إسلام ويب

تصوروا...للشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتحدث الشيخ في هذه الخطبة عن بعض الصحابة حين احتضروا وكيف كان احتضارهم، وحالة الاحتضار سوف يمر بها الجميع، ومن وقت الاحتضار تبدأ رحلة الانتقال إلى الدار الآخرة، فإذا مات غسل، ودفن في قبره، وسأله منكر ونكير، وفتح له باب من الجنة أو من النار، ثم هو في يوم القيامة حاله كما كان في قبره من يسر أو عسر في الحساب، وكل هذا يبشر به من حين الاحتضار إذا رأى ملائكة بيض الوجوه أو سود الوجوه.

    1.   

    حسن الخاتمة

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فاتقوا الله عباد الله.

    عباد الله: لقد سمعتم في الخطبة الماضية الحث على التوبة النصوح، وسمعتم في الخطبة التي قبلها آثار الذنوب والمعاصي على البلاد وعلى العباد وعلى المجتمع، نسأل الله أن يرزقنا توبةً نصوحاً، ونسأله حسن الخاتمة.

    عباد الله: إن العبد إذا تاب وأناب وأقبل على الله بالأعمال الصالحة؛ فإنه يرجى له حسن الخاتمة -بإذن الله تعالى- وبالعكس من ذلك إذا كان من الذين عصوا الله، وذهبت حياتهم في غير طاعة الله عز وجل، وأطاعوا الشيطان في جميع ما يأمرهم به من المخالفة والعصيان، فتعدوا الحدود وارتكبوا المحرمات؛ فإنه لا يؤمن عليهم من سوء الخاتمة، والعياذ بالله.

    صور من حسن الخاتمة

    عباد الله: قد أزعج خوف سوء الخاتمة قلوب الخائفين، وأسهر عيون العابدين، فهذا أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المكثرين لرواية الحديث، لمّا حضرته الوفاة بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: [[بعد السفر، وقلة الزاد، وضعف اليقين، وخوف الوقوع من الصراط في النار]] الله أكبر! هؤلاء الرجال الذين خافوا الله عز وجل، وعظمت محبة الله في قلوبهم.

    وهذا أبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه لما حضرته الوفاة، جعل يجود بنفسه وقال: [[ألا رجلٌُ يعمل لمثل مصرعي هذا..؟ ألا رجلٌ يعمل لمثل يومي هذا..؟ ألا رجلٌ يعمل لمثل ساعتي هذه..؟ ]].

    وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه لمّا حضرته الوفاة شهق، ثم أغمي عليه ثم أفاق، وقال: [[مرحباً مرحباً، الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الجنة فقيل له: ماذا ترى؟ قال: هذا رسول الله وأخي جعفر، وعمي حمزة، وأبواب السماء مفتحة، والملائكة ينزلون يسلمون علي ويبشرونني، وهذه فاطمة قد طاف بها وصائفها من الحور العين، وهذه منازلي في الجنة، لمثل هذا فليعمل العاملون]] ثم توفي رضي الله عنه وأرضاه.

    عباد الله: أمة الإسلام! إن حالة الاحتضار سوف تمر بكل إنسان، فالموفق من وفقه الله وألهمه وثبته على القول الثابت، فإن المؤمن الذي قد عاش على طاعة الله وذكره عندما يقال له: قل لا إله إلا الله؛ يبادر بها ويرفع بها صوته، ومع ذلك هو فرحٌ بالموت مشتاق؛ لأن الله جل وعلا اشتاق للقائه، والبشرى تزف إليه، وملائكة الرحمة تنزل إليه لقبض روحه.

    1.   

    مواقف من بداية الانتقال إلى الآخرة

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

    إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا -استقاموا على طاعة الله- تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32] هكذا المؤمن -يا عباد الله- تبشره ملائكة الرحمة بهذه البشرى التي تقرءونها في كتاب الله عز وجل.. ويقول الله: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:28-30].

    وأما الصنف الآخر من الناس الذين عاشوا على غير طاعة الله، وغفلوا عن ذكره سبحانه، فحالة احتضارهم مخيفة، حتى جلساؤهم من أقاربهم يفرون منهم، فإنه يقال لأحدهم: قل لا إله إلا الله.. وإذا به يلهج بما كان عليه من الاشتغال بغير طاعة الله.

    عباد الله: اعلموا أن سكرات الموت عظيمة، وأن الألم المصيب للبدن إنما يدرك بواسطة الروح، وإذا وصل الألم إلى نفس الروح فلا تسألوا عن كربه وألمه، حتى قالوا: إنه أشدُ من ضرب بالسيوف، ونشرٍ بالمناشير، وقرضٍ بالمقاريض، ومع ذلك فإنه لا يقدر على الصياح مع شدة الألم.. تجدونه في سكرات الموت يود أن يصيح بكل ما في وسعه، ولكن الموت وسكراته قد أو هنته إلى الأرض، حتى إذا نزل به هادم اللذات قهر كل قوة، وضعَّف كل جارحة، فلم يبق له قوة -في الاستغاثة..- أما العقل فقد غشيته وشوشة، وأما اللسان فقد أبكمه، وأما الأطراف فقد خدرها وضعفها، فإن بقيت فيه قوة، سمعت له خوراً وغرغرةً من صدره وحلقه يريد أن يتكلم ولكن لا يستطيع.. وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] أين الأطباء؟ أين الممرضون؟ لا يفيدونه بشيء.. وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] وعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها، وتغلق أبواب التوبة.

    موقف نزع فيه الروح

    تصور -يا أخي- صرعة الموت بنفسك! وتصور نزعه لروحك! وتصور كربه وسكراته وغمه وقلقه! وتصور ظهور الملك لجذب روحك من قدميك، ثم الاستمرار لجذب الروح من جميع بدنك حتى إذا بلغ منك الكرب والوجع منتهاه، وقلبك وجلٌ محزونٌ، منتظر إما البشرى من الله بالرضا، وإما بالغضب، ثم تخرج الروح ويتبعها البصر.

    موقف الغسل والتكفين

    وتصور -يا أخي- تجريدك من الثياب بين يدي المغسلين ليغسلوك، وأنت قبل ذلك لا ترضى أن تُرى عورتك، ثم هم بعد ذلك يقلبونك على المغتسل، ثم تلف عليك الأكفان، وتقدم ويصلون عليك صلاةً لا ركوع لها ولا سجود، ثم يحتملونك إلى قبرك وحيداً فريداً.. لا تلفاز، ولا فيديو، ولا تلفون، ولا عمال، ولا مؤسسة، ولا شركة، ولا مليار ولا مليون، إلا عملك إن كان صالحاً.

    فكر يا عبد الله! وأطل التفكير، وأكثر من العمل الصالح، فإن رزقك مضمون، وأما الخلاص يوم القيامة فليس لك بمضمون.. مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [الجاثية:15].

    أهوال القبر وظلمته

    ثم يحتملونك إلى قبرك وحيداً فريداً، ويصفون عليك اللبنات، ويا ليتهم يجلسون عندك ثانيةً أو دقيقةً في قبرك، ليروا ما أنت فيه من الظلمات ولكن يضعونك في صدعٍ من الأرض ثم يهلِّون عليك التراب، ثم بعد فراقهم -وأنت تسمع قرع نعالهم- يأتيك منكر ونكير، ويجدَّا في سؤالهما لك: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فتصور أصواتهما يا عبد الله! تصور أصواتهما عند ذلك السؤال! فإنه ليس سؤالاً من مدرس أو معلم في الدنيا، إنهم ملائكة لا يقبلون رشوة، ولا يقبلون واسطة.. تصور قول الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27] والله إنه سوف يقع بنا ذلك، فيا ليت شعري ماذا سيكون الجواب؟

    فيا عبد الله: إن كنت مؤمناً فسوف تقول: ربي الله، ونبيي محمد، وديني الإسلام.. وهنيئاً لمن أجاب، وويلٌ لمن تلجلج في الجواب، والويل لمن قال: هاه.. هاه.. لا أدري.. فمن ثبته الله وأحسن الجواب قالوا له: انظر إلى مقعدك من النار، فقد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، ويأتيه من روحها وطيبها، وعنده عمله الصالح في صورة شاب حسن الثياب طيب الريح، يقول له: أبشر بالذي يسرك، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح.

    وأما من تلجلج في الجواب، ولم يقل: ربي الله، وديني الإسلام، وونبيي محمد، بل قال: هاه.. هاه.. قالوا له: كذبت، ويضربانه بمرزبةٍ من حديد، ويفتح له باب إلى النار، ويأتيه من حرها وسمومها، وعنده عمله الخبيث بصورةٍ بشعةٍ، رائحته منتنة، ومنظره مزعج، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث.

    فيا لها من حسرة! ويا لها من ندامة! ويا لها من عثرة لا تقال! وإذا أذن الله عز وجل بانقضاء الدنيا وزوالها، وماتت كل نفس، ولم يبق إلا الجبار جلَّ جلاله منفرداً بعظمته وجلاله وكبريائه يقول: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ .. لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ .. لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ .. ثم يجيب نفسه بنفسه: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16].

    موقف البعث والنشور

    ثم يحيي المولى جلَّ جلاله إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصورة نفخة البعث، ويأمر الله ملكاً ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية! والأوصال المتقطعة! إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.. قال تعالى: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:41-42] يوم الخروج من القبور، فتأمل -يا أخي- الوقوف في ذلك اليوم، وأنت منفرد عريان خائف، وقد أُدنيت الشمس من رءوس الخلائق، ولا ظل لأحد إلا ظل عرش الرحمن لأوليائه وعباده الصالحين.

    ثم ازدحمت الخلائق وتدافعت وتضايقت، واختلفت الأقدام، ومالت الأعناق، وتقطعت من شدة العطش والخوف، وحشرت الوحوش منكسةً رءوسها لهول يوم القيامة.

    مجيء جهنم

    تأمل -يا عبد الله- مجيء جهنم وهي تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، قال الله تعالى: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر:23] الله أكبر! تصوروا -يا عباد الله- وقوفنا في ذلك اليوم، فسوف نقف فيه جميعاً.. اعتبر يا مسكين! ارجع يا مغرور.. فسوف نقف جميعاً، وليس هذا الكلام خاصاً للصحابة رضي الله عنهم، بل لكل من خلق الله على وجه البسيطة حتى الوحوش تحشر ويفصل بينها، يؤخذ للشاة الجماء من القرناء ثم يقال لها: كوني تراباً، وعند ذلك يقول الكافر: يا ليتني كنت تراباً.

    وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ [الفجر:23] يتذكر يوم القيامة، يوم لا تنفع الندامة، يوم لا تنفع الذكرى، وأين هذا التذكار يا عبد الله؟! أين هذا التذكار في الدنيا وأنت تسرح وتمرح وتقضي أوقاتك فيما يغضب رب العالمين؟! أين هذه الذكرى يا غافل؟! أين هذه الذكرى يا ميت القلب؟ فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].. يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر:23] مستحيل يا عبد الله! وأنى له الذكرى؟ لا يستفيد من ذلك شيئاً.

    عند ذلك إذا جيء بجهنم، فلا يبقى ملكٌ مقربٌ، ولا نبيٌ مرسلٌ إلا جثا على ركبتيه يقول: يا ربِ! نفسي نفسي.. فتصور ذلك الموقف المهيب المفزع الذي تشيب من هوله الولدان! تصور نفسك عندما يتبرأ منك الولد والوالد والأخ والصاحب! قال تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37].

    تطاير الصحف

    عباد الله: تأملوا الصراط والميزان، وتقسيم صحائف الأعمال، إما باليمين أو بالشمال أو من وراء الظهر قال الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [الحاقة:19] هذا هو الأكبر يا عبد الله: فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20] لأنه ما درس على شيوعي، ولا على ملحد، ولا على نصراني، بل درس على مؤمن تقي، علَّمه ما ينفعه في دينه ودنياه، أما الذين درسوا على الشيوعيين فقد علموهم علوم الطبيعة، فأنكروا وجود الله، وأنكروا قيام القيامة، وأنكروا الجنة والنار، فقلوبهم ممسوخة -والعياذ بالله- هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [الحاقة:19-23] ثم يقال لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] هل ذلك في الفندق؟ أم في قصر الأفراح؟ في موضع ينتهي وقته وينتهي زمانه؟ لا. بل في جنة الخلد لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم، نعيمهم دائمٌ سرمدي.. بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] أي: بما أسلفتم من الأعمال الصالحة في أيام الدنيا.

    ثم يأتي الصنف الثاني الذي يعطى كتابه بشماله، قد رسب في الامتحان الأكبر يوم القيام بين يدي رب العالمين، قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:25-28] المليار الذي يحارب به رب العالمين في كل مكان باستعمال الربا والقمار.. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29] ثم يقال للزبانية: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً [الحاقة:30-32] تصور -يا عبد الله- هذه السلسة! وما ظنك بهذه السلسلة وهي سبعون ذراعاً بذراع الملك، لو وضعت حلقة من هذه السلسلة على جبلٍ من جبال الدنيا؛ لتركته تراباً!!

    أيها الإخوة في الله: أوصيكم ونفسي المقصرة الظالمة بتقوى الله عز وجل، والرجوع إليه، فلنرجع -يا عباد الله- إلى أرحم الراحمين، ولنتب إلى أكرم الأكرمين، ولنجدد صلتنا مع الله، لعل الله أن يرحمنا وأن يعطينا كتابنا باليمين إنه على كل شيء قدير.

    أقول قولي هذا، وأسأل الله عز وجل أن يجمعنا جميعاً في جنات الفردوس الأعلى ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات إنه على كل شيء قدير، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    يوم القيامة وأهواله

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وما أدراك ما يوم الدين، يوم القيام لرب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فاتقوا الله عباد الله..

    عباد الله: يقول الله عز وجل: فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [إبراهيم:47-52].

    عباد الله: سيأتي يومٌ يتغير فيه هذا العالم، فتنفطر فيه السماء، وتنتثر فيه الكواكب، وتطوى السماء كطي الصحيفة، يزيلها الله عز وجل ويطويها كما بناها بقدرته التامة، وتبدل الأرض غير الأرض، وينفخ في الصور فيقوم الناس من قبورهم أحياءً كما كانوا في هذه الدنيا، يقومون حفاةً عراةً غرلاً، قالت عائشة رضي الله عنها: (يا رسول الله! النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: يا عائشة! الأمر أشدُّ من أن يهمهم ذلك) الله أكبر يا عباد الله! الأمر أشد من أن يهمهم ذلك.

    حال الكافر يوم القيامة

    وفي ذلك الموقف يحشر الكافر أعمى لا يرى، أصم لا يسمع، أخرس لا يتكلم، وإن كان قبل في الدنيا يتكلم ويؤذي المسلمين.. يتكلم بالكلمات البذيئة، وينشر في الصحف ما يغضب الله ورسوله، فإنه يوم القيامة أخرس أصم لا يتكلم، يمشي على وجهه في غاية الإهانة.. أسود الوجه، أزرق العينين، في منتهى العطش، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ليس بينهم في ذلك الموقف وبين الشمس إلا مقدار ميل.. في ذلك الموقف العقول ذاهلة، والأبصار شاخصة للحي القيوم، ثم يؤمر بهذا الكافر ويسحب إلى جهنم والعياذ بالله.

    وأما المؤمنون -أسأل الله أن يجعلنا منهم بمنَّه وكرمه وإحسانه- فإنهم ينعمون في جنات عالية قطوفها دانية، ويقال لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24].. أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:19] اللهم اجعلنا منهم ومعهم بجودك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    عباد الله: إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي الناصح الأمين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، فاحذروا من محدثات الأمور يا عباد الله، احذروا من المحدثات التي يروجها أعداء الإسلام والعقيدة، وأعداء الأخلاق والآداب، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار.

    عباد الله: صلوا على الناصح الأمين، صلوا على رسول الهدى الذي أخرجكم الله به من الظلمات إلى النور، امتثالاً لأمر الرءوف الرحيم حيث يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد القائل: {من صلَّى عليَّ صلاة صلَّى الله عليه بها عشراً} وارض اللهم عن خلفائه الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.