إسلام ويب

موصلات الجنةللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله جلَّ وعلا قد وصف الجنة بأعلى وأجمل وأحسن وصف؛ حتى يشمر لها المشمرون، ووصف أهلها المشمرين بأوصاف حميدة، حتى يتصف بها من أراد الفوز بالجنة ورضوان الله سبحانه وتعالى، وقد بين الشيخ حفظه الله في هذه الرسالة أوصاف أهل الجنة الموصلة إليها من الكتاب والسنة.

    1.   

    أوصاف أهل الجنة في القرآن

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلِّم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الناس: اتقوا الله عزَّ وجلَّ.

    لقد سمعتم في الجمعة الماضية ما حل بالأمم المكذبة لرسل الله عزَّ وجلَّ حيث أنْزَل بهم النقمات، وحلَّت بهم العقوبات ونزلت بهم، ومزقهم الله كل ممزق، فتلكم ديارهم عامرة، وآثارهم موجودة؛ ولكن الله عزَّ وجلَّ دمَّرهم تدميراً، لما عصوا رسل الله عزَّ وجلَّ، ثم بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، فختم الله به الأنبياء والمرسلين، وأنزل معه الكتاب المبين.

    أيها المسلمون: لقد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل معه القرآن العظيم.

    أيها الأمة: أمة الإسلام، لقد استخلفكم الله من بعد تلك الأمم التي بادت وانقرضت وهلكت بعقوبة الله عزَّ وجلَّ، ثم بعث إليكم محمداً صلى الله عليه وسلم، فمدحكم الله في القرآن، حيث قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [آل عمران:110].

    أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم القرآن العظيم، الذي فيه حَثٌ لكم إلى المبادرة والمسارعة إلى طاعة الله عزَّ وجلَّ والابتعاد عما يُغضب الله حتى لا يحل بكم ما حل بالأمم الماضية، قال الله تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:133-135].

    فهذه أوصاف أهل الجنة الذين أطاعوا الله عزَّ وجلَّ:

    الوصف الأول: (المتقون)

    المتقون، الذين ذكر الله وصفهم في أول سورة البقرة: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:3-5] ثم ختم لهم: وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5].

    المتقون: وهم الذين اتقوا ربهم جل وعلا، باتخاذ الوقاية من عذابه بفعل ما أمرهم به، وطاعةً له ورجاءً لثوابه جل وعلا، وترك ما نهاهم عنه، طاعةً له، وخوفاً من عقابه، أولئك هم المتقون.

    الوصف الثاني: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاء)

    الوصف الثاني من أوصاف أهل الجنة: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ [آل عمران:134] فهم ينفقون ما أمروا بإنفاقه على الوجه المطلوب منهم: من الزكاة، والصدقات، والنفقات على من لهم حق عليهم، والنفقات في الجهاد، وغيره من سبل الخير، يبادرون بأداء الزكاة، يتصدقون، ولا يريدون من أحد جزاءً ولا شكوراً، ينفقون ذلك في السراء والضراء، لا تحملهم السراء والرخاء على حب المال، والشح فيه، طمعاً في زيادته، ولا تحملهم الشدة والضراء على إمساك المال خوفاً من الحاجة إليه، بخلاف الذين يقولون: لا ننفق؛ فإننا نخشى أن يقل الرصيد، وأن ينقص ما عندنا من الرصيد، أسأل الله العفو والعافية.

    اللهم قنا شح أنفسنا، اللهم قنا شح أنفسنا.

    الوصف الثالث: (الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)

    الوصف الثالث للمتقين، الذين هم من أهل الجنة: الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران:134] وهم الحابسون لغضبهم إذا غضبوا، فلا يعتدون، ولا يحقدون على غيرهم بسببه.

    الوصف الرابع: (الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)

    الوصف الرابع من أوصاف المتقين وهم أهل الجنة: الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] يعفون عمن ظلمهم واعتدى عليهم، فلا ينتقمون لأنفسهم مع قدرتهم على ذلك.

    وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [آل عمران:134] إشارة إلى أن العفو لا يُمدح إلا إذا كان من الإحسان، وذلك بأن يقع موقعه، ويكون إصلاحاً، فأما العفو الذي تزداد به جريمة المعتدي، فليس بمحمودٍ، ولا مأجور عليه.

    الوصف الخامس: (الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)

    الوصف الخامس من أوصاف المتقين، الذين هم أهل الجنة: الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ... [آل عمران:135] ماذا يعملون إذا فعلوا فاحشة؟

    هل يأتون بالصور من دول الخارج؛ حتى يفضحوا أنفسهم بعدما سترهم الله؟!

    يأتون بصورهم، وهم سكارى، وهم عُراة، مع الزواني، ومع الذين يفعلون اللواط -والعياذ بالله- يأتون بصورهم، وهم يخرون صرعى في مسارح العار والشنار، في بلاد الكفر -نسأل الله العفو والعافية- لا. ليس أولئك، إن المتقين غير أولئك، اسمعوا وصف المتقين: الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135].

    ما هي الفاحشة؟

    الفاحشة: ما يُستفحَش من الذنوب، وهي الكبائر، كقتل النفس المحرمة بغير حق، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، والزنا، والسرقة، ونحوها من الكبائر.

    وما هو ظلم النفس؟

    أما ظلم النفس فهو أعم، فيشمل الكبائر والصغائر.

    فهم إذا فعلوا شيئاً من ذلك ذكروا عظمة من عصوه، فخافوا من عقابه، وذكروا مغفرته ورحمته، فسعوا في أسباب ذلك، فاستغفروا لذنوبهم، بطلب سترها، والتجاوز عن العقوبة عليها، وفي قوله تعالى: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135] إشارة إلى أنهم لا يطلبون المغفرة من غير الله عزَّ وجلَّ؛ لأنه لا يغفر الذنوب سواه.

    الوصف السادس: (لَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)

    الوصـف السـادس من أوصاف المتقين، أوصاف أهل الجنة: لَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] أي: لم يستمروا على فعل الذنب وهم يعلمون أنه ذنب، ويعلمون عظمة من عصوه، ويعلمون قرب مغفرته، بل يبادرون إلى الإقلاع عنه, والتوبة منه، فالإصرار على الذنوب مع هذا العلم يجعل الصغائر كبائر، ويتدرج بالفاعل إلى أمور خطيرة صعبة.

    نسأل الله أن يرزقنا توبة نصوحاً.

    الوصف السابع: (الْمُؤْمِنُوْنَ)

    ومن أوصاف أهل الجنة المتقين: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُوْنَ [المؤمنون:1] أي: أنهم الذين آمنوا بالله، وبكل ما يجب الإيمان به، من ملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، آمنوا بذلك إيماناً يستلزم القبول والإذعان والانقياد بالقبول والعمل.

    الوصف الثامن: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)

    ومن أوصاف أهل الجنة: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2] حاضرة قلوبهم، ساكنة جوارحهم، يستحضرون أنهم قائمون في صلاتهم بين يدي الله عزَّ وجلَّ، يخاطبونه بكلامه، ويتقربون إليه بذكره، ويلجئون إليه بدعائه، فهم خاشعون بظواهرهم وبواطنهم.

    أما الذين يعبثون في الصلاة فتكثر حركاتهم، وربما يخرج المفاتيح من الجيب، وربما يخرج الآلة الحاسبة، ويحسب وهو في الصلاة، فأولئك أبدانهم في المساجد، وقلوبهم في المزابل، تهيم في أودية الدنيا، ليس لهم من أوصاف المتقين حق، المتقون اسمعوا أوصافهم: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2].

    الوصف التاسع: (الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)

    ومن أوصاف أهل الجنة: الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:3] أي: أنهم معرضون عن اللغو؛ لقوة عزيمتهم، وشدة حزمهم، لا يمضون أوقاتهم الثمينة إلا فيما فيه فائدة، فكما حافظوا على صلواتهم بالخشوع، فإنهم حافظوا على أوقاتهم عن الضياع.

    الوصف العاشر: (الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ)

    ومن أوصاف أهل الجنة: الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:5-6] فهم حافظون لفروجهم.

    فهؤلاء أهل الجنة، حافظون لفروجهم إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:6] فهم حافظون لفروجهم عن الزنا، واللواط، لما فيهما من معصية الله والانحطاط الخلقي والاجتماعي، ولعل حفظ الفرج يشمل ما هو أعم من ذلك، فيشمل حفظه عن العادة السرية، التي انهمك فيها الكثير من الناس، نسأل الله العفو والعافية، ونسأل الله أن يفرج للمكروبين الذين صعبت عليهم طرق الزواج، نسأل الله أن يفرج لنا ولهم من كل كربة، إنه على كل شيء قدير.

    فيا من لم تتزوج راقب الله عزَّ وجلَّ، واتقِ الله يجعل لك مخرجاً، لا تذهب هذا الجوهر، لا تخرج هذا المني بالعادة السرية، فإنك مسئول عن فعلك هذا يوم القيامة يا عبد الله! ولكن عليك بتقوى الله عزَّ وجلَّ، والمبادرة إلى طاعة الله وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3] ما أجمل التقوى! فإن الله عزَّ وجلَّ يذلل بها الصعاب، ويُسهل بها العسير، فيا أيها الشاب! راقب الله في السر والعلانية، واتق الله في السر والعلانية، واسأل الله أن يفرج لك كل كربة، فإن الله قريب قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] فتب إلى الله أيها الشاب من هذه العادة القبيحة، وخذ بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وِجاء} لكن -مع الأسف الشديد- بعض الشباب يذهب إلى الأشياء التي يماري فيها أبناء الجنس، من شراء السيارة الفاخرة، وشراء الأزياء التي لا تنفعه في الحياة، إنما الحياة تعبر بغيرها، إنما الحياة تصلح من دون تلك الأشياء التي ابتلي بها كثير من الشباب، يصرف الدراهم الكثيرة، ثم إذا قيل له: تزوج، قال: المهور غالية، وهو يصرف أكثر من المهر -والعياذ بالله- إما بشراء سيارة فاخرة، أو بالذهاب إلى خارج البلاد؛ ليفسد في أرض الله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    نعم. حفظ الفروج، يشمل ما هو أعم من ذلك، فيشمل -كما قلتُ لكم- العادة السرية، فينبغي للإنسان أن يحفظ نفسه عن هذه العادة، وعن النظر إلى المحرمات من النساء، والمُرْدان، والأفلام، والمجلات التي فيها الصور العارية، وغيرها.

    وأيضاً ينبغي للإنسان أن يتقي الله عزَّ وجلَّ، ولا يتعدى، فإنه ملوم على فعل ذلك التعدي، إلا على الزوجة، والمملوكة لما في ذلك من الحاجة إليه، لدفع مقتضى الطبيعة، وتحصيل النسل، وغيره من المصالح.

    الوصف الحادي عشر: (الَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)

    ومن أوصاف أهل الجنة: الَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8] أي: أنهم قائمون برعاية الأمانات والعهد فيما بينهم وبين الله، وفيما بينهم وبين الخلق، ويدخل في ذلك الوفاء بالعقود، والشروط المباحة فيها.

    الوصف الثاني عشر: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)

    ومن أوصاف أهل الجنة: الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [المؤمنون:9] فهم على صلواتهم يحافظون، يلازمون على حفظها من الضياع والتفريط، وذلك بأدائها في وقتها على الوجه الأكمل، بشروطها، وأركانها، وواجباتها.

    وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أوصافاً كثيرة في القرآن العظيم لأهل الجنة، سوى ما نقلناه هنا، ذكر ذلك سبحانه وتعالى ليتصف به من أراد الوصول إلى الجنة.

    1.   

    أوصاف أهل الجنة في السنة النبوية

    وفي الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك شيء كثير، فقد قال الناصح الأمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل اللهُ له به طريقاً إلى الجنة) رواه مسلم.

    أجل يا عباد الله! كل منا ينبغي أن يسلك الطريق الموصل إلى الجنة، فالبعض من الناس لا يُحسن قراءة الفاتحة، ولا يُحسن قراءة التشهد في الصلاة، ولا يُحسن الغُسل من الجنابة، ولا يحسن الوضوء، ألا يسلك الطريق إلى العلماء ليسألهم عن ذلك حتى يسهل الله لهم طريقاً إلى الجنة؟! نعم يا عباد الله.

    المحافظة على الصلاة في جماعة وترديد الأذان

    ويقول صلى الله عليه وسلم: {ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات -اسمع يا من تصلي في بيتك بجوار المرأة، اسمع يا من ضيعت هذا الفضل العظيم!- قالوا: بلى، يا رسول الله! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة} رواه مسلم.

    اسمعوا يا أمة الإسلام! هذا الحديث! يقول صلى الله عليه وسلم: {ما منكم من أحد يتوضأ، فيسبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتِّحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء} رواه مسلم وغيره.

    واسمع يا عبد الله! قال صلى الله عليه وسلم: {إذا قال المؤذن: الله أكبر.. الله أكبر.. فقال أحدكم: الله أكبر... الله أكبر...، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: أشهد أن محمداً رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر.. الله أكبر..، قال: الله أكبر.. الله أكبر..، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة} رواه مسلم.

    اسمع يا عبد الله! فضل الله عظيم: {ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة} رواه مسلم.

    وقال صلى الله عليه وسلم: {من قال حين يسمع النداء -أي: الأذان- اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته حلَّت له شفاعتي يوم القيامة} رواه مسلم.

    بناء المساجد

    ويقول صلى الله عليه وسلم: {مَن بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة}.

    اسمعوا أيها الأثرياء! اسمعوا أيها الأغنياء! يا من تبخلون بالأموال! يقول صلى الله عليه وسلم: {مَن بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة} بعض الأثرياء وبعض الأغنياء إذا أتته الورقة وفيها ذكر المسجد بدأ يتحكَّك ويلتفت يميناً وشمالاً، حتى لا ينفق مالاً يُبنى له به بيت في الجنة -مع الأسف الشديد- ولكن لو قيل: إن فيه دعاية، بادر وكتب المعروض، حتى يخرج صاحب الدعاية باسمه أولاً.

    وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {مَن بنى مسجداً يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتاً في الجنة} رواه البخاري ومسلم.

    ثم يقول صلى الله عليه وسلم: {خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة} أخبروا الذين يضيعون الصلاة، أخبروا الذين يفرطون في الصلوات، أعلموهم بهذا الخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: {خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن، ولم يضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن، كان له عند الله عهداً أن يدخله الجنة} رواه الإمام أحمد ، وأبو داوُد ، والنسائي.

    وعن ثوبان رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الله به الجنة، فقال له صلى الله عليه وسلم: {عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة} رواه مسلم.

    المحافظة على نوافل الصلوات

    اسمعوا يا عباد الله! اسمعوا يا أمة الإسلام! اسمعوا إلى هذا الفضل العظيم، وبادروا يا عباد الله! يقول الناصح الأمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: {ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة، إلا بنى الله له بيتاً في الجنة} رواه مسلم.

    وفصلها بعض العلماء فقال: (12) ركعة:

    - أربع ركعات قبل الظهر.

    - ركعتان بعد الظهر.

    - ركعتان بعد المغرب.

    - ركعتان بعد العشاء.

    - ركعتان قبل صلاة الصبح.

    وهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار، قال صلى الله عليه وسلم: لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت} رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، وصححه.

    وقال صلى الله عليه وسلم: {إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم} رواه البخاري ومسلم.

    اسمعوا يا من تهملون الأعمال الصالحة، اسمعوا يا من تضيعون العمر في غير طاعة الله، يقول الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم: {العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة} رواه البخاري ومسلم.

    تربية البنات طريق إلى الجنة

    اسمعوا يا من تكرهون البنات. اسمعوا يا من لا تحبون البنات. يقول صلى الله عليه وسلم: {من كان له ثلاث بنات، يؤويهن، ويرحمهن، ويكفلهن، وجبت له الجنة البتة -فضل عظيم- يؤويهن، ويرحمهن ويكفلهن، وجبت له الجنة البتة قالوا: يا رسول الله، فإن كانتا اثنتين؟ قال: وإن كانتا اثنتين قال: فرأى بعضُ القوم أن لو قالوا: وواحدة؟} رواه الإمام أحمد.

    ولكن يا عبد الله! إن كنت تريد الجنة بإحسانك إلى هذه البنات، فاتق الله عزَّ وجلَّ وراقب الله فيهن، لا تدع لهن الحبل على الغارب، لا يخرجن إلى الأسواق متبرجات متعطرات، فاتنات مفتونات، لا تدخل عليهن آلات اللهو، لا تجعل لهن سائقاً يجوب بهن الأسواق، اتق الله في هؤلاء البنات، إن كنت تريد أن تكون في الجنة.

    ويقول صلى الله عليه وسلم: {من ابتلي بشيء من هذه البنات، كن له ستراً من النار}.

    و{سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يُدخل الناس الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: تقوى الله، وحسن الخلق} رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه.

    وقال صلى الله عليه وسلم: {أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال} رواه مسلم في حديث طويل.

    أيها الإخوة في الله: فهذه أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين شيئاً كثيراً من أعمال أهل الجنة، لمن أراد الوصول إليها.

    أسأل الله عزَّ وجلَّ أن ييسر لنا ولكم سلوكها، وأن يثبتنا عليها، إنه جواد كريم.

    وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه, وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    جزاء آخر من يدخل الجنة

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    أما بعد:

    فيا أيها الناس: اتقوا الله عزَّ وجلَّ.

    عباد الله: بادروا بالأعمال الصالحة لعلكم تنجون من عقاب الله وأليم عذابه.

    عباد الله: اسمعوا إلى ما في هذا الحديث الصحيح من العجائب يا عباد الله! فإن فيه حثاً على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسلوك الصراط المستقيم.

    عن الزهري رحمه الله قال: أخبرني سعيد بن المسيب ، وعطاء بن يزيد الليثي رحمهما الله، أن أبا هريرة رضي الله عنه أخبرهما أن الناس قالوا: (يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تمارون بالشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك، يُحشر الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبع، فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، تبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله عزَّ وجلَّ فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيدعوهم، فيضرب الصراط بين ظهراني جهنم، يقول صلى الله عليه وسلم: فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحدٌ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم، اللهم سلِّم سلِّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟

    قالوا: نعم، قال: إنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يَعلم قدر عِظَمِها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل، ثم ينجو حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيُصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم يفرغ الله من القضاء بين العباد، ويبقى رجلٌ بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة، مقبلٌ بوجهه قِبل النار، فيقول: يا رب، اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيقول: هل عسيتَ إن فُعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك؟ فيقول: لا وعزتك فيُعطي ما يشاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به على الجنة، رأى بهجتها، وسكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة -الله أكبر- قال: يا رب، قدمني عند باب الجنة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت العهود والميثاق ألا تسأل غير الذي كنت سألتَ، فيقول: يا رب، لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيتَ إن أُعطيت ذلك أن لا تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزتك لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق، فيقدمه إلى باب الجنة، فإذا بلغ بابها، ورأى زهرتها وما فيها من الزهرة والنضرة والسرور، فيسكت ما شاء الله له أن يسكت، ويقول: يا رب، أدخلني الجنة، فيقول الله: ويحك يا ابن آدم! ما أغدرك! أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي أعطيتَ، فيقول: يا رب، لا تجعلني أشقى خلقك، ويضحك الله عزَّ وجلَّ منه، ثم يأذن له في دخول الجنة، فيقول: تَمَنَّ، فيتمنى، حتى إذا انقطعت أمنيته قال الله عزَّ وجلَّ: من كذا وكذا؟ أقْبَل، حتى إذا انتهت الأماني قال الله تعالى: لك ذلك ومثله معه) رواه البخاري وفي رواية لـمسلم: (لك مثل ملك عشرة ملوك من ملوك الدنيا) هذا آخر من يدخل الجنة يا عباد الله.

    اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه.

    اللهم اجعلنا من أمة محمد، الذين يدخلون الجنة، بغير حساب ولا عذاب.

    اللهم أدخلنا الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم اجعلنا على الصراط من الناجين، ولا تجعلنا في النار مكردسين، يا رب العالمين.

    اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه.

    عباد الله: إن الله يأمركم أن تصلوا على رسول الله، فقال قولاً كريماً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    ويقول صلى الله عليه وسلم: (مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً).

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وفي مقدمتهم: أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك، يا رب العالمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين.

    اللهم أذل الشرك والمشركين.

    اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين.

    اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.

    اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين.

    اللهم أيدهم بتأييدك.

    اللهم انصرهم بنصرك، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

    اللهم إنا نسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد.

    اللهم يا قريب مجيب لمن دعاك، يا من قلت وقولك الحق: ادعوني استجب لكم، استجب لنا دعاءنا، يا أرحم الراحمين.

    لا إله إلا أنت، ولا رب لنا سواك، أنت مغيث اللهفات، ومفرج الكربات، ومحيل الشدائد والبليات، أنت الغني ونحن الفقراء، أنت الغني ونحن الفقراء.

    اللهم أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أنزل علينا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين.

    اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا.

    اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91].

    فاذكـروا الله يذكـركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45].