إسلام ويب

المحافظة على أرواح الناسللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الأنفس، وتجنيبها العطب والتلف.

    وإن من إلقاء النفس للتهلكة وتعريضها للعطب ما يفعله كثير من الشباب من قيادة السيارة بالسرعة التي يفقد السائق بسببها االتحكم فيها مما يؤدي إلى الموت له ولغيره من الناس.

    1.   

    حفظ النفوس من مقاصد الشريعة

    الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا وإمامنا وقدوتنا محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه.

    اللهم صلِّ وسلم على رسولك وعبدك محمد، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم القويم إلى يوم القيامة، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: اتقوا الله رب العالمين، اتقوا أرحم الراحمين، وأطيعوه واشكروه على نعمه الكثيرة التي لا تحصون لها عدداً، ومنها نعمة وسائل النقل بأنواعها كالسيارات وما شاكلها، فإنها نعمة لمن استعملها في مرافق حياته المباحة.

    عباد الله: لقد جاءت الشريعة الإسلامية بحقن الدماء والمحافظة عليها، قال الله جلَّ وعلا: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [النساء:29-30].

    عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة، في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً).

    وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من قتل نفسه بشيء، عذب به يوم القيامة).

    روى البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كان رجلٌ ممن كان قبلكم، وكان به جرح، فأخذ سكيناً فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله عز وجل: عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة).

    ففي هذه الآية السابقة، والأحاديث الصحيحة تهديد شديد، ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن يلقي السمع وهو شهيد.

    انتشار الحوادث المرورية

    عباد الله: لقد قرر بعض العلماء رحمهم الله أن سائق السيارة إذا كان لا يعرف القيادة، وقاد السيارة بدون معرفة، ثم حصل له حادثٌ ثم مات، فقد عرض نفسه للإتلاف، ولأنه لم يأخذ بالأسباب الواقية، وهي معرفة القيادة، إذاً فهو داخل تحت الوعيد الشديد، الذي مر آنفاً في الأحاديث الصحيحة، والآية الكريمة.

    وقرر أيضاً بعض العلماء رحمهم الله أن السائق إذا تعدى السرعة التي تمكنه من التصرف بالسيارة، ووقع الحادث ومات، فهو داخل تحت الوعيد الشديد؛ لأن من فعل الأسباب الرفق، وعدم السرعة التي تهدد حياته وحياة البشر جميعاً، فكم نرى، وكم نسمع بالحوادث، وكل ذلك سببه السرعة وعدم معرفة القيادة، وناهيك بعدم معرفة القيادة انتشاراً، فهذا رجل يدخل شوارع المسلمين العامة، ويقول له رجل المرور: ارجع إلى الخلف، فيقول: لا أعرف أرجع! إنه هدَّد نفسه وهدَّد البشرية جميعاً بقتلهم، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

    ألا فليحذر الذين قست قلوبهم وصارت الأرواح عندهم لا قيمة لها! ألا فليحذر الذين عرَّضوا أنفسهم وأهليهم وأولادهم للهلاك! فليحذروا من هذا الوعيد الشديد في الآية: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً [النساء:29-30].

    أمة الإسلام: إننا نرى الحوادث كل يوم، ولم نر القلوب تتعظ وترعوي، فكم نرى الجثث تحت السيارات! وكم نرى الجثث تخرج بواسطة الأكسجين! وكم نرى اللحم قد اختلط بالحديد! ومع ذلك فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا نفس تتعظ وتنتهي عن غيها، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    النهي عن إيذاء المؤمنين

    عباد الله: لقد نهى الله عز وجل عن إيذاء المؤمنين، ومن ذلك إيذاؤهم في شوارعهم العامة والخاصة، وهو ما يفعله بعض السفهاء من عملية التفحيط وإحداث الأصوات المزعجة التي تؤدي إلى القلق، ولا ننسى ما يقوم به رجال المرور والنجدة والدوريات من قمع هؤلاء السفهاء ومطاردتهم وسجنهم، وما أجمل ذلك النظام! وما أحسنه لولا الواسطة الخارقة للنظام!

    ما أجمل النظام من الرجال المسئولين عن ذلك، لولا الواسطة الخارقة للنظام، فإن المخالف يسجن بالليل ويخرج بالنهار، وهذا الذي جعلهم يتمادون في سفههم وإيذائهم لعباد الله.. نسأل الله تعالى لهم الهداية والصلاح.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً [الأحزاب:58].

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الوصية بالتوبة

    الحمد لله الذي فتح باب التوبة للمذنبين، وكتب الرحمة لعباده المؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، هو الحق المبين، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، إمام المتقين وقائد الغر الميامين، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا عباد الله: استجيبوا لنداء الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [التحريم:8].

    عباد الله: إن الله يدعوكم إلى التوبة النصوح، وقد فتح باب الرحمة والتوبة للمؤمنين على مصراعيه، وجعله أوسع الأبواب ليعلموا أن لهم رباً عظيماً، يتضاءل بالتوبة أمام رحمته وعفوه كل ذنب.

    عباد الله: إن التوبة النصوح الصحيحة التي يكفر الله بها السيئات ويدخل بها الجنات هي الإقلاع عن الذنوب جميعها، الصغائر منها والكبار، والندم على ما مضى منها، والعزم على ألا يفعلها في المستقبل، ورد المظالم، والتحلل من أهلها قبل يوم القيامة.

    عباد الله: توبوا إلى ربكم وأسلموا له واعملوا صالحاً؛ ينجيكم من عذابه يوم القارعة، يوم الطامة، يوم الزلزلة، يوم الحسرة والندامة، ولا تكونوا غافلين عن الموت وسكراته وأهواله، فهنيئاً لمن تيقظ وتاب وأناب، وعمل عملاً صالحاً، وتباً لمن غفل وأسرف على نفسه، وسوَّف بتوبته، ووافته المنية على إصراره، وعلى إيذاء عباد الله، وإزعاجهم بملاحقة النساء، والتفحيط في شوارعهم العامة والخاصة، فيا لها من فتنة عمياء! ويا له من تقليد أحمق! فلو رأيتم شاباً لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره وقد اختلط لحمه بحديد السيارة من جراء التفحيط لرأيتم عجباً، ولا أدري من يلقى عليه اللوم، هل عليه وهو في سن المراهقة، أو على ولي أمره الذي ترك له الحبل على الغارب؛ فلا نامت أعين الأشقياء.

    عباد الله: متى نأخذ على أيدي السفهاء؟! ومتى نأطرهم على الحق أطراً، ونقصرهم عليه، ونعلم أنهم أمانة في أعناقنا، ونحن مسئولون عنهم أمام الله يوم القيامة؟!

    عباد الله: لينظر كل مِنَّا منقلبه ما دام في زمن الإمهال، وليتفكر في منتهاه، ما دام الأمر ممكناً قبل: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر:56].

    عباد الله: إن على الإنسان أن يعمل سراً وجهراً في طاعة المولى جل وعلا، ويذكر ربه وما أحاطه به من النعم، وما له عليه من حقوق، ويذكر ضعفه وقوته وما في يوم القيامة من أهوال، وماذا عمل استعداداً لذلك اليوم العظيم المروع؟ فسيستحضر تقصيره ويتذكر تفريطه، وهو يدري ما يفعل به.

    المعاصي تمحق البركة

    فيا أخي المسلم: إن المعاصي تمحق بركة العمر والرزق، وتمحق بركة العلم والطاعة والتوبة واجبةٌ في كل وقت، امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فهيا إلى التوبة يا عباد الله، فالحياة مرَّة، وإذا انتهت، فلا كرة ولا رجوع.

    هيا إلى التوبة من قبل أن يأتي يومٌ لا بيع فيه ولا خِلال، فقد يفصل في الأمر، وتغلق الأبواب، والمسوِّف بالتوبة بين خطرين عظيمين: إما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير ريناً وطبعاً، فلا يقبل المحو، وإما أن يعاجله المرض أو الموت فجأة، فلا يجد مهلة لتدارك ما فات.

    اللهم أيقظنا من رقدات الغفلة، وتب علينا.. إنك أنت التواب الرحيم.

    عباد الله: إن أصدق الحديث كلام رب العالمين، وخير الهدي هدي سيد الأولين والآخرين، محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة في النار، وكل ضلالةٍ ، وعليكم بجماعة المسلمين؛ فإن يد الله مع جماعة المسلمين، ومن شذ عن جماعة المسلمين شذ في النار.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] يقول صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً} اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الواحد الأحد، الفرد الصمد، الحي القيوم، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، نسألك أن تردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أغث قلوبنا بالإيمان، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم وانصر الإسلام والمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم دمِّر أعداءك أعداء الدين، الذين يصدون عن سبيلك، ويفسدون في الأرض، ويعادون أولياءك، اللهم دمرهم تدميراً ومزقهم كل ممزق، وأدر عليهم دائرة السوء يا رب العالمين.

    اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين! اللهم اجعلنا وإياهم هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر الإسلام والمسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأئمة وولاة أمور المسلمين في مشارق ومغاربها، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا واللواط، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامةً يا رب العالمين.

    اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، برحمتك يا أرحم الراحمين! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.