إسلام ويب

الجهادللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجهاد في سبيل الله بابه واسع، وخيره عظيم، وتجارة رابحة في الدنيا والآخرة، أمر به الله سبحانه وتعالى بالمال والنفس، وجعل لمن مات في سبيله أجراً عظيماً، ويوم تركنا الجهاد -ونحن نعد بالملايين- تداعت علينا الأمم، وأصبحنا طعمة للطامعين، نحب الحياة ونكره الموت ونحن في عداد الميتين.. فنشكو إلى الله حالة المسلمين!

    1.   

    فضل الجهاد

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله: يقول الله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الصف:10-13].

    أمة الإسلام: الجهاد في سبيل الله بابٌ واسع، وخيرٌ عظيم، وتجارة رابحةٌ في الدنيا والآخرة، وهو عمل حث عليه ربنا جل شأنه في أكثر من موضع من القرآن، ولم تغفل عنه السنة المطهرة بل اعتنت به عنايةً تامة وبينت مكانته وأنه باب من أبواب الجنة الثمانية.

    مبشرات للمجاهدين

    عباد الله: الجهاد في سبيل الله بابٌ للحرية، وبابٌ للعزة والكرامة، وللمحافظة على الأنفس والأعراض، وللأموال والبلاد وللعبادات؛ لذلك أمرنا الشارع الحكيم أن نجاهد أعداء الإسلام بكل ما نستطيع.

    روى أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم} قال أبو داود: صحيح الإسناد.

    ثم بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذي يرعى مصالح المجاهدين وأسرهم أو يجهز غازياً في سبيل الله بأي نوع من أنواع التجهيز فقد شارك الغازي في سبيل الله، وله من الأجر مثل أجر الغازي، فعن سيف بن خالد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله فقد غزا}متفق عليه.

    وتأتي بشارة عظيمة في حديثٍ صحيح ينقله إمام المحدثين البخاري رحمه الله فيقول فيما رواه عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ما اغبرت قدما عبدٍ في سبيل الله فتمسه النار} ثم يقول في بشارة أخرى: {لغدوةٍ أو روحةٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما فيها} متفق عليه.

    وترغيباً في الجهاد وزيادة في الفضل من الله أنه اشترى منا أشياء هو الذي وهبها لنا، وذلك في مقابلة ثمن كريم فقال جلَّ وعلا: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:111] لذلك ينبغي أن يكون المجاهدون على صلة طيبة بالله تعالى؛ لأن الله تعالى جعل نصرهم على الأعداء بعد طاعته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].

    ثم يكونوا على أهبة الاستعداد في استيعاب جميع أسلحة القتال امتثالاً لأمر الله وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60] فإذا حصلت الطاعة وحصل الإيمان الكامل بالله وأعدت القوة الحسية والمعنوية فسوف يحصل النصر والتأييد من الله عز وجل بعدما يكون هذا الجهاد خالصاً لله عز وجل وفي سبيل الله لا يكون لـقومية أو وطنية أو عصبية أو حمية أو جاهلية، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: {أتى أعرابياً النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله}.

    ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً وجبت له الجنة} فعجب لها أحد الصحابة رضوان الله عليهم فقال: أعدها يا رسول الله! فقال: {من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً وجبت له الجنة} ثم قال صلى الله عليه وسلم: {وأخرى يرفع الله العبد بها مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض} قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: {الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله}.

    حنظلة يجاهد صبيحة عرسه

    أمة الإسلام: لقد سطر التاريخ الإسلامي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته أمثل الأمثال وأروعها لأن الدنيا لم تعظم في قلوبهم.

    نعم. يا أمة الإسلام! ولم يروا الدنيا شيئاً لأنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، فإليكم قصة هذا الشاب المسلم، هذا الشاب المسلم من الذين يفخر بهم التاريخ الإسلامي فإنه عمل جاهداً ليكمل شطر دينه، وشاء الله له أن يكمله وأن يتزوج بزوجة عفيفة تقية كما يشتهي رضي الله عنه، فدخل بتلك الزوجة وأتى منها ما يأتي الرجل من زوجته ثم يسمع في صباح عرسه منادي الجهاد: حي على الجهاد، حي على الجهاد؛ فيترك عروسه ودنياه ومتاعه راغباً فيما عند الله من الثواب، وركب الفرس ولبس أدوات الحرب، وما هي إلا لحظات حتى كان منتظماً في صفوف المجاهدين، وقاتل قتال الأبطال الشجعان ما شاء الله له أن يقاتل حتى لقي ربه بين الشهداء وضِمن الشهداء.

    فلما انتهت المعركة رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراً عجيباً أثار دهشته! فقال لأصحابه: {هل أحد من أهل حنظلة؟ أين ابن أبي عامر -وكان هذا هو اسم الشهيد- قالوا: يا رسول الله! زوجته وعروسه بنى بها بالأمس -أي: دخل بها- فقال: إلي بها. فجاءت زوجته وعليها آثار العرس فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا زوج حنظلة! اصدقيني القول: ماذا كان آخر العهد بينك وبين حنظلة؟

    فقالت: يا رسول الله! بنى بي بالأمس، وأتى مني ما يأتي الرجل من زوجته، وقبل أن يطهر من جنابته سمع منادي الجهاد فخرج للجهاد في سبيل الله ولم يتطهر من جنابته بعد.

    فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: عن هذا سألتك فإني رأيت الملائكة تغسله بماء السلسبيل من الجنة في صحاف من ذهب وفضة بين السماء والأرض تغسله من جنابته}.

    فيا لها من شهادة حق في سبيل الله!! لقد آثر رضي الله عنه الآخرة على الدنيا ولم يقض شهر العسل في المكسيك أو في البلاد الغربية أو في بلاد الإلحاد والكفر والإشراك، فلقد لقي الجزاء الأوفى من الله عز وجلَّ، وسوف يقضي شهور العسل بل دهور العسل بل حياة طويلة لا انقضاء لها بجوار أرحم الراحمين، في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:169-171].

    اللهم اكتب النصر لأمتنا الإسلامية، اللهم اكتب النصر لأمتنا الإسلامية، اللهم اكتب النصر لأمتنا الإسلامية على أعدائها في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمور المسلمين أجمعين، اللهم أصلح أولادنا ونساءنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين يا رب العالمين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حال المسلمين اليوم

    الحمد لله مغيث اللهفات، ومحلِّ الشدائد والكربات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم العلانية والخفيات، ويعلم ما نقوله في ألسنتنا وما تخفيه صدورنا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعــد:

    فيا عباد الله! قد أوجب الله على المؤمنين الجهاد في سبيله، والاعتصام بدينه الذي هو حبله المتين، والدعوة إلى ذلك، والألفة والاجتماع والتعاون على الخير والبر والتقوى، والاستعانة بالله في جميع الأمور، وقوة التوكل على الله، وعلى القيام بالمستطاع المقدور عليه من الدين والتقوى، وتعلم ما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم من العلوم والفنون النافعة التي يحصل بها قيام الدين والأمة، والتمرن على القوة المعنوية والشجاعة الإيمانية وبالأسباب المقوية للإيمان كلها، وبالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة ومجادلة المبطلين والضالين بالتي هي أحسن، والجهاد في سبيل الله حق جهاده، فهذه الأوامر الإلهية في القرآن في مواضع متعددة وكلها داخلة في الجهاد في سبيل الله.

    ولكن يا للأسف الشديد! لقد تغيرت الأحوال، ولو خرج فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم ورأى التشتت والافتراق وكثرة الأحداث، ورأى واقع المسلمين لقال: بئس ما خلفتموني من بعدي! وما له لا يقول ذلك ونحن نُعد بالملايين وقد تداعت علينا الأمم وأصبحنا طعمة للطامعين، نحب الحياة ونكره الموت ونحن في عداد الميتين.

    معذرة إلى الله، حالة المسلمين اليوم حالة تبكي لها القلوب وتتفتت لها الأكباد، ويذوب من أجلها الجماد، وكيف لا يكون ذلك وقد أذلهم الرجوع إلى الدول الكافرة في حل مشاكلهم؟ وهيهات أن يحل الكفار مشاكل المسلمين، بل هم فرحون مستبشرون بما يحصل بين المسلمين من التفرق والشتات وسوء المعاملات.

    فإلى متى هذا الرقاد يا أمة الإسلام؟ تذكروا بيت المقدس ومن ساكنه الآن، أليست شرذمة قليلة ملعونة في كتاب الله؟ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا [آل عمران:112] تذكروا إخوانكم في أفغانستان فهم يقاومون الشيوعية الحمراء، تذكروا إخوانكم في أفريقيا وقد عثا فيهم التبشير بـالنصرانية.

    يا شباب الإسلام! الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، يكفي الانحراف، يكفي الانجراف، يكفي الركض وراء المدنية الزائفة، متى الاستيقاظ؟ إلى متى هذا السهاد؟

    عباد الله: صلوا على خير خلق الله محمد بن عبد الله امتثالاً لأمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد الذي جاء بها بيضاء نقية لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم صلَِ وسلم وبارك عليه وزد صلاة وتسليماً إلى قيام الأبدان من القبور.

    وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب رسولك الشجعان أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وقوي عزيمتنا وأعزنا بالإسلام وردنا إليك رداً كريماً حتى نحذو حذوهم يا من له القدرة التامة! ولا حول ولا قوة لنا إلا بك يا علي يا عظيم.

    اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، عاجلاً غير آجل، في مشارق الأرض ومغاربها، اللهم أخرج المسلمين من ظلمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة، إلى نور الإيمان والإسلام، ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعلنا وإياهم هداة مهتدين، اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، واللواط وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على وافر نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.