إسلام ويب

أهوال الساعة [1، 2]للشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وعلم الساعة علم غيبي لا يعلمه إلا الله، لكن الله سبحانه وتعالى أخبرنا عن علامات كثيرة صغرى وكبرى تدلنا على قرب قيام الساعة. وهنا تجد بياناً لذلك مع ذكر لأهوال الساعة وأحداثها.

    1.   

    علامات الساعة الكبرى والصغرى

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، اللهم إنا نعوذ بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بشيراً ونذيراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا أيها الإخوة والأخوات! حياكم الله في بيت من بيوت الله، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجمعنا جميعاً في جنة عرضها السماوات والأرض، إنه على كل شيء قدير.

    إخواني في الله: هأنتم تتابعون هذه السلسلة التي نسأل الله جلت قدرته أن يجعلها مباركة.

    هذه السلسلة المهمة في عقيدة المسلم.

    أيها الإخوة في الله: ينبغي للمسلم ألا يغفل عن هذا الموضوع العظيم؛ موضوع أشراط الساعة، وعن أهوال يوم القيامة، بل أقول لك أيها المسلم: لا تغفل عن ذكر الموت، عن ذكر هادم اللذات، وما بعد الموت، وما الذي يحصل للمؤمن في القبر، وما الذي يحصل للكافر والمنافق والفاجر في القبر، وتذكر -أيضاً- أخي في الله -ما الذي يحصل يوم القيامة، يوم الوقوف بين يدي رب العالمين جلَّ جلالُه، ثم تذكر ذلك المنصرف العظيم، إما إلى الجنة، وإما إلى النار.

    إخواني في الله: الإخوان ذكروا جزاهم الله خيراً هذه الأشراط -أشراط الساعة- والموضوع الذي سوف أذكره أنا لا يختلف عما ذكره الإخوان؛ إلا أنني سوف أمر على أشياء مر عليها الإخوان جزاهم الله خيراً، وهذا من ضرورة الموضوع.

    علم الساعة علم غيبي

    قال الله جلَّ وعَلا: يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:187].

    واسمع أخي في الله ويا أختي في الله إلى دليل آخر من كتاب الله عزَّ وجلَّ يبين فيه ربنا جلَّ وعَلا أن علم الساعة عند الله تعالى، لم يُطْلِع عليه أحداً، لا ملَكٌ مقرب، ولا نبيٌ مرسل: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الأحزاب:63].

    ويقول جلَّ جلالُه: يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات:42-46].

    إخواني في الله: من علامات الساعة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها ما هو قد مضى وانتهى، ومنها ما هو على وشك الخروج، لا إله إلا الله!

    يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا خَيْراً [الأنعام:158] قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وذلك قبل يوم القيامة كائن من أمارات الساعة وأشراطها، حين يرون شيئاً من أشراط الساعة.

    وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال: {بُعِثْتُ والساعة كهاتين}.

    حدوث فتنة عظيمة والتطاول في البنيان

    وقوله صلى الله عليه وسلم: {لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان، فيكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة} قال بعض العلماء: حصل ذلك في زمن علي ومعاوية رضي الله عنهما؛ حيث كان كل من الفئتين يدعو إلى ما يراه أنه الحق رضي الله عنهما وأرضاهما، ونتج من جراء ذلك قتل كثير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقع كما نشاهده الآن: {أن تلد الأَمَة ربَّتَها، وأن ترى الحفاة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان}.

    عشر علامات لقيام الساعة

    ومن علامات الساعة: ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: {إن الساعة لا تقوم حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونار تخرج من قعر عدن}.

    كثرة الدجالين

    ومن علامات الساعة: ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: {لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجَّالون كذَّابون قريباً من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله} وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد ظهر منهم كثير في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل: مسيلمة الكذاب، وغـيره، وظهر بعده، وصدق ربنا جلَّ وعَلا حيث قال: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] يعني محمد صلى الله عليه وسلم، فهو خاتم النبيين، لا نبي بعده ولا رسول، صلى الله عليه وسلم.

    تقارب الزمان

    ومن علامات الساعة: ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث قال: {لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فيقرب أوله من آخره} لا إله إلا الله! اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.

    إخواني في الله! وأخواتي في الله! أكرر وأقول: على المسلم ألا يغفل عن هذه الأحاديث، بل يكررها مراراً وتكراراً؛ حتى يزداد عنده الإيمان؛ لأن هذا علامة من علامة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فكل الذي قرأناه قد حصل منه ما حصل.

    يقول صلى الله عليه وسلم: {لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فيقرب أوله من آخره} قال بعض العلماء: وذلك يحصل بكثرة الغفلة، وضياع الأوقات، حتى يمضي الزمن الكثير، والإنسان ما طمع إلا شيئاً قليلاً، قال: أو يحتمل معنىً آخر، وهو: سرعة إنجاز الأمور التي لا تنجز إلا في زمن طويل، كما يُشاهد اليوم في وسائل النقل ووسائل الإعلام، فكم من بلد كان لا يوصَل إليه إلا بعد الأشهر، والآن يوصَل إليه في زمن قليل، فصدق الله، وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم.

    انتزاع العلم بقبض العلماء

    فُشُوُّ الربا

    ومن علامات الساعة: فُشُوُّ الربا: {يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، والذي لم يأكله يأتيه من دخانه}.

    ولي وقفة قصيرة مع هذا الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما انهمك فيه الناس في هذه الآونة من أكل الربا، والتهاون بالربا، فأخبرهم ببعض العقوبات، التي أخبر بها ربنا جلَّ وعَلا، وأخبر بها رسوله صلى الله عليه وسلم.

    يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: {لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، ومُوْكِلَه، وكاتبه، وشاهدَيه، وقال: هم سواء} أي: في الإثم سواء، آكل الربا حلت عليه اللعنة في الدنيا، إنا لله وإنا إليه راجعون.

    قال بعض العلماء رحمهم الله: جُرِّب لأَكلة الربا سوء الخاتمة، نسأل الله العفو والعافية، اللهم إنا نسألك العفو والعافية. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه البخاري: {يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ، أَمِن الحلال أم من الحرام؟!} الحلال ما حلَّ بأيديهم، والحرام ما تعذَّر عليهم أخْذُه.

    ومن العقوبات التي جُرِّبَت لأكلة الربا: ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث سمرة الذي رواه البخاري، حديث الرؤيا؛ حيث قال صلى الله عليه وسلم: {وأتيت على رجل يسبح في نهر مثل الدم، وعلى شاطئ النهر رجل قد جمع عنده من الحجارة، وإذا ذلك السابح يسبح، ثم يأتي إلى هذا الرجل الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً، قلت: من هذا؟ قال: هذا آكل الربا} قال العلماء: هذه الحجارة التي يلقمه إياها هي الأموال التي جمعها من الربا.

    العقوبة الثالثة: أخبر الله جلَّ جلالُه عن آكل الربا، أنه يقوم من قبره كالذي يتخبطه الشيطان من المس.

    العقوبة الرابعة: ويا لها من عقوبة! آكل الربا إن مات من غير توبة، فإن مصيره إلى النار، وهذا خبر الجبار جلَّ جلالُه في القرآن.

    فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! من ابتلي بهذا الجرم العظيم، من ابتلي بهذا الخطر، فعليه أن يتوب إلى الله ما دام في زمن الإمكان قبل أن يقول كما أخبر الله جلَّ جلالُه: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:99-100].

    انتشار الزنا وظهوره

    ومن أشراط الساعة: أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل، ويُشرب الخمر، ويَظهر الزنا.

    الدش: هذا الغش الذي غشنا به أعداء الإسلام، وأعداء المسلمين. إذا سمعت أنهم قالوا: أن فلاناً زنا بأخته ألا يتمنى الإنسان أنه ما سمع هذا الخبر؟! أي خبر أفظع من هذا أخي في الله؟! أي خبر أفظع من هذا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟! ماذا بقي؟! ماذا بقي يا أمة محمد؟! ماذا بقي من الأخلاق؟! وماذا بقي من الآداب؟! وماذا بقي من الحياء؟! تسمع أن فلاناً جلس عند الفيلم الفلاني، واشتعلت فيه نار الشهوة، وما ملك نفسه إلا أن زنا بأخته، ماذا بقي من الحياء يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    يقول صلى الله عليه وسلم: {والذي نفسي بيده! لا تذهب الدنيا حتى يمر الرجل بالقبر، فيتمرغ عليه ويقول: يا ليتني مكان صاحب هذا القبر، وليس به الدين، ما به إلا البلاء} يتمنى الموت يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم!!

    فيا ليتنا نقف وقفة صادقة لله جلَّ وعَلا مغتنمين هذا الخبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أن قال: {الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة}.

    وقال صلى الله عليه وسلم: {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان}.

    يا ليتنا نقف وقفة صادقة مع إخواننا الذين ابتلوا بهذا الدش، ونقول: أخي في الله! إذا جلست في أحد المجالس، وبدءوا يتحدثون: إن فتاة خرجت آخر الليل تريد مَن يفعل بها الزنا.. إن رجلاً فعل الزنا بأخته.. إن ما حصل وحصل وحصل.. أخي في الله! ألا تطأطئ رأسك في المجلس تخاف أن تكون من هذا النوع، وقد ابتليت بهذا الغش؟!

    أخي في الله! إذا لم تنتهِ بهذا فاسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: {كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راعٍ في أهل بيته ومسئول عن رعيته}.

    تذكر -أخي في الله- من الذي سوف يلقي عليك السؤال؟! ومتى يكون هذا السؤال؟! الله أكبر! الله أكبر! لا إله إلا الله! اسمع أخي في الله! يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان} فأعد للسؤال جواباً إذا وقفتَ بين يدي الله عزَّ وجلَّ، ثم تذكر أولئك الخصوم الذين يقفون بين يدي الله يخاصمونك، وكل منهم يدلي بحجته، كل يقول: يا رب! خذ مظلمتي، الزوجة تقول: يا رب! خذ مظلمتي من زوجي؛ لأنك أدخلت عليها المنكر، وظلمتها بهذا المنكر، والابن يقول: يا رب! خذ مظلمتي من أبي، والبنت تقول: يا رب! خذ مظلمتي من أبي، حتى الجار يخاصم جاره يوم القيامة، فماذا أعددتَ لهذا السؤال إذا وقفتَ بين يدَي جبار الأرض والسماوات؟! لا إله إلا الله!

    يا من غش أهله وأولاده بالمغنين والمغنيات، والمطربين والمطربات، والممثلين والممثلات!

    يا من غش أهله وأولاده، اسمع خبر الرسول صلى الله عليه وسلم: {ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة} اللهم لا تجعلنا من المحرومين من الجنة يا رب العالمين.

    ظهور الفتن

    ثم ننتقل إلى خبر من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {إنه لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن} يقول بعض العلماء رحمهم الله: وهذه الفتن تتنوع، فتن تدع الحليم حيران، فتن في الدين، وفتن في الدنيا.

    أما فتن الدين: فكل ما يصد عن الإيمان بالله، والقيام بأمره، واتباع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم، من العقائد الفاسدة، والأفكار الهدَّامة، والسلوك المنحرف، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، بالاشتغال بالشهوات، واللذائذ المحرمة.

    وأما فتن الدنيا: فما يحصل من القتل، والخوف، والسلب، والنهب.

    ولا شك يا عباد الله: أن ظهور الفتن دليل على ضعف العلم الصحيح، والإيمان.

    نسأل الله جلَّ وعَلا أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.

    خروج المسيح الدجال

    إخواني في الله! أيضاً: من علامات الساعة: علامة مهمة: روى النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: {ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفَّض به ورفَّع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رُحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال صلى الله عليه وسلم: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله! ذكرتَ الدجال غداةً، فخفَّضتَ ورفَّعتَ، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غير الدجال أَخْوَفُنِي عليكم؟! إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم} لا إله إلا الله! الله أكبر! يقول صلى الله عليه وسلم: {إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولستُ فيكم فامرؤٌ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم} الله أكبر! لا إله إلا الله!

    اللهم ثبتنا على قولك الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    إخواني في الله! اسمعوا إلى وصف هذا الدجال، يصفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: {إنه شابٌ قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً، وعاث شمالاً، يا عباد الله! فاثبتوا -هذه وصية الرسول صلى الله عليه وسلم- يا عباد الله! فاثبتوا، قلنا: يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة تكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا. اقدروا له قدراً، قلنا: يا رسول الله! ما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتُمْطِر، والأرض فتُنْبِت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذرى، وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، رمية الغرض، ثم يدعوه، فيقبل ويتهلل وجهه ويضحك}.

    وفي رواية في الصحيح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يخرج الدجال، فيتوجه قبله رجل من المؤمنين، فيتلقاه المسالح -مسالح الدجال- فيقولون له: إلى أين تعمد؟ فيقول: أعمد إلى هذا الذي خرج، فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم ربكم أن تقتلوا أحداً دونه، فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن قال: يا أيها الناس! إن هذا الدجال الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأمر الدجالُ به فيُشَبَّح، فيقول: خذوه وشُجُّوه، فيُوَسَّع بطنه وظهره ضرباً، فيقول: أو ما تؤمن بي؟! فيقول: أنت المسيح الكذاب، فيؤمر به فيُنشر بالمنشار من مفرقه حتى يُفْرَق بين رجليه، ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم. فيستوي قائماً -يا ألله! يا لها من فتنة! اللهم ثبتنا على قولك الثابت، اللهم ثبتنا على قولك الثابت، يا ألله! يا رحمن! يا رحيم- ثم يقول له: قم. فيستوي قائماً، ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددتُ فيك إلا بصيرة، ثم يقول المؤمن: يا أيها الناس! إنه لا يفعل فعلي بأحد من الناس، فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل الله ما بين رقبته إلى ترقوته ذحافاً، فلا يستطيعوا إليه سبيلاً، فيأخذوا بيدَيه ورجلَيه، فيغدقوا به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا أعظم الناس شهادة عند رب العالمين} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فبينما هو كذلك -أي الدجال- إذ بعث الله المسيح ابن مريم عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء، شرقي دمشق، بين مهرودتين واضعاً كفَّيه على أجنحة ملكَين، إذا طأطأ رأسَه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جُمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِه إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلب الدجال، حتى يدركه بباب لُد، فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم عليه السلام قوماً قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة}.

    قتال المسلمين لليهود

    وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم: {أن المسلمين يقاتلون اليهود، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا عبد الله! يا مسلم! تعال، خلفي يهودي فاقتله، إلا شجر الغرقد، فإنه من شجر اليهود } {فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجتُ عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحصر نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابُه، حتى يكون رأس الثور بأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم -هكذا الرسول صلى الله عليه وسلم يخاطب الصحابة رضي الله عنهم- قال صلى الله عليه وسلم: فيرغب نبي الله عيسى وأصحابُه إلى الله عزَّ وجلَّ، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسنى، كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابُه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله عزَّ وجلَّ، فيرسل الله طيراً كأعناق البُخت، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً، لا يُكَنُّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها -لا إله إلا الله!- ويبارك في الرسل حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحاً طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحُمُر} -يعني: كالحمير- لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً نسأل الله العفو والعافية! ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أمثال للساعة، فقال صلى الله عليه وسلم: {تقوم الساعة والرجلان بينهما ثوب قد سلاه يتبايعانه، فلا يمكنهما البيع ولا طي الثوب} لا إله إلا الله! المثال الثاني: {وتقوم والرجل قد انصرف بلبن ناقته ليشربه، فلا يتمكن من شربه} الثالث: {وتقوم والرجل قد رفع اللقمة إلى فمه، فلا يطعمها} الرابع: {وتقوم والرجل يصلح حوض إبله، ليسقيها، فلا يسقي فيه، وذلك عندما يأمر الله عزَّ وجلَّ إسرافيل فينفخ في الصور نفخة الصعق، وهي التي يموت فيها من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله} كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    1.   

    أهوال الساعة

    وهناك أمور يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم: هناك سورة أخبر الله بها عن حال زوال الدنيا، فقال جلَّ جلالُه: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة:1] تصور هذا الحادث العظيم أخي في الله: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا [الزلزلة:1] ما الذي يحدث لهذا العالم أخي في الله وقد أمر الله جلَّ جلالُه إسرافيل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق؟ التي يموت فيها من في السماوات ومن في الأرض؟! كيف الأحوال يا عبد الله؟! وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ [الزمر:68] عند ذلك ينادي الرب جلَّ جلالُه: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16] فلا يجيبه أحدٌ، فيجيب نفسه بنفسه: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16].

    أخي في الله: اسمع هذا الحديث الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين النفختين -يعني: نفخة الصعق، ونفخة البعث- أربعون، قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوماً؟ قال: أبيتم، قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتم، قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتم) ثم واصل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عَجْبَ الذنب، فيه يُرَكَّب الخلق -لا إله إلا الله!- ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم ينَزِّل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل) متفق عليه.

    وفي رواية لـمسلم: (ثم يرسل الله، أو قال: ينَزِّل الله مطراً كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور أخرى نفخة البعث) قال الله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68].

    الخروج من القبور

    ساسمع أحوالهم! قال الله جلَّ وعَلا: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [المعارج:43-44].

    وقال جلَّ جلالُه: يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ [ق:42-44].

    في ذلك اليوم يأمر الله ملَكاً ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، قال الله تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات:13-14] أي: على أرض القيامة.

    كيف أحوالهم يوم أن خرجوا من قبورهم؟!

    حشر الناس يوم القيامة

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يُحشر الناس يوم القيامة حُفاةً عُراةً غُرْلاً، قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعاً ينظر بعضُهم إلى بعض؟ قال: يا عائشة! الأمر أشد من أن يهمهم ذلك} لا إله إلا الله! كيف ينظر بعضُهم إلى بعض وربنا جلَّ وعَلا يقول: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37].. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2] أين هم؟

    على أرض القيامة، على الأرض التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {يُحشر الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد}.

    موعظة! فتذكر يا بن آدم ذلك الموقف العظيم عندما تكون حافي القدمين، عاري الجسم، حاسر الرأس، وأنت منفرد بأحزانك وهمومك وغمومك، القلب خائف، والبصر خاشع: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [طه:108].

    ثم تذكر إقبال الوحوش في ذلك اليوم العظيم منكسة رءوسها.

    ثم تذكر هذه الشمس التي تشرق وتضيء العالم، عندما تُكَوَّر، والقمر عندما يُخسَف به، والنجوم عندما تتناثر وتنكدر، والسماء عندما تتشقق فتكون وردة كالدهان.

    إنه يوم القيامة، قال الله تعالى: يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً [المزمل:17].

    شدة الوقوف في المحشر

    ابن آدم! تذكر شدة الوقوف، وقد أُدنيت الشمس من رءوس الخلائق، وانضاف إلى حر الشمس كثرة الأنفاس، وازدحام الأجساد، وقد ذهب العرق منهم في الأرض سبعين ذراعاً، ثم فاض عليهم العرق، فمنهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتَيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وانضاف إلى حر الشمس كثرة الأنفاس، وازدحام الأجساد، والعطش تضاعف، ولا نوم ولا راحة، فيا له من يوم عظيم شأنُه! يوم ترى السماءُ فيه قد انفطرت، والكواكب انتثرت، والبحار سُجِّرت، والنجوم انكدرت، والشمس كوِّرت، والجبال سيِّرت، والعشار عُطِّلت، والوحوش حشرت، والنفوس زوِّجت، والجحيم سعِّرت، والجنة أزلفت، والجبال نسفت، والأرض مُدَّت؛ مُدَّت كالأديم.

    ذلك يوم القيامة، وقد أخبر الله جلَّ جلالُه فقال: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [إبراهيم:48].

    ابن آدم! تذكر ذلك اليوم العظيم، قال بعضهم رحمه الله تعالى:

    مثل لقلبك أيها المغرورُ     يوم القيامة والسماء تمورُ

    قد كُوِّرت شمس النهار وأضعفت     حراً على رأس العباد تخورُ

    وإذا الجبال تقلعت بأصولها     فرأيتها مثل السحاب تسيرُ

    وإذا النجوم تناثرت وتكدَّرت     وتبدلت بعد الضياء كُدورُ

    وإذا العشار تعطلت عن نغلها     خلت الديارُ فما بقى مغرورُ

    وإذا الوحوش لدى القيامة أُحضرت     وتقول للأملاك: أين نسيرُ؟!

    فيقال: سيروا تشهدون فضائحاً     وعجائباً قد حضرت الأمورُ

    وإذا الجنين بأمه متعلقٌ     خوف الحساب وقلبه مذعورُ

    مجيء جهنم

    ابن آدم! تذكر مجيء جهنم، تُقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملَك يجرُّونها، قال الله تعالى: ((وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى)) [الفجر:23] ففي ذلك اليوم لا يبقى ملَك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثى على ركبتَيه، يقول: يا ربِّ، نفسي!! نفسي!! فتذكر عندما يتبرأ منك الولد والوالد، والأخ والصاحب، لما في ذلك اليوم من المزعجات والقلاقل والأهوال التي ملأت القلوب من الخوف والفزع والرعب والذعر. يُروى: {أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رأسُه في حِجر عائشة

    رضي الله عنها، فنعس صلى الله عليه وسلم، فتذكرت الآخرة، فبكت رضي الله عنها، فسالت دموعُها على خد النبي صلى الله عليه وسلم، فاستيقظ بدموعها، فرفع رأسه فقال: ما يبكيكِ؟ فقالت: يا رسول الله! ذكرتُ الآخرة، هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟! قال: نعم والذي نفسي بيده إلا في ثلاثة مواطن، فإن أحداً لا يذكر إلا نفسه: إذا وُضعت الموازين، ووُزنت الأعمال؛ حتى ينظر ابن آدم، أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الصحف؛ حتى ينظر أبيمينه يأخذ أم بشماله، وعند عبور الصراط}.

    تطاير الصحف وتوزيع الكتب

    ابن آدم! تذكر وأنت واقف في ذلك الموقف العظيم مع الخلائق الذين لا يعلم عددهم إلا الله، إذ نودي باسمك على رءوس الخلائق، من الأولين والآخرين، فقمتَ ترتعد فرائصُك، فهنيئاً لك إن كنت من أصحاب اليمين، عندما يقال: سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، أو يقال: سعدت فلانة بنت فلان سعادة لا تشقى بعدها أبداً، فتأخذ الكتاب رافعاً رأسك مسروراً فرحاً: هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:19-24]. أما إن كانت الأخرى، ونودي باسمك: شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً، أو شقيت فلانة بنت فلان شقاوة لا تسعد بعدها أبداً، فيُعطى كتابه بشماله، أو من وراء ظهره، يا لها من خسارة! لا تشبهها خسارة! يوم أن ينادي بقلب حزين، يوم أن ينادي في ذلك اليوم العظيم: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:25-32].

    اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! لا إله إلا أنت، ولا رب لنا سواك، اللهم بيِّض وجوهنا يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه، اللهم بيِّض وجوهنا يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه.اللهم ثقل موازيننا، ويمِّن كتابنا.اللهم اجعلنا على حوض نبينا من الواردين، واسقنا منه شربة لا نظمأ بعدها أبداً يا رب العالمين.

    اللهم يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، نسألك في ختام هذه الكلمة، ونحن في استقبال فريضة من فرائضك يا ألله! يا رءوف! يا رحيم! اللهم املأ قلوبنا من محبتك، ومن خشيتك، ومن معرفتك، ومن الأنس بقربك، واملأها حكمة وعلماً.اللهم املأ قلوبنا من الإيمان والحكمة.اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.

    اللهم رب محمد النبي صلى الله عليه وسلم اغفر لنا ذنوبنا، واكظم غيظ قلوبنا، وأجرنا من مضلات الفتن، ما ظهر منها وما بطن.اللهم أقر أعيننا، وأفرح قلوبنا بصلاح أئمتنا وولاة أمورنا، وقاداتنا.

    اللهم أصلح أولادنا ونساءنا، واجعلهم قرة أعين لنا يا رب العالمين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.

    إخواني في الله! نعم يذكرني أخي بأحوال إخوانٍ لنا ولكن قبل أن ندعو لهم نتذكر هذه النعمة التي نرفل فيها يا إخواني في الله، نعمة الأمن والاستقرار.. نعمة الدين الذي نعيش فيه ولله الحمد، ونعمة العقيدة فنسأل الله جل وعلا أن يثبتنا وإياكم على قوله الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    ويا إخواني في الله! الله الله بالنصح لإخواني المسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أسال الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويجتنبه.

    إخواني في الله! الرسول صلى الله عليه وسلم دخل على زينب محمر الوجه وهو يقول: {لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوم ومأجوج هكذا -وحلق بالإبهام والتي تليها- فقالت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم. إذا كثر الخبث} لكن إذا كثر المصلحون والدعاة إلى الله عز وجل؛ فإن الله ينجي العباد ويرحم العباد.

    فالله الله أن نبذل النصح فيما بيننا، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر متبعين بذلك الحكمة والرفق لعل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا وإياكم من عذابه، إنه على كل شيء قدير.

    أما في الختام فنسأل الله جل وعلا أن يحفظنا وإياكم بحفظه، وكذلك ندعو لإخواننا في كوسوفا الذين شردوا من بلادهم.

    لا إله إلا الله! تصور -يا أخي- الأب والأم يوم أن فرق بينهم وبين أولادهم.

    لا إله إلا الله! تصور أولئك الأطفال وهم ينظرون إلى تلك الأشلاء والمذبوحين كما تذبح الشياة. لا إله إلا الله!

    اللهم انصر إخواننا في كوسوفا وفي كل مكان يا أرحم الراحمين، اللهم انصر المجاهدين من المسلمين في كل مكان، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين، اللهم عليك بأعداء الإسلام وأعداء المسلمين، اللهم عليك بالصرب النصارى الظلمة، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم فرق جمعهم وشتت شملهم، اللهم أيتم أطفالهم، ورمل نساءهم واجعلهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين.

    اللهم عليك باليهود وأعوانهم يا رب العالمين، اللهم اقطع دابرهم فإنهم لا يعجزونك يا رب العالمين.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.