إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 72للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما نقض بنو قريظة العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق أراد الله تعالى أن يعاقبهم بعقاب يستحقونه، حتى يكونوا عبرة لغيرهم، فلما رجع رسول الله من غزوة الخندق أتاه جبريل فأمره أن يخرج إلى بني قريظة، فخرج إليهم يحدوه النصر والعزة، ثم حاصرهم أياماً، وبعدها نزلوا على حكمه فحكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه أن تقتل رجالهم وتقسم أموالهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله).

    1.   

    غزوة بني قريظة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    لنقضي ساعة مع حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وقد انتهى بنا الدرس إلى [غزوة بني قريظة]، وتذكرون أننا مع غزوة الأحزاب، فقد جمع الأحزاب وألبهم من الشرق والجنوب ذلكم اليهودي عليه لعائن الله حيي بن أخطب ومن معه؛ لأنه لما كتب الله الجلاء على بني النضير، وأجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل بعضهم بخيبر حيث ديار اليهود، عزم بعضهم على أن ينتقم، فألب الجيوش من الشرق والجنوب حتى اجتمعت الأحزاب، وهزمهم الله بعد حصار دام خمسة وعشرين يوماً، وكانت النهاية أن سلط الله عليهم ريحاً ما أبقتهم.

    وبنو قريظة طائفة من اليهود كان بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد وميثاق، لكنهم نقضوا عهدهم حيث غرر بهم من غرر، وانضموا إلى الأحزاب؛ ليقاتلوا معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنقضهم عهدهم وميثاقهم استوجبوا القتل.

    إذاً: انتهت معركة الأحزاب أو الخندق، وها نحن مع بني قريظة ..

    بنو قريظة هي إحدى طوائف اليهود الثلاث، والطائفة الأولى هم بنو قينقاع، والطائفة الثانية هم بنو النضير، والسؤال: كيف تجمع اليهود هنا؟ تجمعوا لأنهم علموا من كتبهم الإلهية: أن نبي آخر الزمان مهاجره بلدة ذات نخل وسبخة بالديار الحجازية، فقالوا: ننزح إليها ونجلس فيها، وإذا ظهرت النبوة الخاتمة نؤمن بصاحبها ونجاهد معه ونسترد ملكنا وسلطاننا، فنزحوا إلى المدينة لهذا الغرض، ولأنهم فيهم علم والعرب كانوا أميون جهال فقد كانوا سائدين -أيضاً- محترمين، ولا بد أن الجاهل يحترم العالم كيفما كان.

    والطائفة الأولى منهم وهم بنو قينقاع لما دخل الرسول المدينة مهاجراً كتب بينه وبينهم عقوداً -وقد مرت بنا نصوصها- فنقضوها، وسبب نقضهم الميثاق: أن مؤمنة جاءت إلى صائغ يهودي تريد أن تستبدل عنده حلياً بحلي أو يصوغ لها نوعاً من الحلي، فراودها بعض اليهود على كشف وجهها، فأبت، فبينما هي جالسة عمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فصاحت ووقعت على الأرض، فقام مسلم إلى اليهودي فقتله، وشد اليهود على المسلم فقتلوه.

    ومن ثَمَّ أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم الحرب عليهم؛ لأنهم نقضوا عهدهم وميثاقهم، وشفع لهم ابن أبي رئيس المنافقين بوصفهم أحلافاً له، فقبل الرسول شفاعته وقال: فليخرجوا من المدينة؛ فالتحقوا بأذرعات من الشام ولم يبق منهم أحد.

    وبنو النضير تآمروا على قتل الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد أن ذهب إليهم ليطالب بالإسهام في دية رجلين قتلا ظلماً، بناءً على ما كان بينه وبينهم من عهود ومواثيق، فلما ذهب يطالبهم بقدر من المال حسب الوثيقة والاتفاق أجلسوه في ظل جدار ثم تهيئوا لقتله، فجاءوا بمطحنة أو رحى وأرادوا أن يرسلوها من فوق السطح على رأسه صلى الله عليه وسلم، فأوحى الله إليه بالمؤامرة فقام وتبعه أصحابه، ومن ثَمَّ أعلن الحرب عليهم، فطوقهم وحاصرهم، وتم بإذن الله تعالى جلاؤهم، وخرجوا من المدينة إلى الشام آخذين معهم كل ما عندهم، حتى بعض أبواب بيوتهم، قال تعالى: وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر:3-4].

    وبقي بنو قريظة على عهدهم وميثاقهم، فلما جاءت حرب الأحزاب والخندق سحروهم ودجلوا عليهم لينضموا مع الأحزاب ضد النبي صلى الله عليه وسلم، فانهزموا وانضموا إلى المشركين، فنقضوا عهدهم. ولنسمع الآن ماذا تم لهم ..

    نقض بني قريظة للعهد الذي بينهم وبين الرسول في الأحزاب

    قال: [بنو قريظة إحدى طوائف اليهود الثلاث الذين كانوا يسكنون حول المدينة النبوية، ووادعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوا عهدهم واحدة بعد واحدة] طائفة بعد أخرى [وصدق الله العظيم إذ يقول: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [البقرة:100]، فاليهود إلى اليوم لا يفون بعهد ولا يلتزمون بميثاق، فكان النكث والغدر وصفاً لازماً لهم إلا ما شاء الله منهم].

    وهنا صرخنا أربعين سنة، لو أن العرب كانوا أهلاً لتوفيق الله؛ لما قضى العالم عليهم بقسمة فلسطين بينهم وبين اليهود كان عليهم أن يرضوا بالقسمة، ويتعهدوا بحسن الجوار وعدم الأذى حتى يتكامل المسلمون ويقوون، ومن ثم ينقض اليهود ميثاقهم بأنفسهم، فيضربونهم العرب ضربة شرعية؛ لأنهم غدروا وتنتهي المشكلة، لكن ما وفقوا لذلك؛ وإخوانهم موزعون في كل بلاد سائرين، وهم يجمعون لهم المال بالشحاتة حتى من عند اليهود والنصارى، وهذا شأن من يفقد ولاية الله، يتخبط إلى أن يتحطم، ووالله لو هداهم الله وعرفوا لكانوا عندما قسمت فلسطين اعترفوا بالواقع، وقالوا: هيا نجمع إخواننا ونقوهم ونكونهم ويكثر أولادهم ورجالهم، وبعد عامين أو عشرة أو عشرين سنة ونحن مستعدون، وبمجرد أن ينقض اليهود العهد نضربهم. وهم سينقضون عهدهم قطعاً، فقد أخبر الله تعالى: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [البقرة:100].

    [فبنو قريظة نقضوا عهدهم وانضموا إلى معسر المشركين المحاصرين للمدينة الذين جاءوا لاستئصال الرسول والمؤمنين -خيب الله مسعاهم- فبهذا وجب قتالهم وتعين قتلهم أو إجلاؤهم عن البلاد وإخراجهم منها.

    كان هذا سبب غزوة بني قريظة، وهو نقضهم المعاهدة، وانضمامهم إلى المشركين الغزاة الظالمين المعتدين] عرفنا إذاً كيف قاتلهم الرسول؟ لأنهم نقضهوا العهد. هذا هو السبب.

    1.   

    خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة

    [بداية غزوهم:

    لما عاد الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من الخندق] والخندق هناك على كيلو متر من هنا، وراء سفح سلع [وذلك يوم الأربعاء من أواخر شهر ذي القعدة من سنة خمس من الهجرة ودخلوا المدينة] أي: أصحاب الرسول المجاهدون رجعوا من الخندق؛ لأن الحرب انتهت، فعادوا إلى ديارهم بهذا التاريخ [فلما كان وقت الظهر أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم معتجراً بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج] والديباج نوع الحرير.

    إذاً: لما كان وقت الظهر من يوم الأربعاء، وعاد الرسول والمؤمنون من الخندق أتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية بن خليفة الكلبي معتجراً بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة؛ والاعتجار بالعمامة هو: ألا يجعل شيئاً منها تحت اللحية، ولكن فقط فوق رأسه، والمرأة تعتجر أيضاً ولها عجار، والإستبرق نوع من حرير أسود، والرحالة: السرج.

    [فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم. فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد] أين قاتلت الملائكة؟ في سلع، من اقتلع الخيام وأهرق القدور وجعل المشركين في هلع؟ وشرد اثني عشر ألفاً، من فعل بهم هذا؟ إنهم الملائكة. قال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا [الأحزاب:9].

    وما زال الله كذلك، لو وجد أولياءه يقاتلون المشركين والكافرين لإدخالهم في رحمة الله وإسعادهم في الدارين وأصابهم حصار -والله- ينزل عليهم الملائكة تقاتل معهم.

    قال: [وما رجعت الآن إلا من طلب القوم] ما رجع جبريل إلا من أجل أن يطلب القوم [إن الله عز وجل يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم] الأرض والحصون. هذه رسالة من الله يحملها جبريل عليه السلام. ذاك الذي لاقى رسول الله أول مرة في غار حراء وضمه إلى صدره وقال: اقرأ. ذاك الذي صحبه إلى السماوات السبع وإلى جنة الفردوس العليا.

    [واستجاب الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر ربه تعالى فعين على المدينة ابن أم مكتوم ] عينه أميراً والياً مع أن المسافة كلها كيلو متر أو ثلاثة [وأمر ابن عمه علي بن أبي طالب أن يتقدم برايته إلى بني قريظة لجس نبضهم، ومعرفة أحوالهم وما هم عليه. وأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس أن احضروا فوراً] مع أنهم جاءوا متعبين مرهقين بعد خمسة وعشرين يوماً وهم في بلاء [فحضروا، فأمرهم بالمسير إلى بني قريظة] لقتالهم أو إجلائهم [وقال لهم: ( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة )] والوقت كان وقت عصر ما دخل لكن أوشك [وخف الناس وخرجوا، وحانت صلاة العصر، فمنهم من صلاها في طريقه متأولاً قول الرسول صلى الله عليه وسلم] بمعنى: فقط أن لا نتخلف ولا نتأخر، وليس معناه أنه لا يجوز أن نصلي إلا في بني قريظة، فالقصد الاستعجال والسير فقط.

    [ومنهم من لم يصلها] قال: حتى ندخل [حتى دخل الليل عملاً بظاهر النص: ( لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة )، ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم على من صلى ولا من أخر؛ إذ الكل عامل بطاعته صلى الله عليه وسلم].

    وقد أعطيتكم لطيفة من هذا: أنه إذا دخل أحدنا المسجد مع غروب الشمس وخاف قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يجلس أحدكم حتى يصلي ركعتين ) فصلى -والله- مأجور، ومن خاف من نهي الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: ( لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها بصلاة ) فخاف وجلس ولم يصل -والله- مأجور.

    وفي صلاة الجمعة كذلك إذا دخل أحدنا والإمام يخطب، فصلى ركعتين عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ) ثم صلى -والله- مأجور. ومن قال: لا، الخطبة قائمة ويجب الإنصات وجلس -والله- مأجور.

    على شرط: ألا يجلس -الراغب في الجلوس- للاستراحة. يقول: الحمد لله، ما دام كذا نجلس، رغبة في الاستراحة والجلوس، وهذا لا يُؤجر، وإنما يؤجر فقط من ترك الصلاة لأجل أمر رسول الله ونهيه.

    إذاً: أصحابه صلى الله عليه وسلم منهم من صلى متأولاً الحديث وقال: معناه أن لا نتأخر، فليس شرطاً أن نصلي في بني قريظة، وصلوا في الطريق. ومنهم من فهم أنه لا ينبغي لهم أن يصلوا إلا إذا دخلوا بني قريظة فغربت الشمس عليهم ولم يصلوا العصر إلا هناك، وما لامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عتب عليهم؛ إذ الكل يريد طاعة رسول الله. ويا ليتنا نفهم هذا الفهم!

    قال: [وخرج الحبيب صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، فإذا بـعلي رضي الله عنه عائد من بني قريظة وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: لا عليك ألا تدنوا من هؤلاء الأخباث] أي: احذرهم يا رسول الله! [( فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: لِم؟ أظنك سمعت منهم لي أذى )] فلهذا حذرتني [( قال: نعم. قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً )] يعني: لو شاهدوني لن يقولوا مما قالوا لك شيئاً [وكانوا قد نالوا من الرسول صلى الله عليه وسلم شيئاً لما دنا منهم علي وخاطبهم. وسار الحبيب صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى ديارهم ودنا من حصونهم ناداهم قائلاً: ( يا إخوان القردة! هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمه! قالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولاً )] يعني: كيف تقول هذا الكلام؟ وهم إخوان القردة والخنازير فعلاً، لكن كيف تم هذا؟

    على عهد داود عليه السلام، حرم الله عليهم العمل يوم السبت، وجعله يوم عبادة وطاعة، فكانت هذه الطائفة حول ميناء من المواني في البحر الأبيض، وما صبروا على ذلك، فقالوا: كيف لا نصيد الحوت ونتغذى به؟ فأفتاهم علماؤهم بفتيا، قالوا لهم: لا تعصوا الله عز وجل، ولكن ألقوا بالشباك ليلة السبت واتركوها تمتلئ حتى صباح الأحد ثم خذوها مملوءة بالحيتان!! قال تعالى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:163].

    فانقسم أهل القرية بعد ذلك ثلاثة أقسام، جماعة قالوا: نبرأ إلى الله من صنيعكم، وأخرى سكتت، وجماعة قالوا: لا بأس! وربنا رحيم.

    والطائفة التي سكتت الله أعلم بمصيرها، فقد سكت الله عنها، والطائفة التي أنكرت وأعلنت نكرانها نجاها الله، أما التي تورطت في الصيد فقد حولهم الله قردة وخنازير، أطلوا عليهم في الصباح وإذا هم قردة وخنازير في الشوارع، وبعد ثلاثة أيام جيفوا بعد أن ماتوا عن آخرهم. إذاً: اليهود إخوان لهم!

    قال: [وأثناء مسيره صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة مر بنفر من أصحابه] من المؤمنين [فسألهم: ( هل مر بكم أحد؟ قالوا: يا رسول الله! مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة، عليها قطيفة ديباج )] وهذا جبريل، فبعدما خرج من عند الرسول صلى الله عليه وسلم مشى إلى بني قريظة، فرآه جماعة من الصحابة، ودحية بن خليفة الكلبي من أشراف أهل المدينة، حسن الطلعة والمنظر، ولهذا اختاره الرسول سفيراً له في بلاد الروم؛ لذلك فيجب أن نختار الشخصية المهيأة.

    [( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم )] وكذلك فعل.

    حصار النبي صلى الله عليه وسلم لبني قريظة

    [ونزل الحبيب صلى الله عليه وسلم وأصحابه على بئر من آبار بني قريظة] بئر ماء [يقال لها: (أنا) أو (أنَّى)، ولما تلاحق المسلمون] لأنهم ليسوا في مشية واحدة، ولكن بحسب ظروفهم، واحد وصل بعد عشر دقائق وآخر بعد ربع أو نصف ساعة؛ لأنهم يعدون عددهم ويتهيئون [حاصرهم صلى الله عليه وسلم] أي: حاصر بني قريظة [وطلب منهم النزول] لأنهم على حصون، والدنيا كلها آنذاك كانت تقوم على الحصون، كل المدن في العالم على حصون.

    [فأبوا أن ينزلوا] قال: انزلوا للتفاهم، قالوا: لا ننزل [وفي هذه الأثناء -وعندما جهدهم الحصار وأيقنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يفلتهم- قام فيهم كعب بن أسد أحد أشرافهم] خطيباً [وهو صاحب الحل والعقد بينهم، فقال لهم: يا معشر يهود! قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالاً ثلاثاً] أي: خصال [فخذوا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟

    قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه] أي: ندخل في الإسلام [فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم] عرض عظيم هذا من رجل صاحب حل وعقد [قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبداً، ولا نستبدل به غيره] وهل فهموا التوراة؟ هل أخذوا بها في كل باب؟ لو أخذوا بالتوراة لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من يوم ظهر [قال: فإذا أبيتم هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالاً مصلتين السيوف لم نترك وراءنا ثقلاً حتى يحكم الله بيننا وبين محمد] يعني: إن أبيتم الأولى وهي الإيمان بالرجل والمشي وراءه، فالثانية هي: أن نقتل النساء والأطفال ثم نخرج إلى محمد برجالنا وسيوفنا مصلتة فنقاتله حتى يحكم الله بيننا. وهذه صعبة! ولو أراد الله بهم خيراً لكانوا لما عرض عليهم العرض الأول وافقوا، وقالوا: نتبعه أحسن من أن تقتل نساؤنا وأبناؤنا، لكن قدر الله ماض.

    قال: [فإن نهلك، نهلك ولم نترك وراءنا نسلاً نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء] في كل مكان [قالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم عليّ هذه، فإن الليلة ليلة سبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها] لأنهم يعلمون أننا لا نقاتل يوم السبت [فانزلوا لعلنا نصيب من أصحابه غرة، قالوا: نفسد سبتنا علينا] يعني: كيف نعصي ربنا ونقاتل ليلة السبت؟! [ونحدث فيه ما لم يحدثه من كان قبلنا إلا من قد علمت] القردة والخنازير لما صادوا في يوم السبت [فأصابهم ما لم يخف عليك من المسخ؟

    وهنا قال كعب : ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً] أي: ما عرفتم الحزم، فكلكم هابطون. يعني: كالعرب اليوم!

    مفاوضة بني قريظة للنبي وما عرضوه عليه

    قال: [عرض مرفوض] ما هو هذا العرض المرفوض؟

    [ولما اشتدت حيرتهم وعظمت مخاوفهم أنزلوا رجلاً منهم هو شاس بن قيس ليفاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم، فنزل وكلّّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض عليه أن يعاملهم معاملة بني النضير بحيث يخرجون بأموالهم ونسائهم وأولادهم ويتركون السلاح، فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم] قال: لا نقبل هذا الحل [فقال شاس : تحقن دماءنا وتعطينا النساء والذرية -فقط- ولا نأخذ من أموالنا شيئاً؟ فأبى صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا على حكمه، فعاد شاس فأخبرهم بنتيجة المفاوضات وأنها في غير صالحهم].

    قبول النبي بعث أبي لبابة إلى قريظة ليستشيروه في أمرهم

    قال: [وآخر مقبول] عرض آخر مقبول بعد أن رفض الأول.

    [ولما رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم مقترحهم، بعثوا إليه يطلبون أن يبعث إليهم أبا لبابة ليستشيروه في موضوع النزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو لبابة أوسياً] أي: من قبيلة أوس لا قبيلة الخزرج [وقريظة كانت حلفاء للأوس] الخزرج كانوا حلفاء لبني قينقاع، وأوس حلفاء لقريظة [فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم أبا لبابة فدخل عليهم حصنهم، فما إن رأوه حتى قام إليه الرجال وجهش النساء والصبيان بالبكاء، فرق لهم أبو لبابة ] رق قلبه [فقالوا له: يا أبا لبابة ! أننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، أي إنه الذبح] ظناً منه أن ذلك لا يؤثر.

    ندم أبي لبابة على ما فعله مع بني قريظة

    قال: [عثرة كريم أقالها الله جل جلاله] كريم عثر، والكريم إذا عثر فأهل الكرم يرفعونه ويعفون عنه، وهذه العثرة عثرها أبو لبابة .

    [وخرج أبو لبابة من عندهم] من حصنهم [وهو يقول: والله ما زالت قدماي في مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله، ولذا انطلق على وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ربط نفسه في سارية المسجد، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله علي مما صنعت] ماذا صنع؟ أشار بيده [وعاهد الله تعالى ألا يطأ بني قريظة أبداً، ولا يرى في بلد خان فيه الله ورسوله أبداً، وكانت آية الأنفال تعنيه وهي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الأنفال:27].

    ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبره -وكان قد استبطأه فلم يأت-] بعثه حاكماً فلم يرجع [قال: (أما إنه لو جاءني لاستغفرت له)] عرف أنه هرب من الإثم وما استطاع أن يواجهه صلى الله عليه وسلم [(فأما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه)] يعني: ما دام ما جاءني وربط نفسه خليه [وقضى أبو لبابة كذا يوماً مربوطاً، تأتي امرأته وقت الصلاة فتطلقه، فإذا صلى ارتبط] كان الحجاب وقتها لم ينزل بعد، وكان النساء يخرجن.

    قال: [في سحر الليلة السادسة] وقت السحور [من ارتباطه سمعت أم سلمة النبي صلى الله عليه وسلم يضحك] في الليل، وأم سلمة -أمنا زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم- تقدم لنا ما أبكانا عنها، ويا لها من مواقف وقفتها، فقد ظلت طوال سنة كاملة ممنوعة عن زوجها وابنها في مكة، وكانت تخرج إلى ساحة الأبطح تبكي طوال النهار ثم ترجع في الليل. لا إله إلا الله. كيف عانوا، وكيف حافظوا على ذلك الإيمان والنور؟!

    [( فقالت له: مم تضحك يا رسول الله؟ أضحك الله سنك!! )] هذه دعوة [( قال: تيب على أبي لبابة )] أي: تاب الله على أبي لبابة [قالت: ألا أبشره يا رسول الله؟ -وكان الحجاب لم يضرب بعد على نساء النبي والمؤمنين- قال: بلى] أي: بشريه [فقامت على باب حجرتها وقالت: يا أبا لبابة ! أبشر فقد تاب الله عليك، فثار الناس إليه ليطلقوه، قال: لا والله حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه الرسول صلى الله عليه وسلم خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه] عرفتم مظاهر الإيمان؟! ونحن كيف حالنا؟!

    إسلام أربعة نفر من اليهود منهم عمرو بن سعدى

    قال: [في ليلة نزول قريظة:

    وفي ليلة نزول قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم الله أربعة أنفار من اليهود فأسلموا، ثلاثة منهم ليسوا من بني قريظة والرابع قرظي، فغير القرظيين هم: ثعلبة بن سعية ، وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وهم من بني هدل فليسوا قرظيين ولا نضريين، والقرظي هو عمرو بن سعدى القرظي ] وعمرو بن سعدى القرظي هذا غاب فلم يعثر عليه.

    قال: [فإنه أبى أن يدخل مع قريظة في غدرها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: لا أغدر محمداً أبداً، ومر في الليل بحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عليه محمد بن مسلمة ] كان رئيس الحرس الذي يحرس النبي صلى الله عليه وسلم [فعرفه محمد بن مسلمة ، وقال: اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، وخُلي سبيله] وهذه كلمة عظيمة من محمد بن مسلمة ، وهو الذي قتل ابن الأشرف قال هنا: اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، بعد أن عرف أن عمرو بن سعدى كريم وتجلى ذلك في إسلامه [فذهب على وجهه حتى أتى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فبات به تلك الليلة. ثم ذهب فلم يُدر أين توجه من الأرض إلى يومنا هذا] رضي الله عنه.

    [ولما ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ذاك رجل نجاه الله بوفائه )] وفى لرسول الله بالعهد مع أن قومه كلهم خانوا، فما غدر وخان كما خان إخوانه وغدروا، وأبى أن يغدر برسول الله صلى الله عليه وسلم فرفعه الله إلى أعلى المقامات، وحسبه هذه الشهادة: ( ذاك رجل نجاه الله بوفائه ).

    نزول بني قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال: [نزول بني قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم] معاشر المستمعين! لا تملوا، فأنتم تعيشون مع رسولكم صلى الله عليه وسلم، ووالله لساعة معه أفضل من الدهر كله.

    [ولما أصبح الصباح وأعلن عن نزول بني قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوافد رجال الأوس] على من؟ [على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: يا رسول الله! إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت] في بني النضير؛ إذ أجلاهم فقط ولم يقتلهم [وهو أنه قد وهب بني قينقاع لـابن أبي الخزرجي لما ألح عليه في ذلك شافعاً فيهم بوصفهم مواليه -أي: أحلاف الخزرج-] بنو قينقاع تدخل لهم ابن أبي وقال: شفعني فيهم يا رسول الله. وأعطاهم إياه، فانتقلوا إلى الشام.

    قال: [فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ( ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ )] يعني: لست أنا، أنا سوف أتنازل، وأحكم رجلاً منكم أوسياً [( قالوا: بلى، قال صلى الله عليه وسلم: فذلك إلى سعد بن معاذ )] هذا الذي لما مات اهتز عرش الرحمن فرحاً به.

    تحكيم سعد بن معاذ في بني قريظة وحكمه عليهم

    قال: [من المستشفى إلى المحكمة] هيا بنا.

    [لقد أصيب سعد في الخندق بسهم في أكحله ودعا ربه لا يتوفاه حتى يريه نقمه في بني قريظة الخونة الغادرين] سعد رضي الله عنه كان في طريقه إلى الخندق ضربه مشرك بسهم أصابه في عرق في يده فبقي الدم يسيل وما رقأ، وكان هناك مؤمنة اسمها رفيدة الأسلمية عندها خيمة في المسجد تمرض فيها الجرحى على حسابها -عجوز قامت بمستشفى مجاناً- هل عرف المسلمون هذا في التاريخ؟ عجوز أقامت مستشفى في المسجد تعالج فيه الجرحى والمرضى.

    قال: [ولما هزم الله المشركين وارتحلوا، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة، وضع الرسول صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ في خيمة رفيدة الأسلمية في مسجده صلى الله عليه وسلم التي اتخذتها مثل المستشفى تعالج فيها الجرحى من فقراء المسلمين وضعفائهم، محتسبة ذلك عند الله ترجو ثوابه يوم القيامة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضع سعد في خيمة رفيدة من أجل أن يقرب منه ليعوده من قريب] حتى لا يمشي إلى مسافات بعيدة وهو مشغول صلى الله عليه وسلم.

    [ولما حكّمه صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أتاه قومه -أيضاً- من الأوس فحملوه على حمار قد وطّئوا له بوسادة من أَدَم، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو ! أحسن في مواليك] قلوبهم رقيقة هؤلاء. يعني: لا تحكم حكماً شديداً قاسياً عليهم [فإنما ولاك رسول الله صلى الله عليه وسلم لتحسن فيهم] لا لتقتلهم [فلما أكثروا عليه] من القول [قال: لقد آن لـسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم] وهو جريح سيموت بعد ليال [وهنا فهم القوم أن سعداً سوف لا يرحمهم] فأخذوا يعزون بعضهم بعضاً في مواليهم.

    [ولما وصل سعد قال رسول صلى الله عليه وسلم: ( قوموا إلى سيدكم )، فقاموا إليه وأنزلوه عن الدابة وقالوا له: يا أبا عمرو ! إن رسول صلى الله عليه وسلم قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال لهم سعد : عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم ما حكمت؟] تأخذون به [قالوا: نعم] قال [وعلى من هاهنا؟] يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم [-يشير إلى الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ، وهو معرض عن رسول صلى الله عليه وسلم إجلالاً له وتوقيراً- فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم] أي: وأنا معهم، الحكم ما حكمت [قال سعد : فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة )] جمع رقعة والمراد: السموات السبع؛ لأنها رقعة فوق أخرى.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ..