إسلام ويب

احذر عقوق الوالدينللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن حق الوالدين عظيم، ولذلك قرن الله سبحانه وتعالى طاعته بطاعتهما، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم طاعتهما على الجهاد في سبيل الله.وذلك لما قاما به من عظيم الرعاية وكبير المشقة، وقد تفشت في هذا العصر ظاهرة العقوق وهي المؤذنة بتفكك المجتمع وانحلال روابطه، كما أنها مجلبة لسخط الله وعقابه.

    1.   

    طاعة الوالدين طاعة لله

    الحمد لله الذي بيده الفضل ومنه الإحسان، والمعروف منذ القدم بالجود والكرم، لا إله غيره، ولا رب لنا سواه، أحمده سبحانه وأشكره، سخر لنا الوالدين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بطاعة الوالدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، حذر عن عقوق الوالدين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا أيها الناس: اتقوا لله عزَّ وجلَّ وأطيعوه، ومن طاعته الإحسان إلى الوالدين، فالله سبحانه وتعالى عظَّم حق الوالدين، فقرن حقهما مع حقه، وقرن شكرهما مع شكره، فيا له من أمر عظيم! ويا له من حق كبير! فاسمعوا إلى المولى جل وعلا وهو يقرر ذلك بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23].

    (وقضى) أي: وصَّى ربك جل وعلا وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:23-24].

    ويقول الله جل وعلا: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14].

    ويُروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين.

    سأل ابن مسعود رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة لوقتها، قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله).

    وقال ابن عباس رضي الله عنهما: [[ثلاث آياتٍ نزلت مقرونة بثلاث، لا تُقبل منها واحدة بغير قرينتها:

    إحداها: قول الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59] فمن أطاع الله ولَمْ يُطعِ الرسول لَمْ يُقبل منه.

    ثانيها: قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] فمن صلى ولَمْ يُزَكِّ لَمْ يُقبل منه.

    ثالثها: قوله تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ [لقمان:14] فمن شكر الله ولَمْ يشكر والديه لَمْ يُقبل منه]].

    1.   

    حقوق الوالدين

    أيها المسلمون: لنعرف حق الوالدين؛ فإن حقهما عظيم، وأمره خطير، وإن من حقوقهما: الحنو والشفقة عليهما، والتلطف لهما، ومعاملتهما معاملة الشاكر لِمَن أنعم عليه، على أن الفضل للمتقدم.

    أيها المسلم: يا من تحب أن تجزى بالإحسان إحساناً! عامل والديك بالإحسان والتلطف بهما.

    أيها المسلم: لا تتأفف من شيء تراه، أو تشمه من الوالدين مما يتأذى به الناس، واحذر الضجر والملل! ولا تنغص أو تكدر عليهما بكلام تزجرهما به وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً [الإسراء:23] أي: حسناً طيباً مقروناً بالاحترام والتقدير، فلا ترفع عليهما صوتك، وتذكر عندما كنت طفلاً صغيراً، ماذا حصل لك من الرعاية والعطف والحنان.

    واسمع عِظَم هذا الحديث:

    (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه بالجهاد في سبيل الله معه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) رواه: البخاري ، ومسلم ، فيا له من حق عظيم للوالدين!

    ومما ورد في الحث على بر الوالدين: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! إني أشتهي الجهاد في سبيل الله، ولا أقدر عليه، فقال له صلى الله عليه وسلم: (هل بقي من والديك أحد؟ قال: أمي، قال: قابل الله في برها، فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد).

    قال طلحة بن معاوية السلمي رضي الله عنه: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: (يا رسول الله! إني أريد الجهاد في سبيل الله، قال: أمك حية؟ قلت: نعم، قال: الزم رجليها، فثمَّ الجنة).

    وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك).

    نعم. يا عبد الله! للأم ثلاثة حقوق؛ لأنها تنفرد بأشياء كثيرة من المشاق، منها: الحمل، والوضع، والرضاع، وكثرة الشفقة، والخدمة, والحنو، فيا لها من حقوق تحتاج إلى مجازاة! فوالله ثم والله مهما بالغ البار بالوالدين فإنه لم يؤدِّ من الحقوق إلا القليل.

    فيا أيها العاق! يا أيها المضيع لآكد الحقوق بالعقوق! يا من اعتاض بر الوالدين بالعقوق! يا من نسي ما يجب عليه من الحقوق! يا من غفل عما بين يديه! ألم تعلم أن بر الوالدين عليك دين؟! ففكر، ثم فكر هل وفيت بهذا الدين؟ فإنك ستجد غِبَّ ذلك في أولادك.

    فيا أيها العاق! يا من نسي الجميل! هل نسيت حمل أمك في بطنها؟!

    هل نسيت حملك في بطن أمك تسعة أشهر، وكأنها تسع حجج؟!

    هل نسيت ما حصل لأمك من الكرب عند وضعك؟! فقد حصل لها والله ما يذيب المهج.

    هل نسيت الرضاع؟!

    هل نسيت غسلها عنك القذارات؟!

    هل نسيت ذلك السرير الذي في وسط حجرها؟!

    ثم إنها تتعب لراحتك؛ فإن أصابك مرض أو شكاية؛ أظهرت من الأسف فوق النهاية، وأطالت الحزن والبكاء! إنها الأم الحنون، إنها الأم الضعيفة، إنها الأم المسكينة، كم بذلَتْ ما في وسعها لترتاحَ؟! ولو خُيِّرَت بين حياتك وموتها لطلبت حياتك بأعلى صوتها.

    فكم حرمتها لذيذ المنام؟! فسهِّرت والناس نيام، وكم تلذذت برائحة ملابسك عند فقدك؟!

    فيا لها من حقوق قابلتها أيها العاق بالنسيان! أعندما احتاجت إليك جعلتها من أهون الأشياء عليك، نسيتها، وقدمت عليها الأهل والأولاد بالإحسان، وقابلت أياديها بالنسيان؟ وهَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن:60].

    إنها أمك، صَعُبَ عليك أمرُها وهو يسير، فكم طلبت منك حاجة فقابلتها بالامتناع والاعتذار؟! وربما قلت بكل شناعة: اللهم أرحنا من هذه العجوز! أنسيت يا هذا زمن الطفولة والحنان والرضاع؟! كيف قابلت إحسانها بالتقصير، وهجرتها ومالها بعد الله سواك من نصير؟! هل نسيت فزعها عندما يصيبك خوف أو مرض؟! تذكر يا من نسيت الجميل!

    1.   

    صور من عقوق الوالدين

    يا من عق والده وأبعده! تذكر تلك اللحظة عندما بُشِّر أبوك بمجيئك، ضاقت به الأرض بما رَحُبَتْ فَرَحاً بك وسروراً، ثم تذكر كد والدك عليك، لا يهدأ له بال مدى الليالي والأيام، يقتحم الشدائد، ويهيم على وجهه؛ لطلب الرزق لأجلك، وتذكر فرحه عندما يراك وأنت في خيرٍ وعافية، وتذكر دفاعه عنك بيده ولسانه، وتذكر دعاءه لك في أوقات الإجابة، وتذكر لحالته إذا تأخرت عن وقت المجيء والحضور، لا يقر له قرار، ولا يهنأ له عيش حتى يراك، تذكر إذا أقبل أقرانك ولم يرك بينهم.

    فيا أيها العاق! اعرف حق الوالدين هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ [الرحمن:60].

    فحذاري من العقوق يا شباب الإسلام! والله لقد نسمع ما يندى له الجبين، وتضيق به الصدور من بعض ما يحصل من العاقين هداهم الله، فكم من شابٍ قال لأبيه: هذا فرَّاش عندنا، وكم من شابة قالت: هذه خادمة عندنا، يعنون: الأب والأم، فيا لها من مصيبة! والله إن هذا كفران الجميل! أبعد هذا التعب يكونا لك خادماً وخادمة؟!

    أبعد هذا الحنو، والشفقة، والعطف، والحنان، وغسل القاذورات، يكونا عندك خادماً وخادمة؟! فإنا لله وإنا إليه راجعون!

    ومن أكبر المصيبة أن الرجل إذا كَبُر أو المرأة عند بعض الناس، يأخذوهما بكل استخفاف، وبكل استهتار، ثم يضعونها في دار الرعاية، أنسيت العطف والحنان؟! أنسيت الرعاية يا مسكين؟! بأي شيء تقابل به رب العالمين إذا سألك عن حقوق الوالدين؟!!

    اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه.

    اللهم أصلح نياتنا، وذرياتنا، واجعلنا من البارين بوالدينا، ولا تجعلنا من العاقين يا رب العالمين.

    اللهم أصلحنا، وأصلح لنا، واجعلنا هداة مهتدين.

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    أسباب ظاهرة العقوق

    الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأصحابه أجْمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيا أيها الناس: اتقوا الله تعالى، وتدبروا ما جاء في الكتاب والسنة المطهرة، وتمسكوا بهما، فإن الإعراض عنهما يوحي بوخامة العاقبة.

    عباد الله: لقد ظهرت في هذا الزمان موجة قوية من العنف والسخط من بعض أبناء هذا الزمان لآبائهم وأمهاتهم، وعدم الاحترام والتوقير لهما، وما ذاك يا عباد الله! إلا لأننا أعرضنا عن الكتاب والسنة، ففي القرآن والسنة نبأ عظيم، وهو لا شك فيه، أن بر الوالدين فريضة لازمة وواجب محتم، وعقوقهما حرام، وذنب عظيم، وقد جعل الله بر الوالدين قرين توحيده وعبادته، وبيَّن ما يجب لهما، وما لا يحل فعله معهما، فقد قرأتُ عليكم قول الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23].

    عباد الله: بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، واعلموا أن سخط الله في سخط الوالدين، وأن رضاه لا يكون إلا إذا رضي عنكم الوالدان، ولا شيء يزيد في العمر، ويبارك في الرزق مثل بر الوالدين، وصلة الأرحام.

    عباد الله: ورد في الحديث: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر، والعاق لوالديه، والديوث، الذي يُقر الخبث في أهله).

    والله يا إخوان! إن أكثر ما يصدر العقوق من مدمني الخمور والمسكرات والمخدرات، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    فالشاهد من هذا الحديث: أن العاق لا يدخل الجنة، ومن عقَّ والده عقَّه أولاده، وكما تدين تُدان، ولا يُجازى فاعل الشر إلا بمثل فعله وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [الأحقاف:15].

    ويا لطول عنائها في حمله ووضعه!

    فيا عباد الله: يا من تؤمنون بثواب الله وعقابه! هل امتثلتم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات) فشكر المنعم واجب شرعاً وعقلاً، ولله تعالى نعمة الخلق والإيجاد، وللوالدين نعمة الإيلاد، والتربية الصالحة، والعناية التامة بالأولاد.

    وأعظم الناس مِنَّةً، وأكبرهم نعمة على المرء والداه، اللذان تسببا في وجوده بعد الله عزَّ وجلَّ، واعتنيا به منذ أن كان حملاً إلى أن صار بالغاً تاماً يعقل ويفهم، فالأم تحمله تسعة أشهر في بطنها، تعاني به الآلام، ثم تضعه وتقاسي به الأسقام.

    فيا أيها العاق: تُب إلى ربك، ارجع إلى ربك عزَّ وجلَّ، فالأم حنونة، والأب كذلك، عنده من العطف والحنان ما لا يعلمه إلا الله.

    فبادر أيها العاق لبر الوالدين قبل أن يفاجِئَك هادم اللذات، أو قبل أن تُرزق بأولاد فيُعمل بك ما عملت بوالديك.

    وقد روى الإمام مسلم رحمه الله مما يبين لنا من شفقة الأم وعطفه: تقول عائشة رضي الله عنها: [[جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها، فأطعمتها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، ورفعت إلى فيها تمرةً لتأكلها، فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بين ابنتيها]] فأعجب شأنُها عائشة رضي الله عنها، فذكرت الذي صنعت المرأة مع ابنتيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فلذلك يا عباد الله! لما كانت هي رحيمة وشفيقة، كان الله أرحم منها وأوسع فضلاً، فما الذي جازاها به يا عباد الله؟!

    اسمعوا! يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أوجب لها الجنة، أو أعتقها بها من النار) فانظروا يا عباد الله! هذا الجزاء من الله!

    فيا للأسف الشديد! لما يصنع بعض أهل هذا الزمان مع الوالدين -مع التقصير الشديد- من العقوق والتقصير في الواجبات، فإنا لله وإنا إليه راجعون!

    اللهم ردنا إليك رداً جميلاً.

    اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.

    عباد الله! صلوا على الناصح الأمين محمد بن عبد الله؛ امتثالاً لأمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].