إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 84للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد العودة من غزوة خيبر تمت أمور مهمة منها: بناء النبي صلى الله عليه وسلم بصفية بنت حيي، وإعطاء النساء اللاتي حضرن المعركة مكافآت مالية جزاء ما قمن به من أعمال، وكان مما قام به النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الغزوة أن أرسل السرايا؛ فكان أبو بكر على رأس أول سرية، وكانت وجهتها بني فزارة فكان النصر والغنيمة، ثم كان عمر على رأس سرية إلى تربة هوازن، وتتابعت السرايا.

    1.   

    ما تم من أمور هامة عند العودة من غزوة خيبر

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ما تم من أمور هامة عند العودة من غزوة خيبر] وغزوة خيبر كانت في السنة السابعة وقد أنهيناها حديثاً، ولكن كان في تلك الغزوة أمور هامة، تمت عند عودته صلى الله عليه وسلم منها، بعد أن فتحها الله تعالى عليه.

    قال: [لقد تمت أمور ذات بال] وشأن [والحبيب صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى المدينة من غزوة خيبر ووادي القرى] إذ بعد فتح خيبر غزا وادي القرى وعاهد أهله، وتم انقيادهم للرسول صلى الله عليه وسلم [ومن تلك الأمور الهامة ذات البال والشأن ما يلي]

    أولاً: بناء النبي صلى الله عليه وسلم على صفية بنت حيي

    قال: [أولاً: بناء النبي صلى الله عليه وسلم على صفية بنت حيي رضي الله عنها] أم المؤمنين، وأبوها حيي بن أخطب من شر الناس، ولكن أراد الله أن يكرم هذه المرأة، فأكرمها أولاً: بالإسلام فأسلمت، ثم أكرمها بأن أصبحت أم المؤمنين.

    إذاً: في طريقه من خيبر بنا بها صلى الله عليه وسلم [وكانت أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك هي التي أصلحتها وجملتها له صلى الله عليه وسلم، وبات في قبة له] يعني: خيمة، ويسمونها قبة لارتفاعها، ينزل بها القائد المدير للمعارك، وأي قبة أعظم من قبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!

    قال: [وبات أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد متوشحاً سيفه يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم] من هذا البطل؟ إنه أبو أيوب الذي استضاف الرسول في أول يوم دخل فيه المدينة، واسمه: خالد بن زيد [وهو معرس بـصفية النضرية أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها].

    وإن قلتم: كيف تزوجها؟ قلنا: لأنه أعتقها، وجعل مهرها عتقها.

    ويذكر أهل الدرس حادثة لـصفية وهي: لما تزوجها ابن عمها قالت له: رأيت البارحة -رؤيا- أن القمر سقط في حجري، فما كان من هذا اليهودي إلا أن صفعها على خدها فاخضر مكان الضربة في وجهها، وقال: أتريدين أن تكوني زوجة لملك العرب؟! ولما خلى بها الحبيب صلى الله عليه وسلم سألها عن الخضرة التي في وجهها: ما سببها؟ فأخبرته بالقصة.

    ثانياً: نومه صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بالطريق عن صلاة الصبح

    قال: [ثانياً: نام صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بالطريق] وهم عائدون إلى المدينة بعد أن فتح الله عليهم وانتصروا [وقال: ( مَن رجل يحفظ علينا الفجر؛ لعلنا ننام؟ )] ما قال: يا فلان! ولكن عرض ذلك على أصحابه عرضاً؛ لأنه كامل الآداب والأخلاق صلى الله عليه وسلم -ما اكتحلت عين الوجود بأفضل منك يا رسول الله!- ولو شاء لقال: يا فلان! قف مكانك ولا تنم؛ حتى لا ننام عن صلاة الصبح.

    إذاً: يريدون أن يصلوا الصبح في وقتها، لم يقولوا: الجراحات والتعب والآلام! فننام، وإذا استيقظنا صلينا حتى بعد الضحى! أما جيوشنا الإسلامية فلا أحسبهم أبداً يقفون هذا الموقف إلا من رحم الله؛ لأنهم ما ربوا في حجور الصالحين.

    [فقال بلال : أنا يا رسول الله! أحفظ عليك] وبلال هو مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان أيامها تسجيل للأصوات وسُجل صوته ثم أطلق لنا من منارة المسجد النبوي لم يبق أحد إلا وهو يبكي ويتمرغ على الأرض.

    لما توفي الحبيب صلى الله عليه وسلم ما أطاق المقام في المدينة وخرج، وعاد بعد ذلك للزيارة فطلبوا إليه أن يؤذن فما استطاع، فألح عليه الصحابة وأبناؤهم إلا تسمعنا صوتاً كنا نسمعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام فأذن فضجت المدينة بالبكاء، النساء والرجال والأطفال في صوت واحد، وp=1000114>بلال

    هذا شاهده رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار السلام.

    قال: [ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونام الناس، وقام بلال يصلي] يتهجد [فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم استند إلى بعيره واستقبل الفجر يرمقه، فغلبته عينه فنام] استند إلى رحل بعيره مستقبلاً الفجر من الشرق، ينتظر متى يطلع الفجر، فغلبته عيناه ونام [فلم يوقظهم إلا مس الشمس] ما أيقظ رجال المعسكر وعلى رأسهم الحبيب صلى الله عليه وسلم إلا مس الشمس وحرها؛ لأنه بشر صلى الله عليه وسلم، وهذه من صفات البشر، أنه ينام ويغلبه النوم، ويجوع ويحتاج إلى الطعام، ويعطش ويحتاج إلى الماء، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [الكهف:110].

    وهناك رجال صالحون فقط عظموهم وأجلّوهم وأكبروهم وعبدوهم، ورضي أولئك بعبادتهم، ما سبب هذا؟ إنه الجهل، لم ندرس كتاب الله ولا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل جاء رجل إلى الرسول يوماً وقال: يا رسول الله! أتوسل بك إلى الله؟! ولما قبض صلى الله عليه وسلم هل جاء صحابي وأخذ يتمسح بقبره وينادي: يا رسول الله المدد المدد؟! والله ما كان ولا عرفوا هذا، وسر ذلك أنهم علماء، خريجوا المسجد النبوي، أما كان يجلس لهم صلى الله عليه وسلم بأمر الله يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم؟!

    [وكان الرسول صلى الله عليه وسلم أول أصحابه هبّ من نومه] هو الأول [فقال: ( ماذا صنعت يا بلال ؟ )] لم يقل: هاتوا العصا أؤدبه [قال: يا رسول الله! أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك] كيف تعلم بلال هذا؟ كم دكتوراه عنده؟ إنها أنوار الإيمان والنفس البشرية إذا طابت وطهرت [قال: ( صدقت )] ولو كنت أنا أو أنت لقلنا: يا ملعون! كيف حصل هذا؟! إن أحدنا لو تعاكسه امرأته -فقط- يسبها ويسب أباها ويقول: يا ملعونة!

    هيا نكتسب هذه الأخلاق من الليلة إن شاء الله! ولم لا نكتسبها؟!

    [ثم اقتاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيره غير كثير] مسافة بسيطة [ثم أناخ] كان يقود بعيره وينيخه فأين رجاله إذاً؟ أين أصحابه؟ كان يحمل المتاع من السوق إلى بيته فيقول الرجل: أعطني، فيقول: ( صاحب الشيء أحق بحمله )، يعني: لا تحمل أنت.

    قال: [فتوضأ وتوضأ الناس، ثم أمر بلالاً فأذن وصلوا سنة الفجر] وإن طلعت الشمس، فالأذان مستحب في الصحارى وفي البراري وفي السفر في وقته، وكذلك إن خرج الوقت؛ لأنه ذكر لله.

    إذاً: أذّن بلال ثم صلوا سنة الفجر، وسنة الفجر ركعتان قبل صلاة الصبح تسميان سنة الفجر أو رغيبة الفجر، وسميت رغيبة بمعنى: مرغوبة، أي: مرغوب فيها؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها )، فرغب الناس فيها، فهي رغيبة بمعنى: مرغوبة، على وزن فعيلة بمعنى مفعولة.

    وهذه الرغيبة نشاهد بعض إخواننا من العوام إذا دخل المسجد والصلاة قائمة يصليها على جهة، ثم يدخل مع الجماعة، وهذا العمل لا يصح ولا يجوز -اعلموا هذا واعملوا حتى لا نبقى هابطين- لقوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا قامت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة )، وهذا بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودقيقة في الفريضة تعدل سبعين دقيقة في النافلة، فإذا دخلت المسجد ولم تقم الصلاة فصلِّ، فإن قرأت الفاتحة والسورة وقبل أن تركع أقيمت الصلاة سلّم واخرج منها وادخل في الفريضة، وإن كنت قد ركعت ثم أقيمت الصلاة فسلّم وادخل في الفريضة كذلك، أما إن كنت رفعت من الركوع فإن الركعة قد انعقدت، وهنا لا ينبغي أن تخرج منها حتى تتمها، فتأتي بالركعة الثانية وتسلم، والله عز وجل يقول: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33]، فإذا انعقدت الصلاة بالرفع من الركوع أكملها خفيفة ثم ادخل في الفريضة.

    قال: [ثم أقام بلال الصلاة فصلوا صلاة الصبح، ثم أقبل صلى الله عليه وسلم على الناس] بوجهه، ووجه الرسول أكثر نوراً من القمر [فقال ( إذا نسيتم الصلاة فصلوها إذا ذكرتموها )] بدون تراخٍ [( فإن الله تبارك وتعالى يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] )] أي: أقم الصلاة يا رسولنا لذكري، من أجل أن تذكرني لذكرك إياي، والقرآن حمّال أوجه، وهذه بعض آية من سورة طه، فإذا نسيت يا عبد الله! الصلاة ثم ذكرتها -ولو بعد عام- صلها على الفور ولا إثم عليك، أما أن تذكرها بعد النسيان ثم تقول: سأصلي، فلا يصح.

    ونلاحظ هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يستشهد بالقرآن، ونحن لم لا نستشهد به؟ لأننا لا نحفظه، أو ندعي أن تفسيره حرام، قالوا في تفسير القرآن: صوابه خطأ وخطؤه كفر، هكذا كان الفقهاء يقررون على هوامش الكتب: أن تفسير القرآن صوابه خطأ وخطؤه كفر، وعليه لم يبق من يقول: قال الله! ومن هذا الذي يرضى بالكفر بعد الإيمان؟! فكممونا وألجمونا، وتركونا كالبهائم.

    ثالثاً: رضخ النبي صلى الله عليه وسلم للنساء من الغنيمة وعدم الإسهام لهن

    قال: [ثالثاً: رضخ النبي صلى الله عليه وسلم للنساء من الغنيمة ولم يضرب لهن بسهم] وهل خرج معه نساء للجهاد؟ إي نعم، ولكن بغير أمر ولا إلزام، فقد كن متطوعات، طالبن الرسول أن يأذن لهن في أن يعالجن المرضى فقال: تفضلن! وما جعل لهن سهماً كالمجاهدين، ولكن أرضخ لهن من الغنيمة [إذ كان قد حضر خيبر عدة نسوة من بني غفار جئن النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه إلى خيبر] وغفار هي قبيلة أبي ذر رضي الله عنه، وهي على طريق الشام.

    [فقلن له: يا رسول الله! قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا -أي: إلى خيبر- فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال صلى الله عليه وسلم: (على بركة الله)] وهذه الكلمة يقولوها العوام، أما العلماء فما سمعناها منهم -ونفضح أنفسنا- وليس فيها شيء؛ فهي كلمة طيبة، وزادها الله طيباً بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً نقولها إن شاء في المستقبل.

    قال: [وحدثت إحدى هؤلاء النسوة] أي: تكلمت إحدى هؤلاء النسوة [فقالت: فخرجنا معه وكنت جارية حدثة] أي: صغيرة السن [فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله] أردفها من ورائه [قالت: فوالله] تحلف بالله [لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت عن حقيبة الرحل وإذا بها دم مني] حاضت، ويا ويحها! [وكانت أول حيضة حضتها فتقبضت إلى الناقة واستحييت] ما استطاعت أن تواجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلصقت بالناقة واختبأت، وماذا ترون الرسول قائلاً لها: يا كذا، وسختنا؟! أو عملت بنا كذا؟

    [فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال: ( ما لك؟ لعلك نفست؟ )] أي: حضت [قالت: قلت نعم. قال: ( فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحاً، ثم اغسلي به ما أصاب الحقيبة من الدم )] حكيم هذا الرسول صلى الله عليه وسلم! لما رأى ذلك قال: ( فأصلحي من نفسك )، يعني: حاولي أن تغسلي هذا الدم وتبعديه عنك، ( وخذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحاً )، ونتعلم من هذا أنه إذا لم يكن عندنا صابون وأردنا أن نغسل الدم من ثوب أو غيره فإننا نخلط الماء بالملح ثم نغسل به ويجوز ذلك، ومن أراد أن يعرف مدى علم الرسول يجرب هذا الليلة أو غداً ثم يخبرنا.

    قال: [( ثم عودي لمركبك )] سبحان الله! أي: ارجعي إلى مركبك، ولهذا أمرها بغسله لتركب عليه، [قالت: فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر رضخ لنا من الفيء ولم يسهم] والرضخ: شيء يعطى لمن ليس له سهم ممن حضر القتال [وأعطاني هذه القلادة التي في عنقي، فوالله لا تفارقني أبداً] كيف وقد أعطاها لها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! والقلادة من الغنائم.

    رابعاً: احتيال الحجاج بن علاط السلمي على أهل مكة

    قال: [رابعاً: احتال ونجح] من هذا؟ [ذلك هو الحجاج بن علاط السلمي ، فقد كان من ذوي المال واليسار في مكة] من أغنياء مكة [وأسلم في خيبر، ولم يعلم المشركون بإسلامه، فاستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم] أي: طلب الإذن منه [أن يذهب إلى مكة قبل وصول الخبر إليها بفتح النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لخيبر] وهذه هي الحيلة [فأذن له، واستأذنه أن يقول ما يقول فأذن له] يعني: استأذنه أن يكذب ما شاء أن يكذب على كفار قريش، فقال له: قل ما شئت!

    وذلك لأنهم كفار والحالة حالة حرب، والحرب خدعة، وقد وضع هذه القاعدة النبي صلى الله عليه وسلم.

    [وكان أهل مكة يتطلعون إلى أخبار النبي وأكثرهم يرغب في هزيمة النبي صلى الله عليه وسلم وأن يقتل هو وأصحابه] بلغهم أن الرسول ذهب ليحارب اليهود في خيبر -والأخبار يتناقلها المسافرون- فكانوا يتطلعون متى يأتي الخبر بأنهزام الرسول وقتله مع رجاله.

    [فخرج الحجاج يريد مكة، واستحث الخطى، وأغذ السير، فوصل مكة، فأشاع أن محمداً قد انهزم، وأن اليهود قد عزموا على أن يأتوا به إلى مكة ليقتل بها] حتى يشفوا صدور المشركين [فطار المشركون بالفرح] وحق لهم [وحزن العباس ] وهو مشرك؛ لأن الله أهّله للكمال [وآلمه الخبر، فاتصل بـالحجاج سراً فأطلعه إنما أراد بهذا أن يجمع أمواله ويخرج بها] هذه هي الحيلة: كانت له أموال كثيرة بمكة، وإذا أسلم فلن يعطوه منها قرشاً واحداً، يعني: يصادرونها، إذاً كيف يصنع؟ احتال ونجح.

    قال: [لأن قريشاً لو تعلم بإسلامه لما سمحت له بإخراج درهم واحد، وجمع أمواله وقال: إنه يريد أن يأتي خيبراً ليشتري من فيء محمد وأصحابه] أي: أراد بجمع الأموال أن يذهب إلى خيبر؛ ليشتري من فيء اليهود الذي حصلوا عليه من محمد وأصحابه، فزادهم عمى، مثل إذاعة لندن اليوم [قبل أن يسبقه التجار إلى ذلك، وعند انصرافه من مكة قال للعباس : إذا مضى علي ثلاث ليال فأعلن الحقيقة وهي انتصار محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه على اليهود وفتح خيبر وكل ما فيها] لأن خيولهم بعد ثلاثة أيام لا تصله.

    [وفعلاً في اليوم الثالث لبس العباس حلة، وتخلق -أي تطيب- وأخذ عصاً ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحرّ المصيبة] يعني: لأن المصيبة كانت قاسية عليك فأنت تتشجع، فلبست الحلة وتطيبت وتطوف والعصا بيديك.

    [قال: كلا، والله الذي حلفتم به لقد فتح محمد خيبراً، وتُرك عروساً على بنت ملكهم] فمزقهم بكلامه، ويقصد بملكهم حيي بن أخطب [وأحرز أموالهم وما فيها، وأصبحت له ولأصحابه، قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به، ولقد دخل عليكم مسلماً فأخذ ماله وانطلق؛ ليلحق بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد الله!! انفلت عدو الله!!] وفاتهم [ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك] وبأنه انتصر محمد ورجاله، وفتحوا خيبراً.

    1.   

    سبع سرايا تبعث إلى أنحاء مختلفة

    قال: [وثالث أحداثها] من أحداث السنة السابعة.

    [سبع سرايا تبعث إلى أنحاء مختلفة

    إنه بعد أن عاد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ظافراً منتصراً في أواخر ربيع الثاني، أخذ يبعث بالسرايا سرية بعد أخرى؛ لإبلاغ دعوة الله، وتفتيت قوى الشر، والضرب على أيدي الظالمين، فكانت أول سرية بعثها]

    سرية أبي بكر الصديق

    قال: [سرية أبي بكر الصديق

    فقد بعث صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق ومعه سلمة بن الأكوع إلى نجد حيث بنو فزارة، فغزوا وأسروا من العدو ما شاء الله تعالى، ووقع في الأسر جارية حسناء] أي: جميلة [كانت في سهم سلمة بن الأكوع فاستوهبها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم] قال هبنيها يا سلمة ! [وفادى بها أسرى من المسلمين كانوا بمكة موثقين] مكبلين بالأغلال.

    عرف أن قريشاً تقبل الفداء، وخاصة بامرأة حسناء، فطلب من صاحبه أن يعطيه إياها لله -وإلا هي من نصيبه- ليبعث بها إلى رجالات قريش يفدي بها بعض المؤمنين الأسرى هناك، وهذه سياسة الرشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم! ولو كنا نحن ما أعطينا هذه الجارية.

    سرية عمر بن الخطاب

    قال: [وثاني سرية:

    سرية عمر بن الخطاب ] رضي الله عنه.

    [إذ بعث به صلى الله عليه وسلم في ثلاثين رجلاً إلى تربة من أرض هوازن، وكان دليله من بني هلال، فكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، فبلغ الخبر هوازن فهربوا، ووصلت السرية إلى ديارهم فلم يلقوا منهم أحداً، فانصرفوا راجعين إلى المدينة ولم يلقوا كيداً] والحمد لله.

    سرية بشير بن سعد الأنصاري

    قال: [وثالث سرية:

    سرية بشير بن سعد الأنصاري ] الأولان مهاجران، وهذا أنصاري.

    قال: [إذ بعث به صلى الله عليه وسلم في ثلاثين رجلاً إلى بني مرة بمنطقة فدك، فاستاقوا نعمهم؛ فقاتلوهم، فقتلوا عامة أفراد السرية، وصبر بشير يقاتل وحده قتال الأبطال، حتى جنَّ الظلام، فلجأ إلى فدك وحده، فبات عند يهودي من أهلها، ثم كر عادئاً إلى المدينة، وما شاء الله كان ولا قوة إلا بالله] مات تسعة وعشرون صحابياً في هذه السرية وما نجا إلا هذا الأنصاري: بشير بن سعد .

    سرية غالب الكلبي

    قال: [ورابع سرية:

    سرية غالب الكلبي

    وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية غالب بن عبد الله الكلبي إلى الحرقات من جهينة، فصبحوهم فهزموهم] يعني: بادروهم مع أول النهار [وكان في السرية أسامة بن زيد بن حارثة ] حب رسول الله، وابن حب رسول الله [ففر رجل من القوم، فلحقه أسامة هو ورجل من الأنصار فأدركه أسامة فقال الرجل: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري عنه، وطعنه أسامة بحربته فقتله] لما أدركوه قال: لا إله إلا الله، فالأنصاري تخلى عن ضربه، وأما أسامة طعنه برمحه فقتله.

    [فلما قدموا إلى المدينة أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم] أو أخبر أسامة النبي صلى الله عليه وسلم بذلك [فقال له: ( يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ )] والآن إخوانكم المسلمون يقتل بعضهم بعضاً، ويُقتل أحدهم وهو يصلي في المحراب، ليس فقط يقول: لا إله إلا الله! كيف نقتل رجلاً يصلي في المسجد؟! أصبحنا كالمجوسي أبو لؤلؤة الذي قتل عمر وهو يصلي في محرابه؟! لا يحل إراقة دم مسلم أبداً إلا بإحدى ثلاث: (الثيب الزاني وقاتل النفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) فقط.

    نصطنع جهاداً بكذبنا وباطلنا، ثم نقتل المؤمنين ونذبحهم؟! أين يُذهب بعقولنا؟!

    [فقال: أسامة إنما كان متعوذاً] يعني قالها فقط ليهرب من الموت [( فما زال الرسول صلى الله عليه وسلم يكررها حتى قال أسامة : تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم )] أي: وجد هذه أثقل عليه من الكفر والشرك [وهذه الحادثة ينظر إليها من خلال قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [النساء:94] فإنها تدل على نوع الحادث].

    معاشر المؤمنين والمؤمنات قضينا ساعة مع الحبيب صلى الله عليه وسلم، ولعلكم تذكرون ما تلقيناه من آداب وتطبقونه إن شاء الله.

    اللهم ثبتنا يا ألله، وقو إيماننا وشد من أزرنا حتى نعبدك وحدك، ونستقيم على منهجك، ونلقى رسول الله وأصحابه في دار السلام.

    وصل اللهم على نبينا محمد وآله وصحبه ..