إسلام ويب

قصة موسى عبرة للطواغيتللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى أورد قصص الأنبياء والمرسلين في كتابه عبرة للمؤمنين وتسلية للعلماء والدعاة إلى رب العالمين، وقد ذكر الشيخ في هذا الدرس قصة موسى عليه السلام وما حصل له مع فرعون من حوار وشجار؛ حين دعاه إلى الله سبحانه وتعالى، وكيف نصره الله عز وجل، وأغرق فرعون وجنوده، وجعل لهم النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، ويوم القيامة لهم عذاب أليم.

    1.   

    رؤيا فرعون وموقفه من بني إسرائيل

    الحمد لله رب العالمين الذي أوجد جميع الكائنات بقدرته, وقهرها بقوته, أحمده سبحانه وأستغفره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخيرته من جميع بريئته ابتعثه الله رحمة لمن آمن به وأجاب دعوته, وحجةً على من أعرض عما جاء به وقطعاً لمعذرته, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وذريته ومن اقتفى أثره واتبع سنته.

    أما بعد:

    أيها الناس: اتقوا الله عَزَّ وَجَلّ.

    عباد الله: ودعتم عاماًمضى وقد ظهر لكم ما فيه من العبر, وتستقبلون عاماً جديداً، الله أعلم ما أنتم فاعلون فيه, فإن الله سطر أعمالكم في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقكم, فتستقبلون عاماً جديداً وشهراً مفضلاً حميداً أضافه نبيكم صلى الله عليه وسلم إلى الله وعظمته فقال: (أفضل الصوم بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم).

    عباد الله: هذا شهر الله المحرم لقد وقع فيه نصرةٌ عظيمة لنبي من أنبياء الله ورسله وهو أحد أولى العزم من رسل الله إنه موسى عليه السلام, وكما مر عليكم في شهر ذي الحجة أن الله نصر إبراهيم عليه السلام وهو أمة واحدة، أيده الله ونصره, وقواه على إزالة المنكرات, وهدم الأوثان ومحق الأصنام, وكل ذلك بقدرة الله عز وجل.

    وهذا موسى عليه السلام ذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن مرة بن مسعود رضي الله عنه: [[أن فرعون رأى في منامه كأن ناراً قدمت من نحو بيت المقدس فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بني إسرائيل -هكذا رأى فرعون هذه الرؤيا- فلما استيقظ هاله ذلك, فجمع الكهنة والحذقة والسحرة وسألهم عن ذلك, فقالوا: هذا غلام يولد من هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يده, ويكون ذهاب ملكك على يديه أيضاً, وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه, فلهذا أمر الطاغية فرعون -لعنه الله- بقتل الغلمان وترك النسوان]].

    والمقصود: أن فرعون احترز كل الاحتراز ألا يوجد هذا الغلام وهو موسى عليه السلام, ولكن قدرة الله تغلب كل شيء, حتى جعل فرعون -لعنه الله- رجالاً وقوابل يدورون على الحبالى ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد امرأة ذكراً إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته, حذراً من أن يوجد هذا الغلام موسى عليه السلام.

    1.   

    موسى عليه السلام قبل الرسالة

    مولد موسى عليه السلام وترعرعه في قصر فرعون

    إن القبط الذين كانوا يستخدمون بني إسرائيل شكوا إلى فرعون قلة بني إسرائيل بسبب قتل ولدانهم الذكور, وخشي أن تتنفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يقومون بما كان يقوم به بنو إسرائيل من الخدمة, فأمر فرعون بقتل الأبناء عاماً وأن يتركوا عاماً, فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في العام الذي سمح فيه من القتل, وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتل الأبناء, ما أعظم حكمة الله! وما أجلَّ قدرة الله!

    ولد موسى عليه السلام في العام الذي تقتل فيه الأبناء, فضاقت أمه به ذرعاً، فأوحى الله إليها إلهاماً ألا تخافي ولا تحزني؛ لأن هذا المولود سيكون له شأن عظيم, وسيحفظه الله الذي خلقه وأوجده من العدم, سيحفظه من كيد فرعون, ثم يجعله من المرسلين, وقذف في قلب أم موسى السكينة وأمرها أن ترضعه حتى إذا خافت عليه تصنع له تابوتاً من خشب ثم تضعه فيه وتلقيه في البحر, وقد جعلت في التابوت حبلاً إذا جاءها أحدٌ أرسلت موسى الذي هو في التابوت في البحر, فإذا ذهبوا استرجعته إليها.

    وتأتي الحكمة الإلهية والقدرة الربانية, فتأخذ التابوت بما فيه وتلقيه في دار فرعون, فتأخذه الجواري فلم يتجاسرن على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم رضي الله عنها, فلما فتحت التابوت وكشفت الحجاب, رأت في التابوت وجهاً يتلالأ بتلك الأنوار النبوية, فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حباً شديداً جداً, وهذا مصداق قول الله تعالى: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [طه:39].

    فلما جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه, فاستوهبته آسية رضي الله عنها وقالت: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ [القصص:9], فقال لها فرعون المحروم المطرود من رحمة الله: قرة عينٍ لك أما لي فلا حاجة لي فيه, قال بعض العلماء: لو قال قرة عين لي لهداه الله به كما هدى آسية رضي الله عنها, ولكن رفض ذلك فلم يسعد بل بقي شقيا.

    وأخذت آسية زوجة فرعون تبحث لموسى عن مرضعة, واشتد به الجوع واشتد به البكاء وهو لا يقبل ثدي أحد, لأن الله قال: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ [القصص:12] فهو لا يقبل ثدي أحدٍ من المرضعات, حتى خشيت عليه امرأة فرعون من الهلاك.

    ورأت أخت موسى ذلك وهي ترقبه من بعد, فجاءت إلى آسية وعرضت عليها أن تأتي لها بامرأة مرضعة أمينة ناصحة تتعهد هذا الرضيع مقابل أجرٍ لها, فقالت لها امرأة فرعون: ائتيني بها فإن أخذ ثديها أكرمتها بأنواع من الإكرام.

    فانطلقت أخت موسى حتى جاءت إلى أمه فأخبرتها الخبر, فأتت أمه فلما رأته كادت أن تقول: هذا ابني.. لولا أن الله ثبتها حتى لا يشعر آل فرعون بهذه؛ لأنها أمه، فلما وضعته في حجرها التقم ثديها وأخذ يرضع حتى ارتوى, ففرحت آسية فرحاً عظيماً, وطلبت منها أن تمكث في القصر عندها لترضع لها هذا الغلام, ووعدتها بالإعطاء والإكرام, قالت لها أم موسى: إن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب إلى بيتي وأتعهده بالعطف والرعاية, كما أتعهد ولدي، وأنا لا أستطيع أن أدع بيتي وأولادي من أجل هذا الغلام.

    فرضيت آسية أن تدفعه لها على أن تأتي به في كل فترة لتراه ثم تعيده لها, وهكذا حقق الله وعده فرد موسى إلى أمه لترضعه وهي آمنة مطمئنة بعدما كانت تضعه في التابوت وتخبيه في البحر خوفاً من فرعون صار يأكل ويصرف عليه من بيت فرعون, وأمه آمنة مطمئنة ولله في ذلك حكمة, قال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ [القصص:10-12] صدق الله العظيم، لا يوجد أنصح من الأم لابنها: فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص:13] رضع موسى من أمه وتعطى الأجر على رضاع ولدها, ولله في ذلك حكمة.

    قتل موسى للقبطي وهروبه إلى مدين

    شب موسى عليه السلام في بيت فرعون وعاش فيهم معززاً مكرماً حتى إذا بلغ أشده دخل ذات يوم من الأيام المدينة، وبينما هو يتجول في طرقها إذ هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل والآخر قبطي من آل فرعون وقد اعتدى القبطي على الإسرائيلي، فلما مر موسى استغاثه الإسرائيلي ليخلصه من شر ذلك القبطي، فأقبل نحوه موسى فوكزه أي: ضربه بجمع يده فقضى عليه, وخر القبطي على الأرض ميتاً, ولم يرد موسى قتله عليه السلام, إنما أراد إبعاده فكانت القاضية.

    فحزن موسى على قتله, وندم على ما حدث, وتنحى يستغفر الله ويطلب من الله الرحمة والرضوان, فلما قتله أصبح في المدينة خائفاً يترقب الأخبار, فأخبر فرعون بالخبر، فأمر جنده أن يبحثوا عن موسى ويأتوه به ليقتله حتى لا يتجرأ بنو إسرائيل على قتل أحد, فذهبوا يفتشون في طرقات المدينة عن موسى.

    وجاء رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه فأخبر موسى الخبر, وأمره أن يخرج من أرض مصر؛ لأن الجنود يبحثون عنه يريدون قتله, فتوجه موسى إلى أرض مدين ودعا ربه أن يهديه الطريق وينجيه من شر فرعون, وبقي يمشي حتى وصل إلى مدين ، قال ابن عباس رضي الله عنهما حبر هذه الأمة وترجمان القرآن ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم: خرج موسى من مصر إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال, لم يأكل إلا البقل وورق الشجر, وكان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء, وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه, وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع, وإنه لمحتاج إلى شق تمرة, وبينما هو جالس للاستراحة أبصر امرأتين ترعيان الأغنام تريدان سقاية أغنامهما من تلك البئر الكبيرة؛ لأن القوم إذا سقوا الأغنام جعلوا عليها حجراً لا يزلزله عشرات الرجال, ولكن لما رأى موسى عليه السلام ضعف هاتين المرأتين عليه أقبل إلى تلك المرأتين، ونزع تلك الحجر من البئر وسقى لأغنام تلك المرأتين, فعجبتا تلك المرأتان من صنع هذا الرجل الذي أعطاه الله القوة, فلما رجعت المرأتان إلى أبيهما أخبرتاه بخبر هذا الرجل, وطلبتا منه أن يكرمه على هذا الصنيع الجميل, وأن يستأجره لرعاية الغنم فأرسل واحدة منهن لتدعوه إلى أبيها, فجاءته وهي تمشي على استحياء فقالت له: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا, وإنما صرحت له بهذه لئلا يوهم كلامها الريبة, وهذا من تمام ذكائها وعفتها وصيانتها, فلما جاءه وقص عليه القصص, قال له شعيب: لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [القصص:25] وزوجه ابنته وهو يرعى الغنم, حتى أتم المدة وهي عشر سنين، كما ورد في الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والحكمة في رعاية الغنم من جهة الأنبياء والمرسلين هي أن يتعودوا على السكينة والتواضع, وليكون ذلك مقدمة لسياسة الأمة وقيادتها, كما يقود الراعي غنمه, وهكذا الأنبياء الكرام انتقلوا من رعاية الغنم إلى قيادة الأمم, صلوات الله وسلامه عليهم.

    وبعد أن قضى موسى الأجل الذي بينه وبين شعيب عزم على الرجوع إلى أرض مصر مع أهله, وبينما هو في الطريق في ليلة مظلمة باردة, تاه في الطريق, فبينما هو كذلك إذ آنس من جانب الطور ناراً, فلما وصل قريباً من جبل الطور رأى نوراً عظيماً ممتداً من عنان السماء إلى شجرة عظيمة هناك, فتحير موسى وارتعدت فرائصه, فسمع خطاب الله جلَّ وعلا يأمره أن يخلع نعليه فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً [طه:12] ثم يدخل ذلك الوادي المقدس حتى يقترب من جبل الطور؛ فإن الله سبحانه وتعالى سيكلمه وسيجعله رسولاً يرسله إلى فرعون, ليبلغه رسالة الله جلَّ وعلا, يقول الله جلَّ وعلا: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ [طه:9-14] لما تلاها عمر بن الخطاب دخل الإيمان في قلبه, إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14].

    وللقصة بقية في الخطبة الأخيرة إن شاء الله.

    وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    دعوة موسى عليه السلام لفرعون إلى عبادة الله

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الناس: اتقوا الله عز وجل, يقول الله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى * فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى * فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى [النازعات:15-25].

    نعم. يا عباد الله! إن موسى عليه السلام دعا فرعون إلى توحيد الله عز وجل, فقال فرعون منكراً وجاحداً: وما رب العالمين؟ فأجاب موسى عليه السلام قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [الشعراء:24] فأنكر فرعون رب العالمين, فأنكر فرعون الرب العظيم الذي قامت بأمره السماوات والأرض وما فيهن, وما بينهما من الآيات العظيمة, والمخلوقات الكثيرة, ثم قال فرعون ساخراً ومستهزئاً بموسى: ألا تستمعون؟

    فذكَّره موسى عليه السلام بأصله وأنه مخلوق من العدم وصائرٌ إلى العدم كما صار آباؤه الأولون, فحينئذٍ بهت فرعون فادعى دعوى المكابرة فقال: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.

    فأخبره موسى بأمر الله عز وجل, وبين له أن الجنون إنما هو إنكار الخالق العظيم رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون.

    فلما عجز فرعون عن رد الحق لجأ إلى ما يلجأ إليه العاجزون المتكبرون, لجأ إلى الإرهاب فتوعد موسى عليه السلام بالسجن فقال: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] فما أثرَّ ذلك بموسى, ولا تزعزع ولا رجع, بل بادر إلى الدعوة بعزيمة وجد وذلك بعون من الله جل وعلا, ولا يزال يأتي بالآيات الواضحات البينات وفرعون يحاول بكل مجهوداته أن يقضي عليها بالرد والطمس, حتى قال لقومه: يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51] وقال أيضاً: أنا ربكم الأعلى, قال الله تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف:54].

    1.   

    خروج موسى عليه السلام وقومه إلى الشام

    فلما أطاعوه وتمادوا في كفرهم وطغيانهم أوحى الله تعالى إلى موسى أن يخرج بالمسلمين من أرض مصر ليلاً, فخرج بهم فساروا مستمرين قاصدين بلاد الشام فلما علم فرعون بذهابهم غضب عليهم غضباً شديداً, وجمع جيشه وجنوده ليلحقهم ويمحقهم, فأخرجه الله من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم, ليجعلها ربنا جلَّ وعلا لموسى وقومه من بعد فرعون وقومه.

    فركب فرعون في جنوده طالباً موسى وقومه, فأدركهم عند شروق الشمس, قريباً من البحر, وتراءى الجمعان ولم يبق إلا المقاتلة، فعند ذلك قال أصحاب موسى: إنا لمدركون, ذلك لأنهم انتهوا في طريقهم إلى البحر فليس لهم طريق ولا محيد إلا سلوك البحر وخوضه, وهذا ما لا يستطيعه أحد, والجبال عن يسرتهم وعن أيمانهم، وهي شاهقة رفيعة، وفرعون قد غالقهم وسدَّ عليهم طريق الرجعة بجيوشه وجنوده, وقد عرفوا منه البطش والفتك فشكوا إلى نبي الله موسى عليه السلام, وقالوا: إنا لمدركون.

    فقال موسى عليه السلام -الواثق بوعد الله الذي لا يخلف الميعاد-: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] فأوحى الله إلى موسى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء:63] فتقدم صلوات الله وسلامه عليه إلى البحر, وهو يتلاطم بأمواجه, فلما ضربه انفلق وانفتح اثنتي عشرة طريقاً يابسة, لا وحل فيها, وصار الماء السيال بين هذه الطرق كأطواد الجبال.

    الله أكبر لا إله إلا الله, اللهم إنا نسألك إيماناً دائماً كاملاً, يباشر قلوبنا ويقيناً صادقاً.

    فانحدر موسى هو وجنوده في هذه الطرق اليابسة التي كانت بحراً يتلاطم, وصارت بقدرة الله طرقاً يابسة فانحدر فيها موسى وقومه مسرعين مستبشرين مبادرين, ودخل فرعون وجنوده في أثرهم، فلما جاوز موسى وقومه وخرج آخرهم من البحر وتكامل فرعون وقومه في داخل البحر أطبقه الله عليهم, وعاد إلى حالته الأولى, مياه وأمواج فأغرقهم أجمعين, أجسامهم إلى الغرق, وأرواحهم إلى الحرق, النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً [غافر:46].

    فانظروا رحمكم الله إلى هذا الحدث العظيم, والنصر المبين الذي ظهر فيه الحق على الباطل في اليوم العاشر من المحرم, فقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تصوم عاشوراء, فقال: (ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون, قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا) فيستحب صيام اليوم العاشر شكراً لله تعالى فقد صامه موسى عليه السلام شكراً لله, وصامه محمد صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه, وقال في فضله صلى الله عليه وسلم: (أحتسب على الله صيام اليوم العاشر أن يكفر السنة التي قبله).

    وينبغي للمسلم أن يصوم اليوم الذي قبله لتحصل مخالفة اليهود بذلك, فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع) فصوموا اليوم التاسع والعاشر, أو العاشر والحادي عشر.

    واعلموا أن الخير كل الخير في اتباع كتاب الله وسنة رسول الله, قال صلى الله عليه وسلم: (أصدق الحديث كلام الله, وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة).

    عباد الله: صلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً).

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل, اللهم أذل الشرك والمشركين, اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, كما دمرت فرعون وقومه يا رب العالمين, اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, كما دمرت فرعون وقومه يا رب العالمين, اللهم نصرك المبين لعبادك المؤمنين الموحدين المجاهدين منهم والقاعدين, اللهم انصرنا وانصر المجاهدين في سبيلك أجمعين الذين يريدون إعلاء كلمة الله, إنك على كل شيء قدير.

    اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات, الأحياء منهم والأموات, برحمتك يا أرحم الراحمين, اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى, وصفاتك العليا أن تصلحنا وتصلح ولاة أمورنا, وتصلح أولادنا وأزواجنا وجميع إخواننا المسلمين, في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم وحد صفوف المسلمين, واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين, واجعلنا جميعاً هداة مهتدين آمرين بالمعروف فاعلين له, ناهين عن المنكر مجتنبين له إنك على كل شيء قدير.

    اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا واللواط والزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن عنا وعن جميع المسلمين يا رب العالمين, اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    اللهم أغث قلوبنا بالإيمان, اللهم اجعلنا لا نتوكل إلا عليك, ولا نستعين إلا بك, اللهم ولا نستهدي إلا أنت, ولا نسترزق إلا أنت, يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام, اللهم انصرنا ولا تنصر علينا, اللهم آثرنا ولا تؤثر علينا, اللهم كن لنا ولا تكن علينا, اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار, واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.