إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 78للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان صلح الحديبية فتحاً عظيماً للمسلمين، دخل الناس بعده في دين الله تعالى، وسمعت القبائل كلها بالإسلام، وقويت شوكة المسلمين، وبشرهم الله تعالى بفتح خيبر، وبالغنائم الكثيرة فيها، مع أن بنود الصلح كان ظاهرها أنها ضد المسلمين، ولكن الله تعالى جعل في ذلك خيراً عظيماً، وفتحاً مبيناً.

    1.   

    خلاصة ما جرى في صلح الحديبية

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    لنقضي ساعة مع حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وقد انتهينا إلى التحلل من الإحرام في غزوة الحديبية، وخلاصة ما تقدم: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ومعه ألف وأربعمائة رجل يريدون العمرة؛ وذلك في السنة السادسة من الهجرة، فبعد أن نصرهم الله في غزوة الخندق وهزم المشركين، رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قادر على أن يعتمر، فخرج برجاله -ومعهم نسوة كذلك لا يذكرن فالعبرة بأهل بيعة الرضوان- ولما قرب من مكة بلغ قريشاً خروجه فجهزت رجالها وخرجت بجيشها، فعدل رسول صلى الله عليه وسلم عن طريقه ومال إلى الجهة الغربية فنزل بمكان يقال له الحديبية.

    وجرت سفارات متعددة، وانتهت بالاتفاق على صلح مدته عشر سنوات، وكتب الصلح بين الرسول وبين المشركين السكرتير الخاص علي بن أبي طالب ، وكان سفير قريش في هذا الصلح سهيل بن عمرو -رضي الله عنه- الذي دخل في رحمة الله بعد ذلك، وكانت أحداثاً مؤلمة، وسفارات شديدة، وتمت الاتفاقية على أن يعود الرسول ورجاله إلى المدينة، ويحرمون من عام قابل، تخلا لهم مكة ثلاثة أيام، ثم يعودون إلى ديارهم.

    1.   

    تحلل النبي وأصحابه من إحرامهم بعد إبرام صلح الحديبية

    قال: [التحلل من الإحرام: ولما فرغ الحبيب صلى الله عليه وسلم من أمر المصالحة] بينه وبين قريش [وكان من بنود وثيقة الصلح أن يعود محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة على أن يعتمروا من العام القابل] أي: من العام الآتي، أما هذا العام فقالت قريش: لن نقبل. كيف يسمع العرب ويقولون: انهزمت قريش! [من هنا أمر الناس بالتحلل من الإحرام] أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين أن يتحللوا من الإحرام [ليعودوا إلى المدينة، فكَبُرَ عليهم ذلك ولم يفعلوا] يعني: كيف نرجع ونتحلل ونعود دون أن نعتمر؟ فصعب عليهم الأمر، ومن هم هؤلاء؟ خيرة الخلق، أحسن الناس مطلقاً في عهدهم وإلى يوم القيامة.

    [فدخل الرسول صلى الله عليه وسلم على أم سلمة رضي الله عنها] أمنا أجمعين، تلك التي بقيت سنة كاملة وهي تبكي بعد أن منعت من الالتحاق بزوجها في المدينة، وأخذ منها ابنها، ومات أبو سلمة رضي الله عنه وعوضها الله خيراً منه رسوله صلوات الله وسلامه عليه.

    [فقالت له: انحر هديك وتحلل، فسوف يفعلون ما تفعل] وحلّت المشكلة. هذه جامعية؟ هل تحمل دكتوراه في علم النفس أو السياسة الأوهامية؟! والله إلى يوم القيامة لا يوجد مؤمن صادق ولا مؤمنة صادقة إلا ألهموا أعظم هذه السياسات كلها، يقول تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257]، أما نحن فمزقنا ولايتنا، وشتتنا أمرنا، وأصبحنا نرفع أيدينا فلا يستجاب لنا.

    ولعل قائلاً يقول: يا شيخ كيف تقول هذا؟ فأقول: عمر رضي الله عنه يقول فيه الرسول: ( ما سلك عمر فجاً -طريقاً واسعاً- إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه )، لأن قوة نوره تحرق الشياطين، ويقول عمر : (لولا الخلافة وأعباؤها لكنت مؤذناً)، ويستدعيه أحد ولاته أيام خلافته فيضع له سفرة -سفرتنا نحن الآن أفضل منها عشرين مرة- فينظر إلى الطعام متلوناً، فيقوم منتفضاً، فيقول له الوالي: ما لك يا خليفة رسول الله؟! قال: خشيت أن أكون من الذين قال الله فيهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20]، كان عمر الخليفة يحمل قطعة اللحم من السوق في ثوبه رضي الله عنه وأرضاه.

    إذاً: هذه المؤمنة الربانية أرشدت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حل مشكلة، بعد أن أمر بالتحلل فأبى أن يتحلل المؤمنون، وعز عليهم أن يعودوا منهزمين، وأن لا يحققوا عمرتهم خوفاً من هؤلاء المشركين.

    قال: [وكانت رضي الله عنها سديدة الرأي] أي: دائماً تصيب فلا تخطئ، ونحن يمسخون بناتنا مسخاً، حتى تنسى ربها، وبذلك تصبح ذات وظيفة وشأن، أي وظيفة وأي شأن وأي هبوط هذا؟! وأين الرجال ووظائفهم وسياساتهم؟ هابطون إلى أعماق الباطل والشر. إن أمة تعرض عن كتاب الله كيف تنجو، كيف تسلم، كيف تعود إلى مكانتها بين الأمم؟

    [فنحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه وحلق رأسه وتحلل من إحرامه، فما إن رآه أصحابه حتى فعلوا، فحلق بعض وقصر بعض] بعضهم حلق رأسه وبعضهم قصره [فقال صلى الله عليه وسلم: ( يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟! قال: يرحم الله المحلقين، وفي الرابعة قال: والمقصرين )] ثلاث دعوات للمحلقين، وواحدة للمقصرين، والحلق هو حلق الرأس وتنظيفه من سائر الشعر، والتقصير هو قص الشعر الطويل ليبقى قصيراً.

    [( ويسألونه قائلين: لم ظاهرت الترحيم للمحلقين -أي قويته- أي دون المقصرين؟ قال: لم يشكوا )] كيف لم يشكُّوا؟ لأنهم كانوا مضطربين في التحلل أولاً، فهمّوا أن لا يتحللوا، فلما رأوا رسول الله ائتسوا به، فالمقصرين شاكين، ما اطمأنت نفوسهم ولهذا لم يحلقوا، والمحلقون موقنون!

    لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم! أكملنا ذو اليقين، أما من كان بين وبين ما ينفع، اليقين الكامل مطلوب.

    قال: (لم يشكُّوا) فلهذا دعونا لهم بالرحمة، أما المقصرون فقد كانوا غير مرتاحين لأن يتحللوا ويعودا للمدينة بعد أن وصلوا قريباً من مكة محرمين، والرسول وقف معهم حتى ساقه الله إلى أم سلمة ، وكانت سديدة الرأي، فقالت: ابدأ أنت وسيتبعونك، فحلق ونحر هديه فاتبعوه أهل اليقين، وكان هناك مرتابين شاكين، فدعا للمحلقين؛ لأنهم مطمئنون إلى صحة هذا الحلق.

    [وقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عائداً إلى المدينة مع أصحابه] أي: رجع عائداً إلى المدينة مع أصحابه [وأثناء مسيره نزلت عليه سورة الفتح] أثناء مسيره من الحديبية عائداً إلى المدينة نزلت عليه سورة الفتح [ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1] إلى آخر السورة، وقد اشتملت على جُلِّ أحداث غزوة الحديبية] من قرأها ووقف عليها وجد ذلك [مما تم فيها وما لحق بها من فتح خيبر وفوز المؤمنين بغنائم خيبر، والبشارة بعمرة القضاء، وتمامها على الوجه الأكمل بعد عام واحد من تلك الأيام، وبذلك صدق الله رسوله رؤياه المبشرة له وللمؤمنين بدخولهم مكة آمنين غير خائفين] قال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ [الفتح:27]، وفي سنة واحدة تحققت هذه البشرى.

    1.   

    آثار صلح الحديبية

    قال: [آثار المصالحة] الحربية والسياسية والاجتماعية.

    أولاً: هجرة أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط إلى المدينة

    [ومن آثار المصالحة أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قد هاجرت إلى المدينة بعد عقد الهدنة بأيام، هاربة من دار الكفر إلى دار الإسلام] وعقبة بن أبي معيط كان من شر الخلق، وله قصة وهي: أنه عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عند الكعبة ذات مرة قبل الهجرة -والصلاة فرضت في السنة العاشرة، وأقام ثلاث سنوات يصلي مع المؤمنين في مكة- جاء هذا الملعون بسلا بعير وجده عند الصفا -ناقة ولدت هناك- ووضعه بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، فجاءت جويرية صغيرة وهي فاطمة بنت محمد رضي الله عنها ونزعت السلا من على ظهره، ونالت من ذاك الملعون منالاً، فما استطاع أن يرد عليها لأنها طفلة صغيرة، وقد قتل -والعياذ بالله- في غزوة بدر.

    هذا الرجل كان له بنت تسمى أم كلثوم ، هاجرت إلى المدينة بعد عقد الهدنة بأيام هاربة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وقد عرفتم مقتضيات الهدنة وهي: أنه إذا هرب إنسان مؤمن من مكة إلى المدينة على الرسول أن يرده، وإذا هرب شخص من المدينة إلى مكة لا يُرد على النبي. وتحمل الرسول في هذا الصلح ما لا تتحمله الجبال.

    قال: [فلحق أخواها عمارة والوليد يطالبان بها]؛ لأنهما كافران، وفرت أختهما، وجاءت مسلمة إلى المدينة، فجاءا يطالبان بها بموجب الاتفاقية [ولما كانت نصوص الهدنة تتعلق بالرجال دون النساء] الحمد لله انفرجت! نصوص الهدنة كانت تتعلق بالرجال، فإذا هرب من مكة إلى المدينة رجل على محمد أن يرده، وإذا هرب من المدينة إلى مكة رجل لا يردونه، أما المرأة فمسكوت عنها [لأن النساء لا يحاربن] لا تحمل السلاح ولا تدخل المعركة.

    قال: [أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردها إليهما] إلى أخويها [وأنزل الله تعالى في ذلك قرآناً] يتلى إلى اليوم [هو قوله تعالى من سورة الممتحنة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ [الممتحنة:10]] إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات من مكة إليكم بالمدينة [ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة:10]]. لعلها جاءت لمادة أو لزواج أو لدنيا، فاختبروها أولاً [ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا [الممتحنة:10]] إذا كان لها زوج نعطيه المهر الذي دفعه لهذه المؤمنة الهاربة بدينها، وإذا كانت غير متزوجة -كهذه- فقد رد الرسول أخويها خائبين بهذه الآية.

    هذا هو الإسلام يا أبناءنا، ينزل حكم الله ليبين الطريق للسالكين، ونحن نقرأ القرآن على الموتى ولا نشعر بهذا الكلام أبداً، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ لكن إذا ظهر لكم أنها مؤمنة، ومعنى هذا أنكم لا تشقوا عن القلوب، ولكن امتحنوا واسألوا ومن ثم يلوح لكم النور وتعرفوا هل هي مؤمنة أن كافرة: فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ أبداً. لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ أي: لا يحل لمؤمن أن يتزوج كافرة، ولا لمؤمنة أن تتزوج كافراً، باستثناء اليهود والنصارى فقط؛ لأنهم أهل كتاب، أما المشركون فلا يحل -مطلقاً- لمؤمن أن يتزوج مشركة، ولا لمؤمنة أن تتزوج مشركاً من الرجال، ولو تزوجت امرأة كافراً وجب على المسلمين أن ينقذوها منه، ولو بإعلان الحرب الكاملة لإنقاذها، ولا يطأها كافر ويمنعها من عبادة الله تعالى.

    ثانياً: هرب أبي بصير من مكة إلى المدينة

    [ومن آثار المصالحة أيضاً: أن أبا بصير هرب من مكة] أبو بصير فحل من فحول قريش كان مؤمناً مسلماً ووجد فرصة فهرب من مكة [فبعثت قريش في طلبه رجلين، فطالبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعطاهما إياه بموجب بنود الاتفاقية] ولم تكن نفس الرسول ولا أصحابه مطمئنة لهذا، ولكنه الاتفاق، فهل تعرف الدنيا اليوم اتفاقاً كهذا؟ إنهم يكذبون ولا يوثق فيهم أبداً ولا يطمئن إليهم؛ لأن القلوب ليس فيها نور الله.

    [وقال له: ( يا أبا بصير ! إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر )] كيف نغدر ونخون الوثيقة [( وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً )] وما هي إلا سنة وفتح الله عليهم [( فانطلق إلى قومك )] يا أبا بصير [( فقال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين يفتنوني في ديني؟! فقال: يا أبا بصير انطلق إلى قومك.. إلى قوله: مخرجاً )] وهو قوله الأول: ( إن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً ) [فانطلق أبو بصير مع الرجلين] يقودانه إلى مكة [حتى نزلوا ذا الحليفة للاستراحة] وهو ميقات أهل المدينة، على بعد ثلاثة عشر كيلو منها، ونزلوا للاستراحة؛ لأنهم يمشون على أرجلهم [فنظر أبو بصير إلى سيف المشرك، وقال له: أتأذن لي أن أنظر إليه؟] يعني: هل تسمح لي أن أنظر إلى هذا السيف العجيب! [قال: نعم. فأخذه واستله من قرابه، ثم ضرب به المشرك فقتله وهرب الثاني] لما استله من قرابه ضرب به المشرك بسرعة فمات، وهرب الثاني [فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم] أي: عاد إلى المدينة [وأخبره بالحادث] كما تم.

    [وجاء أبو بصير متوشحاً بالسيف، وقال: ( يا رسول الله! وفت ذمتك وأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وأدى الله عنك، وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه، أو يعبث بي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه رجال )] وأصبحت الاتفاقية لا تتأثر بهذا، فقد رده إليهم، وهم الذين انهزموا وخرج من أيديهم فما بقي لهم كلام.

    [ثم خرج أبو بصير فاراً حتى أتى العيص من ساحل البحر -طريق قوافل قريش إلى الشام- وسمع به آخرون في مكة فهاجروا إليه، فكوّنوا بذلك جيشاً مسلماً، وأذاق قريشاً الأمرين بأخذ قوافلهم وقتل رجالهم، فما كان منهم إلا أن كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون إليه ويسألونه بالرحم إلا آواهم وردهم إليه] قالوا: رد إليك رجالك. يعني: ما داموا قطعوا الطريق عنا، وأكلوا أموالنا وقتلوا رجالنا ردهم إليك، ونقضنا الاتفاقية. وهذا هو المخرج والفرج، دعوة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.

    [فآواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وردهم إلى المدينة، وهذا من الفرج والمخرج الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بصير وأبا جندل قبله، فكان والحمد لله] وأبو جندل هرب إلى معسكر الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية، فضربه أبوه، وردوه وهو يصرخ ويبكي، فلما تكونت هذه الجماعة لحق بهم.

    1.   

    نتائج وعبر من صلح الحديبية

    قال: [نتائج وعبر] بعد أن انتهت هذه الحادثة إليكم نتائجها وعبرها، إذا كنتم تريدون أن تعبروا إلى ما هو خير وأكمل، فهذه معبّرات أو عبارات -باللغة المصرية-.

    [إن لهذه المقطوعة من السيرة نتائج وعبراً نبينها كالآتي: أولاً: وجوب الاعتمار وحرمة البيت الحرام وتعظيمه] العمرة واجبة ولكن دون الفرض، فهي سنة مؤكدة والدليل خروج الرسول صلى الله عليه وسلم مع ألف وأربعمائة من الصحابة إليها، وحرمة البيت الحرام وتعظيمه أخذناها من عدم المقاتلة فيه.

    [ثانياً: بيان العزم المحمدي الذي لا يهن أبداً، المتجلي في قوله: ( والله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله، أو تنفرد هذه السالفة )] وهذا الكلام قاله صلى الله عليه وسلم لما علم بخروج قريش لملاقاته وهو لم يجئ إلا معتمراً. والذي بعثه الله به هو أن يعبد الله وحده دون سواه في الكون، ولا يبقى في الأرض من يعبد غير الله.

    [ثالثاً: كلمة التوبة هي: نستغفر الله ونتوب إليه] أعلنها لأصحابه لما اشتدت الأزمة في الحديبية، قال: ( قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه ).. وكرروها حتى فرج الله ما بهم، ويا ليتها تكون من أورادنا دائماً.

    [رابعاً: آية النبوة المحمدية المتجلية في جَيَشانَ الماء في البئر التي أُدخِل فيها سهم النبي صلى الله عليه وسلم] لما نزلوا على مكان ليس فيه ماء وقالوا: يا رسول الله! كيف ننزل هنا، أخذ من كنانته صلى الله عليه وسلم سهماً وأمرهم بأن يضعوه في قليب من القلب ففاض كما تفيض العيون، وسقوا وشربوا واغتسلوا، وهذه آية من آيات النبوة.

    [خامساً: بيان كمال الحليس سيد الأحابيش في سفارته فقد كان لغضبه المشرف أثر طيب] وهذا بعثته قريش، ولكن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع الحق.

    [سادساً: بيان مدى إجلال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، الأمر الذي أدهش سفير المشركين عروة بن مسعود ، فحذر لذلك قريشاً وقال: رُوا رأيكم!!]؛ لأنه لما جاء وجد المغيرة بن شعبة واقف على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه كذلك بين يديه، فإذا بصق بصاقة تلقفوها فلا تقع على الأرض، فلما رأى هذا الطائفي الثقفي أخبر به قريشاً، وقال: لن تفلحوا مع هؤلاء، فقد رأيت من أصحابه ما رأيت. ولو لم يكونوا كذلك رضوان الله عليهم -والله- ما انتصروا.

    فلهذا نقول وما زلنا نقول: لهذه الطوائف وهذه الجماعات لابد وأن يكون لها إماماً يبجلونه ويكبرونه ويعظمونه بإكبار الله وإجلاله وتعظيمه، فإذا قال: صوموا صاموا، وإذا قال: أفطروا أفطروا، وإذا قال: قفوا وقفوا. وإذا لم يكن على هذه الصورة فلا نتائج إلا الخسران والبلاء.

    وأهل القرية يجب أن يكون فيهم شيخ من هذا النوع، إذا دعاهم إلى خير هبوا مسرعين وخفوا، وإذا نهاهم عن باطل وشر تركوا وعدلوا، فيصبحوا وكأنهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الزعامات والتطاول فلا فائدة منها، ولن نفلح إلا إذا رجعنا إلى الطريق، فـعقبة بن مسعود لما شاهد التبجيل والاحترام والتعظيم قال: مثل هؤلاء لا يهزمون، وأعلم قريشاً بذلك فخارت قواها.

    [سابعاً: تجلي الكمال المحمدي في عفوه عن الأربعين مجرماً الذين أُلقي القبض عليهم حول المعسكر، وهم يرمونه بالحجارة والنبل أيضاً، وهو موقف مشرف كان له أثر طيب في اتفاقية الهدنة المباركة] قبل الاتفاقية وقبل عقد الهدنة جاء أربعون مجرماً من مكة، ووقفوا وراء جبل وأخذوا يرسلون الحجارة والنبال على معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام رجال من المؤمنين فطوقوهم وأخذوهم، ووضعوهم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فماذا فعل بهم؟ هل ذبحهم؟ هل بقر بطونهم؟ هل فقأ أعينهم؟ لا، وإنما قال: اذهبوا وتركهم. والآن هناك جماعات يدعون الإسلام ويذبح بعضهم بعضاً! أعوذ بالله.. أعوذ بالله، أعداؤه صلى الله عليه وسلم عفا عنهم، وقال: اذهبوا، ونحن يذبح بعضنا بعضاً؟!

    [ثامناً: بيان فضيلة عثمان بن عفان في كونه لم يرض أن يطوف بالبيت دون رسول الله صلى الله عليه وسلم] لما بعثه الرسول سفيراً إلى قريش احترمته لقرابته، وقالت: طف بالبيت أنت ولا بأس! فقال: لا. كيف أطوف أنا بالبيت والرسول محروم منه، ورفض أن يطوف.

    قال: [وفي بيعة الرسول له وهو غائب] لما بايع الرسول المؤمنين وعثمان غائب، وضع يداً على أخرى وقال: ( هذه لـعثمان )، قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [الفتح:18-19]، وما إن عادوا إلى المدينة حتى خرجوا إلى خيبر، وكانت الغنائم، وكان فتحاً عجيباً.

    [تاسعاً: بيان فضل أهل بيعة الرضوان؛ إذ هم في الدرجة الثانية بعد أهل بدر] أصحاب الرسول أفضلهم أبو بكر -والله الذي لا إله غيره- ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، ثم باقي العشرة -الستة الآخرون- ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، بهذا الترتيب [قال الله تعالى فيهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18].

    عاشراً: بيان فضل عمر بن الخطاب المتجلي في توبته الطويلة الأمد من أجل كلماته التي قالها -وهي حق- إلا أنها اصطبغت بصيغة شبه المعارضة في قضية عامة] لما كادت الاتفاقية تتم غضب عمر وقال: ( ألسنا على الحق يا رسول الله؟! فقال: أنا رسول الله ولن يضيعني )، هذه الكلمة التي واجه بها الرسول صلى الله عليه وسلم ما زال يتصدق عنها ويبكي ويصوم ندماً عليها، وهي كلمة فقط، ونحن نسخر من هدي الرسول وسنته وشرائعه ثم نقول: نحن مسلمون!!

    [الحادي عشر: من الحكمة أن يتنازل المرء عن أشياء لا تضر بأصل قضيته لتحقيق أشياء أعظم منها] تجلى هذا في الصلح.

    [الثاني عشر: فضل علي رضي الله عنه في كتابته الوثيقة وعدم اعتراضه على ما اعترض عليه فيها غيره من الأصحاب] علي كان يكتب وما ظهر أبداً أنه غاضب أو لا يريد.

    [الثالث عشر: وجوب الوفاء بالعهود وحرمة الغدر والخيانة] وتجلى لنا هذا في قصة أبي بصير .

    [الرابع عشر: وجوب الهدي على من أحصر عن إتمام الحج أو العمرة، وبعد نحر الهدي يتحلل بحلق أو تقصير] وهذا إلى يوم القيامة، إن اشترط على ربه فإنه يتحلل وليس عليه نحر ولا صيام، وإن لم يشترط على ربه وأصابه مانع فإنه لا يتحلل حتى يطوف بالبيت، فإن كان عاجزاً نحر وتحلل، وهذا بعض أهل الفقه لا يقولون به، ولكنه صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة أبي بكر وهي مريضة، فقال: ( اشترطي ) فاشترطت.

    فأيما شخص يخاف أن لا يصل إلى مكة؛ لسبب من الأسباب عليه أن يقول: اللهم محلي حيث حبستني، فإذا حبس بمانع من الموانع ما عليه إلا أن يلبس لباسه وكفى، ولا شيء عليه، أما إذا ما اشترط ونسي أو ما عزم أو قال: هذا لم يقل به مالك -مثلاً- أو أبو حنيفة فعليه أن ينحر ثم يتحلل، فإن لم يستطع النحر صام عشرة أيام.

    [الخامس عشر: بيان حكم المهاجرات من النساء المؤمنات وأنهن لا يرجعن إلى دار الكفر بعد خروجهن منها] هذا والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.

    وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ..