إسلام ويب

الأمر بالمعروفللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لم تترك أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أذلها الله ومقتها، وما جعلته أمة شعاراً لها إلا رفعها الله وأصلحها، ولقد تحدث الشيخ عن هذا الجانب، وعرض أدلة هذا الموضوع من الكتاب والسنة، وحذر من عاقبة تركه والتساهل فيه، وأن هذا الأمر واجب على كل مسلم ومسلمة، ولا يعذر منه أحد، ويقوم به الكل حسب قدرته بيده أو لسانه أو قلبه.

    1.   

    وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    الحمد لله رب العالمين, أحمده سبحانه وأشكره, ولا أحصي ثناءً عليه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين, وقدوة للسالكين, رسم الصراط المستقيم, وترك أمته على المحجة البيضاء صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    اتقوا الله عباد الله! واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم ومسلمة, لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان).

    عباد الله! اعلموا أن في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إعلان بترك الواجبات, واستخفاف بحقوق رب الأرض والسماوات, وبظهور المنكرات وعلو الفسقة, وإن رفعة أهل المعاصي وذل أهل الطاعة موجب للعنة رب الأرض والسماوات, ومقت جميع الخلق لكم حتى الحيوانات, وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لنزع البركات, وموجب لحلول أنواع الأمراض والأسقام والهلكات, وتتسلط الأعداء وتجور الولاة؛ فماذا يرتقي بمرتكب المحذورات المعرض عن الإنكار تهاوناً وعدم مبالاة؟

    أما سمع رب العالمين يقول: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [المائدة:78] بماذا وبأي شيء لعنوا؟ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    عباد الله! أما سمعتم بما فعل بالقرون الخاليات من أنواع التدمير والعقوبات, وما حل بهم من أليم العذاب والهلكات, التي نقلوا بها إلى نار الجحيم والحسرات, وحرموا بها بركة الأعمار والأرزاق؟

    عباد الله! أما سمعتم بأنين عذاب الله لفاعل المحرمات, ولمن لم ينكر المحرمات؟ روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى: عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمّهم الله بعقاب من عنده, قلت: يا رسول الله! أما فيهم يومئذٍ أناس صالحون؟ قال: بلى, قلت: كيف يصنع بهم؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس) ويروى في الأثر: (إذا أظهر الناس العلم، وضيعوا العمل، وتاحبوا بالألسن، وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا الأرحام لعنهم الله عند ذلك فأصمَّهم وأعمى أبصارهم).

    أيها المسلمون! الله جل وعلا يقول: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] ويقول رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: (ولا ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لم ترفع أعمالهم ولم يسمع دعاءهم) وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (إن رسول صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: يا أيها الناس! إن الله يقول لكم: مروا بالمعروف, وانهوا عن المنكر, قبل أن تدعوني فلا أجيبكم, وتستنصروني فلا أنصركم, وتسألوني فلا أعطيكم).

    ويقول أيضاً صلى الله عليه وسلم: (يا معشر المهاجرين! خمس خصال إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا) صدق رسول الله فقد ظهر الهربز, والإيدز, والزهري, والسرطان, والسل, كل ذلك بسبب الذنوب والمعاصي, ثم يقول صلى الله عليه وسلم: (ولا نقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان, ولا منعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء, ولولا البهائم لم يمطروا, ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سَلَّط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم, وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم).

    1.   

    عاقبة ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    عباد الله! أمة الإسلام! لقد غلب على الكثير الهوى, وأمرضتهم الشهوات, حتى أصبح الكثير من الناس خالياً من الغيرة الإيمانية, فلا يرى المنكر منكراً ولا المعروف معروفاً, وقلَّ الحياء وصاروا لا يتأثرون إذا انتهكت حرمات الله عز وجل, فليحذر أولئك أن يصيبهم ما أصاب من قبلهم وما جاورهم من الأمم, فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوحى الله عز وجل إلى جبريل عليه السلام: أن اقلب مدينة كذا وكذا بأهلها, قال: يا رب! إن فيهم فلاناً لم يعصك طرفة عين, قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط).

    يا من تترك الأولاد في البيت وتذهب إلى المسجد, لم يتمعر وجهك قط إلا إذا جاء وقت الدراسة، تمعَّر الوجه وانتفخت الأوداج, وارتفع الضغط عندما تيقظ الأولاد, أما الصلوات الخمس فتخرج وهم في البيت يلعبون ويمرحون, أما تخشى أن يقال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط؟!

    أيها المتهاون بأوامر الله! يا من تمر والناس في الطرقات ولم تحرك شفتيك بكلمة, لا تقول: الصلاة يا عباد الله! الصلاة هداكم الله, هل ينقصك شيئاً إذا قلت هذه الكلمات؟! والله ثم والله لا ينقصك شيئاً, بل هي حسنات في ميزان حسناتك عند رب العالمين, يا ليتنا نسمع هذا يا عباد الله, يا ليت كل من مرَّ على أناس جالسون في الطرقات أن يقول لهم: صلوا يا عباد الله, بدون ضرب وبدون رفع صوت, بل بلينٍ وشفقةٍ وعطف ورحمة, صلوا يا عباد الله, فإني أخاف عليكم من سقر وما أدراك ما سقر؟! طبقة من النار, لا تتهاونوا يا عباد الله بالصلاة, لا تؤخروا الصلاة عن وقتها, فإني أخاف عليكم من ويل وهو وادٍ في جهنم, فإني أخاف عليكم من غي وهو وادٍ في جهنم, هكذا يا عبد الله , ذكِّر إخوانك بالله, مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن يقال: (اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر فيّ ساعة قط).

    هذا أنس بن مالك رضي الله عنه دخل على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هو ورجل آخر, فقال لها الرجل: يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة؟ فقالت: [[إذا استباحوا الزنا, وشربوا الخمور, وضربوا المعازف غار الله عز وجل في سمائه, فقال للأرض: تزلزلي بهم, فإن تابوا ونزعوا وإلا هدمها عليهم]] ولقد شاهدها البعض في آلة التلفاز, أن أناس يغنون فخسف الله بهم وابتلعتهم الأرض, فصدق الله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ولكن ماذا سوف يقول المعلق عن هذه الحادثة؟ لعله يقول: هذه براكين! أو لعله أن يقول المهندس: لم يتقن المسرح فانخسف بهؤلاء! لا أيها المعلق وتباً لك ولمعاندتك ومناصرتك لأعداء الله, بل خسف الله بهم الأرض, وغار الله جل وعلا, وإذا غار فغيرة الله لا تمانع ولا تُرد, يا أم المؤمنين حدثينا عن الزلزلة؟ فقالت: [[إذا استباحوا الزنا, وشربوا الخمور, وضربوا المعازف غار الله عز وجل في سمائه, فقال للأرض: تزلزلي بهم, فإن تابوا ونزعوا, وإلا هدمها عليهم]].

    يا عبد الله! لا تستبعد ذلك، لا تقل: إن ذلك في بلاد الكفار, فإن الذي في بلاد الكفار نذير وموعظة للذي في بلاد الإسلام والمسلمين, لعلهم أن ينتهوا ويقلعوا عما هم فيه.

    1.   

    أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    يا أمة الإسلام! الله الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! إن حماية الدين وعز هذا الدين لا تكون ولا يحصل إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    أمة الإسلام! اعتصموا بحبل الله جميعاً، وتعاونوا على البر والتقوى, مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر, ائتمروا بأمر الله, وانتهوا عما نهى الله عنه ورسوله, وتناهوا عن ذلك بقصد النصيحة لله ولعبادة الله بقصد الدعوة والإرشاد.

    أيها المسلمون! لا تنسوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقسم به: (فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم) لا تستبعد هداية إخوانك يا عبد الله, ألحَّ بالدعوة, أرشد وادع إلى الله عز وجل, فنوح عليه السلام مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى التوحيد, وأنت -يا عبد الله- ابذل من وقتك يسيراً ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] واعلم أن الهداية بيد الله, إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.

    عباد الله! ادعوا إلى الله, ادعوا إلى سبيل الله بقصد النصيحة لله ولعباد الله, بقصد الدعوة والإرشاد.

    أيها المسلمون! إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على هذه الأمة الإسلامية التي هي أفضل الأمم وأكرمها على الله إن استقامت على دين الله عز وجل, ومصداق ذلك قول الله جل وعلا: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:104-105].

    أمة الإسلام! إنكم إن قمتم بهذا الذي أمركم الله به كنتم خير أمة أخرجت للناس, كما قال الله تعالى في محكم البيان, وإن تركتم ذلك لعنتم كما لعنت بنو إسرائيل, وكنتم من شرار الأمم, إنه لا نسب بين الله وبين عباده, ولكن من اتقاه فهو الكريم عنده وأكرم الناس عند الله أتقاهم لله.

    أيها المسلمون! إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقتصر على فئة معينة من الناس, بل هو واجب على الناس جميعاً, كما أخبر بذلك الناصح الأمين محمد صلى الله عليه وسلم، حيث قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان).

    عبد الله! ليس لك حجة أن تقول: لا عليّ من فلان..! أو لست مكلفاً بفلان..! لا. هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلفك بهذه المسئولية ويقول: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان).

    البعض من الناس يظن أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص بفئة من الناس, وهذا ظن فاسد، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من رأى منكم منكراً) وهذا عام لكل من رأى المنكر فيجب أن يغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه بالكلام والنصح والإرشاد, أو الكلام مع ولاة الأمور إن لم ينفع الكلام مع المنصوح, وكل واحد منا يستطيع أن يتكلم مع المسئولين في منع المنكر, في لين وعطف ورحمة, ويجب على المسئولين إذا بلغهم أن يقوموا بما أوجب الله عليهم من الإصلاح, وأن يجتمعوا على ذلك لينالوا الفوز والفلاح.

    إن علينا جميعاً أن نترك الدعة والسكون, وأن نقوم لله مخلصين له الدين, ونبدأ أولاً بأنفسنا وأهلينا وأولادنا ومن تحت أيدينا, ومن جاورنا, وكذلك الزملاء والأصدقاء، ينبغي علينا جميعاً أن نكون دعاة خير ندعو إلى الله على بصيرة, وتكون الهمة هي إخراج الناس من الظلمات إلى النور, من ظلمات الجهل والمعاصي إلى نور الحق.

    عباد الله! الله الله بهذه المسئولية العظيمة -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- التي جاء بها الإسلام وحثكم عليها, وإذا لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر وانغمستم في الترف, وكفرتم بنعم الله, فاسمعوا قول الله عز وجل: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً [الإسراء:16] ويقول ربنا أيضاً: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام:44].

    اللهم إنا نعوذ بك من عذابك ونقمتك, اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء, ودرك الشقاء، وسوء القضاء, وشماتة الأعداء, اللهم إنا نعوذ بك من زوال النعمة, ومن تحول العافية، ومن فجاءة النقمة, ونعوذ بك اللهم من جميع سخطك, اللهم أرشدنا وهيئ لنا الخير, واجمع كلمتنا على الحق, اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك, ويذل فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيها عن المنكر إنك على كل شيء قدير, وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحرص على وحدة الأمة

    الحمد لله أمر بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم, ورتَّب على طاعته وعلى طاعة رسوله أجراً عظيماً, ونهى عن معصيته ومعصية رسوله, ورتَّب على من ارتكب ذلك أن يعاقبه بما يستحق من العقوبة في الدنيا وفي الآخرة, أحمده وأشكره الذي لم يتركنا هملاً, ولم يخلقنا عبثاً, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق على الإطلاق في الدعوة والإرشاد والتوجيه, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد الناصح الأمين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم في هديهم وفي دعوتهم إلى يوم الدين, وسلِّم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الناس! اتقوا الله عز وجل, مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر, حافظوا على حدود الله، تمسكوا بالأخلاق القيمة, والآداب الجميلة, قوموا بأوامر الله, وانتهوا عما نهاكم عنه, واتحدوا ولا تفرقوا.

    واعلموا أن الأمة لا يمكن أن تكون أمة قوية مرموقة حتى تتحد في أهدافها وأعمالها، ولن يمكنها ذلك حتى تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فتكون على دين واحد في العقيدة والقول والعمل, وتنهج صراطاً مستقيماً, صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض, أما إذا لم يحب البعض البعض الآخر, ولم ينصح البعض البعض الآخر, فإن الأمة سوف تتفكك وتنفصم عراها, ويكون لكل واحد منهم هدف, ولكل واحد منهم طريق وعمل, عند ذلك يتفرقون أحزاباً وشيعاً يتيهون في متاهات الضلال, نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

    أيها المسلمون! إذا لم تقم الأمة بأمر الله وتسعى في إصلاح المجتمع بالالتزام بدين الله عز وجل, فمن الذي يقوم ويسعى في ذلك؟! وإذا لم نتكاتف على منع الشر والفساد فكلنا هالك.

    عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعذيراً, فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون جليسه وأكيله, فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض, ولعنهم على ألسنة أنبيائهم ثم قال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة:78] ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، ولتأخذنَّ على يد الظالم, ولتأطرنَّه على الحق أطراً, أو ليضربنَّ الله قلوب بعضكم ببعض, ثم يلعنكم كما لعنهم) نعوذ بالله من لعنة الله!

    عباد الله! الله الله استيقظوا من رقدتكم, واحذروا من أعداء الإسلام في كل مجال يرسلونه لكم, وكونوا على حذر منهم, فإن المؤمن ينظر بنور الله, فاحذروا من دسائس أعداء الإسلام, واعتبروا يا أولي الألباب بالمجاورين, وبما حلَّ بهم من العقوبات والنقمات, والأمراض والأوبئة التي لم يجدوا لها دواءً ولا حول ولا قوة إلا بالله! ولعل بعضها تسرب إلينا من الذين ذهبوا إليهم واجتلبوا لنا تلك الأمراض الخطيرة, التي لا علاج لها إلا التوبة إلى الله عز وجل, والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله, فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

    واعلموا أن أصدق الحديث كلام الله, وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثةٍ بدعة, وكل بدعةٍ ضلالة, وكل ضلالةٍ في النار.

    عباد الله! عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ومن شذَّ شذَّ في النار, احذروا من التفرق, واعلموا أن الذئب يأكل من الغنم القاصية.

    وصلوا على الناصح الأمين رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بلّغ البلاغ المبين, وترككم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها, فقد أمركم الله جل وعلا أن تصلوا عليه فقال قولاً كريماً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56], ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً).

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين, وعن التابعين لهم بإحسان إلى الدين.

    عباد الله! هناك ملحوظة يذكر لي بعض الناس: أنه استفتى بعض الجهال, فقال: إن عليّ صوم من رمضان السابق فهل أقضيه في شعبان؟ فقال له: لا يجوز لك أن تقضيه في شعبان, وهذه فتوىً جاهلية! سوف يسأل عنها هذا الجاهل؛ لأنه لم يعذر لأنه في بلاد الإسلام, وفي بلاد العلماء, فكيف له أن يتفوه بهذه الفتوى؟! حسبنا الله ونعم الوكيل, ولو كان عالماً لطالبناه بالدليل, ولكنه جاهل, وإذا خاطبكم الجاهلون فقولوا: سلاماً.

    أما يا أخي إذا كان عليك قضاء من رمضان وأردت أن تصومه في شعبان فإنه يلزمك أن تبادر بقضاء هذا الدين الذي عليك, فإن عائشة رضي الله عنها كانت تقضي صومها في شعبان, وهي أم المؤمنين رضي الله عنها التي تربت في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولو كان لا يجوز القضاء في شعبان لنهاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المشرِّع, فلا ينبغي لأحد أن يفتي بغير علم, قال بعض السلف الصالح: إن أجرأكم على النار أجرأكم على الفتوى, فليحذر الذين يفتون بغير علم, فليحذروا من الوقوف بين يدي الله عز وجل, وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

    أيها الإخوان! من كان عليه صوم من رمضان فيلقضه -فإنه دين عليه- في كل شهور السنة لا فرق بينها, سواء كان في محرم أو شعبان أو غيره من الشهور؛ لأن عائشة كان يكون عليها القضاء فتقضيه في شعبان.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, ودمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين في كل مكان, اللهم خُذهم أخذ عزيز مقتدر, اللهم خُصّهم بذنبهم ولا تعمَّ معهم يا حي يا قيوم, اللهم إننا نشهدك أننا نبغض العصاة ونبغض أهل المنكرات, اللهم من كان في سابق علمك هدايته فاهده, ومن كان في سابق علمك أنه ضال مضل فخذه أخذ عزيز مقتدر, ولا تعمَّ بعقابه أحداً من عبادك يا رب العالمين.

    اللهم أيقظنا من رقدتنا, ووفقنا لاغتنام أوقات المهلة, واجعلنا هداة مهتدين, اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين أجمعين, اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين, اللهم قيّض لهم العلماء الناصحين والعلماء العاملين, الورعين الذين لا يخافون في الله لومة لائم, اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا, واجعلنا هداة مهتدين.

    اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أرنا وولاة أمورنا الحق حقاً وارزقنا وإياهم اتباعه, وأرنا وولاة أمورنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, إنك على كل شيء قدير.

    اللهم اجمعنا ووالدينا ووالد والدينا وجميع المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات في جنات الفردوس الأعلى, واغفر لنا ذنوبنا, وتجاوز عن سيئاتنا, واستر عيوبنا, وتوفّنا وأنت راض عنا غير غضبان.

    عباد الله! إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.