إسلام ويب

التذكرة بحال الدنيا والآخرةللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جعل الله هذه الحياة الدنيا داراً للابتلاء والامتحان، وحذَّر من الانغماس في ملذاتها والجري وراء حظوظها، وبيَّن حقارتها وسرعة زوالها، وأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فعلى المرء المسلم ألا يغفل عما خلق له من عبادة الله تعالى، وعليه أن يكثر من التزود من الأعمال الصالحة، وأن يجعل الموت وقرب الرحيل نصب عينيه؛ فإن ذلك يعينه على التقلل من الدنيا والزهد فيها.

    1.   

    حقارة الدنيا وقصر الأعمار

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال وقوله الحق: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16-17] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً شربة ماء) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة في الله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله أن يجعلنا نتبادل هذه التحية بدار السلام في الفردوس الأعلى.

    أيها الإخوة في الله: لا يخفى عليكم أمر الدنيا وحقارتها، فهي حقيرة لا تزن عند الله جناح بعوضة ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى منها كافراً شربة ماء، ويبين ذلك قوله تعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:196-197] فهذه الدنيا وإن تمتعوا بها ليلاً ونهاراً فعمرها قليل، وإن أرغدت عليهم فستنقلب، ولكم في ذلك عبرٌ كثيرةٌ تمر ليل نهار عبر ما تشاهدون وتسمعون، ولكن كما قال الله تعالى: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

    ما أكثر المواعظ يا عباد الله! وما أكثر العبر! ولكن ينقصنا شيء وهو زيادة الإيمان، فإذا زاد الإيمان وتحقق في قلوبنا، عرفنا حقارة هذه الدنيا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) وهو حديث صحيح يروى لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: (حجبت بالمكاره).

    ثم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً: (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكبٍ قال تحت شجرة، ثم تركها) هكذا الدنيا يا عباد الله!

    ألم تسمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ربط على بطنه الحجر من الجوع؟ أليس هذا من حقارة الدنيا؟ بلى. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أفضل الخلق عند الله على الإطلاق، فلو كانت الدنيا خيراً لما زواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال وما أوقد في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، ويستضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيفاً، ويرسل إلى إحدى زوجاته: هل عندك شيء؟ فتقول: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة وهكذا تسعة بيوت، كل واحدة تقول: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أفضل الخلق على الإطلاق.

    ثم هو يقول لـعبد الله بن عمر: (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) ثم يقول هذا التلميذ الذي تتلمذ على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم: [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح]] وهذا يدل على أن عمر الدنيا قصير.

    عمارة الدنيا لا تكون إلا بالأعمال الصالحة

    المطلوب من العباد أن يعبروا هذه الحياة الدنيا، ويعمروها بالأعمال الصالحة كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58] هل آمنا بهذا؟

    إذا آمنا بهذا انكشفت عنّا الشكوك وانجلت عن قلوبنا، وما هي الشكوك؟

    البعض من الناس يشك والعياذ بالله، فإذا قيل له: اتق الله، واعمر حياتك بطاعة الله، قال: أضيع المستقبل؟ ونحن نقول: هل عندك -يا أخي- قرارٌ معين يعين لك هذا المستقبل الذي سوف تعيشه؟ لا. ليس عندك هذا، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً [لقمان:34] فافهم يا عبد الله! واسمع قول الله عز وجل: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34] هل حققنا هذا؟ لا نقول: لا؛ لأن البعض فيه من الإيمان ما الله به عليم، أما البعض من الناس فلا حول ولا قوة إلا الله! ولقد سمعناهم يقولون: أثبتوا لنا وجود الله، فكيف صدرت منهم هذه الكلمة ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! لقد صدرت بتأثر من أعداء الإسلام وأعداء المسلمين الذين يشنون على الإسلام والمسلمين حرباً شعواء، ولكن هل من مدَّكر يا عباد الله؟!

    من أسباب قسوة القلوب البعد عن القرآن

    البعض من الناس يقول: أنا لا يلين قلبي، ولا أخشع لسماع كلام الله ولا عند المواعظ، ثم نأتي نختبره ونقول: أين تقضي أوقاتك؟ فيقول: الظهر مع جريدتين، والعصر مع الكرة، وفي الليل عند التلفاز، وآخر الليل بقليل أو قبل أن يأتي النزول الإلهي عند الورقة، وهي التي تسمى"البلوت والكيكان" أجل.. فمن أين يأتي لقلبك الخشوع يا عبد الله؟! أما علمت أن أبعد القلوب من الله القلوب القاسية، وهي التي اشتغلت بغير ذكر الله عز وجل؟

    عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه الخليفة الثالث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب من عنده ويقول: [[لو طهرت قلوبكم، ما شبعتم من كلام ربكم]].

    وابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه لما سأله بعض الناس في زمانه، قالوا: إنا نريد أن نقوم الليل ولا نستطيع، قال لهم: [[قيدتكم معاصيكم، أو قيدتكم خطاياكم]] يقول بعض الصحابة الذين تتلمذوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب من كان في زمانه في القرون المفضلة، ويقول: [[إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر.. كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات]] ولو رأى هذا الصحابي ما نحن فيه الآن، فماذا سيقول رضي الله عنه وأرضاه؟!

    في الحقيقة أن الكثير من المسلمين ابتعدوا عن تعاليم الإسلام، ابتعدوا عن القرآن، ابتعدوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن سيرة السلف الصالح، فمن أين يكون الخشوع؟ من أين يكون الخشوع يا عبد الله وقلبك وأفكارك مزاحمةٌ بتلك المنكرات التي ابتدعها لك أعداء الإسلام، والتي حذَّر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خاطب الصحابة فقال: {إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار}.

    إذا كان هذا قد بيَّنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً، فمن أين لنا العذر يا عباد الله؟! إذا أردنا أن تحيا قلوبنا، وأن نتقرب من الله عز وجل، فما علينا إلا أن نبحث عن العلاج.

    والعلاج يوجد في صيدلية معروفة أسسها محمدٌ صلى الله عليه وسلم فيها الشفاء من كل داء، ومن أعظمها وفي مقدمتها المعجزة الكبرى التي أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن العظيم يا عبد الله!

    فأين قراءة القرآن من المسلمين؟!

    كنا نسمع قبل عشرين أو ثلاثين سنة في البيوت قراءة القرآن، وذكر الله عز وجل، أما الآن ماذا نسمع في بيوت المسلمين؟! إنا لله وإنا إليه راجعون!

    أيها الإخوة في الله: علاج القلوب واضح وميسر وسهل ولله الحمد، ما عليك إلا أن ترجع إلا ربك عز وجل وتقرأ القرآن، وتتدبر معانيه، وتقف عند آياته وتتفكر فيها، ثم تطبق ذلك في حياتك؛ في سلوكك، في آدابك، في أخلاقك؛ لتكون قدوة للآخرين؛ لتكون قدوة في أهل بيتك، في جيرانك، في أولادك، في أقاربك، ولا تضجر ولا تضق من الذين استعانوا بالشيطان على أن يحرفوك عن الطريق المستقيم.

    يوجد الآن بعض الآباء -هداهم الله وردهم الله إلى دينه الصحيح، وردهم الله إلى رشدهم- يعاتبون الأولاد، ويشددون على الأولاد إذا رأوهم يصومون الإثنين والخميس، أو رأوهم يقومون الليل، ويشهِّرون بهم بين الأقارب، ويقول الأب: إنَّ ابني فلاناً أخشى عليه أن يصبح مجنوناً أو موسوساً..! لماذا؟ لأنه يصوم الإثنين والخميس ويقوم الليل، الله أكبر! صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: {بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون عند فساد الناس، أو الذين يصلحون ما أفسد الناس}.

    لقد كان لبعض الصحابة عندما أسلم والدة، وتقول له: لا أذوق الطعام والشراب حتى ترجع عن دين محمد -وهذا في بداية الإسلام، في غربته الأولى- فقال هذا الابن جزاه الله جنة الفردوس الأعلى: [[كلي أولا تأكلي، فوالله لو كانت لك مائة نفس تخرج واحدة واحدة، ما تركت دين محمد صلى الله عليه وسلم]].

    هذا الإيمان يا عباد الله! هذا الإيمان الصحيح الذي رسخ في القلوب، لا تؤثر فيه مؤثرات الحياة، لا كما يفعل بعض الناس يستقيم شهراً أو سنة، ثم يصحب بعض قرناء السوء فيقولون له: أنت موسوس، أنت متزمت، نخشى عليك أن يصيبك الجنون، فيعمد إلى اللحية ويحلقها، وإلى الثوب ويطيله ولا حول ولا قوة إلا بالله! هذا ما يحدث من بعض جلساء السوء في هذه الدنيا.

    الدنيا دار بلاء وامتحان

    بسم الله الرحمن الرحيم

    تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:1-2] ويقول أيضاً:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2] ما خلقت في هذه الحياة -يا عبد الله- إلا للابتلاء والامتحان، انظر إلى من قبلك من الأمم الذين ابتلاهم الله.. أما قرأت سورة البروج ثم رجعت إلى تفسيرها؟ تجد فيها حديثاً صحيحاً متفقاً على صحته، وفيه أنه كان للملك ساحر، وكان هذا الساحر قد كبر، فقال الساحر للملك: إنه قد كبر سني، وأريدك أن تبعث إليَّ غلاماً أعلمه السحر -وقصة الغلام طويلة- ولكنَّ الله جل وعلا أظهر هذا الغلام بقوة إيمانه حتى إن الملك بعثه مع رهط ليصعدوا به الجبل، فإذا وصلوا ذروة الجبل يلقوه منها، ماذا قال هذا الغلام؟ قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فسقطوا من الجبل، وجاء يمشي إلى الملك، قال: أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى.

    ثم بعثه في قرقورة -سفينة صغيرة- مع جماعة أخرى، وقال لهم: إذا توسطتم البحر، فاقذفوه فيه، فلما توسطوا البحر وأرادوا أن يقذفوه، قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، هذا الاتصال بالله عز وجل، لا يحتاج إلى مقدمات، ولا إلى واسطات، الله سبحانه وتعالى قريب، يقول الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].

    فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانقلبت بهم السفينة وجاء يمشي إلى الملك، قال: أين أصحابك؟ قال: كفانيهم الله تعالى، فهذه قوة الإيمان يا عباد الله!

    ثم يؤتى بأناس آخرين قد آمنوا، فيقال لهم: ارجعوا عن دينكم وإلا فعلنا بكم كذا وكذا، فلم يرجعوا، ويوضع المنشار على مفرق رأس الواحد فيشق نصفين وما يرده ذلك عن دينه.

    أما بعض الشباب -هدانا الله وإياهم لطاعته، ووفقنا الله وإياهم لما يحبه ويرضاه- لم يعلموا إلى الآن أنهم وجدوا في هذه الحياة الدنيا للابتلاء والامتحان، بمجرد ما يقول له الزميل أنت موسوس، أو مجنون، أو متزمت، يعمد إلى هذه اللحية التي كرمه الله بها، ثم يحلقها نعوذ بالله من الانتكاسة.

    وهكذا ما يحدث من بعض النساء هدانا الله وإياهن لما يحبه ويرضاه، وأسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين أجمعين ذكوراً وإناثاً إنه على كل شيءٍ قدير.

    دعوة للمرأة أن تكون عوناً على الدين

    ينبغي للزوجة المسلمة التي تؤمن بالله، وتؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، آيات الله وتسمع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون عوناً لزوجها في هذه الحياة الدنيا، ليس عوناً له في جلب مصالح الدنيا فإن الرزق على الله، بل تكون له عوناً على طاعة الله تعالى، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث معناه: {رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى ما كتب له، ثم أيقظ زوجته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ثم قال: ورحم الله امرأة قامت من الليل، فأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء} رحم الله رجلاً، ورحم الله امرأة، هذه دعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:{فاظفر بذات الدين تربت يداك} ويقول صلى الله عليه وسلم: {الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة} المرأة الصالحة التي تعينك على طاعة الله، تذكرك بالله، إذا ذكرت أعانتك، وإذا نسيت ذكرتك، تعينك على صلة الأرحام، تعينك على برِّ الوالدين وتذكرك بذلك، وترعى الأولاد وتربيهم تربيةً صالحةً إسلاميةً، حتى تكون أنت وهي في الجنة سواء، قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21].

    فينبغي للمرأة المسلمة أن تكون عوناً لزوجها على طاعة الله، وإذا رأت منه خللاً في بعض الأحيان كأن يميل إلى بعض المنكرات، تذكره بالله عز وجل، وتقول له: اتق الله، وإذا جن عليهما الليل، تقول: يا زوجي! يا زوجي! قم فأمامنا مفازةٌ طويلةٌ تحتاج إلى زاد، أمامنا سفرٌ بعيد يحتاج إلى زاد، قم -يا زوجي- لنصلي أنا وأنت حتى يذكرنا الله ويكتبنا مع الذاكرين الله والذاكرات، هكذا ينبغي للزوجة، وهكذا ينبغي للزوج أن يكون عوناً لزوجته على طاعة الله، والبعض من الناس يتعذر بأعذارٍ واهيةٍ، ويقول: أنا أعاني من المشاق، وأعاني من كذا وكذا، فهذا يدل على عدم صبرك يا عبد الله! والله عز وجل يقسم فيقول:

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] هكذا ينبغي لك يا عبد الله! آمنوا، ثم اعملوا بطاعة الله، اعملوا الصالحات وتواصوا على ذلك بالحق، وتواصوا على ذلك بالصبر حتى تكونوا من الذين استثناهم الله من الخسران.

    1.   

    الحذر من الانغماس في الحياة الدنيا

    واعلم أن من آثر الحياة الدنيا، فإن له وعيداً شديداً، وقبل أن نقرأ هذا الوعيد الشديد يقول البعض من الناس: أتريدنا أن نلزم المساجد، ونقضي وقتنا في ذكر وقراءة قرآن ونموت جوعاً، فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يقول: [[إن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً]].

    نقول لك: أنت أفتيت نفسك جزاك الله خيراً، صحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قال: [[السماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً]] وأمرت ببذل الأسباب، ولكن الذي أريد منك، وأريد من نفسي المقصرة الأمارة بالسوء أن نقتصد في طلب الدنيا، وأن نجعل الدنيا في أيدينا ولا نجعلها في قلوبنا، وإلا فما مرضت القلوب وقست إلا لأن الدنيا نزلت فيها، وصارت الآخرة في أيدينا.

    نعم. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى:16-17] فعليك -يا عبد الله- أن تستعين بالله عز وجل، وأن تفعل الأسباب، وأن تطلب الرزق الحلال كما قال بعض السلف رحم الله:

    خذ القناعة من دنياك وارض بها     لو لم يكن لك إلا راحة البدن

    ثم يقول الشافعي رحمه الله:

    وما هي إلا جيفةٌ مستحيلةٌ     عليها كلاب همّهنَّ اجتذابها

    فإن تجتنبها كنت سلماً لأهلها     وإن تجتذبها نازعتك كلابها

    هذه الدنيا عرف قدرها السلف الصالح رحمة الله عليهم، فلماذا عمر رضي الله عنه وأرضاه يأكل خبز الشعير مع الزيت وهو الخليفة الراشد الذي مفاتيح خزائن بيت مال المسلمين بيده؟ ولماذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وما شبع من الدقل يوماً؛ وهو رديء التمر؟

    لماذا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونةٌ على شعير عند يهودي؟ كل هذا لعدم الاعتناء بالدنيا، وهل ماتوا جوعاً قبل أن يأتيهم الأجل؟ لا. والله ما ماتوا جوعاً قبل أن يأتيهم الأجل، لو كان الجوع يميت أحداً لمات أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه، يقول: [[كنت أخر صريعاً من الجوع، ويطوى عنقي ويحسبون أن بي جنوناً ووالله ما بي إلا الجوع]].

    الله أكبر! الله أكبر يا عباد الله! ومع هذا فتحوا الفتوحات وحفظوا لنا ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما نحن ولا حولا ولا قوة إلا بالله! مع كثرة ما بسط لنا من زينة الحياة الدنيا تجدنا مقصرين في طاعة الله عز وجل، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تتفطر قدماه، وتقول له عائشة رضي الله عنها: (لمَ تفعل هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً) ثم يقول صلى الله عليه وسلم في موعظة: (لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) وأيضاً يقول صلى الله عليه وسلم: (كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر) أي: متى يؤمر بنفخ الصور.

    فيا عبد الله: قدر لهذه الدنيا قدرها، وأخرجها من قلبك، واحتقرها، واجعلها في يديك، واعمل واكتسب الأرزاق بقصدٍ، واعقد النية في عملك هذا أن تستعين به على طاعة الله عز وجل.

    يقول البعض من الإخوان: لقد كان بعض الصحابة أغنياء، فلماذا تُحذِّرون من الدنيا؟

    فنقول له: تعال -يا عبد الله- لنجلس قليلاً حتى نرى ما هي حالة الصحابة رضي الله عنهم، هذا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه أتته قوافلٌ كثيرةٌ من العراق، وقد أصاب المدينة مجاعةٌ عظيمةٌ، فأتاه التجار يريدون أن يشتروها منه بثمنٍ كثير، فقال: قد بعتها، ويريد أنه باعها من الله عز وجل، الذي من تاجر معه ربح، هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم، أما نحن، فأغنياؤنا يتحيَّنون فرص الغلاء فيدخرون ما عندهم حتى يحتكروه ويضيقوا الخناق على الآخرين، والبعض من الأغنياء يحارب الله ورسوله علانيةً بالربا، كل ذلك حباً للدنيا والدينار -نسأل الله العفو والعافية- ونسي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن فرَّج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرَّج الله عنه كربة من كرب الدنيا والآخرة) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، ونسي قوله صلى الله عليه وسلم: (ومن يسر على معسرٍ، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة).

    فهل تحققنا ذلك يا عبد الله؟ لو تحققنا ذلك وآمنا وملأ الإيمان قلوبنا لاشتقنا إلى الآخرة، واشتقنا إلى جنة عالية قطوفها دانية، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تنسوا العظيمتين) وهل العظيمتان أمريكا والروس كما يزعم الناس؟

    لا. العظيمتان: الجنة والنار يا عبد الله! تذكر الجنة والنار، تذكر إذا انصرف الناس هل يؤخذ بك ذات اليمين إلى الجنة، أو يؤخذ بك ذات الشمال إلى النار تذكر يا عبد الله!

    التفكر في الموت يزهّد في الدنيا

    ولن تتذكر ذلك حتى تتذكر هاذم اللذات، وتعرف أن الموت لا يستأذن على أحد، يأتيك على غرة وعلى حين غفلة، تجدك جالساً مع أهلك وأولادك متكئاً على الأريكة، فإذا بهاذم اللذات ينزل عليك، وتجمد العينان، ويشخص البصر وهيهات... وحالك: ادع الطبيب، ولم أرَ الطبيب اليوم ينفعني، نعم يا أخي! أين فلان وأين فلان؟ فلان خرج في الصباح للعمل، وقد تجهز ولبس ما عنده من الزينة، ولما سار في الطريق، وقبل أن يصل العمل، وإذا بسائق طائش يجتاز الإشارة، ويصطدم به وإذا بالهاتف يرن: ألوه! أبوكم في الثلاجة، الله أكبر! كيف في الثلاجة، هل أبونا مات؟! نعم مات.. سبحان الله العظيم مات!

    والآخر بات في الليل وقد سمر مع الأصحاب وأكل وشبع، وأرادوا أن يوقظوه لساعة العمل، وإذا هو جثة هامدة.. مات فلان؟ مات فلان، يا أخي! إن الموت لا يعطي إنذارات، بل يأتيك على غرة.

    هل أنت شاكٌ في ذلك؟ اسمع قول الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:35] هذا كلام الله عز وجل، هذا مرسومٌ رسمه ربنا جل وعلا، وجاء به محمد صلى الله عليه وسلم وهو موجود إلى الآن: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:35] نعم نموت، ولو كُنا في فلل ورفعنا السور، وأعمقنا للقواعد، ورفعنا القصور، نموت، وهذا من قول ربنا جل وعلا: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ [النساء:78] فلماذا لا نستعد لهذا؟ ولماذا لا نعتبر؟ الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {زوروا القبور، فإنها تذكركم بالآخرة} قف على القبر الذي جلس عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى حتى بل الثرى، وقال: {هنا تسكب العبرات}.

    المهم -يا عبد الله- أنه مطلوب منك أن تستعد لهادم اللذات ومفرق الجماعات، وميتم الأطفال ومرمل النساء.

    قال تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] جاء ملك الموت لموسى كليم الرحمن فلطمه موسى ففقأ عين ملك الموت، فرجع الملك إلى الله عز وجل، فقال: إن عبدك موسى فقأ عيني، فقال الله: اذهب إلى عبدي موسى، ومره يضع يده على جلد ثور، فله بعدد الشعر سنين، أو كما ورد في الحديث الصحيح، ثم قال موسى: وبعد ذلك أموت؟ قال: نعم تموت كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185] كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ [القيامة:25-27] احضروا الطبيب، اذهبوا به إلى البلدة الفلانية، اذهبوا به بطائرة خاصة، ولكن هيهات، وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].. وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:27-29] مات فلان، مات فلان، جمدت العينان، سكت القلب، شخص البصر، ثم يستعدون به ويأتون بالمغسل والمكفن.

    ومع الأسف الشديد لقد سمعنا خبراً محزناً أن بعض المغسلين الثقاة لما أراد أن يغسل شاباً، يقول: انقلب أسود اللون، كان قبل أن يغسله أبيض فانقلب أسود اللون، وسأل والده عن ذلك، فقال: إنه لا يصلي.

    ثم يذكر لنا هذا الثقة أنه أراد أن يقبر شيخاً كبيراً -أي كبيراً في السن- وفي ساعة متأخرة من الليل، ولم يجدوا إضاءة يستضيئون بها حتى يدخلوه في اللحد، فلما كشف عن وجهه، سطع القبر نوراً، ورآه من كان خارج القبر، انظروا إلى الفرق يا عباد الله! كلهم عباد الله، وأن الله جل وعلا ليس يبنه وبين خلقه نسباً مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

    ثم يوضع هذا في القبر، وهذا القبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، ثم هذا في قبره قد فتح له باب إلى الجنة، وهذا فتح له باب إلى النار، هذا فرش له من فرش الجنة، وهذا فرش له من فرش النار، هذا عنده شاب حسن الثياب طيب الريح، وهذا عنده كريه المنظر خبيث الرائحة، فانظر الفرق -يا عبد الله- ووازن بينهما.

    تذكر الآخرة يحث على العمل الصالح

    ثم بعد هذه المدة التي يعلمها الله فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى [النازعـات:34-36] اسمع الفرق يا عبد الله، وهذه الحياة التي قضاها في الدنيا انظر إلى عاقبتها في الآخرة: فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعـات:37-39] وانظر على الآخر: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعـات:40-41] ويكون ذلك إذا انتهت مدة الحياة، وأذن الله في خراب هذه الحياة الدنيا؛ لننتقل منها إلى دار الآخرة.

    ثم يقول الله جل وعلا في محكم البيان: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الحج:1] أي: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية، اتقوا ربكم: تقربوا إلى الله بطاعته، أطيعوا الله، وعظموا أوامره، واجتنبوا نواهيه.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الحج:1] لأن أمامكم هولاً عظيماً إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2].

    عباد الله: إنها لحظات عظيمة، في ذلك الموقف العظيم يقول تعالى: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر:23] وجهنم يقول عنها صلى الله عليه وسلم: {يؤتى بجهنم يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها} اضرب -يا عبد الله- سبعين بسبعين ألف، الله أكبر! إنها نار وقودها الناس والحجارة، في يوم القيامة في ذاك الموقف العظيم الرهيب، الذي يحتاج الناس إلى من يشفع لهم عند ربهم جل وعلا لينـزل الله جل جلاله ليقضي بين العباد، ليستريحوا من ذلك الموقف.

    ولكن تلك الشفاعة يعتذر عنها ويبتعد عنها أولوا العزم من الرسل، كلهم يقول: نفسي نفسي، ثم يرجع الأمر إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك الموقف العظيم أناس اختصهم الله بكرامات عظيمة، أتدري ما هي يا عبد الله؟ هي أن يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، الله أكبر! ولكن أسفٌ على الشباب الذين يضيعون هذه الفرصة، وهم الذين عدَّهم الرسول في الدرجة الثانية بعد أن قال: {إمام عادل} ثم قال: {وشاب نشأ في طاعة الله} فيا أيها الشاب! لا تضيعوا هذه الفرصة.

    نعم. إنهم سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ثم يأتينا تحذير بيّنه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة يقول: {يَرِدُ أقوام من أمتي الحوض، ثم تردهم الملائكة فأقول: أمتي أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك}.

    1.   

    نصيحة في المداومة على العمل الصالح وترك البدع

    فيا عبد الله: ويا عباد الله جميعاً! إياكم ومحدثات الأمور! واللهَ اللهَ في طاعة الله، فوالله إن عمر الدنيا قصير، فلماذا لا نشغل أوقاتنا بقراءة القرآن، وطلب العلم النافع، وذكر الله عز وجل، ونوافل العبادات؟ لماذا لا نملأ هذه الخزائن التي سوف نجدها يوم القيامة؟ إما أن تجد في هذه الخزائن خيراً، وإما أن تجد فيها شراً يا عبد الله!

    يقول: الرسول صلى الله عليه وسلم: (من صلى لله في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة تطوعاً من غير الفريضة، بنى الله له بيتاً في الجنة) فكيف تضيع هذا الفضل يا عبد الله؟! ومع الأسف الشديد نرى من الناس الذين يصلون، يقولون: نريد إماماً يعجل في الصلاة، لماذا؟ لأننا نضيق في المسجد، نريد إماماً يقيم في المكبِّرة حتى نأتي ونصلي هذه الفريضة ونخرج، الله أكبر يا عبد الله! أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] أجل -يا عبد الله- إنك لم تخلق عبثاً وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] خلقك الله لطاعته، خلقك الله لعبادته، وقد تكفل برزقك وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] فلماذا -يا عبد الله- هذا الانشغال في الدنيا؟ اثنتا عشرة ركعة تطوعاً من غير الفريضة، يبنى الله لك بها بيتاً في الجنة.

    ثم يقول في حديث، قال عنه رواة الحديث: إنه حسن صحيح: (من حافظ على أربعٍ قبل الظهر، وأربع بعدها، حرمه الله على النار) الاثنتا عشرة ركعة هي: أربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء ركعتان قبل صلاة الغداة، يعني: قبل صلاة الفجر.

    واعلم -يا عبد الله- أن ركعتي الفجر التي هي النافلة خير من الدنيا وما فيها، فهاتان الركعتان تقرأ فيهما (قل يا أيها الكافرون) (وقل هو الله أحد) فهما خير من الدنيا وما فيها، فلماذا -يا أخي- نضيع هذا الفضل؟! ثم إن البعض من الناس لا يهتم بالصف الأول الذي حث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبعض من الناس لا يهتم بكثرة الخطى إلى المساجد، وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة يا عبد الله! يرفع لك بالأولى درجة، ويحط عنك بالثانية خطيئة.

    يا أخي: إذا أردت أن يحيا القلب وينتفع بالمواعظ، فبادر بالأعمال الصالحة؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، انظر إلى بعض الناس عندما يستقيم، في البداية تجد عنده رغبة وتجد عنده اشتياقاً لطاعة الله عز وجل، لكن ينبغي -يا عبد الله- أن تبادر إلى طاعة الله عز وجل.

    أسأل الله عز وجل أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، وألا يجعل فينا ولا منا شقياً ولا محروماً، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، والتمسوا لهذا الفقير المسكين إلى الله، التمسوا له عذراً لقلة علمه وقلة تعبيره، فالمؤمن مرآة أخيه يستر على أخيه العيوب، ولا يفشيها ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، وأسأل الله أن يجمعنا جميعاً في جنات الفردوس الأعلى إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    أسباب تقوية الإيمان

    السؤال: فضيلة الشيخ! ما هي الأسباب التي تقوي الإيمان؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، وقد أعلنت قبل هذا في جلسة مع الإخوان أني لست مفتياً، ولكن هذا السؤال مرَّ بنا كثيراً ونسمعه من بعض العلماء جزاهم الله خيراً، وقد سمع السائل هذا -جزاه الله خيراً- الإجابة عليه في أثناء الكلمة التي مضت، ويعرف أن العلماء رحمهم الله يقولون: الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وهذا شيء مجرب ومعروف، انظر الآن -كما قلت لكم سابقاً- أول ما يستقيم الإنسان تجد عنده رغبة؛ لأن الإيمان عنده قوي، فعنده رغبة، ويبادر إلى الأعمال، ثم لا يزال بمقارنة بعض الناس -نسأل الله العافية- الذين لا يعينونه على طاعة الله، يقولون له: يا أخي! الدين يسر، صحيح -والحمد لله- الدين يسر، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فيقولون له: يا أخي! الدين يسر، صيام وصلاة وقيام، الحمد الله، فالله فرض علينا الفريضة، وإذا أدينا الفريضة يكفي، سبحان الله العظيم!

    ثم هذا المسكين ينحط عزمه ويترك ما كان يعمل، تجد له في الصباح ورداً يقرأ القرآن، ويذكر الله ويسبح ويهلل ويحمد الله، وتجد بعض الإخوان أول ما يستقيم لا يخرج من المسجد إلا إذا طلعت الشمس، ثم يهون عليه هذا المسكين، ثم تجده في نهاية الأمر يتخلف شيئاً فشيئاً، ثم يعتذر بالجواب الذي أعطاه له السابق، ويقول له: يا أخي! الحمد لله الدين يسر.

    وكما قلت لكم: إن الدين يسر ولله الحمد؛ لكن يا أخي أننا لا نرى في الصف الأول في بعض المساجد من أهل الخير الذين نحسن الظن بهم نعم، لا نجد هذا غالباً؛ إنا لله وإنا إليه راجعون! فلماذا؟ لأن بعض الإخوان يأتيه الشيطان يقول له: احذر الرياء! لأن الرياء يدخل وأنت لا تعرف، ثم المسكين يترك النوافل يقول: أخشى من الرياء، فترك العمل من أجل هذا القائل، وترك العمل للناس رياء والعياذ بالله فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى.

    وبعض الناس يتصور في صورة شيطان والعياذ بالله ويقف حجر عثرة في طريق من أراد أن يهتدي، أو من أراد أن يلتزم الطريق المستقيم، ثم يأتيه بحجج واهية والعياذ بالله، ويبعده عن صراط الله المستقيم، أو يجلب عليه من أقاربه، ويقول: افطنوا لفلان ربما يوسوس، أو يصيبه خبل، إني أراه يجلس في المحاضرات، إني أراه يصوم الإثنين والخميس، حتى إن شاباً أتى إليّ وقال: إن أبي يضربني، لأني أصوم الإثنين والخميس، إنا لله وإنا إليه راجعون، يضربه حتى يفطر ولا يصوم الإثنين ولا الخميس.

    فهذا -يا إخواني- من الردى والعياذ بالله، ومن عدم التعاون على البر والتقوى، فيجب على المسلمين جميعاً أن يتعاونوا على البر والتقوى، وإذا رأوا من التزم الطريق، يقولون له: يا مسكين! ما بلغت ما بلغ السلف الصالح ولو قليلاً، لو نرجع إلى سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم، لرأينا الفرق بيننا وبينهم واسع، فبيننا وبينهم بونٌ عظيم، أعندما تتقدم للمسجد أو تقرأ شيئاً من القرآن تكون متزمتاً أو متجمداً؟!

    هذا والله من أسباب الخذلان والتخاذل والعياذ بالله، فيا أخي! لا تلتفت إلى دعاة السوء، ولا تلتفت إلى المعرضين الذين يريدونك أن تكون معهم في الانحطاط والعياذ بالله، بل شمِّر في طاعة الله عز وجل، واستعن بالله، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

    لو أمرك أبوك، أو أمك أن تعصي الله، وأن تبتعد عن طاعة الله، فلا تطعهما، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف، فعليك يا أخي! بمجالسة الصالحين والبحث عن حلق الذكر، والإكثار من قراءة القرآن، والإكثار من نوافل العبادات، والإكثار من ذكر الله عز وجل، وسوف تجد لذلك إن شاء الله ثمرةً طيبةً ويحيا قلبك بإذن الله؛ لأن الإيمان في القلب مثل الشجرة إذا تواصل عليها الماء، حيت هذه الشجرة ونمت، وإذا انقطع عنها الماء يبست، فعليك بما ينمي هذه الشجرة من مجالسة الصالحين، ومن حلق الذكر وكثرة القرآن، واحذر أن تجالس الذين قست قلوبهم، والذين لا هم لهم إلا النكت وكثرة الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسِّي القلوب، وأبعد القلوب من الله القلوب القاسية، أسأل الله أن يقوي إيماننا إنه على كل شيء قدير.

    الطريقة المثلى للوصول إلى الخشوع

    السؤال: هذه أسئلة أصحابها يقولون: إنا نحبك في الله يا شيخ/ عبد الله، وكلهم يسألون عن الطريقة المثلى للوصول إلى الخشوع في الصلاة؟

    الجواب: أحبكم الله الذي أحببتموني فيه، وأسأل الله أن يظلنا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله إنه على كل شيء قدير، وأسباب الخشوع في الصلاة هو أن يفرِّغ الإنسان قلبه قبل الدخول في الصلاة، يفرغ قلبه من الشواغل، ويقبل على الله بقلبه وبقالبه، ويتدبر القرآن، ويصغي قلبه وسمعه لآيات الله إن كانت الصلاة جهرية، وإن كانت الصلاة سرية فهو أعرف بذلك كيف يتدبر معاني الآيات ويحضر قلبه عند الآيات التي يقرؤها وعند ذلك إن شاء الله يحصل الخشوع بإذن الله ويستعين بالله على ذلك.

    أسباب الانتكاسة

    السؤال: ما أسباب انتكاس الشباب؟

    الجواب: أسباب انتكاسة الشباب كثيرة، وهذه هي التي أشغلتنا الليل والنهار؛ نفكر فيها ونبحث عن العلاج، ولكن أنا أضرب لكم مثلاً: بعض القلوب الآن مثل خزان الماء الذي ترك بالفلاة مدة، ترك في البر، فهذا يأتي ويرمي فيه عجلة سيارة، وهذا يأتي ويرمي فيه (خيشة) وهذا يأتي ويرمي فيه جيفة، وهذا يأتي ويرمي فيه كذا، هذه القلوب الآن مثل الخزان، فيها التمثيليات والأفلام والمجلات والجرائد، هذه مثل جيفة، ومثل (الخيشة) ومثل عجلة السيارة، وغيرها وضعت في هذه القلوب، وصارت القلوب والعياذ بالله مزدحمةٌ بهذه البلوى، ولا تحمل شيئاً من ذكر الله، ولا من آيات الله، لقد اتصل بي شاب -وأبشركم أنه اهتدى ولله الحمد- يقول: كنت منذ التاسعة من عمري وأنا أجلس عند الأغاني، يقول: ولما بلغت الثامنة عشرة من عمري، كنت إذا سمعت الأغنية، صار عندي قشعريرة وبكاء وخشوع والعياذ بالله وإذا دخلت المسجد، يقول: أضيق حتى أخرج من المسجد أحياناً.

    صدق ابن القيم وابن تيمية رحمهما الله يقولان: لا يجتمع القرآن والغناء في قلب المؤمن، فقلبك هذا وعاء يا أخي! نعم. عندك الآن قدر تضعه على النار تأتي بقالب ثلج وتضع ماء تنضج لك قطعة لحم، متى تنضج هذه اللحمة يا عبد الله؟ إذا كان هذا قالب ثلج، وهذه لحمة ما تنضج، هذا يضاد هذا، والغالب يطرد هذا، إما أن الثلج يغلب على هذه اللحمة ولا تنضج أو العكس.

    فيا أخي: تعاهد قلبك بالقرآن، واحفظ سمعك إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] أنا أحذركم ونفسي من مشاهدة الأفلام، ومن مشاهدة التمثيليات، وأحذركم ونفسي من استماع الغناء، ومن قراءة المجلات الخبيثة التي رسموا عليها الفتاة الصناعية؛ ليجتذبوا بها قلوب بعض الناس والعياذ بالله.

    انظر أعداء الإسلام من الذي يساعدهم ويخطط لهم؟ إنه الشيطان وهو الذي أخرج أبانا من الجنة، وأبونا تاب الله عليه ومرجعه إلى الجنة، ولكن هذا الخبيث الذي أخرج من ملكوت السماء وطرد منها مآله إلى النار، فهو حاقد علينا يريد أن يدخلنا معه في النار، فهو إذاً يخطط لأعداء الإسلام تلك المخططات التي تأتي لنا ليلاً ونهاراً، وملأت البيوت، فإذا أردنا أن تنظف قلوبنا، ننظف الخزان -الذي قلت لكم- من هذه الشوائب نزيل (الخيشة) وعجلة السيارة والجيفة، وهي المجلة والتمثيلية والفيلم، ثم إن شاء الله تصبح القلوب واعية، وتستقبل ما يلقى إليها من المواعظ.

    وأخبركم أن الشاب الذي ذكرت لكم في التاسعة عشرة من عمره -انظروا كيف هداه الله، الله قادر سبحانه وتعالى ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء- يقول: دخلت في مجال عملي أراود امرأة فلبينية، يقول: أريد أن أفعل بها جريمة الزنا، يقول: ولما أقبلت إليها متحمساً، أريد أن أقول لها، وإذا هي تقول: فلان! أريد أن تشرح لي عن الدين الإسلامي، الله أكبر! يقول: وإذا أنا أصدم بصدمة، فأنا أريد أن أراودها للزنا وهي تقابلني وتقول: أريدك أن تشرح لي عن الدين الإسلامي، سبحان الله العظيم! الله أكبر! وإن من العصمة ألا تقدر على المعصية، الحمد لله، يقول: بينت لها الذي أعرف، يقول: أنا لا أعرف شيئاً كثيراً، أنا درست في الابتدائية أركان الإسلام، وعرفت لها شيئاً، لأنه يجيد اللغة، يقول: واشتاقت إلى الإسلام، وانظروا يا إخواني! إنما الأعمال بالنيات، هو يقول: حتى أنا فرحة فرحت مع الخجل، أنها قالت: اشرح لي عن الإسلام، يقول: وبينت لها عن الإسلام، واشتاقت إلى الإسلام، وأعلنت إسلامها ولله الحمد، والآن هو ولله الحمد يبحث في الطرق الخيرية، وهو الآن يجمع من الكتب الدينية، وأخبركم أنه في إقبال على طاعة الله.

    أسأل الله أن يثبتنا وإياه يقول: إذا ذكرت حالتي الأولى، جعلت أبكي، فالحمد لله، وهذا من فضل الله فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125] الله عز وجل أخبرنا وهو لا يخلف الميعاد: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125].

    يقول بعض الناس: أنا أريد الله أن يهديني، نقول له: حسناً! ابحث -يا أخي- عن طرق الهداية، إذا مرض عندك مريض هل تتركه في البيت؟ لا. بل تقوم وتذهب به إلى الطبيب الفلاني، ثم يذكر لك طبيب في البلد البعيد، يقول: هيا أعطنا تذكرة إلى البلد الفلاني، كل هذا لماذا؟

    تبحث عن العافية من الله عز وجل، ثم من الطبيب لهذا المريض، فأنت لماذا لا تبحث عن الهداية يا عبد الله؟ توجد عند الله عز وجل، ولكن لها أسباب، ومن أسبابها: أن تبحث عن حلق الذكر، وعن مجالسة الصالحين، وعن الإكثار من قراءة القرآن، وترجع إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتكثر من ذكر الله عز وجل، ومن الاستغفار.

    يقول بعض الناس: أنا عشت مدة طويلة مع الأفلام، فلذلك أضيق أحياناً لماذا؟ نقول له: ارجع إلى قول الله عز وجل: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] ارجع إلى ذكر الله عز وجل، ولقد ذكر لنا أن رجلاً لا ينام إلا على المخدرات، لا ينام إلا بالحبوب المخدرة، وبعضهم بمجرد ما يضع رأسه على الوسادة، ويقول: بسم الله ويسبح ويهلل، وإذا النوم داخل عيونه، ثم أتى إليهم، وقال: لماذا أنتم تنامون وأنا لا أنام إلا بحبوب مهدئة؟ أولاً: دعوه إلى الإسلام، وهداه الله عز وجل، وأخبروه بالأدعية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند النوم كالتسبيح والتحميد والتكبير يسبح الله ثلاثاً وثلاثين ويحمد الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبر الله أربعاً وثلاثين، فجعل يعمل بهذا، فما يكملها إلا وهو نائم، انظروا يا عباد الله! كان قبل لا ينام إلا بالمخدرات -نسأل الله العافية- والآن لما رجع إلى الله عز وجل، وإلى ذكر الله الذي تطمئن به القلوب، صار ينام على مجرد ذكر الله عز وجل.

    فأسأل الله عز وجل أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه على كل شيء قدير.

    الطريقة في التخلص من الوسوسة

    السؤال: كيف أستطيع أن أتخلص من وساوس الشيطان في الأعمال، حيث يوسوس لي بأن في عملي هذا رياءً أو سمعة؟

    الجواب: يا أخي! والرسول صلى الله عليه وسلم قال قبل ذلك: {إنما الأعمال بالنيات} فأنا أخبرك بطريقة إن شاء الله إذا سلكت هذه الطريقة؛ سلمت من الرياء بإذن الله.

    أولاً: تدعو بالدعاء الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم: {اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه}.

    ثم يا أخي! لا تنظر في أعمالك إلى مدح الناس ولا إلى ذمهم، بل يكون عندك المادح والذام سواء؛ لأنك تعمل هذا العمل لله عز وجل، إذاً لا يضرك الناس، ولا ينفعونك، فأقول لك يا أخي: الطريقة أنك تعيِّن لك قراءات مثل: أن تقرأ قبل أن تدخل المسجد بعض الإخوان يقولون: بدعة، الإخوان جزاهم الله خيراً يريدون العثرات ويريدون العيوب نسأل الله أن يهدينا وإياهم، فأنا بمجرد اجتهادي إن شاء الله، وليس أقول طريقة، أو سنة فأنا أعرف كثيراً من الإخوان جزاهم الله خيراً يريدون العثرات، ويبحثون عن عيوب إخوانهم نسأل الله العافية، فأنا أنصح إخواني المسلمين، أقول لهم: إذا رأيتم من أخيكم نقصاً أو عيباً فاتصلوا به سراً، وأخبوره ولا تشهروا به على رءوس العالمين، أو في المجالس: إن فلاناً قال كذا، وقال كذا، ثم والعياذ بالله تكون بغضاء وشحناء بين الناس، فتكون نماماً والعياذ بالله، والنمام لا يدخل الجنة.

    أحذرك يا عبد الله! من هذا، كلٌ يخطئ ويصيب، فأقول لك الطريقة أنك إذا أردت أن تدخل المسجد تعين أنك إن شاء الله تصلي أربع ركعات، تقول: أقرأ في الركعة الأولى مثلاً تبارك، والثانية نون، والثالثة الحاقة، والرابعة سأل سائل، فأنت تقوم في صلاتك عندما ابتدأت الركعة بقراءة تبارك، فلو جاءك الشيطان، وقال لك: إن فلاناً ينظر إليك ويقول: والله هذا مطوع يطول بصلاته، ارجع إلى نيتك الأولى وهي أنك نويت أن تقرأ سورة تبارك، أو جاءك الشيطان يقول لك: لا تراءِ الناس انظر إلى نفسك وارجع إلى نيتك الأولى أنك أردت أن تقرأ سورة تبارك، فعند ذلك بإذن الله مع هذه المجاهدة يحصل لك ما أردت، ولا تلتفت إلى أحد أبداً فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110] وإنما الأعمال بالنيات.

    إنما المصيبة يا عبد الله! هي أنك إذا دخلت المسجد، وبدأت في النافلة ثم كبرت تريد أن تقرأ (والضحى والليل إذا سجى) إذا بجانبك رجل ترى أن عنده نوعاً من التوظيف، ثم تقول: هذا ينظر ويقول: هذا يطِّول في الصلاة، ثم يقرأ من الضحى إلى سورة عمَّ، فهذا هو الرياء والعياذ بالله نعم، هذا هو الرياء فقد تحولت نيتك من هذا إلى هذا، فاحذر هذا! واعمل بالأسباب التي إن شاء الله ينجيك منها، والله أعلم بنية عبده.

    أحد الإخوان جزاه الله خيراً علق على شريط هادم اللذات، وقال إن فيه كذا وكذا، وأنا لا أدافع عن الشريط، ولا أتعرض لأخي جزاه الله خيراً بكلمة، ولكن المشايخ جزاهم الله خيراً يقولون: إن الشريط عرض على الشيخ ابن جبرين جزاه الله خيراً، وسمعه من أوله إلى آخره، وقال: ليس به بأس، ومن قال فيه شيء فليتصل به، وأنا أخبره، وكذلك عرض على الشيخ/ عبد العزيز جزاهما الله خيراً وقال: لا بأس به، ولقد صارت ضجة عند مسجدنا لما تكلم هذا الأخ وكادوا يقتتلون والعياذ بالله، هذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، لأن الأخ جزاه الله خيراً شهَّر بهذا الشريط، وصارت فوضى، فالأخ جزاه الله خيراً، لو كان -مثلاً- اتصل بتسجيلات التقوى وتفاهم معهم حتى يقنعوه، أو يقنعهم هو وتكون المسألة سراً ودعوة إلى الله عز وجل.

    ثم يا أخي! الناس فيهم بلاء أكثر من هذا الشريط، لماذا لا نبين لهم الفيلم الفلاني الذي يحارب الله ورسوله ويحارب حدود الله، لماذا لا نقول لهم إن هذا الفيلم فيه كذا وكذا، والتمثيلية فيها كذا وكذا، والأغنية الفلانية فيها كذا وكذا؟ هذه التي تضر المسلمين، أسال الله أن يهدي ضال المسلمين.

    حول صيام شهر شعبان

    السؤال: هل ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه صام شهر شعبان؟

    الجواب: ما ورد عنه أنه استكمل شعبان، ولكنه صام أكثره صلى الله عليه وسلم، أما هو لم يستكمله صلى الله عليه وسلم، ومع الأسف الشديد ما تسمعون في هذه الأيام الرجبية -نسأل الله العافية- فهي بدعة محدثة لم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسأل الله جل وعلا أن يبصر المسلمين في دينهم، وأن يردهم إليه رداً جميلاً، وتسمعون في إذاعات بعض المجاورين لنا ما يقيمونه من الاحتفالات في المساجد بالاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ثم إذا انتهوا من أحاديثهم ومن قصائدهم يقولون: تغنيكم المغنية فلانة، ثم تأتي بموسيقيتها وصوتها ولا حول ولا قوة إلا بالله، الله المستعان! الله المستعان! الله المستعان!

    اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، فاحذروا -يا إخواني- هذه البدع وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه.

    سبب ذهاب الحماس بعد الموعظة

    السؤال: فضيلة الشيخ! عندما تتكلم يأتينا حماس للعمل والجد والاجتهاد، وعندما نخرج من المحاضرة نتقاعس، فما العلاج؟

    الجواب: السبب هو أننا لا نواصل مجالس الذكر، فأضرب لك مثلاً يا أخي: اغرس نخلة واسقها أول مرة، ثم اتركها أسبوعاً، تجدها يابسة، ولا تستفيد هذه النخلة، والوعظ للقلب مثل الغيث للأرض بإذن الله، الغيث إذا نزل على الأرض أنبتت، وأحياها الله بهذا الغيث، فكذلك الوعظ ينبغي لك يا أخي أن تتعاهد قلبك، وإذا غفلت فأكثر من الاستغفار؛ كما هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: {والله إني لأستغفر الله في اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة} فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستغفر في اليوم أكثر من سبعين مرة، فكيف نحن يا عبد الله؟ فعليك -يا أخي- أن تتعهد قلبك بالمواعظ، ومجالسة الصالحين، عليكم بحلق الذكر، ابحثوا عن حلق الذكر جزاكم الله خيراً ووفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه، أحيوا هذه السنة التي اندثرت من بعض المساجد، فإنها لا توجد إلا قليلاً، نشطوا أئمة المساجد ليقيموا حلق الذكر.

    والله إني سألت رجلاً وهو من أهل نجد، قلت له: كم أركان الإيمان؟ قال: والله لا أعرف، رجل من أهل نجد، هذه التي كانت تُدَّرس في المساجد قبل سنين قليلة وهذا يقول: لا أعرف كم أركان الإيمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون! وهذا يدل على بعد الناس وانشغالهم بالدنيا ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    فينبغي لنا -يا إخواني- أن نقلل من الإقبال على هذه الدنيا، ونقبل على الله عز وجل، ونثق تمام الثقة أن الأرزاق بيد الله عز وجل، ثم نثق أن رزق الله لا يأتي به حرص حريص، ولا ترده كراهية كاره، ثم نؤمن بوعد الله وبوعد رسوله صلى الله عليه وسلم أننا إذا عملنا كذا؛ فلنا من الأجر كذا وكذا، إذا آمنا بهذا وصدقنا، فإنه يكون عندنا الحماس والمبادرة إلى العمل.

    إن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كأنه أعتق عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة، وكان في يومه في حرزٍ من الشيطان، ولم يأت أحد يوم القيامة أفضل منه إلا إنسان قال أكثر منه} هذا فضل عظيم يا عبد الله! وهي لا يحتمل وقتها خمس عشرة دقيقة.

    ثم في حديث صحيح أيضاً: {من قالها عشر مرات، فكأنما أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل} أو كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سبحان الله وبحمده مائة مرة، تغفر لك خطاياك وإن كانت مثل زبد البحر، ثم الذكر بعد الصلوات.

    المهم -يا عبد الله- أن تؤمن بوعد الله وبوعد رسوله، ولا تنس العظيمتين، لا تنس الجنة والنار، لا تنس المنصرف الأعظم الذي لما دخل عمر بن عبد العزيز من صلاة العشاء وجلس في محرابه سمع له بكاء، واشتد بكاؤه حتى بكى أهل بيته، ثم بكى الجيران، فدخلوا عليه وسألوه: لماذا تبكي يرحمك الله؟ قال: ذكرت منصرف الناس يوم القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير، فجعلت أبكي؛ هذا أمرٌ عظيم يا أخي! فريق في الجنة وفريق في السعير.

    نسأل الله أن يجعلنا من أهل الجنة، وألا يجعلنا من أهل السعير، وأسأل الله أن يرزقنا إيماناً دائماً كاملاً يباشر قلوبنا ويقيناً صادقاً، ويرزقنا إخلاص العمل لوجهه الكريم، اللهم ارزقنا إخلاص العمل لوجهك الكريم، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.