إسلام ويب

تفسير سورة الفاتحة - (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اشتملت سورة الفاتحة على مقاصد القرآن، ولهذا سميت بـ"أم القرآن" وكان مما اشتملت عليه تعليم المسلم الدعاء لله بأن يهديه الصراط المستقيم، أي الواضح وهو الإسلام، وبينت السورة أن هذا الصراط قد سبق إليه أناس وهم: النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ممن أنعم الله عليهم بنعمة الإيمان، ويقابله الصراط غير المستقيم، وهو صراط المغضوب عليهم والضالين.

    1.   

    مراجعة لما سبق تفسيره من آيات سورة الفاتحة

    الحمد لله، نحمده تعالى، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصِ الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات!

    إننا على عهدنا بسورة الفاتحة، فتح الله لنا ولكم أبواب الخير والهدى، آمين، وقد انتهى بنا الدرس إلى قول الله تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7].

    وأعيد بإيجاز ما سبق أن درسناه؛ تذكيراً للناسين وتعليماً لغير العالمين.

    1.   

    كيفية حمد الله والثناء عليه

    لقد علمنا أن الله عز وجل امتن علينا وتفضل، فله الحمد والمنة إذ أنزل هذه السورة وعلمناها، وقال لنا: قولوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:2-7].

    إذاً: علمنا كيف نحمده ونثني عليه ونمجده؛ لأن الله أهل لذلك، كيف وهو رب العالمين، وهو الرحمن الرحيم، وهو المالك ليوم الدين.

    كما علَّمنا الله كيف نتملقه، ونتزلف إليه، ونقول في صدق: إِيَّاكَ نَعْبُدُ [الفاتحة:5]، أي: لا نعبد إلا أنت، ونحن عابدون لك، ولا نعبد معك سواك، وبك نستعين فلا نطلب العون من غيرك؛ إذ لا يعين إلا أنت، فأنت وحدك المعين.

    وقد علمنا حديث معاذ كيف نسأله تعالى دبر كل صلاة: ( اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ). ومن لم يعنه الله ما وصل أبداً، ولا فاز، ولا عمل، ولا نجح، وإننا مفتقرون إلى عونه؛ إذ هو الذي يصرف الموانع، وهو الذي يسبب الأسباب، وهو الذي يهدي إليها، ويسوق عبده حتى يقوم بعمله على الوجه المطلوب، فينجح فيه، ويكسب زكاة نفسه، وطهارة روحه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم)

    قال تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] علمنا كيف نطلبه أن يهدينا، يرشدنا، يدلنا، يصل بنا إلى الصراط المستقيم، الذي من سلكه واستقام عليه نجح، وفاز، ونجا من النار، ودخل الجنة، وقد عرفنا أنه الإسلام، فهو دين الأولين والآخرين؛ من آدم عليه السلام إلى يوم الدين، فلا صراط يسلكه السالكون فيفوزوا برضا الله وجواره إلا الإسلام.

    وما هو الإسلام؟

    الإسلام: أن نسلم -بمعنى نعطي- قلوبنا ووجوهنا لله، فتكون حياتنا كلها وقفاً على الله.

    وكثيراً ما بينت لكم: نصلي لله ونصوم، ونبني المنزل لنسكنه لله، ونهدمه إذا أراد أن ينهدم لله، ونتزوج، نطلق، نبيع، نشتري، نسافر، نقيم.. كل حياتنا لله. هذا هو الإسلام، فنسلم القلوب والوجوه لله، وقد جاء هذا في كتاب الله من سورة الأنعام قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ [الأنعام:162-163] أبقي شيء؟ دلوني على شيء يخرج عن الحياة؟

    هذا هو الصراط المستقيم: أن تكون كلك لله، فتنطق باسمه، وتسكت من أجله، تعطي له، وتمنع من أجله.. وهكذا، هذا هو نظام حياتك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم)

    قال تعالى: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] هنا بيان، وتفسير، وشرح للصراط المستقيم، هل سلكه سالكون قبلنا؟ نعم. هل اشترط رجالاً ونساءً قبلنا؟ نعم. من هم؟ هم الذين أنعم عليهم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7].

    وقد جاء بيان هؤلاء في قول الله تعالى من سورة النساء: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] (ومَن) من ألفاظ العموم، يدخل فيها الذكر والأنثى، والأبيض والأصفر، والأول والآخر .. يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ محمداً صلى الله عليه وسلم فَأُوْلَئِكَ أي: المطيعون لله والرسول مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69] وسنبين إن شاء الله هذه النعمة العظيمة التي أنعم بها عليهم.

    والآن من هم يا رب؟ قال: مِنَ النَّبِيِّينَ [النساء:69] فمن هذه بيانية، مِنَ النَّبِيِّينَ جمع نبي، وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، منهم الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر أو خمسة عشر.

    وَالصِّدِّيقِينَ [النساء:69] وعلى رأسهم أبو بكر الصديق ، وكل من صدق في عمله وحديثه وقوله، وتحرى الصدق ولازمه حتى الموت صديق بين الصديقين.

    وَالشُّهَدَاءِ [النساء:69] جمع شهيد، ومن قتل في ساحة القتال لأجل إعلاء كلمة الله، ومن أجل أن يعبد الله وحده فهو الشهيد.

    وَالصَّالِحِينَ [النساء:69] من هم الصالحون؟ الذين أدوا حقوق الله كاملة في حدود قدراتهم وطاقاتهم، وأدوا حقوق عباده كاملة لم ينقصوها، ولم يبخسوها.. أولئك هم الصالحون.

    فهؤلاء نسأل الله -وهو الذي علمنا- أن يهدينا صراطهم الذي سلكوه، ففازوا، ونجوا من عذاب الله، ودخلوا رضوانه في دار السلام.

    إذاً قوله: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] قد بينهم تعالى لنا في سورة النساء: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء:69-70].

    فعلمنا أن نسأله الهداية والثبات عليها في سلوكنا في هذا الصراط المستقيم الذي سلكه مَن قبلنا النبيون والصديقون والشهداء والصالحون.

    النعم التي أنعم الله بها على عباده

    لكن ما هي هذه النعمة التي أنعم بها عليهم؟

    أولاً: لفظ النعمة اسم جنس، تحته أفراد لا حد، ولا حصر لهم، كقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] فإن كانت نعمة واحدها كيف ما نحصيها؟ نعمة البصر معروفة، لكن المراد منها أفرادها بالمليارات كلفظ الإنسان واحد، فالإنسان اسم جنس تحته بليارات من الأفراد.

    هذه النعمة هنا فتح الله علينا فيها، وتكلمنا وبينا، ونحن إن شاء الله على علم وعلى حق، وهي أنها نعم وليست نعمة واحدة.

    النعمة الأولى: نعمة الإيمان

    النعمة الأولى: نعمة الإيمان، الذي هو ضد الكفر والعياذ بالله، وضد التكذيب والإنكار والجحود.

    والإيمان هو: التصديق بالله، وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وبكل ما أمرنا الله تعالى أن نصدق به سواء كان معقولاً أو غير معقول، وراء العقل أو فوقه أو أمامه. فإذا أمرنا الله تعالى أن نؤمن بشيء -بمعنى نصدق- آمنا به، وإن قالت المجانين: هذا وراء العقل.

    ونعمة الإيمان هي من أعز النعم، وأعظمها، وأجلها، وأفضلها، وأبركها، وهي بمثابة الروح للجسد، فهل تتم حياة بدون روح؟ لا والله، لن تكون، وما تكون.

    إذاً: الإيمان بمثابة الروح، والروح أغلى شيء وأنفسه وأعزه.

    إذاً الإيمان نعمة عظيمة، وهذه النعمة توهب ولا تطلب، فهناك فلاسفة، حكماء، علماء في الكون، في الذرة، في كل مجالات الحياة ما آمنوا، وماتوا وما نفعهم علمهم في الفلك، ولا في النبات، ولا في الإنسان، ولا في الذرة ولا .. ولا ..؛ لأن نعمة الإيمان توهب، وواهبها هو الله جل جلاله، ولما لم يهبها لـأبي طالب مات على الشرك، والرسول صلى الله عليه وسلم بين يديه يقول له: ( قل: (لا إله إلا الله) كلمة أحاج لك بها عند الله )، لو كان الإيمان يكتسب لآمن أبو جهل عمرو بن هشام ، لآمن أبو لهب ، لآمن ولآمن .. الإيمان نعمة إلهية، وعطية ربانية، ومن أعطيها فليكثر من حمد الله والشكر لله على هذه النعمة؛ فإنها توهب ولا تطلب.

    وليس معنى هذا أننا نقول للناس: لا تتفكروا في خلق السماوات والأرض، ولا في الحياة والأكوان، لأن هذا كله يدعو إلى تقوية الإيمان وتثبيته في النفس، وتصديقه بالقلب، لكن كونك آمنت هذه نعمة الله.

    إذاً: النعمة الأولى هي نعمة الإيمان بكل ما أمرنا الله أن نؤمن به، أي: نصدق بوجوده وحقيقته. فهذه النعمة أنعم الله بها على أولئك المواكب أو لا؟

    النعمة الثانية: نعمة معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته

    النعمة الثانية: نعمة معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته، هل بين أولئك المواكب من لا يعرف الله؟ مستحيل، كيف أطاعوه وهم لا يعرفونه؟! كيف أحبوه وهم لا يعرفون جماله ولا كماله؟! كيف خافوه ورهبوه وهم ما عرفوا قدرته ولا عمله ولا سلطانه؟ مستحيل.

    وهذه النعمة تطلب أو توهب؟ تطلب، فعليك أن تسأل أهلها، وتقرأ في كتبهم حتى توجد هذه النعمة في نفسك، وهي أن تعرف الله كما تعرف أباك وأمك، كما تعرف نفسك، كما تعرف الناس بين يديك، فتحفظ أسماءه، وتعرف صفاته كاملة، وبذلك تتجلى تلك المعرفة في قلبك فتثمر وتنتج لك، وتولد لك -يا عبد الله- فائدتين:

    الأولى: الخوف منه، فإذا أردت أن تتحرك حركة مما نهاك أو حرم عليك تخاف وترتعد فرائصك، وما تقدر.

    فالخوف من الله يتولد عن معرفة الله، ومن عرف سلطان الله وقدرة الله، وإحاطة الله بكل الكون، وأن بيده أرواح العباد، وبيده أرزاقهم، خافه وارتعد منه.

    الثانية: أن ينتج لك حبه تعالى، فتصبح تحب الله أكثر من نفسك، أكثر من أمك وأبيك، أكثر من مالك والناس أجمعين.

    فلهذا الذي لم يجد في قلبه خوفاً من الله، ولا حباً له فليس بمؤمن .. فليس بمؤمن.

    أما الخوف فقد قال تعالى من سورة فاطر: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] فقصر خشيته عليهم بأداة القصر، فلا يخشى أحد الله إلا العلماء، والعلماء هم الذين عرفوا الله بأسمائه وصفاته معرفة يقينية كاملة تنتج لهم الخوف منه، فترتعد فرائصهم عند ذكره، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2].

    إذاً: النعمة الثانية: نعمة معرفة الله تعالى، وهذه النعمة تطلب، فلا تنام وتصبح تحب الله وتخشاه، بل لا بد أن تتعرف إلى الله، فتسأل فلاناً وفلاناً، وتنظر في الكون والذرة والكائنات؛ حتى يتجلى لك علم الله، وقدرته، وحكمته، وسلطانه ورحمته.. وبذلك تخافه وتحبه، وفي الحديث الصحيح: ( لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) فلا يبلغ أحدنا درجة الإيمان ويصدق عليه أنه المؤمن حتى يكون الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما سواهما، لا امرأة، لا ولد، ولا وظيفة، لا دنيا ..، لا لا.

    فهذه النعمة اطلبوها، ومن أراد أن يطلبها في صدق فهناك كتاب الله تَعرَّف فيه إلينا حتى عرفناه، وهناك كتاب الكون، فانظر إلى الملكوت الأعلى وأدم النظر في السماء وكواكبها وأفلاكها، والرياح وعواصفها، والأمطار وآثارها، وانظر إلى الأرض وما فيها من أودية وأنهار وجبال وأبحار، وإنس وجن و.. و.. هذه المخلوقات تدل على خالق عظيم جليل كريم رحيم، يجب أن يحب، وأن يعظم ويبجل، وأن يخاف ويرهب؛ لهذه العظمة، إلا إذا كنا مجانين لا عقول لنا، فهذا شيء آخر.

    والمعهود بنا لو أن أحداً قدم لك كأساً من الشاي فإنك تحبه .. ولوأعطاك ريالاً أو عشرة ريالات وأنت محتاج إليها فإنك تجله، فما بالك تنسى الذي أعطاك كل شيء ولا تحبه ولا ترهبه ولا تخشاه.

    هذه هي الحقيقة وإن كانت مرة فلا بد منها.

    إن الجهل بالله تعالى هو الذي سبب الفسوق، والفجور، والعصيان، والكفران، والشرور، والمفاسد .. وأنواع الأخباث كلها ناتجة عن شيء واحد هو أنهم ما عرفوا الله، ولا يعرفونه، فما أرادوا وما طلبوا ذلك، وما بحثوا ولا استقصوا ولا سألوا، بل يعيشون في دنياهم كالبهائم أنى لهم أن يعرفوا الله، فهل الذي لا يسأل ويبحث يعرف؟!

    يا أبنائي! النعمة الثانية توهب أو تطلب؟ تطلب، ابحث، اسأل، وقد قلت لكم: هذا كتاب الله يتعرف فيه إلينا نحن الناس، اسمع في آيات البقرة الأولى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [البقرة:21] خطاب لنا أو لا؟ أبيضنا وأسودنا يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ [البقرة:21] من ربنا؟ الَّذِي خَلَقَكُمْ [البقرة:21] هل هناك من يقول: أنا لست مخلوقاً؟ إذاً والله ننهال عليه بالضرب، ما أنت مخلوق، ماذا أنت؟ حجر، أنت مخلوق، من خلقك؟ الله، اسأل وتعرف إليه، فأنت مخلوق الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21].

    ثم قال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ [البقرة:22] هذه آية من آلاف الآيات، والذي لا يقرأ هذا الكتاب في خلوته، يضعه بين يديه أو يقول لأخيه: يا أخي! تعال اقرأ علي، اجلس معه في سارية من سواري المسجد، أو في زاوية من زوايا بيتك، أو تحت شجرة، أو في ظل جبل وقل: اقرأ عليَّ القرآن حتى أعرف ربي. لكن أنك لا تقرأ، ولا تطلب من يقرأ عليك، فكيف تعرف؟ ومن قال: وما الدليل على ذلك؟ أمة العالم هابطة، سببها: ما عرفت الله، فهي في متاهات الضلال والشر والفساد، حتى ولو انتسبوا إلى الإيمان.

    النعمة الثالثة: نعمة معرفة ما يحب الله تعالى وما يكره

    أما النعمة الثالثة فهي نعمة معرفة ما يحب الله تعالى وما يكره.

    فهل يعقل يا أبناء الإسلام أن عبداً آمن حق الإيمان وعرف الله بصفات الجلال والكمال، ثم لا يسأل عما يحب الله وما يكره؟ يعقل هذا؟! عرفت الله وعرفت جلاله وكماله لكن بدون أن تسأل عما يحب ولا ما يكره، بل تفعل ما تحب! فهذا أعلن الحرب على الله.

    لا بد -وهو من الضروريات- لمن آمن وعرف الله أن يعرف ما يحب الله وما يكره؛ حتى لا يقع في خصومة مع الله، الله يحب كذا وهو يحب كذا، الله يكره كذا وهو يكره .. كيف يعبده؟ كيف تتم ولايته؟

    معاشر المستمعين والمستمعات! من هنا كان طلب العلم فريضة، وهل هناك من ينقض هذا الكلام؟ الآن ما أصبحنا نقدر على نقضها، فلا بد من معرفة ما يحب الله وما يكره؛ حتى تأتي المحبوب وتقدمه له، وتطيعه فيه؛ لأنه يحبه وهو سيدك ومولاك، إلهك ومعبودك، مربيك وذو نعمتك .. كيف لا تعرف ما يحب حتى تقدم له المحبوب؟

    ويجب أن تعرف ما يكره حتى من نظرة أو كلمة من أجل أن تبتعد عنها وتتجنبها ولا تأتيها، حتى لا تغضبه عليك وتسخطه، فتخسر كل حياتك.

    وقد كررنا أن معرفة ما يحب الله وما يكره تعني ما يحب من الاعتقادات، والأقوال، والأعمال، والصفات والذوات، وهذا العلم قد عرفه الصالحون والصالحات، والذي ما عرف يجب ألا ينام الليلة أبداً، يقرع الأبواب من عالم إلى عالم: علموني ما يحب ربي، ومن اتقدت شعلة الإيمان في قلبه والله ما يقوى أن ينام الليلة وهو لا يعرف ما يحب الله ولا ما يكره، كيف أعيش؟ لعلي أفعل ما يكره، ولعلي أنا تارك ما يحب! يا ويلي.

    معاشر المستمعين والمستمعات! واقعنا شاهد على ما نقول، أكثر أهل لا إله إلا الله من المسلمين ما عرفوا محاب الله ولا مساخطه لا في الاعتقاد، ولا القول، ولا العمل، ولا الصفات، ولا الذوات، ولهذا يخبطون ويخلطون .. فهذه النعمة تطلب بالكد والجد والرحلة إلى الصين والشام والشرق والغرب؛ حتى تعرف ما يحب الله من الكلام والقول والعمل، وما يكره من ذلك.

    وأمرنا هذا لا يتطلب أبداً أكثر من أن يجلس أهل المسجد في القرية أو الحي كل ليلة، وطول حياتهم في بيت ربهم يتعلمون محاب الله، وكيف يقدمونها له، ويتعلمون مساخط الله وكيف يتجنبونها ويبتعدون عنها بتعاونهم، وهم أهل قرية واحدة أو حي واحد، وبدون هذا لن يعلموا، واسألوني، فهذا هو الطريق، لكنهم أعرضوا عنه، وأغلق الباب في وجوههم.

    أرأيتم هذه الحلقة؟ غمض عينيك وتصور أنها واجبة في كل مسجد في المدينة، سواء كانت لندن أو مدينة محمد صلى الله عليه وسلم، ففي كل مدينة فيها أحياء يجتمعون هذا الاجتماع بنسائهم وأطفالهم ورجالهم كل ليلة وطول العمر؛ حتى يعرفوا الله معرفة تكسبهم خشيته وحبه، وحتى يعرفوا ما يحب الله، وما يكره الله، وينهضون بالمحبوبات ويقدمونها، ويجتنبون المكروهات ويبتعدون عنها، وبذلك تتحقق لهم ولاية الله.

    يقولون: ما هو ممكن هذا، ما هو ممكن! كيف ما هو ممكن؟

    إن الذين اقتدينا بهم وقدسناهم من اليهود والنصارى والمشركين إذا فرغوا من العمل الساعة السادسة يذهبون إلى الملاهي والمقاهي والمراقص، يخففون على أنفسهم، ويتركون العمل، وأنتم لا! يقال: ما هو ممكن! لمَ ما هو ممكن؟ كيف ترقى السماء، وتنزل الملكوت الأعلى وما تبذل أرخص الأشياء؟ وما تجلس بين يدي ربك ساعة تتملقه بجلوسك في بيته فضلاً عن أنك تتعلم ما يجب أن تتعلم.

    هل هذا واقع المسلمين من أندونيسيا إلى موريتانيا يجتمعون في بيوت الله كل ليلة بنسائهم وأطفالهم ليعرفوا الله ما يحب وما يكره، أسألكم بالله موجود؟ لا. إذاً كيف يرجى لهم أن يفوزوا أو يسعدوا أو يكملوا؟ بالأوهام والظنون؟!

    فهذه النعمة تطلب بالكد والجد والعمل المتواصل، وأنت تسأل وتتعرف على الله حتى تعرفه، وتعرف ما يحب وما يكره، وكيف تأتي المحبوب، وكيف تتجنب المكروه.

    النعمة الرابعة: نعمة التوفيق الإلهي لعبده المؤمن

    النعمة الرابعة هي: نعمة التوفيق الإلهي لعبده المؤمن الذي عرف الله، وعرف محابه ومكاره، فلا تستغنِ عن الله وتقول: أنا ما كنت أعلم، والآن عرفت. والله إن لم يعنك ويمدك ما استطعت.

    بعضهم يعرف أن الخمر حرام ويشربه، أليس كذلك؟ ويعرف أن السرقة حرام وهو كاللص يترقب ليسرق، ويعرف أن الزنا حرام ويزني، ويعرف أن الربا حرام ويأكله ويبتلعه، ويعرف أن اغتياب المؤمن حرام ويغتاب ويمزق أعراض المؤمنين، يعرف.. يعرف.. يعرف، لمَ؟ لأنه حرم توفيق الله عز وجل، فهذه النعمة هي نعمة التوفيق لفعل المحبوب وترك المكروه، ومن خذله الله فلن يوفقه. وهذا ما نفعته تلك المعرفة لوجود خلل، ما هذا الخلل؟ أنه ما سأل الله أن يوفقه، وما تضرع بين يديه وطلب منه أن يسدده، وأن يصوبه، وأن يهديه الصراط المستقيم.

    ونعمة التوفيق لأي شيء؟ التوفيق للعمل بما عرف من محاب الله، ولترك ما عرف من مكاره الله ومساخطه.

    الخلاصة: أننا مفتقرون إلى الله، والنعم أربع: النعمة الأولى توهب، والنعمة الثانية تطلب، والنعمة الثالثة تطلب، والنعمة الرابعة توهب. فمن وهبه الله إياها؛ لأنه تملق وتزلف إليه فاز بها، ومعرفة هذه النعم الأربع خير من معرفة كيف تسوق (الميج) يا أبناء الدنيا، خير من أن تدير مصانع الهيدروجين في العالم.

    إذاً: هذا لنا، قال الله تعالى: ( هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ) وهو اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7].

    أسألكم: من هم الذين أنعم الله عليهم ونحن نقول له: اهدنا صراطهم، الروس؟ الأمريكان؟ من هم يرحمكم الله؟

    هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، ومنهم الأبيض والأسود، والعربي والعجمي، والأول والآخر والآتي..

    أنعم عليهم بماذا؟ بالذرية؟ بالأموال؟ بالجاه والسلطان؟ بالرفعة والشأن؟ أنعم عليهم بأي شيء؟

    بأربع نعم: الأولى: نعمة الإيمان به تعالى، الثانية: نعمة معرفته جل جلاله وعظم سلطانه، الثالثة: نعمة معرفة ما يحب وما يكره من القول والاعتقاد والعمل، الرابعة: نعمة التوفيق لفعل المحبوب وترك المكروه لله.

    هذه أربع نسأل الله ألا يحرمنا إياها الليل والنهار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

    قال تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] إذا قلنا: هذه آية سابعة، فتكون آية منفصلة، وإذا قلنا: هي تابعة صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] فهي الآية بكاملها.

    غَيْرِ [الفاتحة:7] نافية، تقول: جاء الطلاب غير إبراهيم ما جاء، فغير مثل إلا، وتقول: حضر التلامذة غير عيسى ما حضر.

    إذاً اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:6-7] أي: اهدنا صراط من أنعمت عليهم، لا صراط المغضوب عليهم، ولا صراط الضالين.

    فهناك إذاً ثلاثة صرط أو أصرطة:

    صراط النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا سألنا الله وطلبناه في إلحاح أن يهدينا ويثبتنا في السير عليه حتى نخرج إلى دار السلام.

    وصراط قوم غضب عليهم، وهذا نسأل الله ألا يهدينا هذا الصراط، ولا يدلنا عليه، ولا يثبتنا عليه إذا وقعنا فيه.

    وصراط آخر أيضاً: صراط الضالين والعياذ بالله.

    نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، لا صراط المغضوب عليهم، ولا صراط الضالين.

    صفة المغضوب عليهم

    من هم المغضوب عليهم؟ هم اليهود وغير اليهود، ولهذا لم يقل: اليهود.

    المغضوب عليهم: هو الذي عرف الله، وعرف محابه ومساخطه، وآثر حب سلماه وليلاه وديناره ودرهمه، ومنصبه وجاهه، فهو على علم، وهذا غضب الله عليه.

    هذا علم وعرف وفسدت ملكته، وسيطرت عليه شهواته وهواه، فكان يعرف ما يحب الله ولا يأتيه؛ لأنه ينقص من ماله أو من درهمه أو من جاهه أو سلطانه، فهو على علم، يعرف ما يكره الله ويبغض ويأتيه؛ لأنه يحقق له ما له أو شهوته أو هواه، ويدخل في هذا من باب المثل اليهود، والله إنهم ليعرفون أن محمداً رسول الله كما يعرفون أولادهم، ولكن إذا قالوا: محمدٌ رسول الله يجب أن يتبعوه، وأن يدخلوا في دينه، وبعد ذلك سيحرمون مملكة بني إسرائيل، وشرف بني إسرائيل، ومجد بني إسرائيل، وأملهم وحلمهم في أن يسودوا العالم و.. و..، قالوا: إذاً لا .. لا .. لا، ما نؤمن، فهؤلاء كفروا على علم.

    هؤلاء عرفوا الربا وهو مما يغضب الله؛ لأنه يمنع القرض والسلفة بين المسلمين والمؤمنين، ويدفع إلى التكالب على الدنيا، وعرفوا أن الله حرمه، ويبغضه ويسخط على فاعله، ولكن آثروا المال وكثرته؛ ليتحقق حلمهم في سيادة العالم فاستباحوه علناً، واليهود هم أول من أكل الربا، والبنوك الموجودة -والله- لليهود، هم مؤسسوها وبانوها، والداعون إليها، والعاملون على نشرها وتحقيقها في العالم، من يتحداني؟ الغافل لا يعرف.

    يتحقق من طريق المال الربوي تمزيق الأواصر، وتقطيع الصلات، ويصبح المواطنون خصوماً وأعداء، لا سلفة ولا قرض، ولا إحسان، ولا معروف ولا .. ولا ..

    إذاً: لا أذهب بكم بعيداً فقد ورد في الحديث أن من المغضوب عليهم اليهود، ومن الضالين النصارى، ولكن لم غضب الله عليهم؟ هل فقط لأنهم بنو إسرائيل؟ حاشا لله، وهي أمة كانت أشرف الأمم وأسماها وأعلاها، وإنما غضب الله عليهم لأنهم عرفوا ما يحب وتركوه؛ لأجل مصالحهم وشهواتهم، وعرفوا ما يكره الله بالعلم اليقيني وارتكبوه؛ لأنه يحقق مصالحهم وشهواتهم، فكل من سلك هذا المسلك مغضوب عليه.

    وهنا قد يقول غافل: إذاً ما نتعلم أحسن! وقد قالوها لنا: لم ما تحضرون الحلقة الفلانية؟ قالوا: ما نريد؛ لأننا إذا علمنا وما عملنا نهلك، هذا فهم؟!

    اعلم عسى الله أن يهديك ويوفقك وتعمل، لكن إذا ما علمت فأنت ممزق هالك بالمرة الواحدة.

    إذاً: قد يقول الغافل: ما هناك حاجة إلى أن نعلم، ما دام أن العلم سبب لغضب الله علينا! هذا كلام يقبل؟ ما يقبل، لأنه مغضوب عليك إذا عملت أو لم تعمل.

    اعلم واعمل يرض عنك وترفع، أما تقول: لا، ما نعلم ما دمنا ما نعمل! هذا كلام باطل.

    صفة الضالين

    من هم الضالون؟

    هم الجهلة الذين يعملون ويكدحون بدون علم، فهم ضلال لم يرضَ الله عنهم.

    هذا السر في ذكر الضالين، لأنه قد يقول قائل: ما دام العلم يورث سخط الله علينا وغضبه، ونصبح كاليهود، ما نعلم أحسن! يعني: تبقى جاهلاً، أنت كالضالين، الجاهل ضال أو مهتدي؟ ضال. الذي ما يعرف الطريق يسلكه؟ لا يستطيع.

    إذاً فلا خيار: إما أن تستقيم على منهج الله، وإما تتمزق مع اليهود ومع النصارى.

    فالضالون وإن أطلق الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم النصارى، ولكن كل من عبد الله وبكى، وتمرغ في الأرض، وأخرج ماله ونفسه، وربط نفسه في صومعة، يعبد الليل والنهار بدون ما شرع الله فهو ممزق ضال.

    تعرفون الرهبان؟ ينقطعون في الصوامع عشرين سنة ما يعرف امرأة، ولا مال، ولا ولد، ومع هذا محترق ممزق؛ لأن هذه العبادة ما شرعها الله، بل وضعها القسس والرهبان، وما هي بشرع الله أبداً، هل تزكي النفس وتطهرها؟ ما تنفع.

    فمن هنا نقول: يجب أن نتعلم، وأن نعمل بما علمنا، حتى نكمل ونسعد، ولا نقول: ما دمنا ما نعمل لا نتعلم؛ لأن الذين لا يعلمون هالكون، ضالون الطريق، ما مشى في الطريق الموصل إلى رضا الله وجناته، فهم يتخبطون حيث تجدهم في المستشفيات والأموال يدفعونها، والانقطاع، والبكاء من خشية الله، وهم محترقون، يعبدون الله بالبدع والضلالات.

    وفي المسلمين أناس يبذلون الطعام والشراب، ويبكون، وهم يعيشون على البدع، ما يستفيدون شيئاً أبداً، قلوبهم منتنة عفنة؛ إذ لا بد من معرفة ما يحب الله وما يكره معرفة يقينية، وكيف تفعلها وتقدمها؛ إذ لها ظروف، أوقات، أمكنة، لها صفات، ذوات تؤديها كما هي، وإلا كيف ينفع هذا العلم.

    1.   

    سورة الفاتحة منبع لكل ما في القرآن من معانٍ

    سورة الفاتحة هي السبع المثاني، هذه أم القرآن، فأسماء الله وصفاته، وعبادته، شرائعه وأحكامه، قصصه وأخباره .. كلها نبعت من هذه السورة.

    فقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:2-3] يدل على توحيد الله في أسمائه، وصفاته، وجلاله، وكماله، وهو مذكور في آلاف الآيات من القرآن.

    وقوله: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] عرض للعالم الثاني بما فيه من حساب وعقاب، وجنة ونار، وصنوف الشقاء وضروب السعادة بكاملها في كلمة يوم الدين، فتولد عنها آلاف الآيات.

    وقوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] تفرعت عن هذه الكلمة جميع أنواع العبادات القلبية، والقولية، والعملية.

    وقوله: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] فجميع القصص في القرآن كله تفرع عن هذه الجملة، فلهذا سماها الله على لسان رسوله أم القرآن.

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.