إسلام ويب

آفات اللسانللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خطر اللسان لا يخفى، ومصائبه لا تحصى ولا تستقصى، ورب فلتة منه أوردت النار، وأورثت الخسارة والعار والشنار، ولا شيء أولى بالحفاظ عليه من اللسان، والإنسان بأصغريه: قلبه ولسانه.

    1.   

    خطر اللسان

    الحمد لله رب العالمين أحاط بكل شيء علماً, فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء, هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء, أحمده وأستعينه وأستهديه وأستغفره وأتوب إليه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الناس! اتقوا الله عز وجل, فاجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بالحذر من معاصيه ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم, واعلموا أن عليكم رقيباًعليماً, عليماً بكم لا تخفى عليه منكم خافية, ووكّل بكم حفظة قال الله جل وعلا: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [قّ:16-18] ويقول جل وعلا: كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [الانفطار:11-12].

    أيها المسلمون! أيها المؤمنون حقاً! أيها المؤمنون بالله وبرسوله وبكتبه وباليوم الآخر! اعلموا واعملوا, فهذا معاذ بن جبل رضي الله عنه, يسأل نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: ( أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ قال صلى الله عليه وسلم: لقد سألت عن عظيم, وإنه ليسير على من يسره الله عليه, تعبد الله لا تشرك به شيئاً, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت، ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة والصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار -أي: تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار- وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلى قول الحق جل وعلا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16]) فما جزاؤهم؟

    لا يعلم جزاءهم إلا الله حيث قال سبحانه: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

    ثم يستهل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الوصية لـمعاذ ويقول: (ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله, فأخذ بلسانه وقال: كُفَّ عليك هذا), يقول معاذ رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم).

    أمة الإسلام: شاهدنا من هذا الحديث هو قوله صلى الله عليه وسلم: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم).

    أمة الإسلام: هذا توجيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لـمعاذ فحسب؛ بل لكل فرد من الأمة الإسلامية, إذ يرسم فيه الرسول الله صلى الله عليه وسلم طريق السلامة في الحياتين, ويرشد به إلى الفلاح والسعادة في الدارين (كف عليك هذا) ويشير إلى لسانه صلى الله عليه وسلم.

    الاستهزاء بالدين

    أيها المسلمون: كم للسان من عثرات وهفوات محرمة, منها ما يوصل إلى الشرك والكفر والعياذ بالله, ومنها دون ذلك, فالاستهزاء بالله وبدينه وبكتبه وبرسله وبآياته وبعباد الله الصالحين الذين يعبدون ربهم كفر بالله, ومخرج من الإيمان وهو من حصائد اللسان, ألا فليحذر الذين يرمون المتمسكين بالدين بالرجعية, يحذرون من فلتات ألسنتهم التي يطلقونها بدون مبالاة, وبدون أن ينظروا إلى عواقب تلك الكلمات, فكم قالوا للمتدين: هذا رجعي, هذا متزمت, هذا موسوس؛ لأي شيء سموه بهذه الأسماء؟ لأنه صار متمسكاً بدين الله, راجعاً إلى المولى جل وعلا, راجعاً إلى الغفور الرحيم, حافظ على الصلوات، وترك لحيته، ورفع الثوب عن الكعبين, فهل في هذا رجعية؟! هل في هذا تزمت؟! هل في هذا وسوسة يا من تعقلون؟! أنا أجيب عنكم وأقسم بالله ثلاث مرات وأقول: كلا والله, ثم كلا والله, ثم كلا والله؛ بل هذا مطلوب من كل من يؤمن بالله ورسوله, لأن تارك الصلاة كافر, أكفر من اليهود والنصارى, يعتبر مرتداً, يقتل إذا أبى أن يجيب داعي الله مرتداً كافراً, خارجاً من دائرة المسلمين, لا يغسل, ولا يكفن, ولا يصلى عليه, ولا يورث؛ بل ينبذ بعيداً عن بلاد المسلمين, هذا تارك الصلاة.

    وحالق اللحية قد ارتكب محرماً لأن حلق اللحية حرام, أبى الذين يعارضون أم لم يأبوا, عارضوا أم لم يعارضوا, حلق اللحية حرام, بنصوص الكتاب والسنة, أما الكتاب فقوله جل وعلا: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {اعفوا اللحى, أكرموا اللحى, ارخوا اللحى} كل هذا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا واضح من أحاديث الرسول, ومن أراد الزيادة فليرجع إلى صحيح البخاري وصحيح مسلم وكتب أهل السنة يجد فيها أن حلق اللحية حرام في نصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم, من أراد أن ينهي النفس عن الهوى فليرجع إلى الصواب, أما من أراد أن يتمادى ويطغى فموعده يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون.

    وجر الثوب حرام, جر الثوب الذي يعير به المتمسك بدين الله, الذي يرفع الثوب فوق الكعبين يقال له: موسوس, فاعلم يا من تعارض أن جر الثوب حرام، وما أسفل الكعبين ففي النار.

    وبعض الناس يقول: أنا لا أجره خيلاء, أنا أجره وأطول الثوب زينة! نقول له: تعال إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حديث صحيح لا يعارض: {ما أسفل الكعبين ففي النار} وليست النار تأكل الخرق, وإنما تأكل صاحب الخرق, تأكل الذي سحب الثوب والعياذ بالله, تأكل الذي يجر الثوب معصية لله ولرسوله, فلينتبه لذلك من أراد أن يتحرى الصواب ومن أراد أن يجيب داعي الله.

    عباد الله: الحذر الحذر من فلتات اللسان, ويا أيها الشاب المتمسك بدينه, اصبر فإن موعدك إن ثبت على دينك أن يظلك الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله, اصبر على أذى الأب والأم, اصبر على أذى القرابة إن كانوا يعارضونك على ذلك, يقولون لك: موسوس.. ومتزمت.. ومجنون.. ولكن إن ثبت على ذلك فموعدك أن يظلك الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله, الخلائق تحت شمس محرقة في أهوال شداد, يعانون منها يوم القيامة, وأنت إن كنت مطيعاً عابداً لله, فالله يظلك تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله, فعليك أيها الشاب بالتمسك بدينك, والصبر على الأذى، فمن الأسف الشديد ما يصدر من بعض الآباء, يلقبون أولادهم بالمجانين.. وبالموسوسين.. لأنهم تمسكوا بدين الله وابتعدوا عن المنكرات, فلا حول ولا قوة إلا بالله!

    ولقد ورد في الحديث أن الرجل في آخر الزمان يعير بدينه كما تعير الزانية بزناها, وورد في الأثر في آخر الزمان أن المؤمن يكون أذل من الشاة, ورد في آخر الزمان أن المؤمن يمر على القبر ويتمرغ فوقه ويقول: يا ليتني مكانه مما يرى.

    فالتمسك بدين الله يا عباد الله, والقبض على دينكم أيها المسلمون, لا يغرنكم أهل الأهواء, لا يغوينكم شياطين الجن والإنس, الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً.

    الكذب والغيبة

    فالحذر يا عباد الله من فلتات اللسان, ومنها الكذب والغيبة, الغيبة التي صارت فاكهتنا في مجالسنا, نمزق أعراض الآخرين وأولئك يمزقون الأعراض, في المكاتب والمجالس والأسواق, فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    الغيبة التي وصفها الله بأبشع وصف كالذي يأكل لحم أخيه ميتاً, ثم النميمة وهي السعي بين الناس بطريق الإفساد, ويكفي بالنمام أنه لا يدخل الجنة, وفي الحديث: {لا يدخل الجنة نمام}.

    احذروا من فلتات اللسان؛ ومن الفحش والسب واللعن الذي هرم عليه الآن الكبير, وشب عليه الصغير, حتى إن بعض الأطفال إذا اجتهد في اللعنة قال: (يلعن أبوك.. يلعن أمك.. يعلن جدك..!) والأب يتبسم ويضحك -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والأب يفرح لأنه نطق بهذه الكلمة الخبيثة, بل يقول له: أعد يا بني.. ويستبشر بهذه الكلمة الخبيثة.

    كذلك القذف -يا عباد الله- كثيراً ما نسمعه كل هذا من حصائد اللسان: {وهل يكب الناس على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم} صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم, مع الأسف الشديد على آداب الدين وأخلاقه القويمة, لقد شاع في كثير من الناس أخلاق سيئة من حصائد اللسان, فكثير من الناس لا يبالون بالكذب, ولا يهتمون به, ولم يحذروا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يهدي إلى النار, ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً}.

    وبعضهم يصف كذبته بأنها كذبة بيضاء أو كذبة صغيرة, والرسول صلى الله عليه وسلم لما سمع امرأة تنادي طفلاً تقول: هاك.. فقال: {هل أردتي أن تعطيه شيئاً, قالت: نعم تمرة بيدي, قال: لو لم تصدقي لكتبت عليك كذبة} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    الشائعات

    وكثير من الناس يشيعون أشياء بين الناس بمجرد الظنون بغير مبالاة, وربما كانت تلك الشائعات تسيء إلى أحد من المسلمين, وتشوه سمعته وليس لها حقيقة؛ فيبوء بإثم الكذب والعدوان على أخيه المسلم, ويخشى أن يكون ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الرجل يتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار} حللوها يا عباد الله! وما أكثر تلك الكلمات التي يصدرها البعض من الناس, وفي صحيح البخاري رحمه الله عن سمرة بن جندب رضي الله عنه في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وأتاه ملكان فمرّا على رجل مستلق على قفاه, وآخر قائم عليه بكلوب من حديد فإذا هو يأتي إحدى شقي وجهه ويشرشر شدقه, ومنخره وعينيه إلى قفاه, ثم يفعل بالشق الآخر كذلك فما يفرغ منه حتى يعود الجانب الأول صحيحاً, فيرجع إليه ويشرشره كما فعل في المرة الأولى, فقال الملكان للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا الكذاب يكذب الكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق, فيصنع به هكذا إلى يوم القيامة.

    فليحذر الذين ينقلون للناس ما يفكرون به من أوهام لا حقيقة لها, بل ربما يكون في كلامهم إلقاء للعداوة والبغضاء بين المسلمين, وإذا حصل ذلك حصل التفكك للمجتمع, والتفرق للجماعة من أجل أمور وهمية وظنون كاذبة.

    أيها المسلمون: عليكم بالتثبت في الأخبار, والتحري في نقلها, حتى لا تنقلوا إثماً ولا كذباً, فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب} وقوله صلى الله عليه وسلم: (ما يتبين فيها) أي: لا يتثبت ولا يعلم هل هي خير أو شر, ويقول صلى الله عليه وسلم: {كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع}.

    أمة الإسلام: احفظوا ألسنتكم, لا تطلقوا لها العنان فتهلككم وتوردكم الموارد الوخيمة, وإذا أردتم الكلام في شيء فتذكروا كلام الله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] وتذكروا كلام الناصح الأمين محمد صلى الله عليه وسلم: {من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت}.

    ثم اعلموا أنكم محاسبون على كل كلمة تخرج من أفواهكم, فما جوابكم يوم القيامة إذا سؤلتم؟ قال الله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49].

    فاتقوا الله يا عباد الله ونزهوا الألسنة عن كل ما يغضب الله جل وعلا, واشغلوها بذكر الله عز وجل, اشغلوها بقراءة القرآن, اشغلوها بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسيرة صحابته الكرام, اشغلوا ألسنتكم بالنصح لإخوانكم المسلمين, وبالقول السديد امتثالاً لأمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    اللهم وفقنا لصالح الأعمال والأخلاق وأحسنها, واصرف عنا سيئ الأعمال والأخلاق وأبغضها إليك يا رب العالمين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه وتوبوا إليه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    وجوب حفظ اللسان

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضاه, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, أدى الرسالة وبلغ البلاغ المبين، ونصح لأمته صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:

    فيا عباد الله! اتقوا الله عز وجل واحفظوا اللسان من عثراته وزلاته, ورد في الحديث المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان -أي: تذل وتخضع له- وتقول: اتق الله فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا) تلكم الجوارح لها خصومة مع اللسان؛ فاحفظوه يا عباد الله فإنه يوقع في المهالك, ولقد حذره من هو خير منكم, فهذا عمر رضي الله عنه يدخل على أبي بكر الصديق رضي الله عنه يوماً وهو يجذب لسانه بيده فقال له عمر رضي الله عنه: [[مه! يغفر الله لك, فقال أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد]] فأين أنتم من أبي بكر يا معشر المسلمين؟ أين أنتم من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أين أنتم من رجل لو وزن إيمانه بإيمان هذه الأمة لرجح إيمانه بإيمان هذه الأمة, أين أنتم من رجل يخير من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء, ثم هو يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.

    فاتقوا الله يا عباد الله! واستخدموا اللسان فيما يعود عليكم نفعه في الدنيا والآخرة, كذكر الله عز وجل, وقراءة القرآن, والصلاة على رسول الله, وبذل النصيحة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وغير ذلك من أبواب الخير, وألزموه الصمت امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).

    وصلوا على الناصح الأمين امتثالاً لأمر رب العالمين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] ويقول صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً) اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي , وعن سائر أصحاب رسولك أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى الدين, وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, اللهم دمّر أعداء الإسلام وأعداء المسلمين, اللهم اشدد وطأتك عليهم, وارفع عنهم يدك وعافيتك, اللهم مزقهم كل ممزق يا حي يا قيوم, يا ذا الجلال والإكرام, اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا, اللهم ارزقهم الجلساء الصالحين الناصحين, اللهم قيض لهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتعينهم عليه, وتحذرهم من الشر وتبعدهم عنه, إنك على كل شيء قدير.

    اللهم ولِّ على المسلمين الأخيار في مشارق الأرض ومغاربها, اللهم لا تول عليهم الأشرار الذين يسومونهم سوء العذاب, لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التكلان, ولا حول ولا قوة إلا بك.

    اللهم أقر أعيينا بصلاح أولادنا ونسائنا, اللهم اجعلنا وإياهم هداة مهتدين, اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد؛ أنت الغني ونحن الفقراء, أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين, اللهم اسقنا سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا بلاء ولا غرق.

    اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا, ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين, إلهنا من لنا سواك نلتجئ إليه, من لنا غيرك نستغيث به, من رب غيرك نطرق أبوابه, لا إله إلا الله عدد ما مشى فوق الأراضين ودرج, وسبحان الذي بيده مفاتيح الفرج, يا فرجنا إذا غلقت الأبواب, ويا رجائنا إذا انقطعت الأسباب, لا إله إلا أنت سبحانك ولا رب لنا سواك.

    اللهم انشر رحمتك على العباد يا من له الدنيا والآخرة وإليه المآب, تبنا إليك، رجعنا إليك, اللهم اقبل معذرتنا, اللهم اقبل توبتنا, اللهم محص ذنوبنا, اللهم سل سخائم صدورنا، اللهم اجعلنا هداة مهتدين, غير ضالين ولا مضلين, ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    وصلوا على رسول الله وسلموا تسليماً كثيراً.