إسلام ويب

خطر البدعللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله تعالى لنا، شريعة كاملة ومنهجاً شاملاً، وأمرنا بالتزامها والاهتداء بهديها، وحرَّم علينا إحداث زيادة فيها أو نقصان، وأوجب علينا عرض جميع أعمالنا -عبادات ومعاملات وسلوكيات- عليها، فما وافق أخذناه ، وما خالف تركناه، وإن مما أُحْدِثَ مخالفاً للشريعة الإسلامية تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة وقراءة قرآن ونحو ذلك، فالواجب علينا إنكار ذلك ومجانبته.

    وإن مما نهي المسلمون عن فعله مشابهة المشركين في أفعالهم؛ لأن المشابهة تورث المحبة لهم.

    1.   

    كمال الشريعة الإسلامية

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، اللهم إنا نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله عز وجل وأطيعوه، واعلموا أن الله قد أكمل لنا الدين، وأمرنا باتباعه والتمسك به، قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة:3] ويقول جل وعلا ناهياً عن الطرق التي تحيد بنا عن صراطه المستقيم: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153].

    خطورة الابتداع في دين الله

    أجل يا عباد الله.. أجل يا أمة الإسلام! كل عمل ليس له أصل في الشرع ولم يقم عليه دليل من السنة فهو من ابتداع المبتدعين المضلين، وهو من السبل المتفرقة التي تضر بمن اتبعها وأعرض عن صراط الله المستقيم، يقول صلى الله عليه وسلم: {من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد} وفي رواية: {من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد}.

    أمة الإسلام: ما أكثر البدع التي حدثت ودخلت على الناس فاستحسنها البعض وأحبها ونبذ السنن لأجلها.

    أمة الإسلام: يروي لنا الإمام أحمد رحمه الله تعالى بسنده عن الناصح الأمين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: {ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها}.

    عباد الله: احذروا من البدع فإن فيها مفاسد عظيمة، فإن الشيطان يزينها للإنسان حتى يحرص عليها أكثر مما يحرص على السنة، والبدعة -يا عباد الله- هي السلاح الفتاك لأعداء هذا الدين، يستخدمون بدعهم وخرافاتهم، ليشوهوا بها الدين الإسلامي الحنيف، ويغطون بها وجه هذا الدين الصحيح، حتى يظن من لا يعرف حقيقة الإسلام أنه مجموعة من الخرافات والطقوس الفارغة فينصرف عنه من يريد الدخول فيه، فكم لأهل الأهواء والبدع من منكرات ما أنزل الله بها من سلطان؟!

    وجوب عرض الأعمال على الشرع

    فعليك أخي المسلم أن تتحرى الصواب في عباداتك، وأن تعرض أعمالك وأقوالك على الكتاب والسنة، فإن وافقهما فاحمد الله على ذلك واسأله الثبات، وإن كنت تلبست بالبدعة فانخلع منها وابتعد عنها قبل أن يأتيك أجلك المحتوم، وإن أشكل عليك شيء من أمور دينك فاسأل؛ حتى تكون ذا عمل وبصيرة قال تعالى: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

    عباد الله: إن المسلم الواعي الرشيد لا يعتمد في دينه إلا ما صح النقل به عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وخاصة فيما يكثر فيه الخلاف بين العلماء رحمة الله تعالى عليهم أجمعين، فقد قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، ويشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    بدعة ليلة النصف من شعبان

    عباد الله: لقد اشتغلت بعض المجتمعات الإسلامية بما ورد من الآثار عن ليلة النصف من شعبان، واعتمدت ما سطر في بعض الكتب من تخصيص ليلة النصف من شعبان بدعاء يقرأ فرادى وجماعات، يتخلله قراءة سورة يس، مرة يقرءون وينوون به طول العمر، ومرة ينوون به دفع البلاء، ومرة ينوون به الاستغناء عن الناس.

    فمع الأسف الشديد -يا أمة الإسلام- اجتهد العلماء الجهابذة المحققون فلم يجدوا ذلك في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله أبو بكر الصديق ، ولا عمر الفاروق، ولا عثمان بن عفان ، ولا علي بن أبي طالب ، والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم أجمعين، ولا فعله سائر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

    إذا علم أنه من وضع المبتدعين في الدين فكل بدعة ضلالة؛ كما أخبرنا بذلك سيد المرسلين وإمام المتقين صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك -يا عباد الله- لم يرد في الحديث الصحيح ما يدل على إفراد ليلة النصف من شعبان بقيام من بين سائر الليالي، ولا بصوم يومها من بين سائر الأيام، إنما ورد الحث على صيام أيام البيض من كل شهر الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، والذين يزعمون أن ليلة النصف من شعبان نزل فيها قوله تعالى: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4] فإن جمهور العلماء على خلاف ذلك، بل هذه الآية نزلت في ليلة القدر، وليلة القدر إنما أمرنا أن نتحراها في العشر الأواخر من رمضان، كما أمرنا بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    فانتبهوا لذلك يا عباد الله! واحرصوا على الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم امتثالاً لأمر الله لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] فمن اهتدى بهديه وأطاعه فيما أمر به، وانتهى عما نهى عنه والتزم اتباعه أعظم الله له الأجر، وبلَّغه أمنيته في أمور دينه ودنياه.

    اللهمَّ وفقنا جميعاً لاتباع المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأوردنا حوضه، واسقنا منه شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم وفقنا جميعاً لما تحبه وترضاه، وجنبنا جميعاً ما تبغضه وتأباه، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين يا رب العالمين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    التمسك بالشريعة الإسلامية سبيل السعادة الحقيقية

    الحمد لله الذي أمرنا باتباع شرعه القويم، ونهانا عن الابتداع في الدين، أحمده وأشكره الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر ألا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بلغ البلاغ المبين، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله عز وجل وأطيعوه، عباد الله! اعتزوا بدينكم، وافخروا بدينكم دين الإسلام فإن الله سبحانه وتعالى قد أغنى المسلمين وأنعم عليهم بشريعة كاملة شاملة لكل مصالح الدين والدنيا، وعلق السعادة في الدنيا والآخرة على العمل بها والتمسك بهديها، قال ربنا جل وعلا: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123].

    من التمسك بالشريعة حرمة التشبه بالكفار

    وهذه الشريعة هي الصراط المستقيم الذي هو طريق المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وما خالفها فهو طريق المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى والمشركين، وأنت -أيها المسلم- في كل ركعة من صلاتك تدعو ربك أن يهديك الصراط المستقيم، وأن يجنبك طريق المغضوب عليهم والضالين، حينما تقرأ سورة الفاتحة التي قراءتها ركن من أركان الصلاة في كل ركعة، فتأمل هذا الدعاء ومقاصده وثماره، إنه يعني أول ما يعني: الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، والتمسك بشريعته في العبادات والمعاملات، وفي الآداب والأخلاق العامة والخاصة، وأنه يعني مخالفة الكفار فيما هو من خصائصهم في العبادات والمعاملات، وفي الآداب والأخلاق؛ لأن التشبه بهم في الظاهر يورث محبتهم في الباطن {ومن تشبه بقوم فهو منهم}.

    الأدلة حول التشبه بالكافرين

    ولهذا تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على الأمر بمخالفة أعداء الله وأعداء شرعه ودينه، وعن التشبه بهم؛ إبعاداً للمسلم عما فيه مضرته؛ لأن أعمال الكفار باطلة ومساعيهم ضالة، ونهايتهم إلى الهلاك، فجميع أعمال الكفار وأمورهم باطلة.

    فالحذر يا عباد الله! واسمعوا لرسول الله وهو يحذركم بهذا الحديث الصحيح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لتتبعن سُنَن من كان قبلكم} وفي رواية: {لتتبعن سَنَن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن} أي: من أي القوم إلا هؤلاء رواه البخاري ومسلم. فيخشى علينا من اتباعهم ومن التشبه بهم.

    فاحذروا -يا عباد الله- من البدع والمخالفات! وتمسكوا بدينكم القويم الصحيح الكامل الشامل الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وعليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار.

    عباد الله: إن الله يأمركم أن تصلوا على نبيكم محمد امتثالاً لأمره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] ويقول صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آله وأزواجه وذريته؛ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن أصحاب رسولك أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل، اللهم أذل الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك على أعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم اشدد وطأتك عليهم، وارفع يدك عنهم وعافيتك ومزقهم كل ممزق يا رب العالمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم أصلح أئمة وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها يا رب العالمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين.

    اللهم اشفِ مرضانا ومرضى جميع المسلمين، اللهم اكتب الصحة والسلامة لنا ولجميع المسمين في برك وبحرك يا رب العالمين.

    اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولوالد والدينا ولجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم ارفع عنَّا الغلاء والبلاء، والربا والزنا واللواط، والزلازل والمحن وسوء الفتن؛ ما ظهر منها وما بطن، عنا وعن جميع المسلمين عامة يا رب العالمين، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.