إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 86للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أهم أحداث السنة السابعة عمرة القضاء، حيث كانت قضاءً لعمرة أرادها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في السنة السادسة ولم تتم، فعادوا جميعاً إلى المدينة بعد أن تحللوا بذبح ما عندهم، وحلقوا وقصروا، وفي عمرة القضاء ظن المشركون أن المسلمين في شدة، فأرادوا النيل منهم، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالاضطباع والرمل؛ ليظهروا للمشركين شدتهم وقوتهم، وبعد التحلل من العمرة بنى النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث، وكانت آخر أمهات المؤمنين.

    1.   

    عمرة القضاء

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    ها نحن في أحداث السنة السابعة من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، قال المؤلف رحمه الله وإياكم:

    [ورابع أحداثها] أي: أحداث هذه السنة السابعة [عمرة القضاء] أي: العمرة التي قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حيث خرجوا في السنة السادسة يريدون العمرة، وكانوا ألفاً وأربعمائة رجل، فعلمت قريش بخروجهم فتسلحت وجمعت رجالها، وخرجت تستقبل رسول الله والمؤمنين؛ لقتلهم وردهم عن الاعتمار، ودبّر الله العليم الحكيم أمراً فتم صلح يسمى بصلح الحديبية، والحديبية: مكان يبعد عن مكة قرابة عشرين كيلو متر.

    ومن بنود هذا الصلح أن يعود الرسول ورجاله ذلك العام فلا يعتمرون، ويأتون للعمرة في العام القادم، على أن تخلو لهم مكة ثلاثة أيام يعتمرون ثم يعودون إلى المدينة.

    إذاً: مضت السنة، وجاءت السنة التي تليها، ولهذا سميت: عمرة القضاء.

    قال: [إنه بموجب صلح الحديبية الذي تم في السنة الفارطة] الماضية [خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه رضوان الله عليهم بعد أن استعمل والياً على المدينة عويف بن الأضبط الدؤلي ] من بني دؤل، استعمله على المدينة والياً عاماً يحكم البلاد حتى يعود صلى الله عليه وسلم [وكان عدد المسلمين ألفين ما عدا النساء والصبيان] الرجال كان عددهم ألفين كلهم يريد العمرة [ومن بين أفراد هذا العدد من صُد عن العمرة في السنة الماضية] من بين الألفين رجال كثيرون ممن أحرموا في السنة الماضية وتحللوا بعد أن نحروا وذبحوا؛ لمنع قريش الكافرة دخولهم إلى مكة.

    قال: [وذلك في شهر ذي القعدة من سنة سبع] وذو القعدة من الأشهر الحرم، وهو ما بين شوال والحجة، والأشهر الحرم أربعة أشهر؛ ثلاثة مجتمعة وواحد فرد: القعدة والحجة والمحرم، ثلاثة أشهر مجتمعة، ورجب وهو ما بين شعبان وجمادى فرد، وقد ذكر تعالى هذه الأشهر في كتابه فقال: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36].

    وهل للشهر الحرام ميزة؟ إي نعم، فالعمل الصالح فيه أكثر أجراً ومثوبة من غيره، وإذا لم يقاتلنا العدو لم نقاتله فيه، تعظيماً لما عظم الله.

    قال: [بناء على بنود الاتفاقية القاضية بأن يرجع صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الحديبية فلا يدخلون مكة ولا يعتمرون على أن يعودوا في السنة القابلة فتخلى لهم مكة ثلاثة أيام يعتمرون ثم يعودون لا يمسهم سوء، وتسمى هذه العمرة عمرة القضاء أو القضية أو عمرة الصلح أيضاً] قل فيها: عمرة الصلح، أو عمرة القضية التي تمت، أو عمرة القضاء.

    [ولما قارب الرسول صلى الله عليه وسلم دخول مكة] وكانوا ألفي رجل -كما علمتم- زيادة على النساء والصبيان [أخلت قريش له مكة] فدخل الرجال والنساء والأطفال، وبعضهم نزل برءوس الجبال، وحسب الاتفاقية في السنة الماضية أن تخلى له مكة حتى لا يصطدم رجاله بأحد من رجال مكة [فلزموا بيوتهم وأنديتهم] لا أسواق ولا غيرها [ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم راكباً على ناقته وخطامها بيد عبد الله بن رواحة ] زمام الناقة أو خطامها بيد عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه وأرضاه [وهو ينشد ويقول] ماذا يقول؟

    [خلوا بني الكفار عن سبيلـه خلوا فكل الخير في رسوله

    يا رب إني مؤمن بقيله أعرف حق الله في قبوله] نشيد لذيذ! كان يقود الناقة وينشد هذه الأناشيد العذبة، وعبد الله بن رواحة هو شهيد مؤتة رضي الله عنه.

    قال: [وتحدث المشركون فيما بينهم وقالوا:] وهم في أنديتهم ومنازلهم [إن محمداً وأصحابه في عسرة جهد وشدة، وزين لهم الشيطان ذلك في نفوسهم حتى هموا بالانقضاض عليهم] وهم في أنديتهم وسوس لهم الشيطان وأملى عليهم أن محمداً ورجاله في عسر وشدة وضيق، وبالإمكان أن ينقضوا عليه وتنتهي المشكلة نهائياً، وإلى الآن يوسوس أيضاً لأوليائه؛ ليحركهم على أعدائه، وما مات أبو مرة ولن يموت حتى تطلع الشمس من مغربها.

    قال: [وعلم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم] بالوحي الإلهي، فهم يوسوس لهم الشيطان، والرسول يُعلمه المَلك [فلما دخل صلى الله عليه وسلم] المسجد الحرام [اضطبع واضطبع أصحابه] ويصلح أن يكون دخل مكة أو دخل المسجد الحرام، ونحن نضطبع عندما ندخل المسجد أو نقاربه، والذين يضطبعون من المدينة أو جدة ليس بسنة ولا أجر فيه، وإنما الاضطباع يكون عندما تريد أن تدخل المسجد الحرام.

    والاضطباع: افتعال من اضطبع يضطبع اضطباعاً، إذا رفع الرداء فوضعه على ضبعه، والضبع غير الضبوع، فالضبوع حيوان من حيوانات البر، لكن الضبع: العضل ما بين العنق إلى الذراع، فيكشف عن ذراعه؛ ليقوى على الأخذ والبطش والدفع إذا كانت حرب، بخلاف إذا كان مقيداً بالإحرام فإنه يكون كأنه مكتف بكتاف، لا يستطيع فعل شيء.

    قال: [وقال: لهم] هيا نحفظ هذه الكلمة المحمدية [( رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوة )] هذه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنيئاً لمن فاز بها، ليرهب هذا العدو ويفزعه؛ حتى يكف عن التخمين والتفكير في الانقضاض والقتال [ثم استلموا الركن] والاستلام معروف، فإن أمكن أن تضع شفتيك فوق الحجر الأسود فافعل، وإن لم تتمكن للزحام ضع يدك عليه ثم ضعها على فمك، والحجر الأسود من الجنة، وهو يمين الله في الأرض، من استلمه ووضع يده عليه كأنما وضع يده على يد الرحمن عز وجل، فليف بالعهد، ولا يخلف، ولا ينقض، ولا ينكث.

    قال: [وهرولوا في الطواف ثلاثة أشواط] والهرولة: مشية يمشيها العسكر في الصباح للتدريب، وهي بين الجري والمشي [فرأت قريش بأم عينيها مظاهر القوة، فذهب وسواسها من نفسها] وما كانوا يعرفون هذا، فذهب وسواسها وقالوا: لن تستطيعوا أن تنقضوا عليهم وتضربوهم، فهم أقوياء قادرون.

    [وبقي الاضطباع والهرولة سنة] من سنن الحج والعمرة [ترمز إلى ما ينبغي أن يكون عليه المسلمون دائماً وأبداً وهو القوة؛ لإحقاق الحق وإبطال الباطل] بقي أن الاضطباع والهرولة ترمز إلى أن المسلمين يجب أن يكونوا في كل أزمنتهم وعصورهم وبلادهم أقوياء؛ ليرهبوا العدو الكافر المشرك، فخلدت هذه السنة، ولكن لم ينتفع بها المسلمون.

    1.   

    زواج الحبيب صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث في سرف

    قال: [زواج الحبيب صلى الله عليه وسلم] تذكرون أن من موانع الإحرام عقد النكاح والدخول على العروس، فالمحرم لا يعقد نكاحاً بل ولا يشهده، ولا يبني بامرأته وهو محرم، والآن زواج الحبيب صلى الله عليه وسلم، ماذا نعرف عن زواجه فداه أبي وأمي والعالم أجمع.

    قال: [وأثناء إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة] أقام ثلاثة أيام حسب الاتفاقية العسكرية [تزوج ميمونة بنت الحارث أخت أم الفضل التي تحت العباس رضي الله عنه] ميمونة -أمنا- هي إحدى زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس، وهي خالة عبد الله بن عباس .

    ولعلكم تذكرون الليلة التي قال فيها عبد الله بن عباس -وهو غلام لم يناهز البلوغ-: لأرمقن الليلة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تلك ليلة خالته؛ لأن الحبيب صلى الله عليه وسلم كان يقسم ويعدل بين نسائه، فيبيت في كل ليلة عند امرأة منهن، قال: فجئت فتوسدت عرض الوسادة، يعني: الطول للرسول وزوجه، والعرض وضع عليه رأسه ونام وهو يرمق، قال: حتى إذا كان نصف الليل الآخر قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شن معلق، والشن من لم يعرفه يسأل عجائز أهل القرية ممن هم في الثمانين أو التسعين سنة، وأنتم الآن تفجرون المياه في الجدران كالجنة؛ لأننا نقرب من الجنة خطوة بخطوة -والله العظيم- ولا تشكّوا في هذا، فالجنة عيون تفجر تفجيراً، والآن يُفجر في الطابق السابع أو الثامن الماء من بين الجدران، فمظاهر الجنة تقرب شيئاً فشيئاً.

    قال: فقمت فتوضأت أنا أيضاً، وقام الحبيب صلى الله عليه وسلم يصلي، وهذا هو التهجد أو قيام الليل، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا [المزمل:1-3] وليس هناك ساعة للضبط، ولكن بالثلث أو النصف أو أقل أَوْ زِدْ عَلَيْهِ [المزمل:4] أيضاً.

    قال: فتوضأت وقمت على جنبه الأيسر أصلي في الظلام، فشعر بي -والبيت ليس فيه مصباح- فأخذ بيدي وجعلني عن يمينه، وهذه هي السُنة، فإذا صليت وهناك واحد فقط يصلي معك اجعله عن يمينك مساوياً لك وصلّ به، فإن كانوا اثنين فأكثر كانوا وراءك، فإن كانت امرأة -فقط- كأمك أو زوجتك جعلتها وراءك، وأنت أمامها.

    ثم قال: وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ ويصلي ويفتل أذني -يؤانسه في الظلام- قال: فصلى عشر ركعات ثم أوتر ثم نام، بقيت سنة خالدة إلى يوم القيامة، وهذا هو قيام الليل.

    وهنا قد تقولون -كما يقول أهل الغفلة-: لم يصلون بنا في الحرمين ثلاثاً وعشرين ركعة؟ وإياك أن تقول هذه الكلمة، وقد قالها أبناؤكم وإخوانكم.

    والجواب -احفظ وبلغ!-: يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم في بيان رسمي: ( صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح فليصلي ركعة توتر له ما قد صلى ) هذا بيان عام، ومن الناس من يصلي مائة ركعة ليس ثلاثاً وعشرين فقط، وصلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خاف أحدكم أن يطلع الفجر ماذا يصنع؟ يصلي ركعة توتر له ما قد صلى، فإن صلى مائة أصبحت مائة وواحدة.

    ولو كان هناك عدد معين أيسكت عنه الرسول ويجحده؟ أعوذ بالله! وهو يعلم أن نساء المؤمنات يقمن الليل ورجال المؤمنين يقومونه، قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ [المزمل:20] لم لا يبين لهم لو كان لابد من ثمان؟!

    وشيء آخر: هل كان يصلي النبي ثمان ركعات أو ثلاث عشرة ركعة في ساعة واحدة كما نصلي نحن؟ لقد كان يصلي صلى الله عليه وسلم نصف الليل أو ثلثي الليل، أو على الأقل ثلث الليل في ثماني ركعات، يقرأ في الركعة الواحدة كالبقرة أو آل عمران، وبعض الأحداث (الصغار) يظنون أنهم بلغوا القمة في العلم، فأنكروا ذلك، وأخذوا يخرجون من المسجد جماعات جماعات قائلين: هذه بدعة!! والحبيب صلى الله عليه وسلم يقول: ( صلاة الليل مثنى مثنى ) أي: اثنتين اثنتين ثم سلّم وبعد المائة أو المائتين -أنت وما أطقت- إذا خفت أن يطلع الفجر صلّ ركعة توتر لك ما قد صليت، مهما كان عدد تلك الركعات، ( فإن الله تعالى وتر يحب الوتر )، وقال تعالى: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:1-3].

    وإذا أكلت -كذلك- تمراً كل سبعاً أو تسعاً أو إحدى وعشرين، وفي شرب الماء أوتر فاشرب جرعة ثم أخرى ثم أخرى: ثلاث مرات، ومن استطاع أن يوتر في كل شيء فليوتر لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الله وتر يحب الوتر ).

    ونعود إلى ميمونة بنت الحارث ، ميمونة رضي الله عنها لها أخت هي أم الفضل أم عبد الله بن عباس صلت المغرب -مرة- مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ في الركعة الأولى بسورة والمرسلات، قالت: فحفظتها. يعني: صلى صلاة المغرب بالمؤمنين وهي معهم في حجرتها فسمعتها فحفظتها، وهل يستطيع مؤمن كائناً من كان أن يسمع هذه السورة من إمام يقرؤها ثم يحفظها؟ هذا لأنهم كانوا طالعين ونحن هابطين، ويدلك على هذا أن بعض أبنائنا يسمع أغنية من عاهرة في التلفاز أو الفيديو فيحفظها بنغمها وجرسها، ويعيدها، وكأنه فلان أو فلانة الذي غناها، وهذا يقابل ذاك أو لا؟ فلما هبطنا أصبحنا نحفظ الباطل والشر والفتنة، والشيطان يزين ويعين، ولما كانوا هم طالعين كانت الملائكة تساعدهم وترفعهم، فيسمعون السورة ويحفظونها من أول مرة.

    قال: [وقد وكلت زوج أختها العباس ، فتولى عقد نكاحها] أسلمت، ووكلت العباس زوج أختها أن يعقد نكاحها؛ إذ لا بد من ولي، فأركان النكاح أربعة: الولي، والمهر، والشهود، والصيغة التي يتم بها النكاح، ولا نكاح بدون ولي، يقول صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرأة أنكحت أو تزوجت بدون ولي فهي زانية ).

    [وأصبحت ميمونة أم المؤمنين، والحمد لله رب العالمين] أمّ كل مؤمن وإلى يوم القيامة، أما قال تعالى: وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6]، أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهاتنا، وقد توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وترك نساءه، وما تزوجت منهن واحدة، ومن يقوى على أن يكفر ويتزوج امرأة الرسول صلى الله عليه وسلم؟! وإذا ذكرت أمك ألا تدعو لها بخير؟ إذا كانت الحالية فقل: اللهم اغفر لها وارحمها، أو اللهم اغفر لأمهاتنا وارحمهن، وإذا كانت أمنا من الدوحة النبوية نقول: رضي الله عنها، اللهم ارض عنها.

    قال: [وفي اليوم الثالث] من أيام الاتفاقية [بعثت قريش رجلها حويطب بن عبد العزى ومعه نفر] من الرجال [يطلبون من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج بنهاية الثالث تنفيذاً للاتفاقية] أي: لا يتأخر ساعة، ولا ربع ساعة، فإذا غربت الشمس خرج ورجاله من مكة [فقالوا له: إذا انقضى أجلك فاخرج عنا] أي: لا تبق في مكة.

    1.   

    الكرم المحمدي (ملاطفة النبي أعداءه ودعوتهم إلى طعام عرسه)

    قال: [الكرم المحمدي] تريدون أن تشاهدوا الكرم المحمدي؟ إي نعم.

    وما الفائدة منه؟ نحن شحاح، لا نستطيع أن نعشي واحداً أو نغديه، لكن لو تعلّمنا لأكرمنا وأصبحنا من المكرمين، فهيا نشاهد الكرم المحمدي والنبي هو أسوتنا صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ماذا؟ أُسْوَةٌ أي: قدوة حَسَنَةٌ [الأحزاب:21] اقتدوا به تكملوا وتسعدوا.

    قال: [ولما بلّغ حويطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر قريش بالخروج، قال لهم: ( وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه؟ )] كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم لذيذة أم أن أفواهنا لا تتذوق؟ ماذا قال: ( وما عليكم ) أي: ماذا يضركم ( لو تركتموني فأعرست بين أظهركم ) أي: جعلت العرس ( وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموه؟ ) ولو قالوا: نعم، لذبح الإبل ودعاهم للطعام، وهم أعداؤه وخصومه، أراد أن يسموا صلى الله عليه وسلم فوق تلك المستويات الهابطة!

    [فقالوا: لا حاجة لنا في طعامك فاخرج عنا، فخرج صلى الله عليه وسلم وترك أبا رافع مولاه لأجل ميمونة ] لأجل العروس حتى يأتي بها [فإذا فرغ من جهازها أتاه بها وهو في (سرف)] وسرف قرية ما بين مكة والمدينة، قريبة من مكة، وهي موجودة إلى الآن [فبنى بها هناك] دخل عليها عريساً صلى الله عليه وسلم وهي عروس رضي الله عنها وأرضاها في سرف [ثم انصرف صلى الله عليه وسلم عائداً إلى المدينة في أول الحجة] في أول شهر الحج؛ والمسافة من مكة إلى المدينة مسير عشرة أيام.

    قال: [وتولى الحج هذا العام المشركون] العام السابع تولى الحج ونظمه المشركون على عادتهم [ونزل في عمرة القضاء قرآن] نزل في هذه العمرة التي ندرسها قرآن يقرأ إلى اليوم [هو قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:27]].

    وذلك أنه لما تمت الاتفاقية كرب المؤمنون وأصابهم الحزن -وخاصة عمر- وقالوا: كيف نستسلم وننقاد ونرجع ونحن محرمون؟! وكانت ليالي وأيام سوداء مظلمة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( أنا رسول الله ولن يضيعني )، وكانت من بنود الاتفاقية: أن يعود الرسول صلى الله عليه وسلم ورجاله محرمون -وقد وصلوا إلى مشارف مكة- ولا يأتون للعمرة إلا العام المقبل في مثل هذا اليوم، ومن ذلك: أنه إذا هرب مسلم من مكة إلى المدينة يجب أن يرده محمد إليهم، وإذا هرب من المدينة رجل إلى قريش لا يردوه على النبي، وهذا أمر لا يطاق، والمدة كانت عشر سنوات.

    ومن أشد ما تحمل رسول الله لما قال: اكتب -والكاتب كان علي بن أبي طالب - هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله، فقال سهيل بن عمرو ممثل قريش: لو عرفناك رسول الله ما قاتلناك! ولكن اكتب محمد بن عبد الله، وثبت أبو القاسم كالجبل الأشم، وقال: اكتب محمد بن عبد الله.

    وكذلك عندما قال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم فقال سهيل : لا نعرف الرحمن الرحيم، ولكن اكتب باسمك اللهم، هذه التنازلات من أرادها بعد الله؟ رسول الله؛ ليحقق للمسلمين مجالاً يسعون فيه في الأرض، يدعون إلى ربهم ويأكلون ويشربون. إلى متى وهم محاصرون في المدينة؟!

    ولما كان عائداً تحللوا بذبح ما عندهم وحلقوا أو قصروا، وفي الطريق نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27] وتم ذلك ولكن بعد سنة، وقال تعالى هنا: لا تَخَافُونَ [الفتح:27] وهل خافوا؟ الجواب: لا. فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:27]، والفتح القريب كان فتح خيبر، فما إن رجعوا من الحديبية حتى أُعلن عن المشي إلى خيبر، وفتحها الله تعالى عليهم، والقريب معناه أن هناك فتحاً بعيداً، وكان الفتح البعيد هو فتح مكة في العام الثامن من الهجرة.

    قال: [ومصداق ذلك فيما يلي:

    أولاً: فتح خيبر وهو فتح قريب، والفتح البعيد هو فتح مكة العام القابل سنة ثمان من الهجرة؛ لأن كلمة فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:27] تشير إلى فتح بعيد يأتي بعد القريب.

    ثانياً: دخولهم مكة في عمرة القضاء آمنين غير خائفين.

    ثالثاً: إذ بعد الفراغ من طوافهم وسعيهم، منهم من حلق ومنهم من قصر، فكان هذا تأويل رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم التي رآها قبيل الحديبية] مقصرين ومحلقين، وهنا للتخيير إن شئت حلقت وإن شئت قصرت، لكن التحليق أفضل بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( رحم الله المحلقين ) ثلاث مرات، والرابعة قال: ( والمقصرين )، وهذا لما تمت الاتفاقية وأرادوا أن يتحللوا ويعودوا إلى المدينة، بعضهم أبى أن يحلق أو يقصر -أخذته العزة- فبدأ الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، وأعلن هذا الإعلان فتوافدوا وحلقوا وقصروا، وبقيت سنتنا إلى اليوم، ومن اعتمر منكم فالحلق أفضل له من التقصير.

    والآن نحن عندنا حيلة، فهذه المكائن الجديدة الناعمة تأخذ الشعر بين الحلق والتقصير، أولاً تنزع الشعر بكامله وتنظف الرأس، وفي نفس الوقت يبقى بعض الشيء وكأنه تقصير، وهذه نعمة جديدة، أما الماضي فكان بالموسى إلى الجلد حتى يبقى أحمر، أو القص بالمقص، وبقى الغافلون يقصون بعض شعيرات من هنا وهناك!! وهذا لا ينبغي، وهو مخالف للسنة النبوية، ولا أظن مؤمناً يأخذ من لحيته -وهو حرام بالطبع- فلو حلق لحيته كلها لم يزل حراماً؛ لأنه لم يتحلل، فلا بد من حلق الرأس أو تقصيره.

    1.   

    نتائج وعبر من عمرة القضاء

    قال: [نتائج وعبر:

    إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً هي كالآتي:

    أولاً: مشروعية قضاء العبادة إذا فاتت لأسباب قاهرة حالت دون أدائها] يشرع لك أن تقضيها ولو بعد عام، أما قضى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون العمرة بعد سنة؟ وفي هذا دليل على مشروعية القضاء، فإذا أفطرت لمرض أو سفر أو غير ذلك يجب أن تقضي ذلك اليوم، أو نمت عن صلاة أو نسيتها وبعد أربعين سنة ذكرتها قم الآن وصلّها.

    [ثانياً: جواز الاعتمار في الأشهر الحرم، وقد كان أهل الجاهلية يكرهونه] والقعدة من الأشهر الحرم، وقد اعتمر فيها النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً يجوز العمرة في الأشهر الحرم، والمشركون كانوا يمنعون ويقولون: حرام أن تعتمر في الأشهر الحرم، وإذا اعتمرت قالوا: مبتدع! ونالوا منك.. فجاء الإسلام فأزال ذلك الحجاب، وأباح للناس أن يعتمروا في الأشهر الحرم، بل هي أفضل.

    [ثالثاً: مشروعية سنة الاضطباع والهرولة في طواف القدوم للعمرة أو الحج] وسبب مشروعية الاضطباع والهرولة إظهار القوة للمشركين، وليخلد هذا المعنى إلى يوم القيامة!

    أما الرمل ما بين الصفا والمروة فهو تخليد لذكرى هاجر أم إسماعيل عليهما السلام؛ إذ هي التي جرت بين الجبلين تطلب الماء لغلامها الرضيع الذي يتلوى من شدة العطش، وما زالت تجري وتهرول حتى شاهدت جبريل واقفاً على رأس الولد، وهي تقول: أسمعت أسمعت.. هل من غياث؟ فلما وصلت إليه أو قربت منه قال برجله هكذا، ففارت زمزم وإلى الآن نشرب منها والحمد لله. كم ألف سنة من ذاك اليوم؟ إنها آيات الله، قال تعالى: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ [آل عمران:97].

    إذاً: الاضطباع والهرولة سنة في طواف القدوم لا في غيره، فإذا كان الشخص يطوف في حج أو عمرة في غير طواف القدوم لا يضطبع ولا يهرول.

    [رابعاً: بيان العلة في سنة الاضطباع والهرولة في الأشواط الثلاثة الأولى، وهي إظهار القوة، وأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف] وهذا حديث مسلم ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ).

    [خامساً: مشروعية الزواج في دار الحرب للقادر عليه] شخص يتزوج في بريطانيا أو رومانيا أو أسبانيا يجوز له ذلك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج بـميمونة في مكة وهي آنذاك دار حرب.

    [سادساً] تأملوا يا فطناء [نظراً إلى الخلاف في هل تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم وبنى بها وهو حلال؟ فإني أرى الخروج من الخلاف] وهناك خلاف كبير بين الفقهاء، وأنه لا يحل للمحرم أن يعقد نكاحاً، ولا أن يبني بامرأة، فكيف الخروج من هذا؟ قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم، وفتح عليه وعليكم أجمعين: [يكون بارتئاء] أي: برأي [أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ميمونة وعقد عليها بمكة بعد تحلله من إحرامه في أول يوم دخل مكة] لما دخل في الصباح اعتمر وتحلل، ولما تحلل خطب وعقد ولا حرج، وليس وهو مُحرم [ثم أمر مولاه أن يلحقه بها بعد تجهيزها في (سرف) فبنى بها هنالك] والتجهيز: هو أن تأتي امرأة بالملابس والطيب والصابون وتغسل العروس وتنظفها ليلة كاملة حتى تزفها، وهذه هي عادة بشرية إلى اليوم [فلم يخطبها ولم يعقد عليها ولم يبن بها وهو محرم أبداً] وزال الإشكال.

    [سابعاً: لطيفة] واللطيفة: الشريفة التي تدخل في القلب دون شدة [في أن آخر من تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم من نسائه ميمونة ] آخر امرأة تزوج بها الرسول صلى الله عليه وسلم ميمونة وخديجة كانت أول نسائه [وآخر من مات من نسائه بعده ميمونة ] وآخر من مات -كذلك- من نسائه ميمونة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، اللهم إنا نحبها، فأحبنا لحبها يا ربنا! [وأنها رضي الله عنها بنى بها بسرف] بهذه القرية [وماتت ودفنت بسرف] لا إله إلا الله! بنى بها بسرف -كما علمنا- عند العودة من عمرة القضاء، وعاشت سنين، وشاء الله أن تذهب حاجة أو معتمرة وتموت في سرف، وتدفن بها [فمكان عرسها هو مكان دفنها] ومكان لقائها ربها، تدبير من هذا؟ لا يقوى على هذا إلا الله [فرضي الله عنها وأرضاها وجعل الجنة مأواها].

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ..