إسلام ويب

نداءات الرحمن لأهل الإيمان 12للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الكافرين من أهل الكتاب لا يدخرون جهداً في الإضرار بالمسلمين، للحسد الذي يملأ قلوبهم، والغيظ الذي تطفح به صدورهم، لذلك فقد حذر الله عباده المؤمنين من طاعتهم، لما في طاعتهم من الضرر المحقق الذي يلحق بالمسلم وبدينه، لكثرة ما يزينون له الباطل والكفر الخفي، وما يقبحون في نظره من أحكام الإسلام وعباداته وآدابه.

    1.   

    التحذير من طاعة بعض أهل الكتاب حتى لا يفسدوا على المؤمن دينه

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا مع نداءات الرحمن لأهل الإيمان، وها نحن مع [ النداء الثاني عشر ] من التسعين نداء، وهذا النداء مضمونه: [ التحذير من طاعة بعض أهل الكتاب حتى لا يفسدوا على المؤمن دينه. الآية (100 ، 101) من سورة آل عمران: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آل عمران:100-101] ]. هذا النداء لو يحفظه المؤمن ويفهمه ويبقى دائماً على ذاكرته فهو والله خير له من مليون دولار، وأشوقكم: فهو والله لخير من مليار دولار، وأزيدكم: والله لخير من الدنيا وما فيها. فهيا نحفظ، ونفهم، ونوطن النفس على أن نعمل بمقتضى ما علمنا من طريق كتاب ربنا، فهيا بنا ندرس هذا النداء، والعزم أكيد على حفظه وفهم معناه والعمل بما فيه.

    نداء الله تعالى لعباده المؤمنين وبيان ولايته لهم

    قال الشارح غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم: [ اذكر أيها القارئ الكريم! ] والمستمع المستفيد مثلكم، اذكر ما سبق أن عرفناه وعلمناه وهو [ أن الله تعالى ما ينادي المؤمنين ] ونحن منهم [ إلا ليأمرهم بما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم، أو لينهاهم عما فيه خسرانهم وشقاؤهم في دنياهم وأخراهم ] وهذا والله لحق، فالله لا يلعب، ولا ينادي بدون أمر أو نهي أو بشارة أو نذارة تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

    فإذا سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأعرها سمعك، فإنك منادى ومأمور، أو منهي مبشر أو منذر، فلا تغفل يا عبد الله!

    قال: [ أو ليبشرهم بما يزيد حبهم في الله وطاعة له وحباً فيه] فإذا بشر الله المؤمنين والمؤمنات فتلك البشرى تزيد في حبهم فيه، وفيما يحب، ورغبة فيما لديه [ أو ليحذرهم وينذرهم بما فيه خطر أو شر ] أو يؤذيهم أو يشقيهم أو يرديهم ولا بد [ وذلك ] واسمع التعليل [ لأنهم إن اتقوه كانوا أولياءه.

    وأولياؤه تعالى لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وهذا هو الفوز العظيم ]. وليك لا يريد لك الشر، ولا يتركك للشياطين، بل يحميك ويحفظك، ويرعاك ويكلؤك، فهو وليك، والمؤمنون متى اتقوه تحققت لهم ولاية الله تعالى.

    والذين جلسوا في هذه الحلقة عرفوا من هم أولياء الله، وأصبحوا والله عالمين عارفين، والذين هم لأول يوم يجلسون لا يعرفون من هم أولياء الله، أو يقولون: سيدي عبد القادر فقط، فأولياء الله نحن وربّ الكعبة إذا آمنا به واتقيناه، ولم نجاهره بالمعاصي، ولا أعلنا فسقنا عن حدوده وشرائعه، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، ورددها وإياك أن تخاف أو تجبن، وارفع بها صوتك إلى عنان السماء، وقل: المؤمنون المتقون هم أولياء الله، والكافرون الفجرة هم أعداء الله.

    والذي علمنا هذا هو سبحانه وتعالى، فقد قال في سورة يونس عليه السلام: أَلا [يونس:62] أي: انتبه وأنت تسمع، وكن حاضر الأحاسيس، إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]. وهم: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:63-64]. والبشرى فسرها نبي الله المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال: ( الرؤية الصالحة يراها العبد أو ترى له ). فقبل أن تموت تبشر برؤيا أو ببشرى يزفها الله تعالى إلى أوليائه عند الاحتضار، فعندما يودع أحدنا من أقاربه وأهله، وعندما يقول الطبيب: انتهى شأن أخيكم أو أبيكم فهناك تأتي البشريات مواكب من السماء، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]. فأولياء الله نحن ولا تقولوا: لا، فإذا قلتم: لا فمعناه: أنكم تسبوننا وتشتموننا وتفعلون الباطل معنا وتؤذوننا؛ لأننا لسنا بأولياء الله، بل أعداء الله، ولو عرف المؤمنون هذا لما سب مؤمن آخر، ولا مد يده إليه بأذى، ولا حاول أن يبغضه؛ لأن أولياء الله محبوبون معظمون مكرمون، أمواتاً وأحياء.

    والشاهد عندنا - كما قلت غير ما مرة-: لو كنا حقاً معترفين بأننا أولياء الله لما قدر أحدنا أن يؤذي ولي الله، والله يقول: ( من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ). والأمر واضح، فليس هناك من يسب سيدي عبد القادر أو سيدي البدوي، أو سيدي فلان وفلان من الأولياء، بل يحلفون بهم إجلالاً وإكباراً وتعظيماً، وينذرون لهم النذور، ويعكفون على قبورهم، ويتمرغون عليها، طلباً للرحمة والخير، والأولياء الأحياء يذبحون ويسبون ويشتمون، وتؤكل لحومهم ودماءهم، وهذا كلام واقع، والذي فعل بنا هذا هو الثالوث الأسود المجوس واليهود والنصارى، فقد تعاونوا علينا من القرن الرابع، فجعلونا نعبد أولياء خياليين، ونبني عليهم القباب ونعبدهم، وقد يكونون أعداء وليسوا أولياء، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم لبعض أعداء، فنسمع بفاحشة الزنا، وأن مؤمناً زنا بمؤمنة، وهذا يحدث آلاف المرات، فالمؤمن ينتهك حرمة ولي الله ويزني بامرأته أو ابنته، والسرقات بين المؤمنين والمؤمنات، فالمؤمن يسرق ولي الله ولا يخاف، ووالله لو عرف أنه ولي الله ما سرقه، وهكذا مظاهر الشر والخبث والفساد طفحت بها بلاد المؤمنين والمؤمنات؛ لأنهم ما عرفوا أنهم أولياء الله.

    وعلة هذا الجهل، فنحن ما تعلمنا، ولا جلسنا في حجور الصالحين حتى نتربى على الكتاب والحكمة، ونصبح ربانيين صالحين.

    تحذير الله تعالى لعباده المؤمنين من طاعة أهل الكتاب

    قال: [ وها هو ذا تبارك وتعالى ناداهم ] أي: نادى عباده المؤمنين تشريفاً لهم وتكريماً بعنوان الإيمان الغالي الذي لا يساوى بشيء [ ليخبرهم ] من جهة و[ محذراً لهم ] من جهة أخرى وهو يحمل التحذير [ من طاعة بعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى ] فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100]. وهذا خبر وتحذير [ فإنهم إن أطاعوهم كفروهم بردتهم عن الإسلام، فقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [آل عمران:100] أي: بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيناً ورسولاً ] ونقول: لبيك اللهم لبيك، فقد نادانا، فمر نطع، وانه ننتهي، وبشر نستبشر، وحذر نخاف ونحذر، وهذا استعداد المؤمن الحي [ إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران:100]. وهم الحاقدون على الإسلام والمسلمين، المغتاظون لظهور الإسلام وانتشار نوره في المشرق والمغرب] وهؤلاء خواص أهل الكتاب وليس العوام [ إن تطيعوهم فيما يزينون لكم ويحسنون من الباطل والكفر الخفي، وفيما يقبحون لكم من أحكام الإسلام وعباداته وآدابه وأخلاقه ] وأنا لا أقول: عوام اليهود والنصارى هم الذين يفعلون هذا؛ لأن ربي عليم حكيم، فقد قال: فَرِيقًا [آل عمران:100]. وهم الذين يحملون العداء للإسلام، وأفزعهم انتشاره، وانتشار ظله في الشرق والغرب، وبالطبع هم الذين يكونون علماء يعلمون ويربون، وهؤلاء هم الذين حذر الرحمن منهم [ بدعوى أنها منافية للديمقراطية و] منافية [ للحرية الشخصية، أو أنها تعوق عن التقدم الحضاري، أو أنها كانت فيما مضى صالحة، أما اليوم ] لا [ فنحن في عصر الذرة وغزو الفضاء ] وهذا كلامهم بالحرف الواحد، ولعل من السامعين من عرف هذا وألقي عليه [ فإنه تخلِّف أصحابها وتقعد بهم دون الحضارة والتقدم ] وهذا الكلام والله يلقونه بالحرف الواحد على تلاميذهم ومن يجلسون بين أيديهم يتثقفون ويتعلمون، وهذا كلام عجب، فقد أذابوا طاقات الإيمان، وأصبح تلامذتهم لا يتمدحون إلا بهم، ولا يتمجدون إلا بأمجادهم، ولا هم لهم إلا أن يكونوا مثلهم، وهذا واضح كالشمس في السماء، والله يعلم ذلك، فقد قال: إن تطيعوهم فعلوا بكم كذا، ونحن تتلمذنا لهم سبعين سنة، ونبعث بأبنائنا ورجالاتنا للدراسة من روسيا إلى أمريكا، ويأتون قلوبهم فارغة، وإذا كانوا في بلد قرآني كهذا رايته لا إله إلا الله فإنهم يكتمون؛ لأنهم لو ظهروا قتلوا، وفي بلادنا الأخرى التي ليس فيها قرآن ولا سنة فإنهم يعلنون عن كفرهم كما يشاءون ويتبجحون به؛ لأنهم أطاعوا اليهود والنصارى، وجلسوا بين أيديهم عشر سنين أو أكثر يتعلمون، وعندما يطيعونهم يردونهم عن الإسلام، وإن نجا بعض الأفراد هنا وهناك فبعناية الله لا أقل ولا أكثر، وإلا فالله يقول: إِنْ تُطِيعُوا [آل عمران:100]. والمتعلم يطيع المعلم ولا يرد عليه، وإلا لم يتعلم، فالمعلم يقول: الشمس واقفة والأرض تدور، فيقول المتعلم: نعم، الشمس واقفة والأرض تدور، ويكذبون الله، والله يقول: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [يس:38]. وهو يقول: لا، الشمس واقفة، والأرض هي التي تدور! طاعة لأستاذي الدكتور، فهو متخصص في علم الكونيات، فلا يُكَذَّب، وهذا هو الكفر بعينه. هذا مثال. وبمثل هذا تعطلت شرائع الله، وأبعدت أحكامها من بلاد العالم الإسلامي، وهذا ليس بأمر العوام وإذنهم، وإنما هو بأمر الخواص وإذنهم الذين علمناهم وتعلموا عن بعض أهل الكتاب [ هؤلاء وهم طائفة اليهود والنصارى ممن يدعون العلم والمعرفة، وهم يحملون العداء للإسلام وأهله، هؤلاء إن تطيعوهم فتعتقدوا صحة ما يزينون لكم، وتأخذون بما يقدمون لكم من توجيهات وإرشادات ظاهرها أنها في صالحكم، وباطنها فيه خزيكم وذلكم، هؤلاء إن تطيعوهم يردوكم بعد إيمانكم كافرين.

    إذاً: فالحذر الحذر أيها المؤمنون! وخذوا بهذه النصائح القرآنية الغالية، فإنكم تنجون من كيد أعدائكم الماكرين بكم، الطالبين بعدكم عن مصدر عزكم وقوتكم وسيادتكم وقيادتكم ].

    الكتاب والسنة يعصمان المؤمن ويمنعانه من كيد الأعداء

    قال: [ واعلموا أن في الآية الكريمة بعد هذه مباشرة أكبر حصن لكم، وأعظم سور لمناعتكم من أعدائكم الكائدين لكم من هذا الفريق ] الخاص [ الذي تقدمت صفاته، وهم أهل الحنق والتغيظ على الإسلام وأهله؛ لشعورهم أن الإسلام هو سبيل النجاة، وأن ما هم عليه من اليهودية أو النصرانية هو طريق الخسران في الدنيا والآخرة، وإنما منعهم من الإسلام حب الرئاسة، والمصالح المادية التي يعيشون عليها بين أتباعهم، والشهوات المسيطرة على نفوسهم؛ لأن الإسلام يحرم منها ويبعد من ساحتها؛ لذا هم مصرون على الكفر وتكفير المؤمنين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. ومثل هؤلاء بعض رجالات الرافضة في كونهم يبغضون أهل السنة والجماعة، ويبذلون الغالي والرخيص في صرف أهل السنة والجماعة عن سبيل النجاة إلى سبيل الهلاك بالتشيع القائم على تكفير خيرة الأصحاب أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وتحريف معاني آيات الله، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تصحيحاً لمذهبهم الباطل؛ لحمل الأجيال على اعتناقه؛ ليهلكوا معهم ويحرموا الجنة دار السلام مثلهم؛ لأن الذي يكفر مؤمناً فهو كافر، فما بالك بالذي يكفّر من رضي الله عنهم، وأنزل ذلك في كتابه في قوله: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18]. وهم ألف وأربعمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسهم العشرة المبشرون بالجنة، فكيف يرضى عنهم اليوم ويخبر برضاه عنهم ويكفرون بعد موت نبيهم؟! إن هذا اتهام لله (عز وجل) بأنه لا يعلم الغيب، وأنه كالإنسان يرضى اليوم ويغضب غداً، وهذا هو الكفر بعينيه كما يقال. فتنبه أيها المؤمن القارئ المستمع! لهذا النداء].

    قال: [أما الحصن ] أي: السور العالي الذي متى دخلناه منعنا ونجونا فقد بينه الله تعالى هنا، فإن أردنا أن نتمزق ونتلاشى ونخسر لم نبال بهذا الحصن، وجلسنا هنا نحترق، ولا نصعد هذا الحصن ونبعد؛ لأن الكسل تحكم فينا وسادنا، وهذا هو لسان الحال، وهذا الحصن إذا تحصنا به والله ما يقدر يهودي ولا نصراني ولا مجوسي ولا مشرك أبداً عن إنزالنا وإدانتنا وإذلالنا والتحكم فينا أبداً، وهذا الحصن [ المانع من الوقوع في الكفر الذي يدعو إليه الحاقدون عن الإسلام من يهود ونصارى ورافضة فهو في قوله تعالى: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101]؟ ] أي: من أين يأتيكم الكفر؟ [ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101] ] وتأملوا هذا الحصن.

    ومن يوم أن تخلينا عن كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن هابطون، ومن ثم مزقونا وشردونا وغير ذلك، حتى تركونا أذلاء ضعفاء نستجديهم ونسترحمهم، ونجري وراءهم، وهذا من يوم أن قرأنا القرآن على الموتى وما قرأناه على الأحياء، ومن يوم أن أصبحنا نقرأ السنة للبركة، والله يقول: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ [آل عمران:101] صباح مساء، وتسمعونها، وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101]، يفسر الآيات ويبين معناها، فكيف يأتي الكفر؟ وقد عرف هذا الثالوث ولم يعرفه العالم الإسلامي، وأقسم بالله لقد عرفوا أن هدايتنا وكمالنا واستقامتنا وصلاحنا ووحدتنا في تمسكنا بكتاب الله وسنة رسوله، فأبعدوا العالم الإسلامي عنهما، فمضت قرون والقرآن لا يجتمع عليه أبداً، وبالأمس قلت لكم: لم نر رجلاً قال: من فضلك يا بني! اقرأ عليّ شيئاً من القرآن، بل يعطيك ألف ريال لتقرأ على أبيه الذي مات، وأما أن يسمعه هو فلا أبداً، فقد متنا، ومن هنا أوتينا؛ لأننا رفضنا دخول هذا الحصن، وقد رفضناه لأنهم بغضوه إلينا وصرفونا عنه، ووضعوا لنا شطحات وضلالات نعيش عليها، وأبعدونا عن قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلى الآن ما زالوا ولم ينتهوا عن إبعادنا عن هذا الحصن والمخبر يا أبنائي! خالق الخلق .. رازق العقل .. واهب العقل [ ومعنى هذه الآية: أنه من العجيب أن يكفر مؤمن تتلى عليه آيات الله، وبين يديه رسوله يوجهه ويرشده، ويحميه من مضلات الفتن ].

    طلب العلم والتفقه في الدين هو طريق النجاة

    قال: [ ومعنى هذا: أن المناعة كل المناعة للمؤمن من الزيغ والكفر في العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فعلى المؤمنين أن يحيوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بأن يتعاهدوا في مدنهم وقراهم على الاجتماع كل ليلة في بيوت ربهم من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء ] وأقول: أيها المؤمنون! أيتها المؤمنات! إذا كنتم تريدون العروج إلى السماء فهذا صعب، فلا يمكنك أن تخترق السبع الطباق وأنت وحدك؛ إذ هي مسيرة سبعة آلاف وخمسمائة عام، وهذا صعب، ولكن هذا سهل على من آمن واتقى، فآمن بالله ولقائه واتق الله عز وجل ولا تعصه، وبذلك تزكو نفسك وتطيب وتطهر، وتصبح أهلاً للملكوت الأعلى؛ لأنها تتلاءم مع الطهارة وقد طهرت، وطريق الوصول إلى ذلك والحصول عليه ونحن كما ترانا بأن نقلب صفحة التاريخ، ونعرض حياة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذه المدينة، ونرى كيف ارتقوا، وكيف سموا، وكيف علو، وكيف ارتفعوا، ومن ثم نسلك سبيلهم.

    وإذا قلت: ليس عندنا ذرة ولا هيدروجين ولا مصانع حتى نرتقي فأقول: على المسلمين أن يجتمعون بنسائهم وأطفالهم كل ليلة طول عمرهم من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء في بيوت ربهم [ يتعلمون الكتاب والحكمة ] كما تعلمها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ويعملون بما يعلمون بجد وصراحة وصدق ] ويزكيهم المربي ويطهر قلوبهم بما يلقي عليهم من أنوار [ وذلك طول الحياة ] وفي طول العالم الإسلامي [ فلا يتخلف رجل ولا امرأة ولا طفل إلا معذور بمرض أو تمريض ] فالمسلمون في مدنهم وقراهم إذا فرغوا من عمل دنياهم وهو عمل لربهم وآخرتهم يجتمعون في بيت الله، وليلة آية وأخرى حديث، وهكذا طول الدهر، فأهل القرية لن تمضي عليهم سنة .. سنتان .. خمس سنوات إلا وكلهم أولياء الله، ويختفي كل منظر من مناظر الباطل والشر والخبث والفساد، ويصبحون كتلة من النور، لو رفعوا أكفهم إلى الله على أن يزيل الجبال لأزالها، وإذا سمع بهم شياطين الإنس والجن سماعاً فقط ينهارون، ولا تسأل عما يفتح الله عليهم به من القوى المادية؛ لأنهم أصبحوا حقاً أولياء الله، ولكننا قد هدمنا هذا الحصن، ورفضنا هذا السور، واطرحنا بين يدي أعداء الله، ونريد أن نبقى أطهاراً أصفياء، مؤمنين صالحين، ولن يتم هذا، والله يقول: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ [آل عمران:101]؟ وآيات الله لا تتلى على العالم الإسلامي، وهم لا يجتمعون في قريتهم .. في مدينتهم بنسائهم ورجالهم .. بعظمائهم وأراذلهم مثلي كل ليلة يتلقون الكتاب والحكمة، وهذا لم يقع، بل يجتمعون في المقاهي .. في الملاهي .. في الملاعب .. في مجالس الباطل والتهكم والسخرية، ولو كنا أحياء واضطررنا إلى أن نبعث أولادنا يتعلمون في روسيا أو في الصين أو في أمريكا أو أوروبا فنحصي عدد الطلاب، فإذا كانوا مثلاً ألفاً، مائة في الكهرباء، ومائة في الفيزياء، وهكذا، فنبعث معهم من يقرأ كتاب الله عليهم، ويبين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، ويجتمعون في منزلهم الخاص، فيخرجون إلى المدارس والكليات ويعودون إليه، وثم تقام الصلاة بهم، ويؤذن مؤذنهم، وثم يسمعون كلام الله وكلام رسوله. وإن لم يحولوا أولئك الذين يخالطونهم إلى مسلمين فعلى الأقل يعودون أصفياء ربانيين، لا ظلم في نفوسهم ولا خبث، ونحن نبعثهم كالغنم، يسرحون ويعودون، ولا تقولوا: يا شيخ! لا تكثر من هذا الكلام، فليس هناك فائدة، بل قولوا: قل يا لسان الحال! لعل المسلمين يفيقون بعد، فهم ما زالوا في سكرتهم، ولا يمكننا أن نعرج إلى السماء إذا كنا لا نستطيع أن نضحي بأدنى شيء. وما زلت أصر حتى الموت أنه لا سبيل إلى إنقاذ المسلمين ونجاتهم في مدنهم وقراهم في شرق الأرض وغربها إلا أن ينهجوا نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينظرون كيف رفع الله تلك الأمة، ونحن نسمع برفعتها، ووالله ما وجد على سطح الأرض أمة أقدس ولا أطهر ولا أصفى ولا أعدل ولا أرحم ولا أكمل من تلك الزمرة في القرون الثلاثة، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأولادهم وأحفادهم، ولم تعرف الدنيا مثلهم، والبرهان على ذلك قلناه ألف مرة: ففي خمسة وعشرين سنة فقط وصلوا بالإسلام إلى ما وراء نهر السند، ووصلوا به إلى الأندلس، وبعد هذا لا يطالب بالدليل، ولولا تلك الزمرة الطاهرة التي رفعت قيمة البشرية والله ما رأيتم كهرباء، ولا جلستم تحتها، فهم الذين أناروا البلاد في الشرق والغرب.

    [ وأما المسافر فإنه يأتي مسجد أهل البلد الذي سافر إليه، ويشهد معهم الصلاتين، ويسمع معهم الكتاب والحكمة، ويعمل بهما ويعلّمهما، وبذلك يعظم ] شأنه [ ويفوز.

    وأخيراً يخبر تعالى عباده المؤمنين مبشراً لهم بأن من يعتصم بالله أي: بكتابه وسنة رسوله ] صلى الله عليه وسلم [ فقد هدي إلى صراط مستقيم ] وهو صراط السلامة والنجاة [ فلا يضل ولا يشقى ].

    معاشر المستمعين! هذا النداء الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [آل عمران:100] قد حصل في العيان، وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ [آل عمران:101] ويا للعجب! وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ [آل عمران:101]. فالحصن أن نستمر على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نقرأ كتاب الله ويقرأ علينا، والرسول لا يفارقنا دينه وتعاليمه وهداه، وحكمته على نورها وعلى ضوءها نعيش، وحينئذٍ لن يستطيع أحد أن يزلزل أقدامنا، فضلاً على أن يضلنا ويدخلنا في بؤرة الكفر والشرك والعياذ بالله [ وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين ].

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.