إسلام ويب

الزناللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما حرم الله ورسوله أمراً إلا وفيه منفعة للإنسان، سواءٌ ظهرت هذه المنفعة أو خفيت، ومن أقبح المنكرات وأبشع الجرائم جريمة الزنا، وقد ظهرت كثير من الأمراض الخبيثة نتيجة لهذه الفاحشة، ولا نجاة للمجتمع من هذه الأمراض إلا بالابتعاد عنها ومحاربتها.

    1.   

    أسباب انتشار الفواحش

    الحمد لله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أحمده سبحانه من إلهٍ أعزَّ من أطاعه واتقاه، وأذل أهل الفسق والفجور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله حكيمٌ حذر من الفواحش والزور، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله نبيٌ جاء بالحق الواضح في كل الأمور، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم البعث والنشور، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى، وانتهوا عَمَّا نهاكم الله عنه حيث يقول جلَّ وعلا: وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأنعام:151].

    عباد الله: لقد انتشرت بين المسلمين في هذا العصر أمراض اجتماعيةٌ خطيرةٌ، من هذه الأمراض فاحشتا: الزنا واللواط، اللتان فشتا بين كثيرٍ من العامة والخاصة، مما يدل على ضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المسلمين بلغ ضعف وازع الدين عند كثيرٍ ممن ينتسبون إلى العلم فضلاً عن غيرهم، فاتبعوا الشهوات واستمتعوا بالمآكل والمشارب والمراكب، وسكتوا عن الإنكار خوفاً من الملامة ورجاءً لهذه الدنيا الدنية، هذا من جهة.

    ومن جهة أخرى وقف المنافقون من المسئولين حجر عثرةٍ ضد الدعاة والغيورين على محارم الله، لصدهم عن الإنكار، وذلك لحبهم للشر والفساد، وبغضهم للخير وأهله وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [المائدة:43].

    عباد الله: إن حصول الزنا نتيجة للتبرج والسفور والاختلاط الذي فشا بين الناس، وذلك بانفلات الزمام من أيدي الرجال، فأصبحت المرأة تفعل ما تشاء من وسائل الفتنة والإغراء والرجل مغلوب على أمره، قال صلى الله عليه وسلم: (هلكت الرجال إذا أطاعت النساء، هلكت الرجال إذا أطاعت النساء، هلكت الرجال إذا أطاعت النساء) رواه الإمام أحمد في مسنده ، والمراد: طاعة النساء في غير مرضاة الله تعالى، و(سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار، قال: الفم والفرج) رواه الترمذي.

    ويقول الله عز وجلَّ وهو أصدق القائلين: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] فالله تعالى الحكيم العليم بشئون خلقه نهى عن الاقتراب من الزنا وما يدعو إليه من النظر المحرم، واللمس والاختلاط والخلوة بالأجنبية، لأن هذه الأشياء تؤدي إلى الزنا ولا بد، إلا من عصم الله، وإذا كان الله قد نهى وحذر من مقدمات الزنا ودواعيه، فالتحذير من ارتكابه أولى وأشدُّ.

    1.   

    أضرار الزنا وآثاره السيئة

    الزنا من أكبر الكبائر وأعظم الموبقات التي تهدد المجتمعات الإنسانية بالخراب والدمار، وانتشار الفقر والأمراض، واختلاط الأنساب وضياع الأولاد، فجريمة الزنا أخطر على البشرية من القنابل الذرية والهزات الأرضية، والزنا أيضاً يهدد النسل البشري بالفناء التدريجي، لأن هدف الزانية والزاني هو إطفاء الشهوة الغريزية، أما الحمل والإنجاب فأمران ثقيلان، لما يترتب عليهما من مسئوليات، لذا تجد المرأة الزانية تحول دون ذلك بأي وسيلة، سواء بتعاطي أسباب منع الحمل، أو الإسقاط بعد الحمل، أو قتل المولود فور ولادته، أو إلقائه في المستشفيات ونحوها، هذا والزانية حينما تقتل المولود، فإنما تجمع على نفسها مصيبتين، وترتكب معصيتين: الزنا وهو محرم، وقتل نفسٍ بغير حقٍ وهو أشدُّ تحريما.

    والزنا آثاره سيئة وعواقبه وخيمة، ومن نتائج الزنا: كثرة اللقطاء غير الشرعيين الذين يعتبرون مبتورين عن المجتمع ليس لهم أي قرابةٍ، أو صلة، فينشئون معقدين نفسياً، شاذِّين فكرياً، لجهلهم أصلهم، وحرمانهم عطف وحنان الوالدين وتربيتهما، ولذا تجد غالبيتهم كما تدلُّ الإحصائيات يعشقون الإثم ويهوون الجريمة.

    فيا من يرى أن فاحشة الزنا أمرها يسير، ويا من يحب ذلك، قل لي بربك: أتحب ذلك لأمك؟ أتحبه لأختك؟ أتحبه لابنتك؟ أترضا لزوجتك الزنا؟ بالطبع ستقول: لا وألف لا إن كان بك ذرةٌ من إيمان، فإذا كنت لا ترضاه لمحارمك؛ فكذلك الناس لا يرضونه لمحارمهم، فإن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ولو يعلم أحدكم أن زوجته، أو أخته قد قتلت، أهون عليه من أن يبلغه أنها قد زنت، قال سعد بن عبادة رضي الله عنه وأرضاه: [[لو رأيت رجلاً مع امرأتي، لضربته بالسيف غير مصفح]] فعجبوا منه، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (أتعجبون من غيرة سعد؟! والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) رواه البخاري ومسلم.

    1.   

    عقوبة الزاني وفضل العفاف

    حيث كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد، فقد شرع لها الحكيم العليم عقوبةً تناسبها من الرجم أو الجلد، فالزانية أو الزاني الذي يطأ فرجاً حراماً اختياراً، إما أن يكون محصناً، أو غير محصن، فالمحصن هو: البالغ العاقل الذي تزوج امرأةً ووطئها بنكاحٍ صحيح، حتى ولو كانت مطلقةً، أو ميتة؛ فإذا زنا، فإنه يحكم عليه بالموت رجماً بالحجارة رجلاً كان أو امرأة، ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين إذا كان مسلماً.

    وأما غير المحصن: وهو من لم يتزوج على الوصف الذي ذكرنا، فإنه إذا زنا، جلد مائة جلدة ويسفر عن بلده مسافة قصرٍ سنةً كاملة، قال الله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور:2].

    عباد الله: من السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: (رجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، فقال: إني أخاف الله).

    يذكر أن رجلاً تعلق بامرأةٍ، وأنفق عليها أموالاً كثيرةً حتى مكنته من نفسها؛ فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته وأراد الفعل، ألهم التوفيق، ففكر، ثم قام، فقالت له: ما شأنك، فقال: إن من يبيع جنةً عرضها السماوات والأرض بقدر شبرٍ لقليل الخبرة بالمساحة، ثم قام وتركها.

    روى أبو يعلى بسندٍ حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (ما ظهر في قومٍ الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله، فويل ثم ويل لمن استباح الزنا ودعا إليه بقوله أو فعله) وقد ذكر الفقهاء أن من استحل محرماً مجمعاً على تحريمه فقد كفر، ومن أباح الزنا ودعا إليه ورغب فيه فهو أعظم جرماً ممن استحله فقط، وعلى هذا فلا يبيح الزنا ويدعو إليه ويرغب فيه إلا من هو كافرٌ فاجرٌ محادٌ لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ [التوبة:63] ووالله لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، وما ظهر الزنا والربا في قرية إلا وظهر فيها الفقر والأمراض المتنوعة وظلم السلطان.

    وروى البخاري رحمه الله بسنده عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني الليلة آتيان وإنهما انبعثا بي، وإنهما قالا لي: انطلق) فذكر الحديث إلى أن قال:(فأتينا على مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع، فإذا فيه لغطٌ وأصوات، قال: فاطلعنا عليه، فإذا فيه رجالٌ ونساءٌ عراة، وإذا هم يأتيهم لهبٌ من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب، ضوضوا -أي: صاحوا- قال: قلت ما هؤلاء؟ -قال في آخر الحديث-قالا لي: هؤلاء هم الزناة والزواني) نسأل الله السلامة والعفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    1.   

    وسائل العلاج من الفاحشة

    الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له على رغم من جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الشافع المشفع في المحشر، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق تقواه، وراقبوه مراقبة من يعلم أنه يسمعه ويراه، عباد الله جاء في الحديث الذي رواه الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بروا آباءكم تبركم أبناءكم، وعفوا تعف نساءكم) فيا من يحاول الوقوع في الزنا، أو وقع بالفعل ولم يتب سواء كنت في بلدك، أو في غير بلدك كمن يسافر في الإجازات الصيفية، أو الربيعية إلى خارج البلاد بنية المعصية، كن على يقينٍ وثقة بأن ساعة القصاص قريبة، وأن الديان موجود، فكما تدين تدان، وبالكيل الذي تكيل به لغيرك تكتال لنفسك، فالجزاء من جنس العمل ولو بعد حين، قال الشاعر الحاكم في هذا الموضوع:

    عفوا تعف نساؤكم في المحـرمِ     وتجنبوا ما لا يليق بمسلمِ

    من يَزْنِ يُزْنَ به ولو بجـدارهِ     إن كنت يا هذا لبيباً فافهمِ

    إن الزنا دَيْنٌ فإن أقرضته     كان الوفا من أهل بيتك فاعلمِ

    ولرب من يزني بألفي درهمٍ     في بيته يزنى بغير الدرهم

    فاتقوا الله عباد الله، واحفظوا أنفسكم وأهليكم وأولادكم من أسباب الشر والفساد والتردي في مهاوي الرذيلة، فالوقاية خيرٌ من العلاج.

    ومن الوقاية: نهي النساء عن التبرج والسفور وخروجهن متعطرات، لأن ذلك يؤدي إلى الفساد، أو اغتصاب النساء، أو التحرش بهن كما يحصل اليوم.

    ومن الوقاية: تيسير سبل الزواج، وإزاحة العقبات من طريقه والبعد عن مهيجات الغريزة ومثيرات الشهوة كالاختلاط والنظر إلى صور النساء.

    ومن طرق الوقاية أيضاً: عدم غياب الرجال عن زوجاتهم مدةً طويلةً تزيد عن ستة أشهر.

    عباد الله: لما كان النظر بريد الزنا؛ أمر الله تعالى بغض البصر قبل حفظ الفرج في قوله: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:30-31] فالنظرة تولد الخطرة في القلب، ثم الخطوة بالقدم، ثم الوقوع في الخطيئة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (العينان تزنيان وزناهما النظر) ذلك أن النظر إلى محاسن المرأة الأجنبية ضربٌ من التلذذ وإشباعٌ للغريزة الجنسية بغير الطريق المشروع.

    خرج حسان بن أبي سنان رحمه الله يوم عيد، فلما عاد قالت له زوجته: كم من امرأةٍ حسناء رأيتها هذا اليوم، فقال: والله منذ أن خرجت من عندك حتى رجعت إليك ما رفعت طرفي عن إبهامي.

    وكان الربيع بن خثيم رحمه الله من شدة غضه لبصره يظن الناس أنه أعمى.

    عباد الله: ينبغي أن تحثوا نساءكم وبناتكم على تعلم وحفظ سورة النور، وكذلك سورة الأحزاب لما تحويه هاتان السورتان من الآداب الاجتماعية التي يجب أن يتمسك بها المؤمنون في حياتهم العامة والخاصة، كالاستئذان عند دخول البيوت، وغض الأبصار، وحفظ الفروج، وحرمة اختلاط الرجال بالنساء الأجنبيات، وآداب الستر والحجاب وعدم التبرج، وما ينبغي أن تكون عليه الأسرة المسلمة من العفاف والستر والنزاهة والطهر، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: [[علموا نساءكم سورة النور]].

    عباد الله! اتقوا ربكم، واسألوه العافية وحسن العاقبة، فإن ارتكاب الزنا وتعاطي أسبابه والإصرار على المعاصي من أسباب سوء الخاتمة عياذاً بالله من ذلك.

    هذا وصلوا على النبي المصطفى، نبيٍ ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل منه، امتثالاً لأمر ربكم حيث يقول جلَّ من قائل عليماً: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وإحسانك ورحمتك يا أرحم الراحمين.