إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 83للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان لغزوة خيبر جملة من الدروس والعبر للمجتمع المسلم الذي عرف من خلالها أحكاماً دينية متنوعة كانت خافية على بعضهم، ولعل من أهم هذه الدروس حرمة الغلول ولو كان في شيء يسير قد يتساهل فيه البعض، كما كان من الدروس مشروعية مواصلة الجهاد حيث انتهت غزوة خيبر فقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم وادي القرى ليفتحها، فحاصرها عدة ليال وافتتحها عنوة.

    1.   

    نتائج وعبر من غزوة خيبر

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فقد انتهى بنا الدرس إلى نتائج وعبر من غزوة خيبر، وعند ذكر كل نتيجة وعبرة نرجع بأذهاننا إلى الدرس السابق، فلا حاجة إلى إعادته.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم، ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [نتائج وعبر:

    إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نوجزها فيما يلي]

    أولاً: جواز الحداء والأناشيد الحسنة الخالية من السوء والبذاءة

    [أولاً: جواز الحداء والأناشيد الحسنة الخالية من السوء والبذاءة] والحِداء والحُداء بمعنى واحد، ويستعمله سائق الإبل أحياناً لكي تواصل الإبل سيرها في ظلام الليل وضوء النهار، ولا بأس بالحداء إذا كان بالكلم الطيب، الخالي من البذاءة والسوء، فتندفع الإبل به وتواصل سيرها، وكذلك العمال البناءون يتقاولون كلمات طيبة تشجعهم على البناء ليس فيها ما حرم الله من الكلام البذيء واللفظ السيء أو ما يدعو إلى الفاحشة والباطل والمنكر.

    وهذا أخذناه من عامر بن الأكوع وهو يحدو بالرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هنا: إذا اجتمع المؤمنات ليلة الزفاف في بيت مؤمن أو مؤمنة يضربن بالدف، وهو عبارة عن جلد مدبوغ على عيدان، له صوت خاص، ويتغنين بالكلم الطيب، والألفاظ الحسنة إعلاناً عن النكاح، فلا بأس بذلك، فالنكاح يستحب الإعلان عنه، وإذا وجدت الوليمة فحسن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم ( أولم ولو بشاة ).

    أما أن نستقدم عاهرة أو ماهرة في الأغاني من الشرق أو الغرب لتحيي ليلة العرس فهذا باطل ومنكر، وأعظم من هذا أن يكون صوت تلك المرأة بمكبر الصوت يسمعه الرجال والنساء معاً، وهذا النوع من الحياة ليس كحياة محمد وأصحابه والمحبين له.

    ثانياً: بيان آية النبوة المحمدية في نعي عامر بن الأكوع

    قال: [ثانياً: بيان آية النبوة المحمدية في نعي عامر بن الأكوع قبل استشهاده ودخوله المعركة] فقد قال له الرسول: ( رحمك )، ففهم الأصحاب أنه يودعه، وهو كذلك فما إن دخل المعركة حتى كان أول من استشهد.

    ثالثاً: استحباب قول: (اللهم رب السموات السبع وما أظللن ..)

    قال: [ثالثاً: استحباب قول ( اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقللن، ورب الرياح وما ذرين، ورب الشيطان وما أضللن، نسألك من خير هذا البلد .. ) إلخ] وهذه دعوة محمدية فاضلة، فأيما مؤمن نزل ببلد ضيفاً أو ذا عمل أو حاجة، عند دخوله يدعو بهذا الدعاء، فيحصل على أجر وعلى عناية إلهية إن شاء الله، وهو توسل بالمشروع؛ توسل بأسماء الله وصفاته.

    رابعاً: حرمة الغلول

    قال: [رابعاً: حرمة الغلول، أي: الأخذ من الغنائم قبل قسمتها] والغلول: مصدر غل يغُل غلولاً، وهو أن يأخذ سراً من الغنيمة ويخفيه قبل أن تقسم، والله تعالى يقول: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران:161] -وفي القراءات السبع: (أن يُغَل)- وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران:161].

    ومثل الغلول: الشركاء في بستان أو تجارة لا يحل لأحدهم أن يأخذ شيئاً قبل القسمة وقبل إجراء الحساب، ومن هذا أيضاً: من تسند إليه أموال الدولة أو صناديق من المسئولين، لا يحل له أن يأخذ قرشاً واحداً بدون حقه، فالمجاهد وقد انتصر ورغب في شيء من تلك الأكوام من الغنائم لا يأخذ شيئاً فما بالك بمن دونه.

    خامساً: حرمة وطء المسبية قبل استبرائها

    قال: [خامساً: حرمة وطء المسبية قبل استبرائها] والمسبية هي من سبيت في الحرب؛ الحرب الجهادية الإسلامية، فإذا غزونا بلداً وانتصرنا ماذا نصنع بالأسرى من النساء والرجال والأطفال؟ أما الكفار فيحرقون الأسرى، أو يجمعونهم بالآلاف ويقتلونهم، أما المسلمون -أيام كانوا لا نعني الآن- لما تنتهي المعركة يقسم القائد من لم يقتل من الرجال والنساء والأطفال على المجاهدين، ويوصيهم بأن يطعموهم مما يطعمون، وأن يكسوهم مما يكتسون، وأن لا يحمّلوهم ما لا يطيقون، فإن حملوهم أمراً صعباً أعانوهم وكانوا معهم.

    فإذا أراد أحد أن يستمتع بمسبيته ويسعدها بقضاء شهوتها فيجب أن لا يطأها حتى يستبرئها، أي: يتعرف إلى براءة رحمها، وأنه ليس به جنين من رجل كافر، فإذا حاضت عرف أنها ليست حبلى، وحينئذٍ يستمتع بها إن أراد وليس بلازم، ولكن هذا الاستمتاع في صالح الأسيرة كونها تبقى خادمة طوال عمرها، وقد لا تتزوج، ألا تستمتع بتلك الغريزة الجنسية؟ فمولاها يستمتع بها، وهذه حال تتطلب منه -كذلك- أن يحسن ثيابها وفراشها وما إلى ذلك. تدبير من هذا؟ تدبير الله رب العالمين.

    أين الحيوانات البهيمية الكافرة بالله، أنى لها أن ترقى لهذه الكمالات السماوية؟! لا يعرفون إلا السب والشتم والطعن في الإسلام وأهله، وهم شر من البهائم!!

    سادساً: بيان فضل علي بن أبي طالب وما فاز به من حب الله ورسوله

    قال: [سادساً: بيان فضل علي بن أبي طالب وما فاز به من حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم] هل فاز بجائزة كبيرة قدرها مليار دولار؟ لا، ولكن أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الله ورسوله يحبانه، ومن عرف أن الله يحبه هل يشقى في الدنيا؟ هل يخطر بباله حزن أو غم أو هم وقد علم أن الله يحبه ورسوله؟! لا.

    سابعاً: بيان صدق وعد الله تعالى في غنائم خيبر

    قال: [سابعاً: بيان صدق وعد الله تعالى في غنائم خيبر؛ إذ وعد المؤمنين بها، فأنجزها لهم، وله الحمد والمنة] أين وعدهم بها؟ في غزوة الحديبية، فقد خرج الحبيب صلى الله عليه وسلم برجاله وكانوا ألفاً وأربعمائة بعدما انتصروا في غزوة الخندق -نصرهم الله بالملائكة وما كان قتالاً- وكان المشركون قد تجمعوا بمكر اليهود حول المدينة من غرب وشرق وحاصروا النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين ليلة، وما استطاعوا أن يتجاوزوا الخندق الذي حفره الرسول والمؤمنون، وأخيراً أصابهم الله بريح تسمى: (ريح الصبا) فاقتلعت الخيام، وكفأت القدور الضخمة، فقرروا الهرب، وطلعت الشمس وما كافر موجود حول الرسول والمؤمنين.

    وعندها قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( الآن نغزوهم ولا يغزونا )، وعاد أبو سفيان بجيشه وعاد كل المشركين مهزومين، وقال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ [التوبة:25]، وهناك آيات كثيرة في هذا، والشاهد عندنا أنه لما خرج صلى الله عليه وسلم للعمرة بعد الانتصار الرباني وسمعت قريش بخروجه وأنه على مقربة من مكة جهزت جيوشها وقالت: لا يدخلها عنوة علينا! وشاء الله أن يجري الصلح بين الرسول والمشركين، وكانت مدته عشر سنوات.

    ونذكر للتعليم -وإن كنا لا نستفيد- أنه لما كان يُكتب الصك أو العقد بين الطائفتين قال النبي لـعلي -وهو سكرتيره- ( اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ) ، فقال سهيل بن عمرو وكان ممثل قريش وسفيرها: لا نعرف الرحمن الرحيم، ولكن اكتب باسمك اللهم فقط، فماذا يصنع الرسول وقد تألم الأصحاب؟ قال: ( اكتب باسمك اللهم )، وتنازل عن كلمة (الرحمن الرحيم).

    ثم قال صلى الله عليه وسلم:( هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله قريشاً ) فقال سهيل: لو عرفناك رسول الله ما قاتلناك! ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فيتنازل رسول الله عن كلمة (الرسول)، ولما غضب من غضب، قال: اسكتوا ( أنا رسول الله ولن يضيعني )؛ لأنه يريد أن يهيئ الفرصة للمؤمنين في أن يتجولوا في البلاد يتجرون ويربحون وينتهي الحصار على المدينة من كل جهة.

    والآن إخوانكم المتعنترون لو تنازل حاكم عن مثل هذه لكفروه مليون مرة، ولو استطاعوا ذبحه لذبحوه ألف مرة، ولا يفكرون في ما هي الأسباب والعوامل أبداً؛ لأنه لا بصيرة لنا، ولا علم رباني صحيح في قلوبنا!!

    إذاً: صبر الحبيب وصبّر رجاله، وأقبلوا عائدين إلى المدينة وقد عُقد صلح مدته عشر سنوات، ونزل قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح:1-2]، يتلوها صلى الله عليه وسلم على ناقته، وفيها: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ [الفتح:20]، وهي غنائم خيبر، فما إن وصل المدينة حتى عزم صلى الله عليه وسلم على غزو اليهود في خيبر؛ لأنهم هم الذين ألبوا المشركين من كل جهة يوم الأحزاب، وفتح الله خيبر، وغنم المسلمون كل ما فيها من غنائم، وتحقق وعد الله تعالى للمؤمنين.

    ثامناً: فضل صفية أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها

    قال: [ثامناً: فضل صفية أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها] من صفية هذه؟ إنها أمكم رضي الله عنها، ولعل البعض لا يعرفونها؛ لأنهم مشغولون بالدينار والدرهم! صفية بنت حيي بن أخطب هذه لما انتصر الرسول والمؤمنون في خيبر أخذت مسبية من جملة السبايا، وكانت من أسرة -في الحقيقة- شريفة في قومها، فأعتقها الرسول صلى الله عليه وسلم وتزوجها.

    ونذكر لها لطيفة وهي: لما تزوجها ابن عمها ابن أبي الحقيق قصت عليه رؤيا رأتها في المنام فقالت: رأيت القمر سقط في حجري، فما كان من هذا اليهودي إلا أن لطمها حتى أثر في خدها بالزرقة أو الخضرة، وقال: أتريدين ملك يثرب، يعني: النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خلا بها الحبيب ليلة زفافها وجد الخضرة في وجهها، فقال: ما هذا يا صفية ؟! فقصت له القصة.

    تاسعاً: مشروعية تقبيل جبهة الإنسان إن كان أهلاً لذلك

    قال: [تاسعاً: مشروعية تقبيل جبهة الإنسان إن كان أهلاً لذلك؛ لصلاحه أو قربه] أما ما يفعله بعض الناس من تقبيل الرجل في خده أو فمه، فهو من الجاهلية، وإن شاء الله نتوب.

    كيف يقبّل الرجل الرجل في عينه أو فمه أو خده، ولماذا؟ أي داع لهذا؟ هل سن أبو القاسم هذا؟ الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أحب عبداً وأراد إكرامه قبله بين عينيه، وهذه هي السنة، ولا بأس أن يقبّل الأب أو الشيخ الكبير أو ذو الفضل بين عينيه فقط، ليس في خده أو وجهه، وله كذلك أن يحتضنه، أما التقبيل فهو عادة سيئة.

    من أين استنبطنا هذه القضية؟

    لما جاء جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من الحبشة -وقد هاجر إليها بأمر رسول الله أيام كان في مكة- بعد أن انتصر الإسلام ولم يجد رسول الله في المدينة، وأخبروه بأنه في خيبر، شد على راحلته والتحق به، فما إن رآه الرسول حتى احتضنه وقبّله.

    عاشراً: في مصالحة أهل فدك قبل غزوهم تقرير معنى حديث: (نصرت بالرعب مسيرة شهر)

    قال: [عاشراً: في مصالحة أهل فدك قبل غزوهم تقرير معنى الحديث: ( نصرت بالرعب مسيرة شهر )] ما إن انتصر الرسول صلى الله عليه وسلم في خيبر وانهزم اليهود حتى أرسل أهل فدك إلى الرسول وقالوا: نصالحك أيضاً.

    1.   

    غزوة وادي القرى

    قال: [غزوة وادي القرى] وهي مدينة موجودة إلى الآن.

    [وبعد الفراغ من غزوة خيبر ومصالحة أهل فدك برئاسة يوشع بن نون على النصف من أموالهم، وإقرارهم على العمل فيها كإقرار أهل خيبر: قصد الرسول صلى الله عليه وسلم وادي القرى ليفتحها، فحاصرها عدة ليال وافتتحها عنوة] أي: بالقوة [وأثناء الحصار قتل مولاه مدعم الذي أهداه إياه رفاعة بن زيد الجذامي، أصابه سهم غرب فقتله] وسهم غرب: أي لا يعرف من أين أصابه، ولا يدرى من هو الذي رماه، ولكن فجأة أصيب بسهم فمات [وقال بعض المسلمين: هنيئاً له الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلا والذي نفس محمد بيده)] وهذه يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم لا تحلفون بها؟ وإخواننا الجهلة يحلفون بحق سيدي عبد القادر ، ورأس فلان، وحق النبي، والكعبة، والطعام الذي أكلنا، وهذه الساعة .. ويؤلهون أشياء كثيرة ويتركون الله مولاهم، والرسول على المنبر يقول: ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليسكت )، ومن ثم ما بقي من يحلف بغير الله، والمسلمون اليوم يحلفون حتى بالطعام، المهم أنهم غير معظمين لله عز وجل، من صرفنا عن هذا؟ إنه العدو الذي حرمنا من تعلم الكتاب والحكمة، وعشنا قروناً جهلة في ظلام. هذه هي الأسباب والعوامل.

    هيا نعود إلى الكتاب والحكمة -وعدنا إن شاء الله- انظروا إلى المسجد كيف هو ممتلئ، إن اليهود والنصارى وفي كل ليلة يذهبون إلى المقاهي والملاهي والمقاصف عندما ينتهي عملهم في الساعة السادسة، ونحن نأتي إلى بيوت الله بنسائنا وأطفالنا، لنتعلم الكتاب والحكمة، فهل يبقى بيننا جاهل أو جاهلة، وإذا انتفى الجهل لم يبق ظلم ولا شر ولا فسق ولا فساد!

    قال صلى الله عليه وسلم: [(إن شملته الآن لتشتعل ناراً)] والشملة: الحزام يشتمل فيه الإنسان في الزمن الأول يشد بها وسطه، وهي موجودة إلى الآن، وكان قد أخذ هذه الشمله خفية من غنائم خيبر قبل أن تقسم، فلما مات بتلك الضربة من السهم الغريب، قال الأصحاب هو في الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا والذي نفس محمد بيده ) من هو الذي نفس محمد بيده؟ إنه الله جل جلاله، وهل تعلمون نتم أن أنفسكم بيد الله؟ إذاً تخافون أن تقبض فلا ترجع إليكم؟

    إن الذي أيقن أن نفسه بيد الله لا يقوى على مجاهرة الله بالمعاصي، فهو يخاف ممن روحه بيده، إن شاء أرسلها وإن شاء منعها، واقرءوا قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر:42].

    قال: [وكان قد غلها] أي: هذا الخادم أو العبد [من فيء المسلمين يوم خيبر، وهنا سمعه رجل] ولنسمع الحديث الذي جرى بينه وبين الأصحاب [فقال: يا رسول الله! أصبت شراكين لنعلين لي كنت أخذتهما؟] وهذا اعترف بسرقة، أو بغلول، ما هو هذا الغلول؟ خيطين للنعال، يعني: لا دينار ولا درهم ولا شملة ولا عمامة [فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم ( يعد لك مثلهما من نار )] أي: يهيئ لك مثل الشراكين ولكن من النار، والشراك: خيط يربط به النعال.

    قال: [وترك النبي صلى الله عليه وسلم النخل والأرض في أيدي أهلها، وعاملهم معاملة أهل خيبر وفدك سواء بسواء] أبى أن يجليهم وقال: ابقوا في بساتينكم ومزارعكم وأعطونا النصف والنصف الآخر لكم، كما عمل مع أهل خيبر وفدك.

    [وبقي الأمر في خيبر وفدك ووادي القرى كما تركه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عهد عمر رضي الله عنه] أي: بقي هذا الحكم في خيبر وفدك ووادي القرى يعطون نصف الغلة ونصفها لهم إلى عهد عمر بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه [ثم نفذ عمر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم وهي قوله: ( لا يجتمع دينان في الجزيرة )] أي: لا يصح أن تفتح كنيسة أو بيعة لليهود أو معبد للبوذيين في هذه الجزيرة، والمملكة -والحمد لله- ثبتت، وما سمحت بأن يبنى فيها كنيسة، ولكن جيراننا في الجزيرة عندهم كنائس وبِيع، ولا يحل أن يعبد غير الله في هذه الديار.

    ولدي لطيفة أكررها:

    منذ سنوات كنا في باريس للدعوة -عن طريق الجامعة الإسلامية- وإذا بكاتب -وهو قس- اسمه طارطار يكتب في جريدة الجمهورية الفرنسية ويقول: لم السعودية تمنع إخواننا العمال في بلادها من أن يبنوا كنائس يعبدون فيها الله، ونحن نسمح للمسلمين بعشرات المساجد ومئاتها؟!

    فرددت عليه قائلاً -بالترجمة-: يا مسيو طارطار ! إن الجزيرة أو المملكة العربية السعودية كلها عبارة عن مسجد، فهل يصح أن تبنى كنيسة في مسجد؟ الجواب: لا، وهل يصح أن يبنى مسجد في كنيسة؟ الجواب: لا، فلهذا ليس مسموحاً أبداً بهذا عندنا؛ لأن هذه قبة الإسلام وبلاده، يقول الرسول القائد فيها: ( لا يجتمع دينان في الجزيرة )، أما في بقية العالم الإسلامي فهناك كنائس وبيع.

    فرد علي وقال: اجتمع إخوان لنا في جدة ليلة قداس، وما زالوا في فرحهم حتى انقض عليهم رجال الهيئة فدخلوا عليهم بالقوة وسفروهم أجمعين.

    قلت له: يا مسيو! هذا ليس خاصاً بالنصارى، فحتى المبتدعة والخرافيون عندنا وأصحاب الباطل إذا عُثر عليهم في ليلة من الليالي بمنكر من المناكير فعلى الفور يسفرون ويبعدون من دار الإسلام. فسكت.

    قال: [فأجلى اليهود من الجزيرة إلى خارجها، وطهرت قبة الإسلام من رجس المشركين وكفر الكافرين من سائر الناس].

    1.   

    نتائج وعبر من غزوة وادي القرى

    قال: [نتائج وعبر:

    إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً هي كالتالي:

    أولاً: مشروعية مواصلة الغزو والفتح؛ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله] أخذ بهذا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولادهم، فانتهى الإسلام إلى الأندلس غرباً وإلى ما وراء نهر السند شرقاً في خمس وعشرين سنة، واليوم أراحنا الله من أن نحمل السلاح ونقاتل الكفار، فبلاد الكفار كلها مفتوحة، أمريكا وكل ما تحتها، وأوروبا شرقها وغربها، واليابان والصين، امش فقط، وادع إلى الله وابنِ المسجد وكبّر، وليس هناك من يقول لك: لا تفعل!

    لم إذاً وقد أراحنا الله من أن نغزوا بالسلاح لا نكوّن لجنة عليا يشارك فيها كل مسلم في العالم بدينار أو درهم في الشهر أو في السنة وتصبح ميزانيتها أكبر ميزانية في العالم على أن يكون هذا سرياً لا يطلع عليه اليهود ولا النصارى ولا غيرهم، ثم تضع هذه اللجنة خريطة لكل العالم تبين فيها عدد المسلمين في كل دولة، وكذلك مراكز الدعوة والمساجد، وتتولى جمعهم على مذهب رسول الله، فلا حنفي ولا مالكي ولا حنبلي ولا رافضي ولا أباظي، وإنما مسلم فقط، فيجتمعون على الكتاب والسنة، ويأخذون في الطيبوبة والطهر، والتربية الربانية، لم لا نفعل هذا؟

    لأننا ما فعلنا هذا في بلادنا، وما اجتمعنا على كتاب الله وسنة رسوله، وما زلنا مفرقين مذاهب وأحزاباً وعنتريات وأوطاناً، وكأننا ما عرفنا الله بعد ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، ماذا نقول؟! اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، واهدنا يا رب وإياهم إلى صراطك المستقيم.

    [ثانياً: حرمة الغلول من الغنيمة ولو كان المأخوذ شراك نعل]

    [ثالثاً: لا يصح الجزم لأحد بأنه في الجنة أو في النار] لا يصح لك أن تقول: سيدي فلان في الجنة، أو الرجل الفلاني في الجنة، أو تقول: فلان أو فلان من الناس في النار، فلا يصح أن تجزم جزماً قاطعاً بأن فلان في الجنة أو في النار، ولكنا نرجو للمحسنين إذا ماتوا أن يكونوا من أهل الجنة، وإذا مات المرء مجرماً فاسقاً نخاف أن يكون من أهل النار، أما أن نجزم فلا حق لنا، ونكذب بذلك على الله.

    إذاً: معاشر المؤمنين إذا مات أحد إخواننا أو أعمامنا في القرية أو في أي مكان وكان من الصالحين نقول: نرجو الله أن يكون من أهل الجنة، وإذا كان من الفاسقين نخاف أن يكون من أهل النار.

    من أين أخذنا هذا؟

    الصحابة لما قتل خادم الرسول بالسهم ظلماً وعدواناً، قالوا: هنيئاً له الجنة فقال: (كلا)، وذكر سبب ذلك،

    ولعل البعض يقول: أما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من مات وآخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة )؟ نعم. ولكن أيضاً لا نجزم بهذا، فمن مات وآخر كلامه لا إله إلا الله نرجو له أن يكون في الجنة، لكن قد يكون هذا بعد تعذيب وتأليم، وأما مباشرة فأمره إلى الله.

    [رابعاً: جواز الحلف بدون طلب واستحلاف، وذلك لتأكيد الكلام وتقويته لفائدة المتكلم أو السامع] الرسول كان يحلف ويقول: ( والذي نفس محمد بيده )، وبعض طلبة العلم يعترضون علينا، يقولون: نحن نحلف دائماً، فنقول لهم: أما رأيتم الرسول يحلف؟! وهل نحن نحلف لنأكل أموالكم أو لنسبي نساءكم؟ نحن نحلف لكم حتى تتأكدوا من صحة الخبر وفائدته، ثم الحلف بالله عبادة من أعظم العبادات، وهي التوحيد بعينه، والحلف بغير الله من أنواع الشرك، لكن احذر أن تحلف بالله كاذباً ويا ويلك إن حلفت به كاذباً؛ لتأخذ أموال الناس أو تفعل وتفعل لنفسك، وهو الهلاك بعينه، أما أن تحلف صادقاً؛ لتقرير علم أو تقوية حجة لإخوانك المؤمنين فلا بأس.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه ..