتى نأكل به الخبز، وكانت خادمتها قد ظلت طول النهار توزع ذلك المال على بيوت المؤمنين والمؤمنات ولم تبق درهماً، وأفطرت وتعشت بالخبز الحاف الجاف، والذي فعل بهم هذا وحولهم هكذا نور الله الكتاب والسنة، لا الاشتراكية ولا العلمانية ولا الديمقراطية ولا الصليبية، فلا تطمع عبد الله! في أن مجتمعاً ما سيطهر ويسمو ويرتفع وتتجلى به حقائق الإيمان إلا إذا اجتمعوا في صدق على كتاب الله وسنة رسوله، يعلمون ويعملون بجد وصدق، وما وراء ذلك إلا الهبوط والتمزق والتلاشي والشقاء.

    وفي هذا النداء الكريم يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:156]. والذين كفروا هم اليهود والنصارى والبوذيون والمجوس وغيرهم، فكلهم كفروا بالله ولقائه ورسوله وكتابه، وجحدوا ذلك وتنكروا له، وأولئك أموات غير أحياء، فلا نكن مثلهم.

    وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ [آل عمران:156]، أي: سافروا للتجارة، والآن ما يضرب في الأرض، بل يطير كالجني، وأما قبل ذلك فلا بد من ضرب الأرض، فقد كان يمشي ألف كيلو أو مائة برجليه يضرب الأرض.

    أَوْ كَانُوا غُزًّى [آل عمران:156]، أي: غزاة يغزون في سبيل الله بلاد الكفر؛ لتحويلها إلى ديار الإيمان. فإذا أصابهم الأجل وماتوا يقولون: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران:156]. فهذا الخلق الهابط إياك يا عبد الله! أن تتخلق به، وسبحان الله! فالله يربي الله هذه الأمة حتى في هذا الخلق، فلا تكونوا كالذين كفروا الذين يقولون في إخوانهم إذا ضربوا في الأرض مسافرين عليها للتجارة والكسب أو كانوا غزاة مجاهدين فمات من مات: لو كانوا عندنا ولم يخرجوا ما ماتوا وما قتلوا. واسمع ما يقول الله تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران:156]. فالله هو الذي يجعل ذلك القول الذي قالوه حسرة في قلوبهم، وصحيح أنهم كانوا مختلطين، فالبيت الواحد فيه مشرك وفيه موحد، وفيه منافق وفيه مؤمن صادق، فإذا اجتمعوا يقولون: فلان مات مع الأسف! ولو لم يخرج ما كان يموت، ويتحطمون بهذا الحزن، أو يقولون: فلان قتل في المعركة الفلانية .. في السرية الفلانية، ولو ما خرج لما مات ولما قتل، فيحدث ذلك الحسرة التي لا نتصورها في قلوبهم، وهذا من الله؛ لأنهم أعداؤه، قال تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ [آل عمران:156]. فالمسافر ليس السفر هو الذي يقتله، والمقيم ليست الإقامة هي التي تحييه، بل الحياة والموت بيد خالق الموت والحياة، وهو الله، والسفر أو الجهاد لا ينقصان من العمر، والإقامة والجبن والملازمة للبيت والله لا تزيد في العمر لحظة، فضلاً عن دقيقة، فانظر كيف يربي الله أولياءه.

    وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156]، أي: خبير عليم يبصر كل حركاتكم وسكناتكم، وانظر كيف يربي الله ملكة المراقبة في نفوس أوليائه؛ حتى يصبح المؤمن والمؤمنة دائماً مع الله، ودائماً يراقب الله، فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة فقبل أن يتكلم ينظر هل الله يسمح بها أو لا يسمح؟ وهل فيها رضا الله أو فيها سخط الله؟

    إذاً: هيا نتغنى بهذا النداء؛ ليصدق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم فينا: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم اجعلنا منهم.

    والآن وقد فهمنا معنى هذا النداء نقرأ الشرح؛ لما فيه من زيادة بيان وتوضيح.

    منهج الكفار والمنافقين في تثبيط المؤمنين

    قال: [ الشرح: من مظاهر رحمة الله بالمؤمنين وإكرامه لهم؛ لأنهم أولياؤه بإيمانهم به وبلقائه، وتقواهم له بفعل أوامره واجتناب نواهيه - من مظاهر إكرامه لهم- أنه لم يرض لهم أن يتشبهوا بأعدائه وأعدائهم، وهم الكفرة المشركون والمنافقون ] ولله أعداء، وهم كل الكفار، فكل كافر ومنافق عدو الله، وقد أصبح عدو الله لأنه يحاربه، ويحارب أولياءه، ويعطل شرائعه، ويبعد الناس عن طاعته، وليس هناك عدو أعظم من هذا. وأنت تقول: عدوي فلان لأنه سرق دابتي، أو لأنه وضع حجراً في الطريق لأعثر فيها، وعدو الله هو الذي يعذب أولياءه ويحاربهم [ إذ ناداهم بعنوان الإيمان قائلاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ [آل عمران:156]. ونهاهم عن التشبه بالكافرين والمنافقين بقوله: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا [آل عمران:156]. والكفر أقبح ذنب وأسوأه، أي: لا تكونوا مثلهم في الكفر والنفاق، وفيما يتولد عنه من الظلم والخبَث والشر والفساد وسوء الأخلاق ] فالكفر حيوان، يلد الحيات والثعابين والمفاسد والشرور [ ومن ذلك: قولهم لإخوانهم في الكفر والنفاق إذا ضربوا في الأرض -أي خرجوا مسافرين- في تجارة وغيرها وأصابهم حادث من خوف أو جوع أو مرض فماتوا أو خرجوا غزاة مقاتلين فقتلوا في المعارك الجهادية ] لو كانوا معنا لم يصبهم ما أصابهم.

    قال: [ وهم من المنافقين بوصفهم مؤمنين في الظاهر وهم كافرون في الباطن؛ إذ النفاق هو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر في النفس، فقالوا لإخوانهم المنافقين في مجالسهم الخاصة: لو كان فلان وفلان وفلان عندنا ما خرجوا مسافرين غزاة مقاتلين، وما ماتوا وما قتلوا، فينتج لهم هذا القول حسب سنة الله تعالى الحسرة والندم والحزن والألم في نفوسهم، كما قال تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ [آل عمران:156]، أي: حسب سنته حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ [آل عمران:156]. فنهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين الصادقين عن التشبه بحال الكافرين والمنافقين، الظاهرة والباطنة حتى في السلوك النفسي الخفي، كهذا الذي هو قولهم لإخوانهم: لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران:156]؛ لما ينتج ذلك من الحسرة التي هي ألم يأخذ بخناق النفس بسبب فوت مرغوب، أو فقد محبوب، والله تعالى لا يحب لأوليائه وصالحي عباده المؤمنين به وبلقائه والمطيعين له ولرسوله، لا يحب لهم ما يؤذيهم من حزن أو حسرة أو ندم، فلذا نهاهم عن التشبه بالكافرين، بقوله: لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا [آل عمران:156]. ثم ذكرهم بقوله: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ [آل عمران:156]. ليعلّمهم أن الله تعالى هو الذي بيده الحياة والموت؛ فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم في داره وبين أهله، والقاعد عن القتال دون غيره؛ إذ الأمر له، وهو على كل شيء قدير، فلا معنى إذاً لما يردده أولئك الكافرون من قولهم: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، إلا أن يجعل الله تعالى ذلك حسرة في قلوبهم.

    ألا فليحذر المؤمنون مثل هذا القول؛ فإنه قول باطل، ويجلب الألم والحسرة والعياذ بالله تعالى، كما يحذرون كل تشبه بالكافرين في الزيّ والسلوك، وحتى ] في [ التفكير والهمّ بالأمور ] والعزم عليها [ للفوارق ] الكثيرة [ بين المؤمنين والكافرين ] الفوارق [ في الاعتقادات والقول والعمل والصفات الظاهرة والباطنة] فهناك فوارق كبيرة بين المؤمن والكافر، ويكفي أن المؤمن حي والكافر ميت، لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل ولا يعطي ولا يأخذ.

    [ وختم تعالى توجيهه لعباده المؤمنين بقوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156]. تأكيداً لنهيه لعباده المؤمنين عن التشبه بالكافرين في الظاهر والباطن؛ لما فيه من الضرر وسوء الحال والمآل، فأعلمهم أنه بصير بأعمالهم الظاهرة والباطنة.

    ألا فليعلموا ذلك وليحذروا التشبه بأعدائهم، وإلا فستحل العقوبة بهم كما حلت بغيرهم؛ لأن لله تعالى سنناً لا تتبدل ولا تتحول ] ولا تتخلف، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الفتح:23]. والواقع شاهد، وحال المسلمين واضحة.

    معنى حديث: (من تشبه بقوم فهو منهم)

    قال: [ هذا ولنذكر قول الرسول ] الكريم [ صلى الله عليه وسلم: ( من تشبه بقوم فهو منهم ) ] وهذا الحديث يصلح لمحاضرة في ساعتين، وهو نور، فاحفظه فقط يهديك الله لمعناه، ( من تشبه بقوم فهو منهم ). وأنا أضرب المثل وأقول: ائتني بشخص يريد أن يتشبه بآخر عن عزم وقصد فوالله لا يلبث أن يصبح كأنه هو في مشيته .. في تفكيره .. في منطقه .. وفي غير ذلك. وقد مررنا مرة - والعياذ بالله- بمطار وجدنا فيه شباناً عاشوا أياماً في العهر والزنا والفجور في ذلك البلد، واجتمعنا في المطار، وكانوا والله ليتحدثون بحديث العواهر، ويمشون مشيتهن، فقد أحبوهن فاكتسبوا صفاتهن. فافهموا هذا.

    ومن عزم على أن يتشبه بـعلي بن أبي طالب فلن يكون إلا مثله، فهذه سنة الله، فالرسول أستاذ الحكمة ومعلمها، فلما أطلق هذه القاعدة فوالله لن تنخرم، ولو اجتمع علماء الدنيا كلهم على إبطالها فوالله لن يبطلوها. ( من تشبه ) بمعنى: أراد وعزم فمن أراد وعزم وأخذ يتحرك حركة العاهرة فوالله ليصبحن في زيها وسلوكها، ومن تشبه بمغنٍ راقص من المغنين الفنانين وأخذ قلبه يحبه فوالله ليصبحن كأنه هو، فافهموا هذا.

    إذاً: احذر يا عبد الله! أن تتشبه بالفساق والفجار والمجرمين والمتكبرين، فإنك لا تلبث أن تأخذ صفاتهم، وتشبه بالصالحين فلن تلبث أن تكون مثلهم في أخلاقك وسلوكك وحركاتك وسكناتك. وسبحان الله العظيم! [ فمن تشبه بالصالحين فهو صالح، ومن تشبه بالفاسدين فهو فاسد؛ لأن سنة الله تعالى في أن من رغب في شيء وطلبه بجد ورغبة حصل عليه وفاز به، وما تشبه أحد بآخر إلا لرغبة في نفسه أن يكون مثله، فهو كائن إذاً لا محالة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: ( من تشبه بقوم فهو منهم ).

    وأخيراً: أيها القارئ أو المستمع لهذا النداء! وما حواه من النهي عن التشبه بالكافرين في الاعتقاد والقول والعمل والفهم وحتى الذوق ] أيضاً، مثل الذين يأكلون بشمائلهم وهم مؤمنون، أو الذين يركبون السيارات ويضعون السيجارة في أيديهم، ويضعون أيديهم على جانب السيارة وينفخون، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا، وإنما هذا تشبه باليهودي أو النصراني [ فاحذر أن يراك الله تعالى تتعمد ] وتقصد [ التشبه بالكافرين؛ فإن عذاب الله شديد، واذكر قوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران:156]. ولا تغفل عنه ولا تنسه.

    وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].