إسلام ويب

ابتلاءات إبراهيمللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المؤمن لا بد له من ابتلاء واختبار، وقدوتنا في ذلك الأنبياء، فهذا خليل الله يدعو قومه لعبادة الله عز وجلَّ، وينكر عليهم عبادة الأصنام، فيواجه قومه وحده، فيقذفون به في النار، ولكن الله يقول للنار: ( كُونِي بَرْداً وَسَلاماً )؛

    ويؤمر بذبح ابنه الوحيد فيقبل أمر الله، ويكرمه الله هو وابنه بالفداء، ويجعله الله إماماً للعالمين.

    1.   

    قصة إبراهيم مع قومه

    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الفضل والامتنان والإحسان, وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أفضل من قام بشرائع الإسلام، وأفضل من حقق الإيمان، صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    أيها الناس: اتقوا الله عز وجلَّ واعرفوا أنبياء الله ورسله عليهم أفضل الصلاة والسلام, وفي مقدمتهم: أبوكم إبراهيم عليه السلام؛ فإنه من أولي العزم عليه أفضل الصلاة والسلام وقد حصل له من الابتلاء والامتحان ما ظهر به صدقه وإيمانه بالله رب العالمين، فقد جاهد في الله حق الجهاد.

    إبراهيم ينكر على قومه عبادة الأصنام

    ففي أول أمره عليه أفضل الصلاة والسلام لما عرف الله حق المعرفة, وعرف أن قومه على غير حق, وأنهم ضالون بعبادتهم الأوثان من دون الله, عزم وشمَّر عن ساعديه مستعيناً بالله الحي القيوم على تدمير الأصنام التي يعبدونها من دون الله.

    إبراهيم فرد واحد قام بأمر عظيم بإنكار المنكر وهو: تكسير الأصنام التي يعبدها قومه من دون الله, فوثب عليه قومه وصارت المخاصمة والمناظرة بينه وبين القوم، ولكن الله عز وجلَّ أخبر أنه ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا, فكل من قام بأمر من أمور الله، يريد بذلك إعلاء كلمة الله, ونصرة دين الله؛ فإن الله ينصره لا محالة؛ لأن الله جلَّ وعلا لا يخلف الميعاد.

    إبراهيم يقذف في النار

    لقد نصر الله إبراهيم -عليه السلام- بحجته الظاهرة، فلجأ القوم ينصروا ما هم عليه من السفه والطغيان فكادهم رب العالمين جلَّ جلَّاله, وأعلى كلمته ودينه وبرهانه, كما قال تعالى: قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمْ الأَخْسَرِينَ [الأنبياء:68-70].

    وذلك أنهم انشغلوا جمع الحطب من جميع ما يمكن من الأماكن لمدة شهر؛ حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت نذرت لئن عوفيت لتحملن حطباً لحرق إبراهيم، ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة, فوضعوا فيها ذلك الحطب، وأضرموا فيها النيران, فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا لها شرر لم ير مثله قط, ثم وضعوا إبراهيم -عليه السلام- في كفة منجنيق صنعه لهم رجلَّ من الأكراد يقال له: هيزل , وكان أول من صنع المنجنيق، فخسف الله به الأرض, فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ثم أخذوا يقيدون إبراهيم عليه السلام ويثبتونه بالحبال وهو في كفة المنجنيق يناجي إله الأولين والآخرين, ويستنصر برب العالمين, "لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الشكر لا شريك لك", هكذا كان نداءه عليه السلام وهم يقيدونه بالحبال ليلقوه في تلك النار العظيمة, فلا يزال أن يقول: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين, لك الحمد ولك الشكر لا شريك لك، فلما ألقوه في النار اتصل بالحي القيوم الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء, قال: "حسبي الله ونعم الوكيل", الكلمة التي قالها رسول الهدى محمد بن عبد الله إيماناً بالله، واقتداءً بالخليل عليه السلام لما قال له الناس: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [آل عمران:173-174].

    فاقتداءً بإبراهيم عليه السلام قالها محمد صلى الله عليه وسلم, فإبراهيم عليه السلام، قال: حسبي الله ونعم الوكيل، قال بعض السلف: "عرض جبريل لإبراهيم وهو في الهواء فقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ -يقولها جبريل الذي له ستمائة جناح أعظم الملائكة خلقاً, يقول له الروح الأمين: ألك حاجة يا إبراهيم؟- فقال: أما إليك فلا. حسبي الله ونعم الوكيل.

    قال ابن عباس رضي الله عنها: [[إن ملك المطر قال: متى أؤمر فأرسل المطر ليطفئ النار عن إبراهيم]], ولكن أرحم الراحمين، إله الأولين والآخرين، الذي بيده أزمّة الأمور، الذي إذا قال للشيء: "كن" فيكون، قال: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] صدر المرسوم الملكي الذي لا يعارض ولا ينازع: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] التوقيع من جبار السماوات والأرض, فخمدت تلك النار, يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تفسير هذه الآية: [[أي: لا تضريه]] وقال بعض المفسرين: لولا أن الجبار جلَّ وعلا قال: وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] لآذى إبراهيم بردها.

    بعد هذا المرسوم الكريم: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] كيف صار إبراهيم؟ صار إبراهيم في مثل: الجوبة، حوله الناس وهو في روضة خضراء, والناس ينظرون إليه لا يستطيعون الوصول إليه وهو لا يخرج إليهم.

    ويروى أن الطاغية الخبيث أبو إبراهيم لما نظر إلى إبراهيم في تلك الروضة، قال: نِعَمْ الرب ربك يا إبراهيم.

    ويُروى أن إبراهيم عليه السلام مكث في المكان الذي ألقي فيه أربعين أو خمسين يوماً، فإنه قال: ما كانت أياماً وليالي أطيب عيشاً إذ كنت فيها، وددت أن عيشتي وحياتي كلها مثل ذلك إذ كنت فيها.

    هذا إبراهيم عليه السلام نصره الله، إبراهيم فرد، قام بأمر الله فنصره الله, فما بالكم بملايين المسلمين واليهود يعيثون فساداً في مقدسات الله؟!

    الشيوعية تعيث فساداً في أنف المسلمين، والنصرانية تعيث فساداً في ديار المسلمين, وأهل البدع يعيثون فساداً في بلاد المسلمين، والمسلمون وهم يُعدُّون بالملايين, وإبراهيم واحد قام بأمر الله عز وجلَّ؛ ولكن الله لا يخلف وعده, فمن صدق مع الله وأخلص النية لله, فإن الله قد أصدر مرسوماً ملكياً يقرأ منذ أربعة عشر قرناً: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [غافر:51].

    1.   

    قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل

    هاجر إبراهيم -عليه السلام- لما غير المنكر، وكسَّر الأصنام، وأثابه الله بمثوبة عظيمة ظهرت على رءوس الأشهاد، وهي: إطفاء النار التي يوقدونها شهراً ولم يستطيعوا هم بأنفسهم أن يضعوه فيها إلا بواسطة المنجنيق؛ فأطفأها الله عز وجلَّ, وهاجر إبراهيم من بلاد قومه، وبنى البيت العتيق هو وإسماعيل عليهما السلام، حتى صار البيت العتيق مأوى يأوي إليه الناس, تلبية لنداء إبراهيم حيث أمره الله: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [الحج:27] هكذا... من قام لله وقام بأمر الله بصدق وإخلاص.

    إبراهيم يؤمر بذبح إسماعيل

    لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه جلَّ وعلا أن يهب له ولداً صالحاً, فبشَّره الله تعالى بغلام حليم، وهو: إسماعيل عليه السلام, وهو أول ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمره.

    فلما بلغ معه السعي -أي: شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه- رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا -أي: إسماعيل- ورؤيا الأنبياء وحي، وهذا اختبار من الله عَزَّ وَجلَّ، الله أكبر!! سبحانك وبحمدك لا إله إلا الله اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124]! إنه يأمره بذبح ولده، وفلذة كبده إسماعيل الذي أتاه في تأخر من عمره، وهذا -كما قلت- اختبارٌ من الله عز وجلَّ لخليله بأن يذبح هذا الولد العزيز، الذي جاءه على كبر في السن! هل مانع إبراهيم؟

    لا. إنما امتثل أمر الله -عز وجلَّ- في ذلك, وسارع إلى طاعة مولاه.

    عرض ذلك على ولده إسماعيل ليكون أطيب لقلبه، وأهون عليه من أن يأخذه قسراً ويذبحه قهراً: قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102] ابتلاء عظيم!! ابن ليس له غيره من الأبناء, وشب وترعرع وصار في طاعته, ثم أمر بذبحه إنها كبيرة جداً على النفس يا عباد الله! ولكن لا بد من طاعة المولى جلَّ وعلا، قال: قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ [الصافات:102] لا إله إلا الله! رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ [الفرقان:74] ما أحلى الأولاد البارين! ما أحلى الأولاد الطائعين! رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].. قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102] فبادر الغلام الحليم والده الخليل: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ [الصافات:102].

    عباد الله! هذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد, قال الله تعالى: {لا إله إلا الله العظيم الحليم} هذا دعاء الكرب الذي أخبر به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ينبغي لكل مسلم إذا أصابته كربة أن يلجأ إلى الحي القيوم, مفرج الكربات, ومغيث اللهفات, وقاضي الحاجات, ومغني الفاقات, إله الأولين والآخرين, الذي إذا قال للشيء: كن فيكون.

    نبينا محمد صلى الله عليه وسلم علَّمنا دعاء الكرب، قال: {إذا أصاب أحدكم الكرب فليقل: لا إله إلا الله العظيم الحليم, لا إله إلا الله رب العرش العظيم, لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم} فإذا أصاب الإنسان كرب ودعا بهذا الذكر العظيم فإن الله يفرج له.

    الله جلَّ وعلا يفدي إسماعيل بذبح عظيم

    لما امتثل أبونا إبراهيم عليه السلام طاعة الله فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [الصافات:103] ألقاه على وجهه ليذبحه، قال بعض المفسرين: أراد أن يذبحه من قفاه؛ لئلا يشاهده في حال ذبحه, ثم تأخذه رحمة الأب بابنه, وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح، وبقي طرف جنبه لاصق بالأرض, وسمّى إبراهيم، وكبِّر وتشهد الولد للموت, وجعل إبراهيم يمر السكين على حلق إسماعيل, فلم تقطع شيئاً، يقول بعض المفسرين: جعل الله بين السكين والحلق نحاس، أو جعل الله قدرته القادر على كل شيء ألا تضره السكين، فعند ذلك نودي من قبل الله: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا [الصافات:104-105] ارفع ابنك عن الأرض, وارفع السكين عن إسماعيل, فقد حصل المقصود من اختبارك يا إبراهيم, وحصلت طاعتك لرب العالمين, ورأينا مبادرتك لربك يا إبراهيم إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ [الصافات:106] أي: الاختبار الظاهر، ثم قال رب العزة والجلال: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107] أي: جعلنا فداء ذبح ولده إسماعيل ما يسره الله تعالى من العوض وهو كبش أبيض أعلم, أي: عظيم سواد العين أقرن، قال ابن عباس حبر هذه الأمة وترجمان القرآن: [[كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفاً]].

    فإبراهيم عليه السلام لطاعته لله، وامتثال أوامره، سمَّاه الله عز وجلَّ: أمة؛ فقال جلَّ من قائل عليماً: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [النحل:120] وكذلك يبعثه الله تعالى يوم القيامة أمة واحدة.

    فاتقوا الله -يا عباد الله!- واشكروا الله على نعمة الإسلام, واشكروه على ما أنعم عليكم من هذه النعمة العظيمة أن جعلكم من خير أمة أخرجت للناس, وجعلكم من الأمة الإسلامية التي بعث فيها محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    وقفة مع الأضحية

    عباد الله: اشكروا الله على نعمه، ثم على مشروعية الأضاحي التي تتقربون بها إلى ربكم, وتنفقون بها نفائس أموالكم, فإن هذه الأضاحي سنة أبيكم إبراهيم ونبيكم محمد صلى الله عليه وسلم, وإن لكم بكل شعرة فضل عظيم, إن لكم بكل شعرة حسنة, وبكل صوفة حسنة, يقول صلى الله عليه وسلم: (ما عمل ابن آدم يوم النحر عملاً أحب إلى الله من إراقة دم، وإنها لتأتي يوم القيامة بأظلافها وقرونها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض تطيب بها نفساً).

    حكم الأضحية

    اعلموا -أيها المسلمون- أن بذل الدراهم بالأضحية وشرائها أفضل من الصدقة بها, والأضحية سنة مؤكدة لمن يقدر عليها, قال بعض العلماء: إنها واجبة على الأغنياء, فضحّوا عن أنفسكم وأهليكم وأولادكم والوالدين, ليحصل الأجر العظيم للجميع، والبعض من الناس يظن أن الأضحية للأموات فقط بل للإحياء، فقد أوتي محمد صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين، فقال: {اللهم هذا عن محمد وآل محمد، وهذا عمن لم يُضحِ من أمة محمد} فالذي لا يستطيع على الأضحية يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضحَّى عنه, وهذا عن من لم يستطيع أن يضحي من أمة محمد، أو كما جاء في الحديث الصحيح.

    واعلموا أن الأضحية تكفي للبيت الواحد عن الوالد وأولاده وأهل بيته، وفضل الله واسع, إلا إذا كانت وصية فإنها لصاحبها الذي وصى بها, كما نص في وصيته التي وصى بها.

    شروط الأضحية

    والأضحية تكون من بهيمة الأنعام، إما من الإبل أو البقر أو الضأن أو الماعز ولا تجزئ إلا بشرطين:

    أولاً: أن تبلغ السن المعتبر شرعاً.

    ثانياً: أن تكون سليمة من العيوب التي تمنع الإجزاء, فأما السن ففي الإبل خمس سنين, وفي البقر سنتان, وفي المعز سنة, وفي الضأن ستة أشهر.

    وأما العيوب التي تمنع من الإجزاء فقد بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: {أربع لا تجوز في الأضاحي: العرجاء البين ضلعها, والعوراء البين عورها, والمريضة البين مرضها, والعجفاء التي لا تنقى} فهذه هي العيوب التي تمنع من الإجزاء.

    زمن ذبح الأضحية

    عباد الله! من كان منكم يُحسِن الذبح فليذبح أضحيته بيده، فقد ذبح أفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة, ومن كان لا يحسن فليحضر عند ذبحها فذلك أفضل.

    واحذروا أن تذبحوا قبل الوقت المحدد للتضحية شرعاً, فالوقت هو من بعد الفراغ من صلاة العيد، والأفضل أن ينتظر حتى يفرغ الإمام من الخطبتين، وينتهي وقت الذبح بغروب الشمس من اليوم الثالث بعد العيد.

    فأيام الذبح أربعة: العيد, وثلاثة أيام بعده, والذبح في النهار أفضل, ويجوز الذبح في الليل, ويسميها عند الذبح, فإن التسمية شرط عند الذبح, فمن لم يقل: باسم الله متعمداً على ذبيحته -أي: لم يسمِ- فهي ميتة نجسة حرام أكلها, أما الذي ينسى فقد قال جلَّ وعلا: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286] قال صلى الله عليه وسلم: {عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان}.

    عباد الله! اذبحوا برفق, وحدُّوا السكين, ولا تحدوها وهي تنظر, ولا تذبحوها وأختها تنظر إليها, ولا تسلخوها أو تكسروا رقبتها قبل أن تموت, وكلوا من الأضاحي، واهدوا وتصدقوا, ولا تعطوا الجزار أجرته منها, بل أعطوه أجرة وأعطوه صدقة إن كان فقيراً.

    اللهم وفقنا لفعل الخيرات, واجتناب المنكرات واجعلنا هداةً مهتدين, مقتدين بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، غير ضالين ولا مبتدعين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    فضل الأيام العشر من ذي الحجة

    الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعــد:

    أيها الناس! اتقوا الله عز وجلَّ, وشمروا لطلب الخيرات قبل فواتها, واغتنموا الأعمال الصالحات في أوقاتها, فمنها الأيام المفضلات المخصوصة بالتشريع في محكم الآيات, وهن الأيام المعلومات أيام عشر من ذي الحجة التي فرط الكثير فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله! فلا نسمع التكبير امتثالاً بسلفنا الصالح؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون!

    أميتت هذه السنة ولا حول ولا قوة إلا بالله! البعض يرى أن التكبير والتهليل عيب ونقيصة, وهو -والله- فضيلة ورفعة, وأجر من رب العالمين وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    عباد الله! في هذه الأيام اليوم التاسع المخصوص بالفضل العظيم، والمقسم به في القرآن العظيم وهو يوم عرفة, فاغتنموا فضله, واحذروا الموانع والقواطع من الذنوب, يقول صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة, وخير ما قلت أنا والنبيون قبلي يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما رؤي الشيطان أصغر ولا أدحر ولا أغيظ منه يوم عرفة) لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الرب عن الذنوب العظام, وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيده من النار من يوم عرفة).

    وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم على صيام يوم عرفة وذلك لغير الحاج, فقال صلى الله عليه وسلم: (صيام يوم عرفة احتسبوا على الله أن يُكِّفر السنة الماضية والسنة الآتية) وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينـزل الله تعالى إلى السماء الدنيا عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة, فيقول: هؤلاء عبادي أتوني شعثاً غبراً من كل فج عميق, يرجون مغفرتي، فلو كانت ذنوبهم عدد الرمل لغفرتها، ثم يقال لهم: أفيضوا مغفوراً لكم ولمن شفعتم فيه).

    فاجتهدوا -عباد الله- بالأعمال الصالحة، وارفعوا أصواتكم بالتكبير في كل مكان: في الأسواق, والمساجد, وفي المجتمعات, وفي البيوت, وأكثروا من قراءة القرآن, ومن التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير, ومن الصدقات, واستيقظوا -يا عباد الله- من رقدتكم قبل أن تفوتكم أيام الخيرات, وقبل أن ترتهنوا في حفركم، وقبل أن توضعوا في القبور, فيتمنى الواحد منا أن يقول: لا إله إلا الله أو يقول: سبحان الله, أو الحمد لله, وقبل أن يتمنى الواحد منا أن يصلي ركعتين ولا يحصل له ذلك, فقد ارتهن بعمله، وصفت عليه اللبنات، وحث عليه التراب إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ثم يقوم لرب العالمين.

    عباد الله! صلوا على رسول الله، امتثالاً لأمر الله؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم: (من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشراً) , وربنا جلَّ وعلا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي , وعن سائر أصحابه أجمعين وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، أن تعز الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل, اللهم وحد صفوفهم, واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره, واجعل تدبيره تدميراً له يا سميع الدعاء.

    1.   

    عواقب معصية الله

    حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار, وقالها محمد صلى الله عليه وسلم, ونقولها نحن عندما نتوعد بـأمريكا والاتحاد السوفيتي وجميع الدول الخبيثة نقول: حسبنا الله ونعم الوكيل.

    واعلموا -يا عباد الله- أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروكم بشر لم يضروكم إلا بشيء قد كتبه الله لكم، ولو اجتمعوا على أن ينفعوكم بخير لم ينفعوكم إلا بخير قد كتبه الله لكم.

    عباد الله: قووا إيمانكم بالله, لقد شاب كثير من الشباب, لماذا؟! لما يسمع جاءتك أمريكا , جاءك الاتحاد السوفيتي , جاء كذا وكذا.., ونسي الله عز وجلَّ الذي نصر إبراهيم -واحد- عليه السلام قام بأمر الله ونصره الله نصراً مؤزراً, ونصر محمداً صلى الله عليه وسلم وهذا من الله: إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [غافر:51].

    عباد الله! اصدقوا مع الله, قوموا مع الله, وحدوا الله, توبوا إلى الله, بيوت الله تكاد أن تخلى من المسلمين فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    نعم -يا عباد الله- والله ثم والله أن مسجدنا هذا في رمضان أكثر من عشرة صفوف, والآن لا يتم الصفين في صلاة الفجر فإنا لله وإنا إليه راجعون! والله إنها مصيبة عظمى أصيب بها المسلمون.

    نعم -يا عبد الله- لو كان للإنسان وعد لفزع وقام مذعوراً أما منادي الله: حي على الصلاة, حي على الفلاح, الصلاة خير من النوم, يضع الغطاء ويطيل على المكيف وينام تحته متناسياً لأمر الله عز وجلَّ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [التوبة:67] نعم. سوف يحصل عندنا الذعر والخوف من أعداء الله؛ لأنه ورد في الحديث القدسي: (من عصاني وهو يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني).

    نعم -يا عباد الله- المسلمون لن ينتصر عليهم أعداء الإسلام, ولن يقدروا عليهم إلا إذا نسي المسلمون ربهم وتركوا دينهم فإن الله يسلطهم عليهم بذنوبهم.

    من أسباب الهزيمة المعصية

    في غزوة أحد نصر الله رسوله في أول الأمر وقال للرماة: لا تبرحوا مكانكم سواء انتصرنا أم لم ننتصر, ولكنهم لما عصوا رسول الله وجاءوا يأخذون معهم الغنائم, كرّ عليهم العدو وفتك بالمسلمين فتكاً عظيماً, بمعصية قليلة انهزم المسلمون وكادوا يقتلون رسول الله صلى الله عليه وسلم, ألقوه في الحفرة وأدموا وجنتيه وكسروا رباعيته صلى الله عليه وسلم, بسبب معصية خالف بها بعض الصحابة رضي الله عنه فكيف الآن بالمسلمين؟ ترك البعض الصلاة -والعياذ بالله- والكثير منهم لم يعرف الصلاة إلا في رمضان, الكثير من شباب الإسلام لا يعرف الصلاة -والعياذ بالله- ولا يعرفون أموراً عظيمة قد تركوها, فوالله لن يؤتى المسلمون إلا من قبل أنفسهم، إن أتاهم آت فإنما يؤتون من قبل أنفسهم وبسبب معاصيهم لله عز وجلَّ.

    إذا لم يتوبوا ويرجعوا إلى الله فإن الله يغار، يا عباد الله! إن الله ليس بغافل, إن الله مطلع على السرائر ويعلم ما في الضمائر.

    فعلينا -يا عباد الله- أن نتوب إلى الله قبل أن يحل بنا ما حل بالمجاورين, ليس بين الله وبين خلقه نسباً, انظروا إلى المجاورين بعدما كانوا في جنات ونهر, وفي ثمار وفي نعمة ورغد عيش, الآن انظروا إليهم ماذا يعملون يأكلون الخشاش -والعياذ بالله- ويأكلون القطط، يأكلون الكلاب، تدوسهم الأعداء بالأحذية لماذا؟! لأنهم عصوا رب العالمين وخالفوا أمره والله لا يخلف الميعاد.

    أسأل الله بمنِّه وكرمه أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه, وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه, وأسأل الله عز وجلَّ أن يصلح قادة المسلمين، أسأل الله أن يرزقهم الجلساء الصالحين، أسأل الله أن يرزقهم البطانة الصالحة التي تحثهم على الخير وتأمرهم به وتعينهم عليه.

    أسأل الله عز وجلَّ أن يقوي شجرة الإيمان في قلوبنا حتى نغار, وحتى نأمر بالمعروف, وحتى ننهى عن المنكر, وحتى نكون كما أراد الله قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].

    اللهم قوي إيماننا بك, وبملائكتك, وبكتبك, وبرسلك, وباليوم الآخر, وبالقدر خيره وشره، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا واجعلنا هداة مهتدين يا رب العالمين.

    عباد الله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا [النحل:90-91] واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على وافر نعمه يزدكم, لا تكفروا النعمة يا عباد الله, احذروا من كفران النعمة, احذروا من المعاصي فإنها تجلب النقم وتزيل النعم, احذروا ثم احذروا! قبل أن يحل بكم ما حل بمجاوريكم, واجعلوا هذه العبارة بين أعينكم وارسموها في جدران قلوبكم, احذروا ثم احذروا! لا يصيبكم ما أصاب المجاورين من زوال النعم ومن دوس الأعداء ومن فتكهم, ومن انتصارهم, ارجعوا إلى ربكم, توبوا إلى ربكم, أقلعوا عما أنتم فيه يا عباد الله.

    أسأل الله أن يرزقني وإياكم التوبة النصوح, وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.