إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 92للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أثناء مسير النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم إلى مكة فاتحاً لها حصلت له مواقف وأحداث، كان فيها من المصالح المتحققة للمسلمين الشيء الكثير، ومن ذلك أنه لقي عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس، كما لقيه مهاجراً العباس بن عبد المطلب، وكان صائماً أثناء مسيره، فنزل بنيق العقاب ولقيه هناك أبو سفيان وعبد الله بن أبي أمية، وأخذ العباس أبا سفيان معه وأدخله إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم.

    1.   

    مسيره صلى الله عليه وسلم لفتح مكة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    ها نحن مع فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة، ومع غزوة الفتح المباركة؛ إذ كانت مكة تحت سلطة الكفر والشرك والمشركين، وتقدم لنا معرفة أسباب هذه الغزوة، وكذلك شاهدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجهز ويعد لفتح مكة، والآن معه في المسير إلى مكة.

    معشر المستمعين! أذكركم بأن من صحت نيته وجلس ليتعلم الهدى فليبشر بأن الملائكة تصلي عليه وتستغفر له، وأن له أجراً مثل أجر المجاهد، وأذكركم بقوله صلى الله عليه وسلم: ( من أتى هذا المسجد لا يأتيه إلا لخير يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله )، وقد خرّج هذا المسجد آلاف الأصحاب، الواحد منهم يزن ما على دنيانا اليوم من الرجال والنساء، تخرّج رجال من ذوي البصيرة والنهى والعلم والمعرفة والسياسة، لا تحلم الدنيا بمثلهم، والله ما تعلموا إلا كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.

    قال: [المسير إلى مكة:

    واستخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة] ومعنى استخلف عليها: وضع رجلاً يخلفه في إدارة الحكم في هذه المدينة، عاصمة الإسلام الأولى [أبا رهم كلثوم بن حصن الغفاري ] من قبيلة بني غفار، وهي قبيلة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه [وخرج في عشرة آلاف مقاتل، وذلك لعشر مضين من رمضان] أي: في يوم الحادي عشر خرج برجاله ومضى وهم صائمون؛ لأن الصيام فرض في السنة الثانية من الهجرة، ونحن الآن في السنة الثامنة، فخرجوا صائمين -وهم عشرة آلاف رضوان الله تعالى عليهم أجمعين- إمامهم وقائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ويكفيكم يا إخواني! أن تحبوهم وتحبوا نبيهم، فما نحن بأهل لأن نوازيهم أو نماثلهم، ولكن يكفينا أن نحبهم حب الصدق، ( والمرء مع من أحب )، وهذه الكلمة قالها أستاذ الحكمة ومعلمها، رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل يتطرق إليها نقض أو فساد؟ والله ما كان، ووالله لو نحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما هي إلا أربعين يوماً ونحن في زيهم، في أفكارنا وصلاتنا وعباداتنا وكل حالنا..؛ لأن من أحب شيئاً جعلته المحبة يقتدي به، ويتصوره، ويتمثله.

    ومن أحب فاسقاً أو ماجناً أو ساحراً أو دجالاً حباً صادقاً فلن يلبث إلا أن يكون مثله، يتعاطى ما يتعطاه، فهذه سنة الله في خلقه: ( المرء مع من أحب ) و( من تشبه بقوم فهو منهم )، كيف يا رسول الله؟! بمجرد التشبه يكون منهم؟! إي نعم؛ لأنه أراد وتكلف أن يكون مثلهم في المنطق والذوق والطعام والاكتساب والحياة، فما هي إلا فترة وهو مثلهم. وهذا واضح مشاهد!

    قال: [وأثناء مسيره] والمسير من المدينة إلى مكة عشرة أيام، يمشون على أرجلهم أو على الإبل والخيول [أدركه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس ] وهاتان الشخصيتان أذاقتا رسول الله صلى الله عليه وسلم المرارة لقساوتهما وشدتهما، ولكن كما قال صلى الله عليه وسلم ولعلكم تذكرون ( رحم الله أخي موسى أوذي بأكثر من هذا فصبر )، فهيا نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي تلقى معارفه من الله على ثلاث وعشرين سنة حتى أصبح أكمل الخلق على الإطلاق، ونحن ما تلقينا من هذه المعارف ولا عشرة أيام في العام، فكيف نكمل ونسعد؟ لقد هجرنا بيوت الله وكتاب الله وسنة رسول الله، واشتغلنا بالأباطيل والتراهات واللهو واللعب! فوا حسرتاه!

    قال: [كما لقيه العباس بن عبد المطلب بذي الحليفة مهاجراً] والعباس هو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخرت هجرته إلى السنة الثامنة، بينما أسلم وكان يخفي إسلامه؛ لشخصيته البارزة في مكة، وما استطاع أن يهاجر حتى يسر الله فجاء مهاجراً بأهله، فشاء الله أن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة -على ثلاثة عشر كيلو متر من المدينة- أيفرح الرسول بهذا أو لا؟ وكيف لا فهذا عمه!

    قال: [فأمره أن يرسل رحله إلى المدينة ويعود معه] قال له: أرسل بأهلك ومالك وما عندك إلى المدينة وامش معنا لغزو المشركين وفتح مكة [ففعل] ولم يتردد [وقال له] كلمة يطيّب بها خاطره ويطمئن بها نفسه -أي: تاج يساويها يوضع على الرءوس!- فهنيئاً لك يا عباس [(أنت آخر المهاجرين وأنا آخر الأنبياء)] يعني: لا تحزن يا عباس ولا تكرب أبداً، فأنا آخر الأنبياء وما تأسفت، وأنت آخر المهاجرين فلا تأسف؛ لأنه عرف أنه متألم في نفسه، فقد تأخر عن الهجرة، وتقدم رجال قبله بالمئات، فطيب نفسه وطمأنها، وأعده لأن يحمد الله ويشكره.

    لقيا أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بالنبي صلى الله عليه وسلم

    قال: [وصام صلى الله عليه وسلم وصام أصحابه حتى بلغ ما بين عسفان وأمج فأفطروا] مكان بين مكة والمدينة عند عسفان قريب من أمج. ولا شك أنهم قضوا على الأقل خمسة أيام في الطريق وهم صائمون [ولقيه في الطريق وهو نازل بنبق العقاب] مكان آخر [أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ] ابن عمه [و عبد الله بن أبي أمية ، فالتمسا الدخول عليه صلى الله عليه وسلم] في خيمته؛ لأنهم لا يظلون سائرين بل يبيتون في الطريق، فلابد وأن ينزلوا ويخيموا، وخاصة في الليل.

    قال: [فكلمته أم سلمة في شأنهما] وأم سلمة أمنا رضي الله تعالى عنها وأرضاها، إحدى زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قضت سنة كاملة تبكي طول النهار بالأبطح وتعود في الليل إلى بيتها، بعد أن منعها المشركون من الالتحاق بزوجها في المدينة وأخذوا منها ابنها، وعندما مات زوجها أبو سلمة رضي الله عنه علمها رسول الله أن تقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها )، فقالت: ومن يكون خيراً من أبي سلمة؟ فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفت أن من صدق في هذه الجملة وقال عند المصيبة: (إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها ) عوضه الله خيراً منها، وأصبحت أم سلمة أماً لملايين البشر.

    قال: [(لا حاجة لي بهما)] أي: ما أنا في حاجة إليهما [(أما ابن عمي فقد هتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال بمكة ما قال )] من الكلام الباطل، وكان هو الذي قال: لن نؤمن لك حتى ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه [فلما سمعا ذلك -وكان مع أبي سفيان ولد له صغير يقال له: جعفر - قال أبو سفيان : والله ليأذنن لي أو لآخذن بيدي ابني هذا، ثم لنذهب في الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً] ووالله إنه لصادق! فقد عرف أنه إذا غضب الرسول عنه فمن يرضى، وكيف يسعد؟!

    قال: [فرقّ لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم] أي: لان، كما يرق الشيء القاسي الصلب المتين [فأدخلهما إليه فأسلما] قلوبهما ووجوههما لله [وأنشد أبو سفيان في إسلامه واعتذاره قوله] وهي أبيات كثيرة ذكرنا منها ثلاثة أبيات فقط.

    [لعمرك إني يوم أحمل راية لتغلب خيل اللات خيل محمد] هذا أيام الكفر.

    [لكالمدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني حين أُهدي فأهتدي

    وهادٍ هداني غير نفسٍ ودلـني على الله من طرّدته كل مطرد].

    1.   

    نزول النبي بمر الظهران في طريقه إلى مكة

    قال: [بمر الظهران] ومر الظهران مكان قريب من مكة على كذا ميل منها. فهيا ننزل مع الحبيب صلى الله عليه وسلم هناك.

    [ونزل الحبيب الأحب والقائد الأعظم بمر الظهران غير بعيد من مكة] وهل هناك أحب من رسول الله إلينا؟! هل هناك قائد على وجه الأرض استطاع أن يقود الجهاد عشر سنين لا يخطئ خطأً؟ إنه القائد الأعظم صلوا عليه وسلموا تسليماً [ونزل معه جيشه المظفر المقدر بعشرة آلاف مقاتل] والمظفر: الفائز [جلهم] أكثرهم [من المهاجرين والأنصار، وباقيهم من جهينة وغفار ومزينة وسليم وتميم وأسد وقيس] من هؤلاء منهم مائة ومن هؤلاء مائتين وهكذا .. لكن أكثر العشرة آلاف من المهاجرين والأنصار.

    قال: [ونظر العباس ] والعباس معناه الأسد، إذا ضرى وعبّس يهزمك بالنظرة فقط [إلى قوة الجيش] جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم [وقال: يا هلاك قريش!] يعني: عشرة آلاف مقاتل مدججين بالسلاح سيطحنون قريشاً طحناً، ولو كانوا من أمثالنا وتمكنوا لا شك أنهم سيذبحونهم، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قال: ( اذهبوا فأنتم الطلقاء )، هل من قائد يقول هذا الكلام؟! هل من إنسان يعرف هذا الجمال؟! بعد أن عذبوه ونكلوا به، وشردوه، وشنوا عليه الحروب، وجمعوا عليه الجموع، لما تمكن من رقابهم وقد طأطئوا رءوسهم حول الكعبة، قال: ( يا معشر قريش! ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء! ).

    أين الديمقراطيون؟! أين العلمانيون؟! أين أصحاب البصيرة والمعرفة والبشرية الهابطة؟! لم لا يقتدون بمحمد صلى الله عليه وسلم؟ الشيطان منعهم من الإيمان به، فكيف بالاقتداء والاتباع؟! مع أن الله قال -وضعته لكم مثالاً حياً طول حياتكم تقتدون به-: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب:21]، اعرف الرسول وحاول أن تكون مثله في نظرك، ومنطقك، وصوتك، وحركاتك، وسكناتك وبيعك، وشرائك، واستئجارك ..

    من منعنا من التعايش معه؟ لو كان الرسول حياً في المدينة، أكان لأهل الشام والعراق وباكستان وغرب أوروبا وأفريقيا أن يشاهدوا الرسول؟ مستحيل هذا، إذاً: كيف تصلهم نعوته وصفاته وتعاليمه وآدابه وأخلاقه فيتحلون بها، كأنهم يشاهدونه؟ حرمونا من هذا كله! وما عرفنا من محمد رسول الله إلا قصائد المولد لمن يحضرها فقط.

    قال: [والله إن باغتها الرسول صلى الله عليه وسلم في بلادها فدخلها عنوة، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر]، وهذا حسب ظن العباس وتقديره، قال: والله إن باغتها فجأة بدون أن تحمل السلاح أو تستقبله، ودخلها عنوة -أي بقوة- فهو هلاك قريش إلى آخر الدهر [ثم جلس على بغلة الحبيب صلى الله عليه وسلم] وهنيئاً لك يا عباس ! جلس على بغلة الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول كان له بغلة -ولا يعرف هذا من كل مليون مسلم إلا من رحم الله- تسمى الدلدل -والحيوانات يسمونها الناس إلى اليوم لتتميز- كان أهداه إياها المقوقس ملك الأقباط في مصر، مع جارية اسمها مارية القبطية وهي أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مات وهو يرضع قبل الفطام، وكل من كانت امرأة للرسول صلى الله عليه وسلم فهي أم المؤمنين، وإن كان النبي لم يتزوج مارية ولكنه تسراها، فلا يتزوج بها أحد.

    وقد ذكرنا آلاف المرات -والحمد لله- أن العرب ما كانوا يعرفون البغال في ديارهم لا في الحجاز ولا في نجد ولا في اليمن؛ لأنهم لا تطيب نفوسهم أبداً أن ينزوا الحمار على الفرس، والبغل متولد من حمار وفرس، فلهذا أول بغلة دخلت الحجاز كانت الدلدل.

    وأزيدكم أخرى: كان عبد الملك بن مروان على منبر مسجد دمشق يخطب بالناس يوم الجمعة، فقال: والله لولا أن الله تعالى أخبرنا عن قوم لوط عليه السلام ما كان يخطر ببال أحدنا أن الذكر ينزو على الذكر، وأول حادثة من هذا النوع احتار فيها الأصحاب، وأفتاهم علي في خلافة عمر بعد أن حدث هذا في البحرين من أعجميين، بأن يلقوهم من أعلى جبل ثم يتبعونهم بالحجارة حتى يموتوا، كما فعل الله بقوم لوط، والآن هناك أندية للواط في أوروبا! أي هبوط أعظم من هذا؟! أي خبث أو شر أعظم من هذا؟! ورغم ذلك ما زلنا نتمدح بديمقراطيتهم وعلومهم ومعارفهم، وهم شر الخليقة!

    قال: [وقال: أخرج لعلي أرى حطاباً أو رجلاً يدخل مكة لحاجة] كان العباس رحيماً؛ لما شاهد قوة الجيش الإسلامي قال: يا هلاك قريش! ثم قال: سأخرج وأبحث بعيداً عن المعسكر لعلي أجد حطاباً يدخل مكة في حاجة فيخبرهم حتى يهربوا أو يدخلوا بيوتهم؛ لأنه تصور أن هذا الجيش العرمرم سيبيدهم، فماذا يفعل؟ غلبته العاطفة والرحمة الإيمانية، فتمنى لو أنه يجد رجلاً يخبره الخبر وأن رسول الله مداهمهم، فيخرجوا معلنين عن إسلامهم واستقبالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يهلكوا [فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم] من حيث القوة والمنزل [فيأتوه ويستأمنوه] يأتون إلى رسول الله رجالهم وعظماؤهم ويطلبوا الأمان منه صلى الله عليه وسلم.

    إسلام أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعي

    قال: [وخرج يطوف في الأراك] أي: في شجر الأراك [وإذا به يسمع صوت أبي سفيان ] زعيم مكة وحاكمها [و حكيم بن حزام وبديل بن الورقاء الخزاعي خرجوا يتحسسون الأخبار ويرقبون الأمور] لعلمهم بأن الرسول قد جهز جيشه وخرج، وأنه على مقربة من مكة.

    قال: [ورأوا نيران المعسكر تشتعل ليلاً تضيء الساحة كلها وهي آلاف النيران] عشرة آلاف مقاتل كل مجموعة منهم تعمل لها ناراً تطبخ عليها وتستدفئ بها [فقال أبو سفيان : ما رأيت نيراناً أكثر من هذه، فقال بديل : هذه نيران خزاعة] وخزاعة محالفة للرسول صلى الله عليه وسلم [فقال أبو سفيان: خزاعة أذل من ذلك أو أقل] هو ظن أن هذه النيران نيران خزاعة قبيلته، فقال له أبو سفيان: أنت واهم، فخزاعة أذل وأقل من هذا العدد.

    [فقال العباس : يا أبا حنظلة -كنية أبي سفيان - فقال أبو الفضل ؟] يستفهمه [قلت: نعم، قال: لبيك فداك أبي وأمي ما وراءك؟] وكان العباس يطوف على البغلة يتحسس فشاهد أبا سفيان فقال له: أطلعنا وأخبرنا عما وراءك [قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين أتوكم في عشرة آلاف] مقاتل [قال: ما تأمرني؟] أي: ماذا أفعل؟ [قلت: تركب معي] البغلة [فأستأمن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم] يعني: اركب معي وأنا أطلب لك الأمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم [فوالله لئن ظفر بك ليضربن عنقك] يعني: لو تمكن منك الرسول وأنت غير مؤمّن يضرب عنقك.

    [قال العباس : فركب معي] على بغلة الحبيب صلى الله عليه وسلم [فخرجت أركض به نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة رسول الله] في مخيمه [فكلما مررت بنار] من نيران المسلمين [يقولون: عم رسول الله على بغلة رسول الله] لفرحهم؛ فـالعباس على بغلة رسول الله يخترق تلك النيران، وكلما رآه جماعة قالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله!

    قال: [حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب ] يا ويحكم! [فقال: أبو سفيان -أي هذا أبو سفيان- الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد] يعني: الحمد لله الذي مكننا منك بغير عقد ولا عهد، والآن نقطع رأسك [ثم اشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم] يركض [وركضت البغلة فسبقت عمر ] وعمر لا يستطيع أن يضرب أو يقتل إلا بعد إذن القائد صلى الله عليه وسلم، فماذا يصنع؟ بعدما هدده جرى إلى المخيم النبوي، والعباس كان ذكياً، فأجرى البغلة -أيضاً- هو، فوصل إلى الخيمة النبوية قبل عمر .

    قال: [ودخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقال: دعني أضرب عنقه] هذا أبو سفيان الذي جاء بثلاثة الآلاف يوم أحد وهاجم المدينة، وكذلك في غزوة الخندق [فقلت: يا رسول الله! إني قد أجرته] والقائل هو العباس .

    ولا ننس: ( أجرنا من أجرت يا أم هانئ )، وكان من شر الخلق حكم الرسول بإعدامه ولو تعلق بأستار الكعبة، فهرب إلى أم هانئ بنت عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجارته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أجرنا من أجرت يا أم هانئ )، وأطلقه.

    أين هذه الأخلاق؟ أين هذه الآداب؟ أين هذه الكمالات؟! ما شممنا ريحها، ولا عرفنا منها شيئاً؛ لأننا هجرناها من ألف سنة، ونحن بعداء عنها، فكيف نعرفها؟ مؤمنة أجارت مجرماً فأعطاها الرسول ذلك، وقال: اخرج واذهب، لا تُقتل ولا تُسب ولا تُشتم، ويسمونه اليوم باللجوء السياسي؛ سياسة الجهال والظلمة! فهم لا يعرفون الله ولا رسوله فكيف يسوسون أو يعرفون؟

    وأعود إليها: فقد قرأنا اليوم في الصحف -وما قرأناها إلا لأننا في الطائرة- أن هناك من عازم على أن يطبق مبدأ إبادة البشر بالقنبلة الذرية، وكنا نقول من سنين: أيها الناس احذروا غضب الله! فما أوجد الله هذه القنبلة التي بواحدة منها تدمر عاصمة كاملة -كما حصل في اليابان- إلا لحكمة، وما وجدت عبثاً -والله- أبداً، وقد اصطلحت القوتان وانهزمت روسيا، وقلنا: إن شاء الله انتهينا من هذا، ولكن تجددت المخاوف، وبدأت تلوح في الآفاق من جديد، فهناك جماعات تريد أن تنتقم من البشرية، والله هو الذي يسخرهم، لقد عم الدنيا الخبث، وأصيبت بالظلام؛ ظلام الظلم والشر والفساد، وأصبحت شراً من البهائم، إذاً: لابد وأن تمضي سنة الله فينا إلا من رحم الله.

    قال: [ثم أخذت برأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت: لا يناجيه اليوم أحد دوني] يعني: يتكلم معه سراً [فلما أكثر عمر فيه] من الكلام [قلت: مهلاً يا عمر ! فوالله ما تصنع هذا إلا أنه من بني عبد مناف، ولو كان من بني عدي] أي: من قبيلتك [ما قلت هذه المقالة] وهذا موقف صعب! [فقال: مهلاً يا عباس ! فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم] لا إله إلا الله! نور مع نور [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( اذهب فقد أمناه حتى تغدو علي به الغداة )] يعني: أمناه فلا يمسه سوء حتى يأتي الغد -إن شاء الله ونصدر- حكمنا.

    قال: [فرجعت به إلى منزلي وغدوت به على رسول الله صلى الله عليه وسلم غداً، فلما رآه قال: ( ويحك أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله، قال: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً )] هل أغنت عنه اللات أو العزى أو مناة أو هبل؟! وهل أغنت الشيوعية والاشتراكية والعلمانية عن أصحابها شيئاً؟ والله لم تغن، وانتظروا، ومن عاش يرى!

    [( فقال: ويحك ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله، فقال: بأبي أنت وأمي، أما هذه ففي النفس منها شيء )] ما هي كالأولى، الأولى عرف أنه لا إله إلا الله، أما هذه ففي النفس منها شيء [قال العباس : فقلت له: ويحك تشهد بشهادة الحق قبل أن تضرب عنقك] أي: اشهد بشهادة الحق قبل أن تقتل [فتشهد وأسلم معه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعي ].

    ونترك القضية إلى جلسة أخرى إن شاء الله.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ..