إسلام ويب

يوم الفرقانللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيراً لقريش قادمة من الشام بقيادة أبي سفيان، فخرج هو وأصحابه للتعرض لها، فعلم بذلك أبو سفيان، فأرسل إلى قريش يعلمهم الخبر، فخرجت قريش بألف مقاتل، وأراد الله أن يجمع بين الفريقين في معركة يعز الله فيها جنده، ويذل فيها جند الشيطان؛ فالتقى الجمعان على غير ميعاد، وأيد الله رسوله بنصر من عنده، وهزم الأحزاب وحده.

    1.   

    غزوة بدر الكبرى

    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي المتقين، أحمده سبحانه وأشكره، الذي أيّد رسوله والمؤمنين بنصره المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، المبلغ عن ربه البلاغ المبين، والذي جاهد في الله حق جهاده, اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، الذين فتحوا الفتوحات، ومصَّروا الأمصار، حتى انتشر دين الإسلام في كل مكان، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن دعا بدعوتهم إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها الناس: اتقوا الله عزَّ وجلَّ.

    عباد الله: هذا شهر رمضان المبارك، إنه مبارك لما فيه من الخيرات، وهو الذي وقعت فيه غزوة بدر الكبرى، وهي أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    سبب غزوة بدر

    وسببها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَلَغه أن عِيْراً لقريش أقبلت من الشام بقيادة أبي سفيان ، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضراً بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالاً بليغاً، أي: لم يأخذ لها الأُهبة؛ لأنه لم يرد بذلك قتالاً صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خرج مسرعاً في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسان، فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود ، وكان معهم سبعون بعيراً يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزميلاه يعتقبون بعيراً، قال علي رضي الله عنه وكانت عُقبةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {نحن نمشي عنك يا رسول الله! فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنتما أقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما} واستخلف على المدينة ، وعلى الصلاة ابن أم مكتوم ، فلما كان بـالروحاء ردَّ أبا لُبابة بن عبد المنذر، واستعمله على المدينة ، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير ، الشاب الذي مات شهيداً في غزوة أحد ، ودفع الراية إلى علي رضي الله عنه، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة ، وسار صلى الله عليه وسلم، فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمر الجهني ، وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير.

    خروج قريش لاستنقاذ القافلة

    وأما أبو سفيان: فإنه بلغه مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً بقريش بالنفير إلى عيرهم؛ ليمنعوا عيرهم من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة ، فنهضوا مسرعين، ولم يتخلف من أشرافهم أحد، سوى أبي لهب، فإنه عوَّض عنه رجلاً كان له عليه دين، وحشدوا فيما حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش، إلا بني عدي، فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم، كما قال الله تعالى: بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:47] أقبلوا بحَدِّهم وحديدهم، جاءوا على حَرْدٍ قادرين، على حمية وغضب وحنَق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه رضي الله عنهم، لِمَا يريدون مِن أخْذ عيرهم، وقتْل مَن فيها.

    استشارة الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج للمعركة

    ولَمَّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروج قريش، استشار الصحابة رضي الله عنهم، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثانياً، فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثاً ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ ، فقال: [[يا رسول الله! كأنك تعرِّض بنا]] وكان في البيعة إنما بايعهم على أن يحموه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم صلى الله عليه وسلم ليعلم ما عندهم، فقال سعد رضي الله عنه: [[لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقاً عليها ألا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم: فاظعن حيث شئتَ، وحِل حيث شئت، وصِلْ حبل من شئتَ، واقطع حبل من شئتَ، وخذ من أموالنا ما شئتَ، واعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركتَ، وما أمرتَ فيه من أمر فأمرنا تبع لأمركَ، فوالله، لئن سرت بنا حتى تبلغ البِرْكَ من غمدان ، لنَسِيْرَنَّ معك، ووالله لئن استعرضتَ بنا هذا البحر، خضناه معكَ]].

    وقال أيضاً المقداد رضي الله عنه -وهو من المهاجرين-: [[لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24] ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك]] فأشرق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسُر بما سمع من أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، وقال صلى الله عليه وسلم: {سيروا، وأبشروا، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، وإني قد رأيتُ مصارع القوم} فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر.

    نجاة القافلة وإصرار قريش على القتال

    أما أبو سفيان فلحق بساحل البحر ونجا بالعير، ولما رأى أنه قد نجا كتب إلى قريش: "أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم"، فأتاهم الخبر وهم بـالجحفة ، فهموا بالرجوع، فقال أبو جهل لعنه الله: والله لن نرجع حتى نقدم بدراً ، فنقيم بها، ونشرب الخمور، وتغني على رءوسنا القينات، ونطعم من حضرنا من العرب، وتخافنا العرب بعد ذلك -الحمد الله الذي رد كيده في نحره، وجعله من أذل الناس- فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع، فعصوه، فرجع هو وبنو زُهْرة، فلم يشهدوا بدراً، فلم يشهد بدراً زُهْرِيٌُّ، فاغتبطت بنو زُهرة بعدُ برأي الأخنس ، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل برأيه الأعمى الفاسد، وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع، فسار المشركون سراعاً يريدون الماء.

    وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وسعداً والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقَدِموا بعبدين لقريش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فسألَهُما أصحابُه: من أنتما؟ قالا: نحن سقاة لقريش، فكره ذلك أصحابه رضي الله عنهم، وودوا لو كانا لعير أبي سفيان ، ولما فرغ صلى الله عليه وسلم من صلاته قال لهما: {أخبراني، أين قريش؟ قالا: وراء هذا الكثيب، فقال: كم القوم؟ فقالا: لا علم لنا، فقال صلى الله عليه وسلم: كم ينحرون كل يوم؟ -أي: كم يذبحون من الذبائح؟- فقالا: يوماً عشراً -عشراً من الْجَزور- ويوماً تسعاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -بفراسته- القوم ما بين تسعمائة إلى الألف}.

    تأييد الله المؤمنين بإنزال المطر

    وفي ذلك اليوم أنزل الله عزَّ وجلَّ مطراً، فكان على المشركين وابلاً شديداً، منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلاً طهّرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطَّأ به الأرض، وصلَّب به الرمل، وثبَّت به الأقدام، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم، فسبق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الماء؛ وذلك بمشاورة بعض الصحابة رضي الله عنهم، فنزلوا عليه شطر الليل، وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، وبُني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش يكون فيه على تل يُشرف على المعركة، ومشى في مواضع المعركة، وجعل يشير بيده: {هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان إن شاء الله تعالى}.

    دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه وتأييد الله المؤمنين بالملائكة

    فلما دنا المشركون نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر، فاستقبل نبي الله القبلة.

    ثم مدّ يديه إلى القوي العزيز العلي العظيم، وجعل يهتف بربه: {اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبَد في الأرض} فما زال يهتف بربه مادَّاً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر ، فأخذ رداءه فرده على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: [[يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك]] فأنزل الله عزَّ وجلَّ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال:9] فأمدَّه الله بالملائكة، واستنصر المسلمون بالله، واستغاثوا بالله، وأخلصوا لله، وتضرعوا لله، فأوحى الله إلى ملائكته: أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ [الأنفال:12] فنَعَس رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة واحدة، وأخذ القوم النعاس، في حال الحرب، ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فقال: {أبشر يا أبا بكر! هذا جبريل على ثناياه النقع -أي: على ثناياه الغبار- يقاتل في سبيل الله} وجاء النصر، وأنزل الله جنده، وأيد رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

    الرسول صلى الله عليه وسلم يحث على القتال والصبر والثبات

    ولما دنا العدو، وتواجه القوم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً، فوعظهم وذكَّرهم، بما لهم في الصبر والثبات من النصر والظفر العاجل، وثواب الله الآجل، وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد في سبيله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، فقام عمير بن الحمام رضي الله عنه، فقال: {يا رسول الله! جنة عرضها السماوات والأرض؟! قال: نعم. قال: بخٍ بخٍ يا رسول الله! قال: ما يحملك على قول: بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله! إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها, قال: فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهنَّ، ثم قال رضي الله عنه: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قُتل} فكان أول قتيل في غزوة بدر.

    ثم حمي الوطيس، واستدارت رحى الحرب، واشتد القتال، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم -وذلك بإيحاء من الله- ملء كفه من الحصباء، فرمى بها وجوه القوم، وقال: {شاهت الوجوه} فلم تترك رجلاً منهم إلا ملأت عينيه، ومنخريه، وفمه، واشتغلوا بالتراب في أعينهم، وشُغل المسلمون بقتلهم، فأنزل الله عزَّ وجلَّ في شأن هذه الرمية، على رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17], وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم.

    وانتهت المعركة، وقد أعز الله جنده، وانهزم المشركون وتساقطوا بأيدي المسلمين، منهم سبعون صريعاً، ومنهم سبعون أسيراً.

    1.   

    أحداث ما بعد معركة بدر

    مصرع أبي جهل

    ولما بردت الحرب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من ينظر لنا ما صنع أبو جهل} فانطلق ابن مسعود رضي الله عنه، ووجده قد ضربه ابنا عفراء، شابان تعاونا على أبي جهل ، فضرباه بسيفيهما رضي الله عنهما شابان لم يستعدا من شهر شعبان بالمكياج، والثياب الضيقة، والشعور الطويلة، حتى يتعرضا لنساء المسلمين في الأسواق التجارية في رمضان، في شهر الله المبارك- شابان أتيا على أبي جهل بسيفيهما، فضرباه، فخرَّ صريعاً على الأرض، لم يكونا مثل شبابنا الذين استعارهم بعض التجار ليكونوا في مقدمة المحلات ليغروا بهم النساء، ليسحبوا بهم النساء مع الأسف الشديد, والحزن المرير، والموت الفتاك، الذي قضى على الغَيرة وعلى الحياء، فإنا لله وإنا إليه راجعون! والله إن بعض التجار يستأجر بعض الشباب، ويختار الشباب الجرد المرد الحِسان، وإذا لم يجد في هذه البلاد استقدم من البلاد الأخرى، حتى يجتلب بهم النساء، ويجعلهم في مقدمة المحلات، فما هو العذر -يا عبد الله- للذين تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيعطي النساء ضحكة وابتسامة وكلاماً، ويقول: هذه هدية، وهذا لكِ دَين مؤخر، حتى يتعرف على المرأة ويجتذب المرأة بأسلوبه الخبيث، بأسلوبه الخاطئ، الذي أسأل الله جلت قدرته أن يهديهم ويبعدهم عن نساء المسلمين، أو يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، إنه على كل شيء قدير.

    ثم لا ننسى أن أهل المحلات الذين يصفون تلك الملابس حتى تعلو رأس المرأة، ثم تكون المرأة خلف تلك الصفوف من الملابس، ويحادثها ويمازحها، ويلمِّسُها، ويقبلها، وولي أمرها جالس في السيارة، أو مع السائق، والسائق معه طفل يحمله، والمرأة داخل المحل، يخاطبها صاحب المحل، يلمِّسُها، ويقبلها، والولي جالس في السيارة، أو مع زملائه، يلعب البَلُوْت، والكِنْكان، أو مع الخادمة في بيته، فإنا لله وإنا إليه راجعون!!.

    يا أمة الإسلام! أين الغَيرة؟!

    أين الغَيرة يا أمة الإسلام؟!

    هل دفنتم الغيرة؟!

    هل ذبحتم الغَيرة؟!

    أين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل أن يأتينا أبناء فارس والروم فيغزونا ويقتلونا بسلاحهم الفتاك، فإنا لله وإنا إليه راجعون!

    نعم، ابنا عفراء، هما اللذَان قتلا أبا جهل ، فخرَّ فرعون هذه الأمة صريعاً، وأتى إليه ابن مسعود رضي الله عنه، وهو لا يزال في رمق من الحياة، وأخذ ابن مسعود بلحيته - ابن مسعود الذي يقول فيه رسول الله، وهو دقيق الساقين: {إنهما لأثقل من أحد في الميزان}- يأتي فيعلو صدر أبي جهل ، ويمسك بلحيته، ويحز رأسه بالسكين، ويأتي به، ويضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يقول: [[الله أكبر! الله أكبر! الحمد لله الذي صدق وعده, ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده]] فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {انطلق، أرنِيِه} فانطلقنا، فأريته إياه، فقال: {هذا فرعون هذه الأمة، الحمد لله}.

    وقوف الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً القتلى

    وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى، فقال: {بئس عشيرة كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس} يقصد: الأنصار رضي الله عنهم، ثم أمر بصناديد قريش، أمر بالصرعى، أمر بالقتلى الذين قُتلوا في سبيل الشيطان، فسُحبوا إلى قليب من قُلُب بدر، فطرحوا فيه، ثم وقف عليهم، فقال: {يا عتبة بن ربيعة! ويا شيبة بن ربيعة! ويا فلان! ويا فلان! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإني وجدتُ ما وعدني ربي حقاً فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيَّفوا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب} ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرصة ثلاثاً، وكان إذا ظهر على قوم أقام بعرصتهم ثلاثاً والعرصة: هي البقعة الواسعة بغير بناء.

    رجوع الرسول إلى المدينة

    ثم ارتحل صلى الله عليه وسلم مؤيَّداً منصوراً، قرير العين بنصر الله له، ومعه الأسرى والمغانم، فلما كان بـالصفراء ، قسّم الغنائم، وضرب عنق النضر بن الحارث بن كلدة؛ لأنه كان يؤذي المسلمين، ثم لَمَّا نزل بـعرق الضبية ضرب عنق عقبة بن أبي معيط؛ لأنه كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويؤذي المؤمنين، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مؤيَّداً مظفراً منصوراً، قد خافه كل عدو له بـالمدينة وحولها.

    مصير أسرى بدر

    وأما الأسرى: فإن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الصحابة فيهم، وكان سعد بن معاذ قد ساءه أمرهم، وقال: [[كانت أول وقعة أوقعها الله في المشركين، وكان الإثخان في الحرب أحبَّ إليَّ من استبقاء الرجال]] وقال عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: [[أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل -أي: أخيه- فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان -يقصد: قريباً لـعمر- فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها]] وقال أبو بكر رضي الله عنه: [[هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية, فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام]] فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم الفدية، فكان أكثرهم يفتدي بالمال من أربعة آلاف درهم إلى ألف درهم، ومنهم من افتدى بتعليم صبيان أهل المدينة الكتابة والقراءة، ومنهم من كان فداؤه إطلاق أسير عند قريش من المسلمين، ومنهم من قتله النبي صلى الله عليه وسلم لشدة أذيته للمسلمين، ومنهم مَن مَنَّ عليه بدون فداء للمصلحة.

    هذه غزوة بدر يا أمة الإسلام! انتصرت فيها فئة قليلة على فئة كثيرة فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ [آل عمران:13] انتصرت الفئة القليلة؛ لأنها قائمة بدين الله، تقاتل لإعلاء كلمة الله, لا للوطنية، ولا للشعبية، ولا للعروبة، ولا.. ولا..؛ تقاتل لإعلاء كلمة الله، لم تستعن بأحد من الأجانب، إنما استعانت بالله الحي القيوم، فنصرهم الله على أعدائهم.

    اللهم انصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، يا حي يا قيوم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    فضل العشر الأواخر من رمضان

    الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه.

    اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    تحري ليلة القدر في العشر الأواخر

    فيا عباد الله: اتقوا الله عزَّ وجلَّ، واغتنموا مواسم الخيرات، واستغلوها بما يقربكم من الله تعالى، فهذا شهر رمضان، قد ذهب منه الثلثان، ولم يبق منه إلا الثلث، فتداركوا ما بقي منه بصالح الأعمال، بقي منه العشر الحسان، التي ترجى فيها ليلة القدر، التي قال الله فيها: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3] قال بعض العلماء رحمهم الله: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر سواها.

    ألف شهر -يا عباد الله- ثلاثة وثمانون عاماً، وأربعة أشهر، فالعمل في هذه الليلة لمن وفقه الله خير من العمل في ثلاثة وثمانين عاماً وأربعة أشهر.

    في الحديث الصحيح: {تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان} ولن تظفر -يا عبد الله- بهذه الليلة إلا إذا قُمتَ ليالي العشر كلها، فقد أخفى الله جل وعلا علمها على العباد رحمة بهم؛ ليكثر عملهم في طلبها في تلك الليالي الفاضلة، بالصلاة، والذكر، والدعاء، فيزدادوا تقرباً إلى الله تعالى وثواباً، وأخفى الله ليلة القدر في ليالي العشر اختباراً للعباد، ليتبين بذلك من كان جاداً في طلبها، حريصاً عليها ممن كان كسلاناً متهاوناً، يقول صلى الله عليه وسلم: {يا أيها الناس أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام}.

    عباد الله: اغتنموا هذه الأوقات الفضائل.

    سنة الاعتكاف في العشر الأواخر

    عباد الله: اقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان شدَّ المئزر، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها}.

    فمنها: الاعتكاف: فإنه كان يداوم عليه في العشر الأواخر حتى توفاه الله تعالى، يطلب فيها ليلة القدر، وكان يحتجز حصيراً يتخلى فيها عن الناس، فلا يخالطهم، ولا يشتغل بهم ولهذا ذهب إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أن المعتكف لا يُستحب له مخالطة الناس، ولا حتى لتعليم عِلم، بل الأفضل له الانفراد بنفسه، والتخلي بمناجاة ربه، وذكره، ودعائه، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلا يترك به الجمعة والجماعات؛ فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهي عنها، لذلك [[ سئل ابن عباس، ترجمان القرآن، وحبر هذه الأمة عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يشهد الجمعة والجماعة، فقال: هو في النار، ثم سأله السائل بعد شهر، فقال: هو في النار]].

    أمة الإسلام: عليكم بالخلوة المشروعة لهذه الأمة، وهو الاعتكاف في المساجد، خصوصاً في شهر رمضان، وبالأخص في العشر الأواخر منه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله، وعكف بقلبه وقالِبه على ربه، وما يقربه منه، فما بقي له همٌ سوى الله، وما يرضيه عنه؛ فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.

    فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الاعتكاف يأمر بخباء، فيُضرب له في المسجد، يخلو فيه بربه عزَّ وجلَّ، فإذا صلى الفجر دخله، وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان الضرورية، وكان يُخرج رأسه من المسجد إلى بيت عائشة ، فترجله وتغسله، وهو في المسجد، وهي حائض، وكان بعض أزواجه تزوره وهو في معتكفه، فإذا قامت لتذهب قام معها يوصلها، وذلك ليلاً، ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف، لا بقبلة، ولا بغيرها، كل هذا تحصيل لمقصود الاعتكاف ووجهه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكَف موضع عِشْرة، ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، وربما أتى بعضهم بتلفاز، وربما بعضهم أخذ الجريدة اليومية، فهذا لونٌ، والاعتكاف النبوي لون آخر.

    لله در القائمين بليلهم     يدعون رباً للقليل شكورا

    قوم أقاموا للإله نفوسهم     فكسا وجوههم الوسيمة نورا

    تركوا النعيم وطلقوا لذاتهم     زهداً فعوضهم بذاك سرورا

    قاموا يناجون الحبيب بأدمُعٍ      تجري فتحكي لؤلؤاً منثورا

    ستروا وجوههم بأستار الدجى     ليلاً فأضحت في النهار بدورا

    وإذا بدا ليل سَمِعْتَ أنينَهم     وشَهِدْتَ وَجْداً منهمُ وزفيرا

    يخافون من النار ويرجون من الله الجنة.

    تعبوا قليلاً في رضا محبوبهم     فأراحهم يوم المعاد كثيرا

    الله أكبر! هؤلاء الرجال، ما عرفوا التمثيليات، ولا الأفلام، ولا البَلُوْت، ولا الكِنْكَان.

    مع الأسف الشديد كيف يقضي بعض الناس أوقاتهم في ليالي رمضان؟!

    النساء: في التبرج. وكبار السن: قد عكفوا على البَلُوْت، والكِنْكَان، إلا من رحم ربك, والشباب: عكفوا على الكرة وغيرها, والأطفال: لا تسمع لهم إلا الصيحات في الشتائم واللعنات مع الأسف الشديد.

    اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور, اللهم ردنا إليك رداً جميلاً يا أرحم الراحمين.

    اللهم وفقنا، وأيقد في قلوبنا نار الغيرة ومحبتك، يا رب العالمين؛ حتى نعرف قدر هذه الأشهر المفضلة، ونرجع إليك يا ربنا.

    عباد الله: صلوا على الناصح الأمين، الذي ترككم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، صلوا عليه وسلموا تسليماً، فقد أمركم بذلك رب العزة والجلال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] يقول صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً} اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك، وكرمك، وإحسانك، يا رب العالمين.

    اللهم يا واحدٌ أحد، يا فردُ يا صمد، يا حيُّ يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا عليُّ يا عظيم، يا حليمُ يا عليم، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين.

    اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشر والزيغ والفساد.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، يذل فيه أهل الخنافس، وأهل المغازلة، الذين آذوا الناس في أعراضهم، وفي بناتهم، وزوجاتهم، وفي بيوتهم بهواتفهم.

    اللهم أقم علم الجهاد، واقمع أهل الشر والزيغ والفساد والعناد، يا رب العالمين.

    اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، إنك على كل شيء قدير.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، ووفقنا وإياهم لما تحبه وترضاه, اللهم اجعلنا وإياهم ممن يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه.

    اللهم قَوِّ دعائم الأمر بالمعروف، اللهم قَوِّ دعائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, اللهم من وقف أمام أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فخذه -يا رب- أخذ عزيز مقتدر، وأرح منه البلاد والعباد، فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين.

    اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا هداة مهتدين.

    اللهم ارفع عنا الغلاء، والوباء، والربا، والزنا، والتبرج والسفور، وجميع الفتن التي ظهرت في أسواقنا، وفي بيوتنا، وفي قلوبنا، يا رب العالمين.

    اللهم رب محمد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام اغفر لنا ذنوبنا، وأذهب غيظ قلوبنا، وأجرنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

    عباد الله: أكثروا من ذكر الله عزَّ وجلَّ، اذكرو الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وأكثروا من سؤال الله الجنة، وتعوذوا بالله من النار، وأكثروا من الاستغفار.

    اللهم تُب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم, اللهم صلَِّ على نبينا محمد.