إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 64للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حدث في السنة الرابعة للهجرة حدث أليم آلم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وهو قتل السبعين صحابياً في بئر معونة، الذين خرجوا إلى نجد يدعون إلى الله تعالى وإلى الإسلام، فغدرت بهم قبائل عصية ورعل وذكوان، وقتلوهم جميعاً رضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا يدل على أن المشرك لا عهد له ولا ذمة، مهما أعطى من العهود والمواثيق، وقد حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الحدث الجلل حزناً عظيماً؛ لأنه قتل فيه سبعون من خيرة الصحابة وقرائهم، ولذلك فقد قنت شهراً كاملاً يدعو على من قتلهم من عصية ورعل وذكوان.

    1.   

    حدث بئر معونة الجلل

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    لنقضي ساعة مع حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وقد انتهى بنا الدرس إلى [حدث بئر معونة الجلل] وهو حدث من أحداث السنة الرابعة، بل ثاني أحداث السنة الرابعة، فالحدث الأول كان حدث الرجيع، وقد علمنا ما أصاب المؤمنين فيه، والحدث الثاني: هو هذا الحدث؛ حدث بئر معونة، وسنعرف إن شاء الله بئر معونة، والحدث الذي تم ووقع فيها.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [وفي هذه السنة الرابعة من هجرة الحبيب صلى الله عليه وسلم حدث أفظع حادث، ذلك هو حادث بئر معونة الذي ذهب ضحيته سبعون صحابياً من خيرة الأصحاب؛ نتيجة الغدر والخيانة] ذهب هذا الوفد إلى دار السلام، إلى الجنة دار الإبرار؛ نتيجة الغدر والخيانة، ولا لوم على الكافر إن غدر أو خان فهذا طبعه. لكن هل يغدر المسلم؟ هل يخون؟ والله لا يغدر ولا يخون، وإن غدر وخان من ينتسب للإسلام فليس بمسلم.

    قال: [وذلك أن أبا براء عامر بن مالك المعروف بـملاعب الأسنة ] بطل [قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه] أسلم تسلم [فلم يُسلم، ولم يبعد عن الإسلام] بكلام سيئ أو بحركة غير سليمة، ولكن فقط لم يدخل في الإسلام، ولم يكن قلقاً أو منزعجاً منه [وقال] هذا أبو البراء للرسول صلى الله عليه وسلم [يا محمد! لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد، فدعوهم إلى أمرك] الذي تدعو إليه [رجوتُ أن يستجيبوا لك] ونجد هي كل ما ارتفع من وراء المدينة [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني أخشى عليهم أهل نجد)] يعني: أخاف عليهم أن يغدروا بهم [قال أبو براء : أنا جار لهم فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك] أي: في حمايتي وجيرتي.

    وتعرفون الجوار، لكن أين هو الآن؟ ذهب وحل محله الغدر والخيانة والكذب، وكان قبل ذلك إذا أجارت امرأة أكبر مجرم وقالت: هو في جواري، فإنه لا يمسه أحد؛ وهو احترام العربي لأخيه العربي، ولا ننسى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ )، وكان عفريت من عفاريت المشركين يوم الفتح هرب إلى بيتها في مكة، فعثر عليه علي في بيت أخته فقال: لأقتلنك. إذ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل ثلاثة أو أربعة نفر ممن غلوا في الظلم والشر والفساد، فقالت: لن تمسه يا ابن أمي وقد أجرته، ثم ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وذكرت له الحادثة، فقال لها: ( أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ ).

    وأبو بكر رضي الله عنه لما أقلق المشركين في صلاته وقراءته القرآن قالوا: إما أن تقرأ في بيتك وإما أن تخرج من مكة، فقد أفسدت قلوب بناتنا ونسائنا وأبنائنا، فخرج من مكة مطروداً، ومشى الأيام والليالي ثم لقيه ابن الدغنة ، فقال: يا ابن أبي قحافة إلى أين؟ وما حالك؟ فقال: الأمر كذا وكذا .. فقال: ارجع وأنت في جواري، فرجع في جوار ابن الدغنة وطاف به في مكة قائلاً: قد أجرت ابن أبي قحافة ! فما استطاعت قريش أن تنقض هذا الجوار، وعاد الصديق يصلي حول البيت ويقرأ والنساء والخدم والعجائز يسمعنه، فقالوا لـابن الدغنة : إما أن تلزم صاحبك بأن يصلي في بيته ولا يجاهر بصلاته أو أخفرنا جوارك، فقال: أي أبا بكر إما وإما، فقال أبو بكر رضي الله عنه: رضيت بجوار الله وخذ جوارك يا ابن الدغنة .

    قال: [فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين رجلاً من خيرة الأصحاب] علماً وإيماناً وشجاعة وقدرة على البلاغ [منهم: المنذر بن عمرو والحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعامر بن فهيرة مولى الصديق وعروة بن أسماء بن الصلت ونافع بن بديل بن ورقاء ، فساروا حتى نزلوا ببئر معونة -وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم- ولما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدو الله عامر بن الطفيل ] لأن الرسول كتب لهم كتاباً ليقدموه إلى رئيس المنطقة، فقدمه حرام رضي الله عنه إلى هذا الملعون [فلما أتاه لم ينظر فيه -أي: في الكتاب- حتى عدا على حرام فقتله] قبل أن يقرأ الكتاب. قال: أنت جئت بكتاب من محمد العدو ثم ضربه فقتله.

    [ثم استصرخ عليهم بني عامر قومه] أن تعالوا اقتلوا هؤلاء الغزاة أو الظالمين [فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه] استصرخ فيهم بأعلى صوت: هلموا! إلى هؤلاء فاقتلوهم، فلم يجيبوه [وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقداً وجواراً] يعني: لن نخفر أبا براء في عقد عقده لهم وجوار منحهم إياه [فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم من عُصية ورعل وذكوان، فأجابوه] وهؤلاء هم الذين قنت عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً، بعد أن قتلوا سبعين صحابياً، الواحد منهم يساوي سبعين ألفاً.

    وأقول: لو أن خادم الحرمين يأمرنا الآن بأن ندعو في صلاة المغرب والصبح في المملكة كلها عسى الله أن يفتح باباً لإلجاء إخواننا وإنقاذهم في البوسنة والهرسك؛ لأن المملكة فيها أكثر من عشرة ملايين، فإذا رفعوا كلهم أكفهم إلى الله فلن يردها خائبة إن شاء الله، ولن يكتمل الشهر إلا وقد فرج الله عن إخواننا بما يشاء، إما بجيش الندوة الإسلامية أو المؤتمر الإسلامي، أو بما يشاء، فالرسول صلى الله عليه وسلم قنت شهراً كاملاً يدعو على عصية ورعل وذكوان؛ لهذه السيئة والفضيحة التي ارتكبوها.

    قال: [حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم ثم قاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم رحمهم الله أجمعين، اللهم إلا ما كان من كعب بن زيد فإنهم تركوه بين القتلى وفيه رمق من حياة، فعاش] رضي الله عنه [حتى قتل يوم الخندق شهيداً فرضي الله عنهم أجمعين. وكان عمرو بن أمية الضمري المضري والمنذر بن محمد بن عقبة الأنصاري ] كانا [في سرح لقومهما] يعني في ماشية يسرحون بها [فرأوا الطير تحوم على قتلى المؤمنين] غير بعيد عنهم؛ لأن الطير يأكل اللحم وخاصة العقبان والبازات، ويشربون الدماء [فقالا: والله إن لهذه الطير لشأناً، فأقبلا نحوها لينظرا، فإذا القوم في دمائهم] التسعة والستون صحابياً [والخيل التي قتلتهم واقفة] تنتظر [فقال الأنصاري لـعمرو : ما ترى؟ قال: نرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قُتل فيه المنذر بن عمرو ، وما كنت لتخبرني عنه الرجال، ثم قاتل القوم] وحده [حتى قتل] قاتل أمة كاملة وحده حتى استشهد؛ لأنه أراد أن يقتل.

    قال: [وأخذوا عمراً أسيراً] وعمرو من مضر ليس من الأنصار ولا المهاجرين [فلما أخبرهم أنه من مضر تركوه] أخذوه أسيراً فلما أخبرهم بأنه من مضر تركوه [وجز ناصيته عدو الله عامر بن الطفيل ] والناصية: شعر مقدمة الرأس. وهذا ليعلن أنه أصبح عبداً مملوكاً [وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه] وهذا هو العجب! كافر يعتق رقبة من أجل أمه؛ لأنها ماتت قبل أن تفي بها!! رغم ذلك الظلم والشر والطغيان! فلما أخذ هذا الأسير ولم يكن من جماعة الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن من مضر، جز ناصيته ليعلن أنه عبد ثم أعتقه عن أمه. ولو أخذوه الصرب اليوم لبقروا بطنه وأخذوا مصارينه ودماغه وصبوا فيها الغازات.

    قال: [وسار عمرو حتى إذا كان بالقرقرة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا بظل هو فيه] ظل شجرة أو جبل [فسألهما: ممن أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فأهملهما حتى ناما، ثم قتلهما أخذاً بثأر شهداء بئر معونة الذين قتلوا باستصراخ عامر بن الطفيل العامري عليهم، ولم يعلم بالعقد والجوار الذي لهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم] فقد كان لهم عقد جوار مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن وجدهما في دائرة المدينة وما حولها لا يقتلهما؛ لما لهما من الجوار [فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره بما فعل، قال له: ( لقد قتلت قتيلين لأدينهما )] وأدينهما أي: أدفع ديتهما لأهلهما بحكم العقد الذي بيني وبينهم.

    [وآلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وحزن لذلك] وهنا أخذ يقنت عليهم شهراً كاملاً [وقال: ( هذا عمل أبي براء فقد كنت لهذا كارهاً متخوفاً )] وهو الذي جاء ثم أبى أن يسلم ولكنه قرب من الإسلام وقال: ابعث معنا رجالك يدعون بدعوتك عسى أن يستجاب لهم، والرسول لا يعلم الغيب، ولكنه تخوَّف وما استطاع أن يرد من قال: ابعث رجالك يدعون بدعوتك وهم في جوارنا ثم لا يسمح بذلك [وبلغ هذا أبا براء فشق عليه وآلمه] كلام الرسول الذي قاله [كما بلغ بنيه تحريض حسان له على قتل عامر بن الطفيل ] وحسان شاعر النبي صلى الله عليه وسلم فقد حث أبا براء على قتل عامر بن الطفيل في قصيدة [فقام إليه ربيعة فطعنه فقتله إلى جهنم وبئس المهاد] ومات عامر بن الطفيل ، قتله بطل.

    إذاً: آلم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر استشهاد سبعين من أصحابه، وحزن لذلك، وهنا قلنا قبل أيام أن الله تعالى يقول: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38]، وذكرت أنهم لا يخافون ولا يحزنون في الحيوات الثلاث، في هذه الحياة الدنيا، وفي البرزخ، وفي الحياة الآخرة، وبعض الطلبة قال: لقد حزن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما مات ولده إبراهيم في السنة الأولى من عمره، وذرفت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ( إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون )، وليفهم الطالب هنا أن الحزن يختلف، فالحزن الذي يمنعك من الأكل والشرب ويصب عليك هموماً وغموماً وتصبح به في غير عقلك تقول الباطل وتفعل المنكر هذا هو المنهي عنه، أما الألم الباطني الذي يكون في القلب فهو يحصل بفطرة الإنسان وطبعه، وليس هذا الذي نفاه الله تعالى، بل نفى الحزن المعروف عند الجهلة والفساق والضلال، الحزن الذي يدفع صاحبه للتكلم بالباطل، والتحرك الحركات السيئة، والقنوط من الأكل من الشرب .. ذاك هو الحزن الذي نفاه الله عن أوليائه، ففي هذه الحادث حزن الرسول صلى الله عليه وسلم وتألم، لكن هل قال غير الحق أو فعل غير ما يرضي الله عز وجل؟ أو قال لأهله: لا تقدمون لنا طعام ولا شراب ولن نأكل لأننا حزينون؟ لا.

    [وهذه أبيات حسان في تحريض بني أبي البراء على قتل ابن الطفيل لعنه الله تعالى] يقول:

    [بني أم البنين ألم يرعكم وأنتم من ذوائب أهل نجد

    تهكم عامر بأبي براء ليخفره وما خطأ كعمد

    ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي فما أحدثت في الحدثان بعدي

    أبوك أبو الحروب أبو براء وخالك ماجد حكم بن سعد].

    1.   

    نتائج وعبر من حدث بئر معونة

    قال: [نتائج وعبر] والعبر جمع عبرة وهو ما نعبر به إلى شاطئ السلامة كالعبارة في البحر، والنتيجة ما نستنتجه لننتفع به.

    قال: [إن لهذه المقطوعة من السيرة العطرة نتائج وعبراً نذكرها إزاء الأرقام الآتية] وهي ستة أرقام.

    [أولاً: بيان أن الغيب استأثر الله تعالى به] أي: علم الغيب، استأثر الله تعالى به، قال تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، وإخواننا أيام الهبوط كانوا يقولون: فلان يعلم الغيب، ويذهبون ليقفوا أمامه، فيقول للواحد منهم: امرأتك كذا وابنك كذا .. ثم يأخذ منه الفلوس على علم الغيب المزور!!

    [إذ لو كان النبي يعلم الغبيب بدون إعلام الله تعالى له لما أرسل شهداء بئر معونة] أيرسلهم وقد علم أنهم سيقتلون؟ مستحيل! إذاً هذه نتيجة من هذه الحادثة: أن الغيب استأثر الله عز وجل به، فمن ادعى أنه يعلم الغيب فقد كذب، بل ارتد وكفر، والرسول صلى الله عليه وسلم عندما يخبر بالغيب إنما يتلقاه من الله عز وجل.

    وهناك أيضاً الفراسة، فصاحب المران والرياضة والفراسة -وخاصة أهل التقوى- إذا نظر إلى الشيء قد يقول كذا فيه ولا يخطئ، وقد فاز بهذا عمر بن الخطاب ، يقول عبد الله رضي الله عنه: "ما قال أبي في شيء أظنه كذا إلا كان كما ظن". وكم من شخص جاء ليغتال رسول الله والسيف تحته فينظر إليه عمر ويقول: ألق السيف يا عدو الله! هذه هي الفراسة، وهذا نتيجة صفاء الروح وطهارتها، إذ قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، والفرقان هو القوة الباطنية الفارقة بين الحق والباطل، وبين الصواب والخطأ، وبين الهداية والضلال؛ ولهذا -كما قلنا-: يجب أن يكون رجال السياسة والمباحث والمخابرات والقضاة والمسئولون من هذا النوع، من أهل التقوى، لكي ينظر فيعرف، أما أن يكونوا جهالاً لا تقوى لهم ولا هداية فإنهم يتخبطون، وقد أين حُرم العالم الإسلامي من هذه الأنوار الإلهية، فأكثرنا لا يعرف معنى التقوى!!

    قال: [ثانياً: بيان ما باء به عدو الله عامر بن الطفيل من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

    ثالثاً: فضيلة المنذر بن محمد بن عقبة الأنصاري إذ قاتل وحده؛ طلباً للشهادة ففاز بها] قاتل أمة كاملة وحده.

    [رابعاً: بيان ما باءت به عصية ورعل وذكوان من غضب الله تعالى وعذابه] إذ قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً يدعو عليهم بالهلاك، وما أفلحوا؛ فلهذا قلت: بلغوا مسئولينا -جزاهم الله خيراً- لو أنهم يقنتون في هذه الليالي من أجل إخواننا في البوسنة والهرسك، فقد اشتد الكرب عليهم، وما أظن أمة كاملة وهي عشرة ملايين في المملكة ترفع يديها ثم يردها الله خائبة.

    [خامساً: مشروعية القنوت في الصلاة للدعاء على الظلمة، ولرفع البلاء النازل على المؤمنين.

    سادساً: فضل شهداء كل من الرجيع وبئر معونة] وغزوة الرجيع تقدمت، وقد قتل فيها سبعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم [إذ ذهبوا ضحية الغدر والخيانة لنزول قرآن فيهم هذا نصه] منسوخ هذا القرآن [(بلغوا قومنا عنا، أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه) ثم نسخ] هذا قرآن نزل ونسخه الله عز وجل، فقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخبر وما يدري ما وقع فالمسافة بينه وبينهم عشرة أيام، فبينها الرسول هذه الآية وأعلنها ثم أعلم بنسخها من القرآن، وسورة الأحزاب نسخ منها أكثر من ثلثها، أما قال تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106].

    وإن شاء الله -معشر المستمعين والمستمعات- لا يرى الله غادراً بيننا ولا خائناً، فلا يغدر ولا يخون المؤمن، ومن رأيتموه يغدر أو يخون من المؤمنين فثقوا أنه والله ما بلغ درجة الإيمان، وما هو بالمؤمن، واحلف على ذلك ولا تحنث. وأنتم تشاهدون ملايين لا يصلون.. وملايين لا يشهدون صلاة الجماعة.. وملايين يشربون الحشيشة.. وملايين يعيشون على الغيبة والنميمة والسب والشتم والسخرية. أهذا هو الإيمان؟!!

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم ..