إسلام ويب

الحب في الله والبغض في الله [2]للشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المتحابين في الله لهم المنازل العظيمة يوم القيامة، فهم في ظل الله على منابر من نور، يحبهم الله سبحانه وتعالى ويحشرون معاً، يغبطهم النبيون والشهداء، وقبل هذا قد وجدوا طعم الإيمان في دنياهم.

    وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن ذلك ويبين أنه لا يتم إيمان العبد حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما سواهما، ثم ختم المادة ببيان أن من أسباب المحبة إفشاء السلام، ومن أسباب المغفرة المصافحة.

    1.   

    فضائل وآثار المتحابين في الله

    الحمد لله الدائم بلا زوال، القائم بعميم الفضل والنوال، والمتصرف في عباده باختلاف الأحوال، المتوحد بالعظمة والجلال، والمنفرد بالقدم والبقاء والزمان، المتعالي عن الأسباب والأمثال، لا إله إلا هو الكبير المتعال.

    أحمده حمداً يحفظ النعم عن الزوال، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له شهادةً تبلغ نهاية الآمال، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل وهو لا ينطق عن الهوى: (ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم).

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الهادي من الضلال، والداعي لأشرف الخلال، المرشد إلى صالح الأعمال، والمحذر من الجحيم، والمبشر بالنعيم المقيم الذي ليس له زوال.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله: عليكم بتقوى الله؛ فإن بها تنال الدرجات، وتزكو الأعمال، فمن ذلك الحب في الله والبغض في الله فهو أوثق عرى الإيمان، يا لها من كلمة قد نسيناها! قد اندثرت على مدى الزمان، وعلى طول الأعوام: الحب في الله والبغض في الله.

    المتحابون في الله على منابر من نور يوم القيامة

    عباد الله: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا القول ليس للصحابة بل لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نسأل الله أن يجعلنا من أمة الإجابة الذين أجابوا رسول الله وسمعوا لما قال، يقول صلى الله عليه وسلم: {يا أيها الناس! اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله عز وجل عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وعلى قربهم من الله -الله أكبر! هؤلاء الناس من الآدميين، هؤلاء الناس من البشر يخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقام رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وعلى قربهم من الله؟! صفهم لنا يا رسول الله؟ فسر وجه النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الأعرابي، فقال صلى الله عليه وسلم: هم ناس من أفناء الناس وموازع القبائل لم تصل بينهم أرحامٌ متقاربة إنما تحابوا في الله وتصافوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسون عليها فيجعل وجوههم نوراً وثناياهم نوراً يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.

    الله أكبر! بثمن بسيط نالوا تلك المنازل، بالحب في الله والبغض في الله.

    المتحابون في الله يجدون طعم الإيمان

    المتحابون في الله يظلهم الله في ظله يوم القيامة

    عباد الله: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟} ليس للمساهمات، ولا للأموال الطائلة، يقول يوم القيامة في ذلك الموقف الرهيب، في ذلك الموقف العظيم الذي يشيب فيه المولود، وتضع الحوامل حملها.

    {أين المتحابون بجلالي؟} الله أكبر! اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أتبعنا بالمتحابين فيك يا رب العالمين، إنها كلمة لها مقام يا عباد الله!

    يقول ربنا جلَّ وعلا: {أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي} حديث صحيح يرويه الإمام مسلم.

    المتحابون في الله يحبهم الله

    عباد الله: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر هذا الخبر أن ربنا جلَّ وعلا أرصد ملكاً من ملائكته لعبدٍ من عباده يخبره أنه يحبه، بأي شيء حصل ذلك يا عباد الله؟!

    يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن رجلاً زار أخاً له في قرية فأرصد الله على مدرجته -يعني: على طريقه- ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد يا عبد الله؟ قال: أخاً لي في هذه القرية -زيارة لله، حباً لله، تباذلاً لله- قال: هل لك عليه من نعمة؟ تردها}

    هل شاركك في المساهمة؟ هل ضرب لك سهماً؟ هل أدخل لك مالاً في البنوك الربوية؟ {.. قال: لا. غير أني أحبه في الله..}.

    الله أكبر! يذهب إلى قرية أخرى لأنه يحبه في الله، وماذا قال له الملك؟

    { قال له: فإني رسول الله إليك أن الله قد أحبك كما أحببته فيه}. من فوق سبع سموات يعلم الضمائر وما تخفي الصدور، علام الغيوب يعلم ما في القلوب، يرسل ملكاً من الملائكة لعبدٍ من عباده يخبره أنه يحبه؛ وبسبب أنه يحب أخاً له في الله ويزوره في الله. الله أكبر!

    المتحابون في الله يغبطهم النبيون والشهداء

    عن أبي مسلم رحمه الله؛ وهو تابعيٌ من التابعين قال قلت: لـمعاذ؛ الصحابي الجليل رضي الله عنه: والله إني لأحبك لغير دنيا أرجو أن أصيبها منك، ولا قرابة بيني وبينك، قال: فبأي شيء؟ قلت: لله، قال: فجذبني بحبوتي ثم قال: أبشر إن كنت صادقاً فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله يغبطهم بمكانهم النبيون والشهداء}.

    يقول أبو مسلم التابعي رحمه الله -لأنهم حريصون على حب الخير وعلى البحث عن الخير- ثم لقيت عبادة بن الصامت؛ صحابي جليل فحدثته بحديث معاذ ، فقال عبادة رضي الله عنه: وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن ربه تبارك وتعالى: {حقت محبتي على المتحابين فيَّ، وحقت محبتي على المتناصحين فيَّ، وحقت محبتي على المتباذلين فيَّ -هم على أي شيء يا عبادة! كما أخبرك رسول الله؟- هم على منابر من نور يغبطهم النبيون والصديقين والشهداء}.

    لا إله إلا الله! اللهم أغث قلوبنا بالإيمان.

    المتحابون في الله يحشرون معاً

    عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: {متى الساعة يا رسول الله؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت. قال أنس رضي الله عنه: ما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت. قال أنس رضي الله عنه: فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم} رواه مسلم.

    عباد الله: إن في هذا الحديث بشارة عظيمة سارة لمن أحب الله ورسوله وأحب صحابة رسول الله ومن تبعهم بإحسان واقتدى بهم.

    1.   

    محبة النبي صلى الله عليه وسلم ولوازمها

    عباد الله! الحق والقول الفصل أنه لا يتم ولا يكمل إيمان الإنسان إلا بإيثار النبي صلى الله عليه وسلم بالمحبة والتكريم على سائر خلق الله.

    وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ومن الناس أجمعين).

    علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم

    كيف يدلنا على محبة رسول الله؟ كيف نستدل على محبة رسول الله؟ هل بلفظ: (صلى الله عليه وسلم)؟ لا تكفي هذه، بل من علامات محبته صلى الله عليه وسلم: إيثار رضاه، والعمل بشريعته، والنصر لسنته المطهرة، والتأسي به في شمائله وسيرته الكريمة المباركة النيرة، وتنحصر في: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر، هكذا يحصل حب الرسول صلى الله عليه وسلم، أما المحبة السطحية، أما المحبة التقليدية، أما المحبة العلة الزائفة، فتلك دعوة باطلة، وعلة لا تروج، وتبجح كاذب؛ لأن صاحبها يترجم الحجة على صحة دعواه وحقيقة ما ادعاه.

    والله يقول: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [التغابن:12]. كذلك يقول في المتحابين في جلاله: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف:67-68] من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:69] يقال لهم يوم القيامة: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:70].

    اللهم وفقنا لمحبتك ومحبة رسلك وأوليائك وعبادك الصالحين.

    اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم اقشع عنها غيوم الغفلة يا رب العالمين، اللهم أيقظنا من سِنَةِ الغفلة، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه في الدنيا والآخرة.

    وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    إفشاء السلام سبب للمحبة

    الحمد لله الذي منَّ علينا بالإيمان والإسلام، ونسأله أن يكون صدقاً من عميق وصميم قلوبنا، نسأل الله أن يجعلنا مؤمنين حقاً، ونسأله أن يتفضل علينا بالمنِّة وبالهداية والتوفيق والسداد والحب في الله والبغض في الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله عز وجل، وقد دلكم رسول الله على شيء إذا فعلتموه تحاببتم فقال -وهو لا ينطق عن الهوى-: (ألا أخبركم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم). أفشوا السلام بينكم يا عباد الله! سلموا على من عرفتم ومن لم تعرفوا، وتمسكوا بأوثق عرى الإيمان وهو الإسلام وبشرائعه الحسان، وصفو قلوبكم من الغش والخداع، والخيانة والتباغض والتحاسد، واحرصوا على آداب الإسلام، واحمدوا الله على مِنِّة الإسلام واسألوه الثبات عليها.

    1.   

    المصافحة سبب للمغفرة

    يروي لنا سلمان الفارسي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم فأخذ بيده -يعني: إذا صافحه وسلم عليه- تحاتت عنهما ذنوبهما كما تتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحر).

    ويقول أبو عمرو الأوزاعي: حدثني عبدة بن أبي لبابة عن مجاهد قال: [[لقيته فأخذ بيدي -يعني صافحني- فقال: إذا التقى المتحابان في الله فأخذ أحدهما بيد صاحبه وضحك إليه تحاتت خطاياهما كما تحات ورق الشجر، قال عبدة رحمه الله: فقلت له: هذا يسير، قال: لا تقل ذلك فإن الله يقول: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ [الأنفال:63]]].

    عباد الله: اعلموا أن أحسن الحديث كلام الله وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلاله.

    وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار.

    وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]. ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً).

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم املئ قلوبنا من محبتك ومن خشيتك ومن معرفتك ومن الأنس بقربك واملأها حكمةً وعلماً.

    اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك.

    اللهم اجعلنا من المتحابين فيك، ومن المتواصلين فيك، ومن المتناصحين فيك يا رب العالمين.

    اللهم ودمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم واشدد وطأتك عليهم، وارفع يدك عنهم، ومزقهم كل ممزق، اللهم اجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها.

    اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلنا وإياهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

    اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.

    رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:9-10].

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91] ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.