إسلام ويب

هذا الحبيب يا محب 60للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خرج النبي صلى الله عليه وسلم بألف مقاتل من المدينة لملاقاة قريش عند أحد، وفي أثناء الطريق رجع عبد الله بن أبي رأس المنافقين بثلث الجيش، فلما وصل النبي بجيشه إلى أحد أمر الرماة بالصعود إلى الجبل والمكث فيه وعدم النزول مهما كانت نتيجة المعركة، وكانت الغلبة أول الأمر للمسلمين، وتفرق المشركون وولوا الأدبار، فلما رأى الرماة ما آلت إليه نتيجة المعركة طمع نفر منهم في الغنائم، فنزلوا عن الجبل مخالفين أمر رسول الله، عندها استغل المشركون غفلة المسلمين فمالوا عليهم وقتلوا منهم عدداً كبيراً كان على رأسهم حمزة عم النبي، وأصيب المسلمون في هذه المعركة مصاباً جللاً.

    1.   

    تابع غزوة أحد

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فلنقض ساعة مع حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وها نحن مع غزوة أحد من أحداث السنة الثالثة للهجرة النبوية، وانتهى بنا الدرس إلى قول المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين: [ولما رأى الرماة انكشاف المشركين] والرماة: جمع رامي، وهم الذين رمون بالنبال والسهام [والمؤمنين يسلبون ويجمعون الغنائم، مالوا على المعسكر وكشفوا ظهور المؤمنين لخيل المشركين] وا أسفاه [فكانت الهزيمة، وصرخ صارخ] والعياذ بالله [أن محمداً قد قتل، وأصاب المؤمنين كرب عظيم ذهلت فيه العقول، وخلص العدو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فرماه ابن قمئة -أقمأه الله- بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشج في وجهه، وتفرق عنه أصحابه إلا قليلاً، وأصعدوا في الأرض حتى إن منهم من وصل إلى المدينة، وفي هذا يقول تعالى من سورة آل عمران: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [آل عمران:152-153]].

    1.   

    سبب الهزيمة (أسباب انهزام المسلمين في غزوة أحد)

    ما سبب هذه الهزيمة المرة المنكرة، التي تكسر فيها رباعية النبي صلى الله عليه وسلم وأصيب في أنفه وشج وجهه؟

    قال: [سبب الهزيمة: وسبب هذه الهزيمة المريرة -بعد ذلك النصر العظيم- هو أن الرماة الذين كانوا خمسين رامياً، قد وضعهم الرسول صلى الله عليه وسلم على جبل الرماة] وهو جبل قائم إلى الآن [وأمّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم موصياً إياهم في شخص أميرهم] الذي هو عبد الله بن جبير [( انفح عنا الخيل بالنبل؛ لا يأتوننا من خلفنا، واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا )] هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمير الرماة وهي لهم جميعاً وهم خمسون رامياً.

    و( انفح عنا ) أي: ادفع عنا الخيل بالنبل، خيل قريش ( لا يأتوننا من خلفنا، واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا ) يعني: سواء كان النصر لنا أو علينا فلا تبرح مكانك أنت ورجالك، وكان صلى الله عليه وسلم قائداً لم تحلم الدنيا بمثله؛ لأنه يتلقى معارفه من الملكوت الأعلى.

    قال: [هؤلاء الرماة لما نصر الله المسلمين في أول النهار وانهزم المشركون أمامهم وأكب المؤمنون على جمع الغنائم وحيازة الأموال، ونساء المشركين مشمرات عن سوقهن هاربات، ولواؤهم على الأرض لم يحمله أحد حتى جاءت امرأة من قريش فرفعته] لواء قريش كان ممزقاً على الأرض، لا يوجد من يرفعه حتى رفعته قرشية.

    [لما رأى الرماة هذا الواقع ثبت بعضهم في أماكنهم وهم القليل، ونزل البعض الأكثر متعللين بهزيمة المشركين] يعني: لا معنى للبقاء هنا والمشركون قد انهزموا [وأخذوا في نهب الأموال وجمع الغنائم كغيرهم.

    ولما رأى خالد بن الوليد -وهو على خيل المشركين- لما رأى خلو الجبل من الرماة وضعف المقاومة منه، كر عليهم بخيله، فاحتل الجبل وقتل من فيه] احتل الجبل جبل الرماة وقتل من فيه من الذين ثبتوا [وأَصلَوا المسلمين نار سهامهم، فمزقوهم بها تمزيقاً] وأصلوا أي: خالد ورجاله (خيل قريش) أصلوا المسلمين نار سهامهم فمزقوهم بها تمزيقاً [وعاد المشركون الفارون إلى المعركة، ووقع المسلمون بين نارين هما كفكي المقارض، فكانت الهزيمة، وأصيب الرسول صلى الله عليه وسلم بما أصيب به، وصرخ الشيطان قائلاً: إن محمداً قد مات! وألقى رجال سلاحهم من أيديهم وبقوا واقفين حيارى مدهوشين، منهم عمر وطلحة ، فأتاهم أنس بن النضر -عم أنس بن مالك -] خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم [فقال لهم: ما يحبسكم؟ قالوا: قتل محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ موتوا على ما مات عليه، ثم استقبل المشركين، فقاتل حتى قُتل، فوجد به أكثر من سبعين ضربة وطعنة ولم يعرفه إلا أخته عرفته ببنانه. وبلغ الكرب المعسكر الإيماني حتى قال من قال: ليت لنا من يأتي عبد الله بن أبي ابن سلول ] رئيس المنافقين [ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان قبل أن يقتلونا؟ فقال لهم أنس بن النضر : يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يُقتل، فقاتلوا على ما مات عليه محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم قاتل حتى قُتل رضي الله عنه وأرضاه.

    وكان أول من عرف أن الرسول حي -لم يقتل- كعب بن مالك رضي الله عنه، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله لم يقتل، والرسول صلى الله عليه وسلم ينادي: ( إلي عباد الله! إلي عباد الله! ) وثاب إليه رجال] أي: رجعوا [وقاتلوا دونه، وأبلي في هذا أبو طلحة وأبو دجانة البلاء الحسن، وتقدموا نحو الشعب وهم يدفعون ويقاتلون حتى وصلا إليه، وما إن أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشعب حتى جاء أبي بن خلف ] عليه لعائن الله [يصرخ: لا نجوت إن نجا -أي محمد صلى الله عليه وسلم- وهو يتقدم نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فتناول الرسول صلى الله عليه وسلم حربة من يد أحد أصحابه وطعنه بها في ترقوته، فخار كما يخور الثور] بأعلى صوته [فسحبوه كالثور المذبوح، ومات بها في طريقه إلى مكة بسرف إلى جهنم وبئس المهاد.

    وارتفع الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم إلى الصخرة -حيث يوجد بعض أصحابه- فسر لذلك، وجاء أبو سفيان يحاول الوصول إلى أصحاب الصخرة في سفح أحد، فردوه خاسئاً خائباً وأخذ النعاس الأصحاب، فذهب بذلك الخوف عنهم وسكنت نفوسهم، وفي هذا يقول تعالى من سورة آل عمران: فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ [آل عمران:153]] على ما فاتكم من الغنائم والنصر ولا ما أصابكم من القتل والجراحات [ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ [آل عمران:153-154]] وهذا تدبير مولاهم؛ لأنه إذا نعس الإنسان ينسى الآلام ولا يفكر في شيء.

    ما بعد نهاية المعركة

    قال: [وانتهت المعركة، وكانت درساً قاسياً للمسلمين، ومثلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان بالقتلى، فقطعت الآذان والأنوف والمذاكير، وبقرت بطن حمزة رضي الله عنه، ولاكت] بأسنانها [كبده لتأكل منها، فلم تقدر عليها، فرمتها وذهبت] وهذه المرأة والله في الجنة، فقد تابت وتاب الله عليها وقبلت توبتها ..

    [وأتى أبو سفيان فوقف تحت الصخرة، وقال: أفي القوم محمد؟ ثلاثاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ ثلاثاً، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب ؟ ثلاثاً، ثم التفت إلى من معه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فقال عمر : كذبت يا عدو الله! قد أبقى الله لك ما يحزنك. فقال: أعلُ هُبل] وهبل هو صنمهم ومعبودهم في مكة [فقال رسول صلى الله عليه وسلم: (أجيبوه، قولوا: الله أعلى وأجل)] لما قال أبو سفيان : اعل هبل، قال المسلمون: الله أعلى وأجل [فقال أبو سفيان : إنما لنا العزى ولا عزى لكم] وهو معبود آخر كهبل [فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم )] هم قالوا: لنا العزى ولا عزى لكم، ونحن نقول: الله مولانا ولا مولى لكم.

    [فقال أبو سفيان : أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمداً؟] يريد أن يتبين ويتأكد من صحة صراخ إبليس عندما قال: قتل محمد [قال عمر : لا وإنه ليسمع كلامك، فقال: أنت أصدق من ابن قمئة ] لأن ابن قمئة ادعى أنه قتله، فقال: أنت أصدق منه [ثم قال: هذا بيوم بدر والحرب سجال] يعني: يومنا هذا يقابل يومكم في بدر لما انتصرتم، والحرب سجال، دَلو لنا ودلو لكم [أما إنكم ستجدون في قتلاكم مُثُلاً، والله ما رضيت ولا سخطت، ولا نهيت ولا أمرت، ثم انصرف ومن معه وقال: إن موعدكم العام المقبل] وأبو سفيان هذا زعيم في الحقيقة رضي الله عنه بعد ذلك.

    اسمع ما قال: قال: أما إنكم ستجدون في قتلاكم مُثُلاً -أي: تمثيلاً- والله ما رضيت -بهذا التمثيل لقتلاكم- ولا سخطت، ولا نهيت عنه ولا أمرت، ثم انصرف ومن معه وقال: إن موعدكم العام المقبل، أي: نعيد الحرب من جديد.

    [ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً في أثرهم] لما مشوا عائدين إلى مكة بعث علياً رضي الله عنه في أثرهم [وقال له: ( انظر؛ فإن جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة )] أي: امش وراءهم وانظر، إذا تجنبوا الخيل وتركوها وركبوا الإبل فاعلم أنهم يريدون العودة إلى بلادهم، لكن لو ركبوا الخيل وتركوا الإبل فإنهم يريدون أن يعودا إلينا. وهذه سياسة عسكرية، وعلم لدني، فقد بعث علياً وهو كقطعة لحم منه -وأشجع من عرفتم- وقال له: امش يا علي وراءهم وانظر، فإن تجنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل فإنهم يريدون المدينة.

    قال: [( فوالذي نفسي بيده! لئن أرادوها لأناجزنهم )] هذه كلمة الرسول، حلف بالله خالقه، والذي نفسه بيده، لئن أرادوها -أي: المدينة- ليقاتلنهم فيها [فخرج علي في أثرهم فوجدهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل، فرجع يصيح ما استطاع أن يكتم الخبر -وقد أُمر أن يكتمه- ولكن من شدة الفرح] ما استطاع أن يكتم.

    [وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم من ينظر في القتلى، فرأى سعد بن الربيع الأنصاري وبه رمق] من الحياة [فقال سعد للذي رآه: أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام، وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمته، وبلغ قومي السلام] رضي الله تعالى عنه [وقل لهم: لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أذى وفيكم عين تطرف، ثم مات إلى رضوان الله، فرحمك الله يا سعد بن الربيع ورضي عنك.

    ووجد حمزة رضي الله عنه ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثّل به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين رآه: ( لولا أن تحزن صفية أو تكون سنة، لتركته حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطير )] يعني: لا أدفنه، لولا أن تحزن صفية عنه. (أو تكون سنة للناس) أي: يتركون الشهداء بدون دفن. ويتركه حتى يكون في أجواف السباع وحواصل الطير [( ولئن أظهرني الله تعالى على قريش لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم )] مقابل تمثيلهم بـحمزة رضي الله عنه وأرضاه.

    [وقال المسلمون: لنمثلن بهم؛ فأنزل الله تعالى: وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ [النحل:126]، فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه، ونهى صلى الله عليه وسلم عن المثلة، وهمَّ رجال بحمل قتلاهم ليدفنوهم بالمدينة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفنهم حيث صرعوا، وأمر أن يدفن الاثنان والثلاثة في القبر الواحد، وأن يقدم إلى القبلة أكثرهم قرآناً] يقدم إلى القبلة أكثرهم قرآناً ويدفنوا في قبر واحد [وصلى عليهم، فكان كلما أتي بشهيد جعل حمزة وصلى عليهما] كلما جيء بشهيد من المعركة يضع حمزة معه ويصلي عليهما؛ حتى يصلي على حمزة عدة صلوات، وهذا دليل على حبه لـحمزة رضي الله عنه وما ناله من ألم بعد موته، وكيف لا وهو عمه!!

    [ونزل في قبر حمزة أبو بكر وعمر والزبير وجلس الرسول صلى الله عليه وسلم على حافة القبر، وأمر صلى الله عليه وسلم أن يدفن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام في قبر واحد.

    وانصرف الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم مع أصحابه عائدين إلى المدينة فدخلوها مساء يوم السبت يوم المعركة الخالدة معركة أحد التي نزل فيها جزء كبير من سورة آل عمران].

    1.   

    مواقف في أحد

    قال: [مواقف (في أحد) ومواقف]

    1.   

    مواقف مشرفة

    قال: [مواقف مشرفة: وباستعراض سريع لمعركة أحد تتجلى لنا مواقف مختلفة، منها المشرف، ومنها المخزي. ومن المواقف المشرفة ما يلي]:

    أولاً: موقف أبي طلحة الأنصاري

    قال: [أولاً: موقف أبي طلحة الأنصاري ؛ إذ وقف موقفاً لا يزال يذكر له ما بقي الإسلام والمسلمون. قال أنس رضي الله عنه: لما كان يوم أحد، انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مُجوّب عليه بجحفة له، وكان أبو طلحة رامياً، كسر يوم أحد قوسين أو ثلاثة، فإذا مر الرجل بجعبة من النبل يقول له: انثرها لـأبي طلحة ] والجعبة حيث توضع النبال. أي: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: انثرها أمام أبي طلحة [ويشرف النبي صلى الله عليه وسلم على القوم، فيقول له أبو طلحة : بأبي أنت وأمي لا تُشرف، يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك] لما كان النبي يريد أن يظهر نفسه لأصحابه كان أبو طلحة لا يرضى بذلك خشية أن يصيبه سهم من السهام [فرضي الله عن أبي طلحة وأرضاه وجعل الجنة مأواه، اللهم بحبنا فيك لهم فاجمعنا بهم] اللهم بحبنا فيك لهم فاجمعنا بهم يا رب العالمين.

    ثانياً: موقف عائشة بنت أبي بكر و أم سليم الأنصارية

    قال: [ثانياً: موقف عائشة بنت أبي بكر وأم سليم الأنصارية ، قال أنس : لقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمرتان عن خدم سوقهما تنقزان بالقرب تفرغانها في أفواه القوم مرات عديدة] عائشة وأم سليم كانتا تحملان قرب الماء وتتعاهدان الجرحى وهم يئنون ويصرخون وتصبان الماء في أفواههما [فما أشرف هذا الموقف وما أشرف صاحبتيه رضي الله عنهما وأرضاهما].

    ثالثاً: موقف طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه

    قال: [ثالثاً: موقف طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه -قال- : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب -ومعه نفر من أصحابه- إذ علت عالية من قريش الجبل، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصخرة من الجبل ليعلوها، وكان قد بدّن] يعني: عظم بدنه [وظاهر بين درعين، فلما ذهب لينهض] صلى الله عليه وسلم ليطلع للصخرة [لم يستطع، فجلس تحته طلحة فنهض به حتى استوى عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: (أوجب طلحة حين صنع برسول الله ما صنع! )] أوجب لنفسه البشرى بالجنة حين صنع برسول الله ما صنع.

    رابعاً: موقف الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم

    قال: [رابعاً: موقف الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم -ومواقفه كلها مشرفة-] وليس موقفاً واحداً فقط[لما أسند صلى الله عليه وسلم في الشعب أدركه أبي بن خلف على جواد له يزعم أنه يقتل عليه محمداً صلى الله عليه وسلم، تقدم نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: لا نجوت إن نجا، فلما اقترب منه تناول الرسول صلى الله عليه وسلم الحربة من يد الحارث بن الصمة ، فلما أخذها انتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير، ثم استقبله فطعنه بها طعنة أصابت نحره فوقع عن فرسه فحمل إلى قريش وهو يخور كالثور ويقول: قتلني -والله- محمد، فمات في الطريق عند سرف].

    خامساً: موقف أنس بن النضر الأنصاري

    قال: [خامساً: موقف أنس بن النضر الأنصاري ، إنه لما صاح أزب العقبة -الشيطان- قائلاً: إن محمداً قد مات، وانجفل الأبطال ووقفوا عن القتال حيارى مشدوهين مدهوشين، صاح فيهم أنس قائلاً: ما يحبسكم عن القتال؟ قالوا: قد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ما تصنعون بالحياة بعده؟ موتوا على ما مات عليه. يا قوم! إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قتل عليه محمد، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء] الله أكبر!

    سادساً: موقف آخر للحبيب صلى الله عليه وسلم

    قال: [سادساً: موقف الحبيب صلى الله عليه وسلم -وحياته كلها مواقف شرف وكمال- ولكن نذكر ما نذكر للمناسبة ولإثارة كوامن الحب في النفس بالذكر. إنه صلى الله عليه وسلم بعد تلك الجراحات المؤلمة، أخذ صلى الله عليه وسلم شيئاً فجعل ينشف الدم عنه ويقول: ( كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربهم، فأوحي إليه: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:128] فقال: اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون )].

    سابعاً: موقف فاطمة بنت رسول الله

    قال: [سابعاً: موقف فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم: إنه لما جرح والدها صلى الله عليه وسلم أخذ علي يأتي بالماء، وفاطمة تغسل جراحات الحبيب والدها محمد صلى الله عليه وسلم، ولما رأت الدم لم يرقأ] أي: لم يكف [بالغسل، جاءت بحصير فأحرقته وضمدت بالرماد الحار جراحات أبيها صلى الله عليه وسلم فرقأ الدم ولم يسل. إن هذا الموقف للزهراء بنت الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم يسمو كل المواقف].

    ثامناً: موقف عبد الله بن عمرو بن حرام

    قال: [ثامناً: موقف عبد الله بن عمرو بن حرام : إنه لما انهزل وانخذل ابن أبي بثلث الجيش] عند قدومه إلى أحد كما تذكرون [وانصرف عائداً هو ومن معه إلى المدينة، استقبلهم عبد الله وقال: تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا] عن أهليكم وإخوانكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله [قالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، فأنزل الله تعالى فيه قرآناً يقرأ إلى يوم الدين].

    تاسعاً: موقف حنظلة غسيل الملائكة

    قال: [تاسعاً: موقف حنظلة غسيل الملائكة: إنه] أي حنظلة [تزوج وبات عريساً ليلته، فأيقظه صوت الجهاد، ولم يغتسل بعد، فقام فلبس درعه وحمل سلاحه ولحق بالمعركة وهي دائرة، فخاضها خوض الأبطال وقاتل حتى استشهد -وهو جنب- فغسلته الملائكة، وأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ( سلوا امرأته ) فسألوها فأخبرت أنه خرج من عندها جنباً ولحق بالجهاد لما سمع صوته، فكان موقفاً مشرفاً لـحنظلة ، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم].

    عاشراً: موقف أم عمارة نسيبة

    قال: [عاشراً] وأخيراً [موقف أم عمارة نسيبة : إنها خرجت أول النهار تنظر ما يصنع الناس ومعها سقاء فيه ماء، فأتت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه -والدولة والربح للمسلمين- فلما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وباشرت القتال تذب بالسيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترمي عن القوس حتى خلصت الجراحات إليها. بهذا حدثت رضي الله عنها فكان موقفاً مشرفاً لها رضي الله عنها] ولا حرمنا ما أعطاهم، ولا منعنا إن شاء الله من جهاد كجهادهم لنلاقي ما لاقوا ..

    وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم ..