إسلام ويب

المساجد لا الملاعبللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن رسالة المسجد عظيمة، فهو مدرسة الإيمان، وفيه تكمن حياة القلوب، وهو قاعة التسبيح والتهليل والذكر، وله أهميته الكبرى في بناء الأمة.

    والمساجد تضيء الأرض كما تضيء النجوم السماء، وهي منارات للسالكين، وهداية للطائعين، ومقصد للعارفين، وموئل للذاكرين، منها ينطلق التوحيد، ويتخرج الدعاة، وتقاد الأمة وتساس الأرض. والمساجد منذ فجر الإسلام وعلى مدار عصور التاريخ الإسلامي معاهد علم، ومجامع أخوة، وساحة إعداد للجهاد، لذلك فقد أشاد الإسلام بفضل عمارتها والتأدب بآدابها.

    1.   

    رسالة المسجد وعظمها

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: (من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة).

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الناس: اتقوا الله عزَّ وجلَّ وأطيعوه.

    عباد الله: يقول الله عزَّ وجلَّ: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:18] نعم يا عباد الله! إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، وهم رجال مدحهم الله جل وعلا، رجال لا تشغلهم عن طاعة الله الشواغل، رجال لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37] وما أدراكم ما ذلك اليوم يا عباد الله! هو يوم القيامة، يوم الحشر والنشور.

    وإن أمام الناس حشرٌ وموقفٌ     ويومٌ طويلٌ ألفُ عامٍ وأطولُ

    فيا لك من يوم على كل مبطلٍ     فظيع وأهوال القيامة تعضلُ

    تكون به الأطواد كالعهن أو تكن     كثيباً مهيلاً أهيلاً يتهلهلُ

    يوم القيامة يومٌ تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:37] فما ظنكم عباد الله بذلك اليوم؟!

    عباد الله: ذلك اليوم بضائعه الأعمال، وشهوده الجلود والألسنة والأوصال، وسجنه النار، وحاكمه الجبار.

    إن ذلك اليوم يوم عظيم، لقد خافه أولئك الذين مدحهم الله بقوله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:36-37].

    1.   

    فضل عمارة المساجد

    أمة الإسلام: لقد أشاد الإسلام بفضل عمارة المساجد، وما تعود به زيارتها على نفوس المؤمنين من أثرٍ فعال، فقد ورد في الأثر أنه مكتوب في التوراة: إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي أكرمته، وحق على المزور إكرام الزائر.

    أمة الإسلام: لقد أضاف الله تعالى هذه الزيارة إلى نفسه الكريمة إضافة تشريف وتكريم، ولا غرابة أيها المسلمون! فرسالة المسجد من أعظم رسالات؛ إذ هي الموضحة لأحوال الناس.

    وفي زيارة المسلمين للمساجد في اليوم والليلة خمس مرات، يتضح في الظاهر المؤمن من المنافق، وقد ذم الله المنافقين، وأخبر أنهم يخادعون الله وهو خادعهم، وأنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، مع ذلك فإن ذكر الله شاق عليهم، فألسنتهم قد وافقت قلوبهم بما فيها من النفاق، ولذلك توعدهم بأنهم في الدرك الأسفل من النار.

    ما أكثر المنافقين في هذا الزمان! الذين لم يتكاسلوا عن الصلاة فحسب، بل تركوا الصلاة بالكلية، ويزعمون أنهم مسلمون، ويدَّعون الإسلام بالهوية والتابعية، فتباً لهم، وتباً لما ادعوه من الكفر والنفاق.

    تارك الصلاة كافر رضي أم سخط، شاء أم أبى.

    فالحذر يا عباد الله من ترك الصلاة! والحذر يا عباد الله من مجاورة تارك الصلاة! فإنه فد ورد في الأثر: [[أن تارك الصلاة تنـزل عليه كل يوم سبعون لعنة]].

    والحذر الحذر من التكاسل عن الصلاة يا عباد الله! فإن الأمر عظيم في أعناقكم يا أمة الإسلام!

    ومع الأسف الشديد أن المساجد في الفجر لا يوجد فيها من يبلغ من الخامسة عشر إلا القليل، فأين تلك القطاعات؟ وأين تلك الفئات التي تخرج للمدارس والأعمال؟ أين هم؟

    هل هم مختفون تحت الأرض، لا يخرجهم إلا شعاع الشمس؟

    أم أنه التهاون بأمر الله عزَّ وجلَّ وتعظيم أمر المخلوق والخوف من المخلوق؟! فهذا هو الواقع، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    الأم والأب، والساعة الثالثة، والساعة الرابعة، وساعة الحائط، كل هؤلاء يتعاونون على الولد إذا جاء وقت الدراسة والعمل، أما وقت الصلاة فإن كان الأب فيه ريح إيمان وأراد أن يوقظه، قالت الأم: اتركه، فإنه كان متعباً من المذاكرة، الله أكبر يا عباد الله! الله أكبر يا أمة الإسلام! هل هذا من تأدية حقوق الله؟!

    إن المسلمين اليوم في خطر شديد، نكررها ونعيدها، لعلها تصادف قلوباً حية، تخاف من سطوة الله ومن نقمته، فتستيقظ وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

    عباد الله: الحذر من التكاسل عن الصلاة، فإن ذلك من عادة المنافقين.

    والبِدار.. البِدار.. إلى تقوية الصلة بينكم وبين الخالق جل وعلا، البِِدار إلى أداء الصلوات في بيوت الله، في خشوع وتذلل للخالق جل وعلا، مستشعرين عظمة الله، متجردين من مشاغل الحياة حال الوقوف بين يدي الله، خلِصّوا أنفسكم من أسر الدنيا، وملذاتها، وفرغوا قلوبكم وأسماعكم لتدبر كلام الله عزَّ وجلَّ، الذي لو أنزله الله على صم الجبال لرأيتموها خاشعة تتصدع من خشية الله، فيالله كم من قلوب طالما سيطر عليها مرض الشهوة، واستفحل بها داء الشبهة، فلما سمعت كلام الله ووقع فيها؛ انفتح أمامها طريق الحق والصواب، فصارت تبصر بنور الله جل جلاله.

    هذا الفضيل بن عياض: كان لصاً يسرق، فلما تسلق بيت أحد المسلمين ليسرق منه، وإذا هو يتلو قـولََ الله جل وعلا: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [الحديد:16] قال: نعم. آن لها الآن، آن لها الآن، وكف عن سرقته وتاب إلى الله، وصار عالماً من علماء المسلمين.

    و مالك بن دينار: نام نومة وهو سكران، ورأى في المنام أمراً عجيباً، وآخر لما سمع قوله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ [الحديد:16] فاستيقظ وهو يرددها، فتاب إلى الله، وصار عالماً من علماء المسلمين.

    أهمية المسجد في الحياة الروحية

    عباد الله: باب التوبة مفتوح، وفضل الله واسع يا عباد الله.

    أجَل يا أمة الإسلام. المساجد هي مدرسة الإيمان، وحياة القلوب، ومسكن النفس، وقاعة التسبيح والتهليل والذكر.

    المساجد مزار الملائكة، منها تصعد الأعمال، وفيها تنـزل الرحمات، فطوبى لعُمَّار بيوت الله، وطوبى لمن تعبد فيها لله، وطوبى لمن أَلِفَها، وطوبى لمن تعلق قلبه بها، فإن من تعلق قلبه بالمساجد فإن موعده أن يظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    هي المساجد يا عباد الله: مدراس لتهذيب النفوس، وتقويم الأخلاق, وصقل العقائد وإنارتها، المساجد مدارس لتلاوة آيات الله البينات، ولتلاوة سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    المساجد خرجت الرجال

    المساجد هي التي خرجت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحاب رسول الله الذين فتحوا الفتوحات، ومصّروا الأمصار، وجاهدوا في الله حق جهاده، فتحوا القلوب والبلاد، لم يفتحوها بالماجستير ولا بالدكتوراه، ولكن فتحوها بتعلم العلم النافع، على يد المربي الكامل محمد صلى الله عليه وسلم.

    ولكن لما تُرِكَت هذه السنة، وهُجِرَت المساجد، وصار البعض يعتبرها لأداء الفريضة فقط، حتى إن بعض أئمة المساجد، وبعض المؤذنين يقف على رأي المصلين، إن كان في حر شديد يطفئ عليهم المراوح والمكيفات، ليخرجهم من بيوت الله، يظن جهلاً منه أنها لم تُبْنَ إلا للصلاة.

    ولما اندرست هذه السنة ماذا أعقبنا يا عباد الله؟ لما كان السلف الصالح يقضون أوقاتهم في مدارسة العلم في بيوت الله، صاروا في عزة وسعادة ورخاء وطمأنينة بال، أما نحن لما تركنا المساجد واستبدلناها بآلات اللهو، صرنا والعياذ بالله في انحدار وانحطاط، فالأولاد ليلهم ونهارهم مع الكرة في شوارع المسلمين وكأنهم لا مسئولية عليهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وكان البعض من الصحابة في الخامسة عشر يحمل لواء الجهاد، يجاهد في سبيل الله مشتاقاً إلى جنة عرضها السماوات والأرض، وشبابنا الآن يشتاق إلى الكرة، وإلى تشجيع فلان وفلان، ونسي الله ورسوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    ويذكر لي بعض الإخوة الثقات: أن بعض المشاهدين للتلفاز لما قال المذيع: لنقف هذه الفترة لنقل أذان العشاء من الكعبة، قال: لعنة الله على الكعبة، وعلى الأذان.

    الله أكبر يا عباد الله!

    هذه دسيسة صهيون وأعوانه!

    هذه التي يريدها منا الصهاينة؛ لتنحل عقائدنا وأخلاقنا، ونرمي ديننا وراءنا ظِهرياً.

    ما أبشعها من كلمة! يقولها بكل وقاحة: لعنة الله على الكعبة، وعلى الأذان.

    الله أكبر يا عباد الله! الله أكبر يا أمة الإسلام! إلى أي حد أصابنا هذا الجهل؟! والله لم يقلها أبو جهل ، ولم يقلها أبو لهب ، ما قال يوماً من الأيام لعنة الله على مكة ولا على الأذان، الله أكبر يا عباد الله!

    كل ذلك بسبب الدسائس الخبيثة التي أدخلوها على الأبناء وهم صغار، يقال في الأثر: "ما بكم إذا لبستكم فتنة يهرم عليها الكبير ويربو عليها الصغير". إي والله إنها فتنة كبيرة.

    يقول لي بعض المتحدثين: إن شاباً دخل على أمه، فلما رأى عليها ثوباً يخالف النادي الذي هو يشجعه عَمِد إلى ثوبها فمزقه بيديه، الله أكبر! إلى هذا الأمر وصلت أحوال المسلمين، فلا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

    أتدرون من أي شيء ذلك؟

    لما ترك المسلمون المساجد وهجروا المساجد، ولم يعرف البعض المساجد إلا لأداء الصلاة، ألم يعرفوا أن المساجد هي التي تخرِّج الرجال؛ خرَّجتهم أبطالاً، خرَّجتهم شجعاناً، خرَّجتهم قادة، خرَّجتهم دعاة، خرَّجتهم أئمة، خرَّجتهم قضاة... إلى غير ذلك من مصالح المساجد التي تعطلت ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أيها المسلمون: الرجوع إلى دين الله، الرجوع إلى العقيدة، الرجوع إلى الأخلاق، ما دمتم في زمن الإمهال قبل أن تتحولوا من دينكم.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه -ماذا يعملان به؟- يُهَوِّدانه، أو يُنَصِّرانه، أو يُمَجِّسانه} حتى يعْرب عنه لسانُه.

    فالحذر يا عباد الله! الحذر يا أمة الإسلام! فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن {آخر الزمان تكون فتن كقطع الليل المظلم، يمسي المؤمن كافراً ويصبح مؤمناً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    فالنجاة.. النجاة.. ووالله لا تحصل النجاة إلا بالرجوع إلى الله، والتمسك بكتاب الله، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    المحافظة على الصلاة في المسجد

    أيها المسلمون: حافظوا على صلواتكم، فإنه لا غنى لكم عنها، فهي تنير القلوب، وتغرس في القلوب مراقبة الله.

    إن الصلاة تزكية لمن يخشى، وتذكرة لمن ينسى.

    إن الصلاة تكفر الذنب، وتنهى عن الفحشاء والمنكر.

    الصلاة نور وبرهان، ونجاة لمن أداها كما أمره الله، وكما صلاها على ضوء إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: {صلوا كما رأيتموني أصلي} وصدق الله حيث قال: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة:18].

    1.   

    من آداب المسجد

    أمة الإسلام: التزموا الآداب الشرعية التي حث عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عند الخروج من البيت إلى المسجد، وعند دخول المسجد، وحال المكث في المسجد، وحال الصلاة وأنتم واقفون أمام الله، وفي بيت من بيوت الله، فمن الآداب المتعلقة بالمساجد:

    أن تصان عن كل وسخ، وقذر، وقذاة، ومخاط، وبصاق، ورائحة كريهة من أكل بصل أو ثوم أو كراث، أو دخان، أو غيره، فقد نهاكم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا) إهانة له.

    وروى البخاري ومسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربنَّ مساجدنا -هذا من رواية مسلم لماذا؟- لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    يا عباد الله! والله يا له من أذى، وما أقبحها وأكرهها من رائحة، ولكن مع الأسف الشديد تجد الكثير لا يأكلون طعامهم إلا بتلك البقول، ومع ذلك لا يبالون بأذية إخوانهم المسلمين، وبأذية الملائكة الكرام.

    أمة الإسلام: ينبغي للمسلم الحقيقي الذي جاء إلى بيت من بيوت الله عزَّ وجلَّ برغبة صادقة، أن يعلم لمن أتى، ولمن يريد أن يقف بين يديه، إنه أتى إلى ربه زائراً، ويقف بين يديه، وسوف يكشف الحجاب الذي بينه وبين ربه عزَّ وجلَّ، فسوف يناجيه بكلامه المجيد، ويبدي إليه أسراره وحوائجه التي لا يقدر على قضائها إلا هو جل وعلا.

    فينبغي للمؤمن أن يأتي إلى المسجد بأحسن هيئة، وأطيب ريح، امتثالاً لأمر الله جل وعلا: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] أي: عند كل صلاة.

    اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وجنبنا ما تبغضه وتأباه، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.

    اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد.

    وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أهمية المسجد في الحياة الاجتماعية

    الحمد لله أحمده وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه، وأعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلِّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    يا أيها الناس: اتقوا الله عزَّ وجلَّ، واعرفوا ما للمساجد من المكانة، وعظموها في أنفسكم، فهي بيوت الله في الأرض، بيوتٌ تضيء الأرض كما تضيء النجوم للسماء منارات للسالكين، وهداية للطائعين، ومقصدٌ للعارفين، وموئلٌ للذاكرين، تنطلق من مناراتها دعوات التوحيد، وتكبيرات الإجلال لله رب العالمين.

    تهيب بكل مسلم: حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، فسرعان ما تهوى إليها القلوب المؤمنة بالله، المصدقة لوعده، وسرعان ما تخطو إليها الخطى، ولها بكل خطوة صدقة، ووعدٌ آخر، خطوة ترفع بها درجة، وخطوة تحط بها خطيئة.

    إنها المساجد يتوافد عليها المسلمون زرافات ووحدانا، في طهارة ثوب وبدن، وخشوع قلب، واستكانة لله رب العالمين، ما أحسن تلك الأحوال لو تحققت يا عباد الله! ما أحسن تلك الأحوال لو تحققت في زماننا وطبقناها على أنفسنا وفي مجتمعنا، فتلتقي شتات القلوب على توحيد الواحد الأحد، فتتآخى في وَحْدَةٍِ، لا ينال منها اختلافُ الأجناسِ، ولا تَبَايُنِ الألسُنِ والألوانِ، ولا تتميز إلا بالتقوى، هكذا كان المسجد منذ فجر الإسلام، وعلى مدار عصور التاريخ الإسلامي، معاهد علم، ومجامع أخوَّة، فهو أول قدسية في الإسلام، وهو أول مدرسة في الإسلام درَّس فيها محمد صلى الله عليه وسلم، وتخرَّج على يديه رجال نشروا الدعوة في الآفاق، وفتحوا الفتوحات، ومصَّروا الأمصار، وعلَّموا العالَم ما لم يعلموا من علم الله جل وعلا، أخرجوا العالَم من براثن الجهل إلى نور العلم، ومن عباة الأوثان والأصنام إلى عبادة رب العالمين.

    عباد الله: إن للمسجد دور فعال، حيث شرع الله جل وعلا اجتماع المسلمين فيها للجمعة والجماعة، يلتقون فيها على علم نافع، ووعظ زاجر، يحثهم على الإقبال إلى الله والدار الآخرة، ويحذرهم مغبة الغفلة والنسيان؛ ولكن مع الأسف الشديد، لقد تعطلت أكثر المساجد من المصلين، والذي يصلون يظنون أن المساجد للصلاة فقط، فلا يفرغون لأنفسهم من أوقاتهم ساعات قليلة يتفقهون فيها بدين الله عزَّ وجلَّ، ويتعلمون أحكام دينهم، والبعض من الناس إذا كان في المسجد حديث، وخاصة العشاء، تأخر ليشرب الشاي، ويلهو ويسهو حتى تُقام الصلاة، وينقضي وقت الحديث، ويُشغل نفسه بأشياء تافهة، حتى يفوِّت على نفسه خيراً كثيراً. فهذه أحوال الكثيرين اليوم من المسلمين, فلا حول ولا قوة إلا بالله.

    اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.

    اللهم اهدنا ووفقنا وأرشدنا لما تحبه وترضاه، واجعلنا هُداة مهتدين، اللهم اجعلنا هداة مهتدين.

    اللهم ارزقنا الحب فيك، والبغض فيك، واجعلنا اللهم نحب فيك، ونبغض لك، يا رب العالمين.

    اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، ورد دور مساجدنا كما كانت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم منارات للعلم والذكر والخير الكثير.

    اللهم صلِّ على نبينا محمد، وصلوا على رسول الله امتثالاً لأمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56]. ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً) اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.

    وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وأنعم بهم من رجال، وبقية الصحابة أجمعين، رضي الله عنهم، ورضي عمن تبعهم من السلف الصالح ، ومن العلماء العاملين، الذين عملوا بعلمهم.

    أيها العلماء: إن عليكم مسئولية عظيمة هي تبليغ ما في كتاب الله، وما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رسول الهدى وقد رسم ذلك لكم في وصية له، فقال صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو آية) ماذا تردون عن هذا الجواب يوم القيامة؟ إذا رأيتم الناس يُسألون عن غيهم وجهلهم، وهم يتخبطون في جهلهم، والعلماء الآن حازوا على الشهادات وجعلوها في البراويز، وجعلوها مناظر في المجالس، والله إنهم مسئولون عن علمهم، كم نرى في المساجد أن يأتينا عالم من علماء المسلمين يزورنا ويلقي إلينا كلمات؟ لم نرَ أحداً إلا إنساناً مجتهداً من الجهال مثلي ومن أمثالي، يقفون أمام الناس يتخبطون خَبْطَ عشواءٍ، أما العلماء الذين أخذوا الشهادات وبروزوها في البراويز، فإنهم رقدوا عليها وناموا، وسوف يسألهم الله عزَّ وجلَّ عن ذلك يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ [الشعراء:88].

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الإسلام والمسلمين.

    اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك من المسلمين.

    اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.

    اللهم وفق ولاة المسلمين لما تحبه وترضاه، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم وفقهم وأعنهم على الأخذ على أيدي السفهاء حتى يأطروهم على الحق أطراً، إنك على كل شيء قدير.

    اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم اجمع كلمتهم على الحق، يا رب العالمين، ووحد صفوفهم، اللهم وحد صفوفهم، اللهم ارفع علم الجهاد، واقمع أهل الشرك والزيغ والفساد والعناد.

    آمين يا رب العالمين.

    اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.