إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عبد الله حماد الرسي
  3. الحذر من السرعة الجنونية والتوبة إلى الله

الحذر من السرعة الجنونية والتوبة إلى اللهللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأمور المعلومة شرعاً تحريم إلقاء النفس إلى التهلكة وتعريضها للتلف، وإن من أنواع إلقاء النفس إلى التهلكة قيادة السيارة بسرعة مفضية للهلكة، وهو وإن لم يؤد إلى حادث مؤسف فإنه من أذية المسلمين المحرمة شرعاً، ومن الأمور الموجبة للعن من قبلهم، فهي أشد من التبرز في طرقات الناس بلا شك، وقد كثرت في الآونة الأخيرة الحوادث المؤسفة؛ وذلك نتيجة للترف وضعف الوازع الديني في النفوس.

    1.   

    أدلة تحريم إلقاء النفس في التهلكة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله تعالى وأطيعوه، واشكروه على نعمه الكثيرة التي لا تحصون لها عدداً.

    عباد الله: إن من نعم الله تعالى التي أنعم بها علينا، ومنحنا إياها وسائل النقل بجميع أنواعها، فإنها نعمة لمن استعملها في مرافق حياته المباحة، وإن الله قد حرم على المرء أن يعرض نفسه للهلاك ومن أدلة ذلك ما يلي:

    الدليل الأول: عباد الله: لقد جاءت الشريعة الإسلامية بحقن الدماء والمحافظة عليها، قال الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [النساء:30]. عباد الله: تلكم الآية الكريمة تنذركم ألا تقتلوا أنفسكم؛ لأن الله كان بكم رحيماً، فإن قتلتم أنفسكم عدواناً وظلما فسوف يصليكم ناراً وكان ذلك على الله يسيراً.

    الدليل الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً).

    الدليلين الثالث والرابع: وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم، قال رسول الله الهدى صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة) وروى البخاري ومسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان فيمن كان قبلكم رجل كان به جرح فجزع فأخذ سكيناً فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة فهو في النار). ففي هذه الآية السالفة والأحاديث الصحيحة، تهديد شديد، ووعيد أكيد لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

    تحريم السرعة المفضية للموت

    لقد قرر بعض العلماء وفقهم الله لما يحبه ويرضاه: أن سائق السيارة إذا كان لا يعرف القيادة وقاد السيارة بدون معرفة، ثم حصل له حادث، ثم مات فقد تعرض لإتلاف نفسه، زد على ذلك إذا كان معه مجموعة فإنه يزاد عليه في العذاب؛ لأنه لم يأخذ بالأسباب الواقية وهي معرفة القيادة.

    فمع الأسف الشديد مجرد ما يخرج الرجل في نفوذه، يقول لصاحب المعرض: وجه لي السيارة، ثم يمشي بها من دون معرفة نسأل الله العفو والعافية، فهذا داخلٌ تحت الوعيد الشديد الذي مر آنفاً بالأحاديث الصحيحة والآية الكريمة.

    وقرر أيضاً بعض العلماء رحمهم الله: أن السائق إذا تعدى السرعة التي تمكنه من التصرف بالسيارة أثناء الحادث ومات فهو داخل تحت الوعيد الشديد؛ إلا من فعل الأسباب: الرفق، ومعرفة القيادة، وعدم السرعة التي تهدد حياته وحياة البشر جميعاً.

    انتشار الحوادث المرورية وأسبابها

    فكم نسمع بآذاننا، ونرى بعيوننا من الحوادث التي تقشعر منها الجلود، ويندى لها جبين كل رحوم، وكم تُحدِّث: أصبح أولاد فلان أيتام، وأصبحت نساؤه أرامل، وكم نسمع: لقد ذهب فلان وأهله وأولاده ضحية حادث، فهل ارتدع البعض من الناس عند سماع هذه الأخبار؟ كلا والله، فإنهم في غيهم يعمهون، وعلى السرعة الجنونية مستمرون، نتيجة ذلك وحاصله نقص الإيمان، وعدم احترام الأرواح البريئة، وقسوة القلوب التي أثرت عليها عوامل الشر والفساد من أكل الحرام، واستعمال المخدرات التي فشت وانتشرت، نسأل الله أن يقطع دابر من يستوردها، وأن يجعله فريسة لسباع البر قبل أن يدخل بها بلاد المسلمين.

    يا عباد الله: احذروا من السرعة، احذروا يا من تعرضون أنفسكم وأهليكم وأولادكم للخطر وأنتم لا تشعرون! احذروا أن تقعوا في وعيد الله، في هذه الآية الكريمة التي يقول فيها: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً لكن إذا اعتديتم وتجرأتم وتعديتم الحدود وحصل منكم بعض الأسباب التي جنيتم بها على أنفسكم من قتل أو غيره فعند ذلك سقطت حرمتكم من عين الله عز وجل، وحل بكم هذا الوعيد وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً .

    1.   

    النهي عن إيذاء المؤمنين

    أمة الإسلام.. عباد الله! من رحمة الله جل وعلا أنه ينهى عن إيذاء المؤمنين، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً [الأحزاب:58] وما أكثر الأذى اليوم! إلى الله نشكو، ما أكثر الأذى اليوم في شوارع المسلمين العامة والخاصة! وهو ما يحصل من البعض من الإزعاج، سواء كان من السرعة، أو التفحيط، أو مغازلة النساء، أو معاكسة الفتيات، فإنا لله وإنا إليه راجعون!

    اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا نهاية قصدنا، ولا إلى النار مصيرنا، ولا تسلط علينا سفهاءنا، اللهم لا تسلط علنيا من لا يرحمنا من السفهاء وغيرهم يا رب العالمين.

    بقي شيءٌ أختم به الكلام، وهو أنه ينبغي للمسلمين جميعاً أن يكونوا يداً واحدة متعاونين على البر والتقوى، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويأخذون على أيدي السفهاء ويأطرونهم على الحق أطراً، ولا يتركون لهم الحبل على الغارب، كونوا عباد الله إخواناً متناصحين ومتحدي الصف والكلمة، ولا يخذلنكم الشيطان عن ذلك إنه لكم عدو مبين.

    اللهم وفقنا جميعاً وأئمتنا وولاة أمورنا للقيام بما يرضيك يا رب العالمين، واجعلنا هداة مهتدين.

    اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلهم قرة أعين لنا يا أرحم الراحمين.

    وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    التوبة النصوح

    الحمد لله الذي فتح باب التوبة للمذنبين، وكتب الرحمة لعباده المؤمنين، وأشهد أن لا إله أن لا الله وحده لا شريك له، الإله الحق المبين وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إمام المتقين وقائد الغر الميامين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: استجيبوا لنداء الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [التحريم:8].

    عباد الله: إن الله يدعوكم إلى التوبة النصوح، وقد فتح باب الرحمة والتوبة للمؤمنين على مصراعيه، وجعله أوسع الأبواب، ليعلموا أن لهم رباً عظيما يتضاءل بالتوبة أمام رحمته وعفوه كل ذنب.

    حقيقة التوبة النصوح

    عباد الله.. إن التوبة النصوح الصحيحة التي يكفر الله بها السيئات ويدخل بها الجنات هي الإقلاع عن الذنوب جميعها؛ الصغائر منها والكبائر، ويندم على ما مضى منها، ويعزم على ألا يفعل في المستقبل، ويرد المظالم، ويتحلل من أهلها قبل يوم القيامة.

    من التوبة الكف عن إيذاء المؤمنين

    عباد الله: توبوا إلى ربكم وأسلموا له واعملوا صالحاً ينجيكم من عذابه يوم القارعة، يوم الطامة والزلزلة، يوم الحسرة والندامة، فلا تكونوا غافلين عن الموت هاذم اللذات، ولا تنسوا سكرات الموت وأهواله، فهنيئاً لمن تيقظ وتاب وأناب وعمل صالحاً! وتباً لمن غفل وأسرف على نفسه، وسوَّف بالتوبة ووافته المنية على إصراره، وعلى إيذاء عباد الله وإزعاجهم بملاحقة النساء، والتفحيط في شوارعهم العامة والخاصة، ويا لها من فتنة عمياء وتقليد أحمق! اللهم اهدِ ضال المسلمين.

    عباد الله: أولادكم أمانة في أعناقكم، ونحن مسئولون عنهم أمام الله يوم القيامة.

    عباد الله: لينظر كل منا منقلبه ما دام في زمن الإمهال، وليتعرف إلى الله عز وجل، وليتفكر في منتهاه ما دام الأمر ممكناً، قبل أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر:56].

    عباد الله: إن على الإنسان أن يعمل سراً وجهراً بطاعة الله جل وعلا، ويذكر ربه وما أحاطه به من النعم، وما له عليه من حقوق، ويذكر ضعفه وموته وما في القيامة من أهوال وماذا عمل، يذكر ذلك استعداداً لذلك اليوم العظيم المروع، فيستحضر تقصيره، ويتذكر تفريطه، وما يدري ما يفعل به.

    فيا أخي المسلم: إن المعاصي تمحق بركة العمر والرزق والعلم، والطاعة والتوبة واجبة في كل وقت امتثالاً لأمر الله ورسوله بها، فهيا إلى التوبة يا عباد الله! ، فالحياة مرة، فإذا انتهت فلا كرة ولا رجوع، هيا إلى التوبة من قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه ولا خلال، فقد يفصل في الأمر وتغلق الأبواب، والمسوف بالتوبة بين خطرين عظيمين؛ إما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير ريناً وطبعاً فلا يقبل المحو، وإما أن يعاجله المرض وهاذم اللذات فجأة فلا يجد مهلة لتدارك ما فات.

    اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

    عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] ويقول صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام والمسلمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوءٍ فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء.

    اللهم أصلحنا جميعاً، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا جميعاً هداة مهتدين.

    اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا واللواط، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91].

    واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.