إسلام ويب

اللحظات الأخيرةللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اللحظة الأخيرة هي لحظة الوداع لكل ما في الدنيا من متع ومتاع، وأموال وضياع، وأهل وأتباع.

    وتذكر هذه اللحظة والتفكر فيها يدعو إلى الزهد في الدنيا، والإقبال على الله بكل الجوارح.

    ومن غفل عن هذه اللحظة أو نسيها عوقب وتضرر.

    والتفكر في هذه اللحظة يدعو إلى الاستعداد للموت، والتزود لهذه الرحلة بزادها.

    وبيان ذلك الزاد، وكيفية التأهب للموت والاستعداد، هو محور هذه المادة وموضوعها الأساس.

    1.   

    فضائل الإكثار من ذكر الموت

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    إخواني في الله! أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والآخرين.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى.

    اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

    إخواني في الله! إنها اللحظة الأخيرة التي يودع فيها الإنسان هذه الدنيا، يودع الأهل والأولاد والأصحاب والأقارب، يودع القصور (والفلل) والدور، وينتقل إلى عالم القبور.

    تذكر أخي في الله بأي شيء تنتقل من هذه الدار!

    قال بعضهم: من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء:

    الأولى: تعجيل التوبة.

    الثانية: قناعة القلب.

    الثالثة: النشاط في العبادة.

    الله أكبر!

    تربية الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه على قصر الأمل

    ولقد ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام حتى الشباب على قصر الأمل، وعلى الحذر من هذه الدنيا، فقال لـابن عمر رضي الله عنهما: {كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل} ماذا قال ذلك الشاب الذي تخرج من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك]] هكذا رباهم الرسول صلى الله عليه وسلم.

    دخل عليه الصحابة رضي الله عنهم وقد نام على حصيرٍ أثَّر بجنبه الشريف فقالوا: {يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاءً لينا؟ قال: ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظل تحت شجرة، ثم قال وتركها}.

    ربى زوجاته صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن، فتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: {يمر الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال ما وقِدَ في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار} له تسعة أبيات، فما أدراكم ما تلك الأبيات! إنها حجيرات.

    نزل به ضيفٌ -صلى الله عليه وسلم- فيسأل تلك الزوجات كل واحدة يقول لها: {هل عندك شيء؟ فتقول: والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا ماء} الله أكبر! لا إله إلا الله! أبيات الرسول صلى الله عليه وسلم كل واحدة تقول: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فهذا يدلك أخي المسلم على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرفع بالدنيا رأساً.

    يقول رحمه الله: من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء:

    أولاً: تعجيل التوبة:

    إذا ذكر الإنسان أنه سوف يموت ولا يدري متى يموت، لأن البعض من الناس مع الأسف الشديد يغتر بطول الأمل، حتى أنه ربما يربي أهله وأولاده على طول الأمل، وربنا جل وعلا يقول: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34] والبعض من الناس يربي أهله وأولاده على طول الأمل، ويحدثه بالمستقبل، لا إله إلا الله! الله أكبر! وما درى هذا المسكين أن الموت قد يختطفه إما صباحاً وإما مساءً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34].

    فيا من ابتلي بطول الأمل! تذكر أخي في الله تلك النُّقلة يوم أن تنقل من هذه الدنيا، من عالم الدور إلى عالم القبور، إذا تذكرت ذلك وفقك الله جل وعلا بتعجيل التوبة، تبت إلى الله، ورجعت إليه، أخذت الاستعداد والأهبة لذلك النازل ألا وهو الموت.

    الأمر الثاني: قناعة القلب.

    الأمر الثالث: النشاط في العبادة.

    1.   

    عواقب نسيان الموت

    لكن إن أصبت بهذه المصائب قال رحمه الله: ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء:

    أولاً: تسويف التوبة: كما هو حال الكثير من الناس الآن، وتسويف التوبة بابٌ يفتحه الشيطان للعبد نعوذ بالله من الشيطان الرجيم!

    ذكر لنا بعض الإخوان يقول: زرنا أحد المفرطين في طاعة الله، تاركاً للصلاة؛ فقلنا له: يا فلان، ألا تتقِ الله؟! ألا تصلي؟! ألا تتوب؟! ألا ترجع إلى الله؟!

    بماذا رد عليهم؟! نسأل الله العفو والعافية! قال: جدي مات وهو في مائة سنة، ووالدي مات وهو في التسعين من عمره، وأنا عمري الآن أربعون سنة، لا تكلمني عن الصلاة إلا إذا بلغتُ ستين سنة.

    الله أكبر! لا إله إلا الله! ألم يقف هذا المفرط عند قوله جل وعلا: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34]؟! يقول: لا تكلمني عن الصلاة إلا إذا بلغت من العمر ستين عاماً، ويخرج من عنده الإخوة وقد انكسرت قلوبهم أسفاً، فلما أصبحوا من الغد، وإذا بزملائه يعزي بعضُهم بعضاً، بوفاة فلان الذي يقول بالأمس: لا تأمرني بالصلاة إلا إذا بلغت من العمر ستين سنة، كم يبلغ من العمر؟ لم يبلغ من العمر إلا أربعين سنة ويوم واحد، وقد اقترنته المنية، لا إله إلا الله!

    ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء:

    أولاً: تسويف التوبة: سوف أتوب، إذا بلغت من العمر كذا أتوب، الله أكبر! أين الوثيقة التي تعتمد عليها أنك تموت إذا بلغت من العمر كذا وكذا؟!

    اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

    الأمر الثاني: الرضا بالكفاف.

    الأمر الثالث: التكاسل في العبادات.

    1.   

    كيفية الاستعداد للموت

    إخواني في الله! تذكروا تلك اللحظة.. اللحظة الأخيرة التي تنتقلون بها من هذه الدنيا.

    كتابة الوصية من الاستعداد للموت

    أخي في الله! هل استعددت لهذا النازل العظيم؟! هل كتبت الوصية؟! هل أوصيت أخي في الله؟! هل كتبت وصيتك عند رأسك كما أوصى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أم هو التسويف والتفريط والإضاعة حتى إذا جاء الموت أحدهم يقول كما قال الرب جل وعلا: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100] الله أكبر! لا إله إلا الله! حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100] ما هو الجواب؟ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].

    فلا يُجاب إلى هذا المطلب؛ لأن العمر محدود، والأنفاس معدودة.

    التوبة واغتنام الأوقات

    أخي في الله! تب إلى الله عز وجل ما دمت في زمن الإمكان، اغتنم أوقات الفضائل قبل فواتها، وتأهب لما أمامك، وما أنت قادمٌ عليه لا محالة ألا وهو الموت، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث...} لا إله إلا الله! ينقطع العمل بالموت، تُطْوَى صحائفُه بالموت الذي كان يسطر فيها أعماله في الدنيا، إذا نزل به الموت طويت صحائفه على ما فيها.

    أخي في الله: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له} أما الصلاة فقد انتهى وقتها بالموت، الصيام انتهى وقته بالموت، الحج انتهى وقته بالموت، إلى غير ذلك من الأعمال التي كان يقدر عليها يوم أن كان حياً معافىً، أما إذا مات فإنه ينقطع عمله، كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185].

    1.   

    حقيقة الموت

    قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [النساء:77-78] لا بد من الموت! لا إله إلا الله! أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] الموت الذي كتبه الله على جميع مخلوقاته: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    عباد الله! استعدوا للموت، فإنه تبدُّلٌ من حال إلى حال، وانتقالٌ من دار إلى دار.

    فالموت هو المصيبة العظمى، والرزية الكبرى، وأعظم منه الغفلة عنه، والإعراض عن ذكره، وقلة التفَكُّر فيه، وترك العمل.

    فيا عباد الله! ما هذه الغفلات والاغترار؟! وما هذا الإكباب على الدنيا وقد رأيتم تصرم الأعمار؟! وما هذا التفريط وأنتم على الآثار؟! وقد أيقنتم أن دار الفناء ليست لكم دار قرار؟!

    فيا عباد الله! تأهبوا للموت الذي ما طلب أحداً فأعجزه! إي وربي، ما طلب أحداً فأعجزه! إي والله، ما طلب أحداً فأعجزه! ولا تحصن منه متحصنٌ إلا أخرجه وأبرزه! فأيُّ عيشٍ صفا وما كدَّره؟! وأي قدمٍ سعى وما عثره؟! وأي غصنٍ علا وما كسّره؟! وأي بناءٍ أشيد وما دمّره؟! وأي غافلٍ لاهٍ وما ذكّره؟! وأي ملِكٍ آمرٍ ناهٍ عالٍ وما حذَّره؟! وأي متعنتٍ جائرٍ وما نكَّسه وأصغره؟! وأي غنيٍّ ما سلب ماله وأفقره؟!

    فيا عباد الله! إنه الموت، إنه الموت يأتي على غِرَّة وبدون إنذار، أما أخذ الآباء والأجداد؟! أما أخذ الشباب والأولاد؟! أما ملأ القبور واللحود؟! أما أرمل النساء، وأيتم الأطفال؟!

    عباد الله! إلى متى هذه الغفلة وقد علمتم المصير؟! قال ربنا جل جلاله: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].

    كيفية تذكر الموت

    عباد الله! اعلموا علم اليقين أنه لا بد من السفر من هذه الدار، ومن شك في ذلك فليتذكر من سبقه من الأولين والآخرين.

    وكيف يحصل التذكر؟!

    الجواب: {زوروا القبور، فإنها تذكركم بالآخرة} لا إله إلا الله! {زوروا القبور، فإنها تذكركم بالآخرة} قف على قبر فلان بن فلان الذي كان يأكل معك ويشرب، ويبيع ويشتري ويعمل، أين هو الآن؟ صُفَّت عليه اللبنات، وحُثِي عليه التراب، وتُرِك في قبره وحيداً فريداً، لا إله إلا الله!

    قصيدة زين العابدين في وصف الموت

    يقول بعضهم رحمه الله تعالى:
    كأنني بين تلك الأهل منطرحاً     على الفراش وأيديهم تقلبني
    وقد أتوا بطبيبٍ كي يعالجني     ولم أرَ الطب هذا اليوم ينفعني
    واشتد نزعي وصار الموت يجذبها     من كل عرقٍ بلا رفقٍ ولا هونِ
    واستخرج الروح مني في تغرغرها     وصار في الحلق مراً حين غرغرني
    وغمضوني وراح الكل وانصرفوا     بعد الإياس وجدُّوا في شرا الكفني
    وقام من كان أولى الناس في عجلٍ     إلى المغسِّل يأتيني يغسلني
    وقال يا قوم نبغي غاسلاً حذقاً     حراً أديباً أريباً عارفاً فطنِ
    فجاءني رجلٌ منهم فجردني     من الثياب وأعراني وأفردني
    لا إله إلا الله! إنها الحالة التي سوف تمر بنا جميعاً يا أمة محمد، فتذكر أخي في الله إذا وُضِعْت على المغسَّل، وشُقَّ الثوب ليغسلوك، ويجردوك من ملابس الدنيا التي كنت تتعب فيها. لا إله إلا الله!
    فجاءني رجلٌ منهم فجردني     من الثياب وأعراني وأفردني
    وأطرحوني على الألواح منفرداً     وصار فوقي خريرُ الما ينظفني
    وألبسوني ثياباً لا كِمام لها     وصار زادي حنوطاً حين حنطني
    وقدموني إلى المحراب وانصرفوا     خلف الإمام فصلى ثم ودعني
    صلوا عليّ صلاة لا ركوع لها      ولا سجود لعل الله يرحمني
    ثم بعد ذلك أين المستقر؟! إلى أن يقوم الناس لرب العالمين. أين المثوى؟! لا إله إلا الله! أين النُّقْلة؟! إلى عالم القبور، إلى بيت الوحدة، إلى بيت الغربة، إلى بيت الوحشة، إلى بيت الدود، إلاَّ من وسعه الله عليه، لا إله إلا الله!
    وأنزلوني إلى قبري على مَهَلٍ      وأنزلوا واحداً منهم يلحدني
    من ينزل معه؟! من يسكن معه في ذلك القبر الضيق؟! لا إله إلا الله! يتبعه في قبره عمله كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يتبع الميت ثلاثة؛ يرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع الأهل والمال، ويبقى العمل} لا إله إلا الله!
    وأنزَلوني إلى قبري على مهلٍ     وأنزلوا واحداً منهم يلحدني
    فقام محتزماً بالعزم مشتملاً     وصفف اللبن من فوقي وفارقني
    وقال هُلُّوا عليه الترب واغتنموا     حسن الثواب من الرحمن ذي المننِ
    في ظلمة القبر لا أمٌ هناك ولا أبٌ شفيقٌ ولا أخ يؤنسني

    1.   

    حال المؤمن في القبر

    اسمع خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول صلوات ربي وسلامه عليه في الحديث المتفق على صحته: (إن العبد إذا وُضِع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، قال صلى الله عليه وسلم: يأتيه ملكان، فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال صلى الله عليه وسلم: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله...) لا إله إلا الله! صدق الله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً [النساء:122]: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] الله أكبر!

    (... ما تقول في هذا الرجل؟ قال صلى الله عليه وسلم: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، قال صلى الله عليه وسلم: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فيراهما جميعاً...) الله أكبر! لا إله إلا الله! أما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، قال محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: معنى أشهد أنه عبد الله ورسوله، معناها: تصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع.

    الذين يأبون دخول الجنة

    قال صلى الله عليه وسلم: {كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى}.

    من حلق لحيته؛ فقد عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    من أسبل ثيابه؛ فقد عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    من اهتدى بغير هديه صلى الله عليه وسلم؛ فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    من أكل الربا، من تعامل بالربا؛ فقد عصى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    من اقترف الزنا، من ارتكب جريمة الزنا وجريمة اللواط؛ فقد عصى الله وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم.

    من أوقع نفسه في وحل المخدرات والمسكرات؛ فقد عصى الله وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم.

    من عقَّ والديه؛ فقد عصى الله وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم.

    من قطع أرحامه؛ فقد عصى الله وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم.

    من مشى بالنميمة؛ فقد عصى الله وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم.

    من اغتاب الناس وأكل لحومهم؛ فقد عصى الله وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم.

    {كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى}.

    حال المنافق والكافر في القبر

    ثم قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته: {... وأما المنافق والكافر -أي: إذا وضع قبره وتولى عنه أصحابه- فيأتيه ملكان فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري! كنت أقول ما يقوله الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمطرقة من حديد ضربة، فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين} والحديث متفقٌ عليه.

    فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم! إن نهاية الدنيا، نهاية القصور والدور والفلل، النهاية فيها القبور، إلى أن يأذن الله يوم البعث والنشور؛ ليقوم الناس لرب العالمين.

    فماذا أعددنا لتلك القبور يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟!

    قصيدة وعظية في وصف الموت والحشر وزوال الدنيا

    قال بعضهم وكأنه يعني أهل زماننا:

    هو الموت ما منه ملاذ ومهربُ     متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ

    نشاهد ذا عين اليقين حقيقةً     عليه مضى طفلٌ وكهلٌ وأشيبُ

    ولكن علا الرانُ القلوبَ كأننا     بما قد علمناه يقيناً نكذبُ

    نؤمل آمالاً ونرجو نتاجها     وعلَّ الردى مما نرجيه أقربُ

    ونبني القصور المشمخرات في الهوا     وفي علمنا أنا نموت وتخربُ

    ونسعى لجمع المال حلاً ومأثماً     وبالرغم يحويه البعيد وأقربُ

    نحاسَب عنه داخلاً ثم خارجاً     وفيما صرفناه ومن أين يُكسبُ

    الله أكبر! لا إله إلا الله! هذا المال الذي نجمعه يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم:

    نحاسب عنه داخلاً ثم خارجاً     وفيما صرفناه ومن أين يُكسبُ

    ويسعد فيه وارثٌ متعففٌ     تقيٌ ويشقى فيه آخر يلعبُ

    وأول ما تبدو ندامة مجرمٍ     إذا اشتد فيه الكرب والرُّوح تُجْذَبُ

    ويشفق من وضع الكتاب ويمتني     لو أن رد للدنيا وهيهات مطلبُ

    ويشهد منا كلُّ عضوٍ بفعله     وليس على الجبار يخفى المغيَّبُ

    إذا قيل أنتم قد علمتم فما الذي     عملتم وكلٌ في الكتاب مرتبُ؟

    وماذا كسبتم في شبابٍ وصحة     وفي عمرٍ أنفاسكم فيه تحسبُ

    فيا ليت شعري ما نقول وما الذي     نجيب به والأمر إذ ذاك أصعبُ

    إلى الله نشكو قسوةً في قلوبنا     وفي كل يوم واعظ الموت يندبُ

    ولله كم غادٍ حبيبٍ ورائحٍ          نشيعه للقبر والدمع يسكبُ

    أخٌ أو حميمٌ أو تقيٌ مهذبٌ      يواصل في نصح العباد ويدأبُ

    نهيل عليه التربَ حتى كأنه      عدوٌ وفي الأحشاء نارٌ تلهَّبُ

    sh= 9900326>وما الحال إلا مثل ما قال من مضى وبالجملة الأمثال للناس تضربُ

    لكل اجتماعٍ من خليلين فرقةٌ      ولو بينهم قد طاب عيشٌ ومشربُ

    ومن بعد ذا حشرٌ ونشرٌ وموقفٌ      ويومٌ به يُكسى المذلةَ مذنبُ

    إذا فر كل من أبيه وأمه      كذا الأم لم تنظر إليه ولا الأبُ

    وكم ظالمٍ يدمَى من العض كفه      مقالته يا ويلتا أين أذهبُ

    إذا اقتسمت أعماله غرماؤه          وقيل له هذا دماكم فتكسبُ

    وصُك له صكٌ إلى النار بعدما     يحمل من أوزارهم ويعذبُ

    وكم قائلٍ واحسرتا ليت أننا      نرد إلى الدنيا ننيب ونرهبُ

    ثم قال رحمه الله:

    فحثوا مطايا الارتحال وشمروا     إلى الله والدار التي ليس تخربُ

    1.   

    زاد المؤمن في رحلته إلى الله

    بماذا يتزود المؤمن في رحلته إلى الدار الآخرة؟

    بتحقيق توحيد الله عز وجل.

    بتخليصه من الشرك والبدع والمحدَثات.

    بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

    بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام.

    ببر الوالدين.

    بصلة الأرحام.

    بالإحسان إلى الفقراء والمساكين.

    بكثرة تلاوة القرآن.

    بكثرة ذكر الله عز وجل.

    بكثرة الاستغفار.

    بكثرة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

    بالدعوة إلى الله عز وجل.

    تلك الأعمال التي تجدها في رصيدك، وفي ميزان حسناتك يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المشمرين إلى طاعته ما دمنا في زمن الإمكان، ممتثلين أمر الكريم جل جلاله وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133] مَن هُمُ المتقون؟

    هم الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية؛ بفعل الأوامر، واجتناب النواهي.

    اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين!

    إخواني في الله، الله جل وعلا أمرنا بالتزود من التقوى، فقال جل جلاله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة:197].

    الأمور التي أمر الله سبحانه بالتزود منها

    ولذلك أخي في الله إذا قرأت القرآن وتصفحت آياته وجدت أن الله سبحانه وتعالى لم يأمر بالتزود من هذه الدنيا إلا من أمرين:

    الأمر الأول: العلم النافع:-

    قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114].

    الأمر الثاني: التقوى:-

    قوله جل جلاله: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى [البقرة:197].

    أ- فضل العلم النافع:

    أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما أحوجنا إلى العلم النافع خاصة في هذه الأزمنة المظلمة، أزمنة الفتن والمغريات.

    العلم النافع، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {من يرد الله به خيراً يفقه في الدين} الله أكبر!

    وربنا جل وعلا يقول: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر:9].

    ووعد الله العلماء بالرفعة، قال جل وعلا: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11].

    إذاً، بأي شيء نتحصل على هذا العلم النافع، العلم الشرعي بعد تقوى الله جل وعلا، كما قال سبحانه وبحمده: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].

    إذا أردت العلم النافع، العلم الشرعي، الذي تستنير به القلوب، الذي يعرف به الحلال من الحرام، والحق من الباطل، فالله الله.. بتقوى الله، التزم تقوى الله، التزم تقوى الله، حـتى يرزقك الله العـلم النافع، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة} اللهم ارزقنا علماً نافعاً.

    إخواني في الله: ثم تذكروا ذلك الفضل العظيم الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم لمن جلس يطلب العلم، قال صلى الله عليه وسلم: {ما جلس قومٌ مجلساً يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده}.

    فيا أمة محمد صلى الله عليه وسلم: الله الله.. بالعلم النافع! الله الله.. بالعلم النافع! تعلموا العلم النافع، أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ما الذي يحصل في آخر الزمان، يقول صلوات ربي وسلامه عليه: {إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً من العباد، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالماً اتخذ الناس رءوساً جُهَّالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا}.

    ولقد خاف علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأئمة المضلين.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

    اللهم نور بصائرنا بالعلم النافع، اللهم نور بصائرنا بالعلم النافع.

    ب- ضرورة تبليغ العلم بعد تحصيلة:-

    أخي في الله: إذا رزقك الله العلم النافع، أيضاً مطلوبٌ منك أن تبلغ هذا العلم، قال صلى الله عليه وسلم: {بلغوا عني ولو آية} ثم أنت مسئولٌ عن هذا العلم، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسال عن أربع:..... وعن علمه ماذا عمل به} لا إله إلا الله!

    أخي في الله: بلغ هذا العلم ما دمت في زمن الإمكان قبل أن توقف بين يدي الله جل وعلا، ويسألك عن هذا العلم: هل بلغت هذا العلم؟

    اللهم ارزقنا علماً نافعاً، وارزقنا عملاً صالحاً.

    ثم أخي في الله: تذكر يوم أن تنتقل من هذه الدار، هل أنت ممن اقتديت بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم؟ ودعوت إلى الله جل وعلا؟ لأن الله جل وعلا يقول عن نبيه صلى الله عليه وسلم وقد أمره جل وعلا بهذه الدعوة التي إن سلكت سبيل نبيك محمد صلى الله عليه وسلم؛ حزت على خيرٍ كثير: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ [يوسف:108].

    إن كنت من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وترجو أن تَرِدَ عليه الحوض وتشرب منه شربة لا تظمأ بعدها أبداً؛ فاقتدِ بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، قال ربنا جل وعلا: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125].

    وما أحوجنا في هذه الأزمنة إلى الدعوة إلى الله جل وعلا.

    يا من رزقه الله العلم! بلغ هذا العلم، حتى إذا جاءتك اللحظة الأخيرة فتكون قد بلغت هذا العلم مقتدياً بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

    اللهم اجعلنا من الدعاة إلى سبيلك بالحكمة والموعظة الحسنة.

    جـ- وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:-

    ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي تقاعس عنه الكثير، ذلك الأمر العظيم الذي وَهَى جانبه، وكثر مجانبه، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي عده بعض العلماء الركن السادس لأركان الإسلام، ذلك الأمر الذي فرط فيه الكثير من الناس، وربنا جل وعلا قال في صفة هذه الأمة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] بماذا؟ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] ورسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب الأمة جميعاً، فقال: {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان} ثم يأتي بعض الناس ويقول: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصٌ برجال الحسبة أو برجال الهيئة سدد الله خطاهم، ورفع قدرهم، وأعزهم بطاعته، وحفظنا الله وإياهم بحفظه، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

    إن هذا الظن الذي يظنه بعض الناس أن الأمر خاصٌ برجال الحسبة، أو رجال الهيئة، هذا ظنٌ خاطئ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال يخاطب الأمة جميعاً: {من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان}.

    وإن تقاعست الأمة وأبت إلا التخاذل، ولم تأمر بالمعروف ولم تنهَ عن المنكر، فليسمعوا خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو يخاطب الصحابة على المنبر صلى الله عليه وسلم، يقول: {يا أيها الناس! إن ربكم تبارك وتعالى يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجِب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أُعْطِكم} لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!

    وما لُعِنَت بنو إسرائيل إلا بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال جل وعلا: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79] قرئت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: {كلا والذي نفس محمدٍ بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم}.

    اللهم سلِّم سلِّم!

    اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، ونعوذ بك اللهم من جميع سخطك.

    وهذه زينب رضي الله عنها تقول: {استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محمرَّ الوجه يقول: لا إله إلا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب! فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا، وحلَّق بالإبهام والتي تليها، فقالت رضي الله عنها: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم، إذا كثر الخبث}.

    اللهم سلِّم سلِّم!

    اللهم احفظنا بحفظك، وارعنا برعايتك، واكلأنا بعنايتك يا أرحم الرحمين!

    قال: {نعم، إذا كثر الخبث} لا إله إلا الله!

    التناصح سبيلٌ للنجاة

    أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم! إذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر؛ حصلت النجاة التي وعد الله بها كما قال سبحانه وتعالى: وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ [الأعراف:165] فمن أراد النجاة فعليه أن يمتثل أمر الله، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، يدعو إلى الله عز وجل ثم إخوانه في الله، يتبادل النصيحة، كما أرشدنا إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينصح بعضُنا بعضاً، قبل أن تحل اللحظة الأخيرة، قبل أن ننتقل من هذه الدار يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم}.

    اللهم اجعلنا من المتناصحين فيك.

    اللهم اجعلنا من المتحابين فيك.

    اللهم اجعلنا من المتراحمين والمتعاطفين فيك يا رب العالمين!

    الله أكبر! إذا حصل هذا حصل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أن وصف المجتمع المسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ؛ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى}.

    وقال صلى الله عليه وسلم: {المؤمن للمؤمن كالبنيان، وشبك بين أصابعه}.

    اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى، وصفاتك العُلا؛ أن تختم بالصالحات أعمالنا.

    الإيمان والاستقامة سبب لتبشير المؤمن بالجنة

    لا إله إلا الله! الله أكبر! تذكر اللحظة الأخيرة أخي في الله، إذا نزل الموت وأنت على عمل صالح يُرضِي الله سبحانه وتعالى كيف تكون الخاتمة؟! لا إله إلا الله! تكون الخاتمة بإذن الله حسنة كما قال ربنا جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] الله أكبر! أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا [فصلت:30] لا تخافوا مما أمامكم، لماذا؟

    لأنهم آمنوا بالله، واستقاموا على طاعة الله، فإن أمامهم القبر روضة من رياض الجنة، وقد أحب الله لقاءهم، وأحبوا لقاء الله، فهنيئاً لهم ذلك المسكن وذلك القبر يوم أن ينادي رب العزة والجلال: {أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من رَوحها وطيبها ويُفتح له في قبره مد بصره، ثم يأتيه ذلك العمل الذي عمله في الدنيا بصورة مفرحة، تبشر بخير، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح} لا إله إلا الله! هنيئاً له أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا [فصلت:30] ولا تحزنوا على ما خلفتم لماذا؟ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت:31].

    وهناك بشارة أخرى من الله جل وعلا، يقول الله سبحانه وبحمده: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    اللهم اجعلنا ممن يقال له ذلك، اللهم اجعلنا ممن يقال له ذلك، يا أكرم الأكرمين، ويا أجود الأجودين!

    وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم توبة نصوحاً.

    التوبة النصوح إجابة لنداء الله

    أيها الإخوة في الله! لا شك أن التفريط يحصل من الكثير، لكن نتلافى ذلك -ولله الحمد- بالتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.

    وقد ندب الله جل وعلا عباده إلى التوبة، بل ناداهم سبحانه وبحمده بأشرف الأسماء وهو اسم الإيمان، فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التحريم:8].

    وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم أشرف الخلق وأحبهم إلى الله، الذي غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقول: {والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة} رواه البخاري.

    الله أكبر! هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة.

    وفي رواية لـمسلم قال: {يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    فيا أخي في الله: الله الله! بالتوبة والرجوع إلى الله عز وجل ما دمت في زمن الإمكان، قبل أن تحل بك اللحظة الأخيرة، ثم بعد ذلك يحصل التحسر والندم، وهيهات هيهات! كما قال الله جل وعلا عن أحوال الذين يتحسرون عند اللحظة الأخيرة: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100] قال جل وعلا: كَلَّا [المؤمنون:100] كلمة ردع وزجر، لن يجاب على هذا المطلب؛ لأن العمر محدود، والأنفاس معدودة، انتهت إقامته في هذه الدنيا، ونزلت به اللحظة الأخيرة، فهو ينتقل من هذه الدنيا.

    فيا إخواني في الله: بادروا بالتوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، يقول ربنا جل وعلا: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    ويقول صلوات ربي وسلامه عليه: {إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها} لا إله إلا الله!

    اللهم ارزقنا توبة نصوحاً، اللهم ارزقنا توبة نصوحاً، اللهم ارزقنا توبة نصوحاً.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.