إسلام ويب

علامات الساعة الصغرى والكبرىللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن العلم بأشراط الساعة من العقائد الإسلامية التي يجب على المسلم معرفتها والإيمان بها، وعلامات الساعة قسمين: علامات صغرى وعلامات كبرى.

    وفائدة هذه العلامات بيان للناس بقرب قيام الساعة.

    فالواجب على المسلم أن يبادر بالتوبة قبل أن يحال بينه وبينها، وقبل أن تبلغ الروح الحلقوم وقبل أن تطلع الشمس من مغربها، فعندها لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.

    1.   

    الحث على التوبة والتمسك بدين الله

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدِ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بعثه الله بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    أيها الإخوة في الله: مرةً أخرى أحييكم بتحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يدخلنا الجنة، وأن نتبادل هذه التحية في جنات النعيم، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجيرنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال.

    أيها الإخوة في الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل خاصةً في هذه الأزمنة المظلمة، التي تتلاطم فيها الأمواج، فالوصية في التقوى هي وصية الله في الأولين والآخرين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً [آل عمران:102-103].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [الحشر:18-19].

    أمة الإسلام: الله الله بالتمسك بدين الإسلام، واسألوا الله الثبات على ذلك.

    1.   

    العلم بأشراط الساعة

    أيها الإخوة في الله:اعلموا أن العلم بأشراط الساعة من العقائد الإسلامية التي يجب على المسلم معرفتها والإيمان بها.

    عباد الله: إن للساعة علامات صغرى وعلامات كبرى، يقول الله جل وعلا: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد:18] ويقول جل وعلا: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [الأحزاب:63].

    نعم. إن للساعة أشراطا، ومعنى أشراطها أي: علاماتها المؤذنة بقرب قيامها، وأول علامات الساعة: بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم: (بعثت أنا والساعة كهاتين) وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى ثم موته صلى الله عليه وسلم.

    والساعة -أيها الإخوة في الله- من علم الغيب الذي لم يطلع عليه أحدٌ من الخلق لا ملكٌ مقربٌ، ولا نبيٌ مرسل إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34].

    1.   

    علامات الساعة الصغرى والكبرى

    أيها الإخوة في الله: أذكر ما تيسر من علامات الساعة الكبرى والصغرى، ولكن سوف يكون على غير ترتيب، فربما قدمت، وربما أخرت، وذلك حسب اطلاعي وعلمي القاصر، فمن علامات الساعة -أيها الإخوة في الله- ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفع العلم، ويظهر الجهل، ويشرب الخمر، وتسمى بغير اسمها.

    وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ظهر الجهل في كثيرٍ من البلدان، ومع الأسف الشديد حتى التي تدعي أنها بلدان إسلامية، وشربت الخمور وسميت بغير اسمها، سميت حشيشاً وسميت (وسكي) وسميت غير ذلك من الحبوب المخدرات والمسكرات، التي ابتلي بها كثيرٌ من الناس، أضاع بها عقله وشرفه وماله وحياته، فنسأل الله العفو والعافية، ونسأل الله الثبات على دينه.

    ومن علامات الساعة أن يفشو الزنا، ويقل الرجال، وتكثر النساء حتى يكون للخمسين امرأة قيمٌ واحد.

    أيها الإخوة في الله: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان تكون بينهما مقتلةٌ عظيمةٌ دعوتهما واحدة) فسر العلماء هذا الحديث العظيم بما وقع في زمن علي ومعاوية رضي الله عنهما، حيث كانت كل من الفئتين تدعو إلى ما تراه أنه الحق حيث نتج عن تلك المقتلة نحو سبعين ألفاً على ما قيل.

    وأيضاً أخبر صلى الله عليه وسلم أنه يخرج بعده دجالون كذابون قريبٌ من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله، وقد ظهر كثيرٌ منهم، ولا رسول ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب:40].

    وأيضاً أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الساعة لا تقوم حتى يقبض العلم، فالمراد بالعلم هو العلم الشرعي علم الكتاب والسنة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأيضاً قبض العلم يكون بموت العلماء كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة حتى تكثر الزلازل، وهي نوعان:

    زلازل حسية تهز الأرض هزاً، فتدمر القرى والمساكن.

    وزلازل معنوية تزلزل الإيمان والعقيدة، والأخلاق والسلوك، حتى يضطرب الناس في عقائدهم وأخلاقهم وسلوكم.

    نسأل الله العفو والعافية، اللهم إنا نسألك الثبات على دينك، اللهم إنا نسألك الثبات على دينك، إنها فتنٌ يصبح العاقل الحليم فيها حيراناً.

    أيضاً يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فيقرب أوله من آخره، وذلك بكثرة الغفلة، وفشل الأعمال والأوقات حتى يمضي الزمن الكثير، والإنسان ما صنع إلا شيئاً قليلاً، أو يحتمل معنىً آخر وهو: سرعة إنجاز الأمور التي لا تنجز إلا بزمنٍ كثيرٍ كما يشاهد اليوم في وسائل النقل ووسائل الإعلام، فكم من بلدٍ لا يوصل إليه إلا بعد أشهر، والآن يوصل إليه بزمن قليل، فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً ما أخبر به صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور حين سأله جبريل عليه السلام عن الساعة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأخبرك عن أماراتها: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان).

    وأيضاً يخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عنه حذيفة بن أسيد قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في غرفة ونحن أسفل منه، فاطلع علينا، فقال: ما تذكرون؟ قلنا: الساعة، قال: إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ في جزيرة العرب، والدخان، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، ونارٌ تخرج من قعر عدن تُرحِّل الناس) أي: تأخذهم بالرحيل وتزعجهم.

    يا عباد الله! يا أمة الإسلام! بادروا بالتوبة إلى الله، بادروا بالأعمال الصالحة، فإنها إذا حصلت العلامات الكبرى أغلق باب التوبة، قال الله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً [الأنعام:158] قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وذلك قبل يوم القيامة كائنٌ من أمارات الساعة وأشراطها حين يرون شيئاً من أشراط الساعة، وكما قال البخاري رحمه الله في تفسير هذه الآية: عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً).

    عباد الله: البدار البدار بالتوبة النصوح.

    أيضاً أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة حتى تظهر الفتن، فتن الدين والدنيا، أما فتن الدين فكل ما يصد عن الإيمان بالله، والقيام بأمره، واتباع هدي نبيه صلى الله عليه وسلم من العقائد الفاسدة والأفكار الهدامة، والسلوك المنحرف، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة بالاشتغال بالشهوات واللذائذ المحرمة، وأما فتن الدنيا، فما يحصل من القتل والخوف والسلب والنهب، وظهور الفتن دليل على ضعف العلم الصحيح والإيمان الخالص، ويقول صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال الصالحة، فستكون فتنٌ كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرضٍ من الدنيا).

    وأيضاً يخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة حتى يكثر القتل، سواءٌ كان ذلك بالحروب، أو بالاغتيالات، وقد حصل ذلك أيها الإخوة في الله.

    فنسأل الله الكريم رب العرض العظيم أن يجعل لنا من كل همٍ فرجاً، ومن كل ضيقٍ مخرجاً، ومن كل بلوىً عافية.

    أيضاً يخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة حتى يكثر المال، ويهم الرجل من يقبض صدقته، وحتى يعرض الرجل على الرجل هبةً أو صدقةً فيقول: لا حاجة لي بها.

    وأيضاً يخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة حتى يتطاول الناس في البنيان، وذلك دليلٌ على اشتغال الناس في أحوال دنياهم دون أحوال دينهم؛ لأن التطاول في البنيان يشغل القلب والبدن، فيلهو به الإنسان عن مصالح دينه.

    وأيضاً أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: ليتني مكانه، وذلك لما يرى من الأمور العظام، التي يفضل الموت عليها من عظيم البلاء، واستيلاء الباطل في الأحكام، وعموم الظلم، واستحلال الحرام.

    وأيضاً يخبر صلى الله عليه وسلم في قوله: (ليكونن في آخر الزمان أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف) وقد حصل هذا، فنسأل الله جلت قدرته أن ينجينا من مضلات الفتن إنه على كل شيءٍ قدير.

    وأيضاً أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الساعة لا تقوم حتى تطلع الشمس من المغرب، ويختل نظام سيرها، فحينئذٍ يعلم الناس أنها تسير بتقدير الله وأمره فيؤمنون، ولكن لا إيمان ينفع في تلك اللحظة إلا من كان مؤمناً من قبل، أو كسب في إيمانه خيراً، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أمثال تبين أن الساعة تقوم بغتة، فقال صلى الله عليه وسلم: (تقوم الساعة والرجلان بينهما ثوبٌ قد فلاه يتبايعانه، فلا يمكنهما البيع ولا طي الثوب، وتقوم والرجل قد انصرف بلبن ناقته ليشربه، فلا يتمكن من شربه، وتقوم والرجل يصلح حوض إبله ليسقيها، فلا يسقي فيه، وتقوم وقد رفع اللقمة إلى فمه، فلا يطعمها).

    الله أكبر -يا عباد الله- ومن علامات الساعة الكبرى التي أسأل الله بمنه وكرمه أن يجيرنا منها إنه على كل شيءٍ قدير، ألا وهو الدجال، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ما رواه النواس بن سمعان رضي الله عنه وأرضاه قال: (ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما ذهبنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: ما شأنكم؟ قلنا: يا رسول الله! ذكرت الدجال غداةً، فخفَّضت فيه ورفَّعت حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال صلى الله عليه وسلم: غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤٌ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شابٌ قطط عينه طافئة، كأني أشبهه بـعبد العزى بن قطن، فمن أدركه منكم، فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، فإنه خارجٌ خلةً بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا، يا عباد الله فاثبتوا، يا عباد الله فاثبتوا) هكذا يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خروج هذه الفتنة الكبيرة وهو الدجال، يأمر بالثبات.

    اللهم إنا نسألك الثبات، اللهم إنا نسألك الثبات، اللهم إنا نسأل الثبات، قلنا: (يا رسول الله! وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يومٌ كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله! وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح فيأتي على القوم -اسمعوا يا عباد الله، يا لها من فتنة! يا لها من محنة! نسأل الله الثبات- فيأتي على القوم، فيدعوهم، فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرا، وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزكِ فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلاً ممتلئاً شباباً، فيضربه بالسيف، فيقطعه جزلتين رمية الغرض، ثم يدعوه -يدعو هذا الشاب- فيقبل ويتهلهل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك) وفي رواية: (ثم يقول لهذا الشاب: أوما تؤمن بي؟ قال: ما ازددت فيك إلا بصيرة، فيأخذه ليذبحه، فلا يستطيع عليه).

    (فبينما هو كذلك يعيث في الأرض فساداً، إذ بعث الله المسيح بن مريم عليه السلام، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه، تحدر منه جُمانٌ كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه في لج -عيسى بن مريم عليه السلام يطلب المسيح الدجال- فيدركه بـباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومٌ قد عصمهم الله من الدجال، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يَدَان لأحدٍ بقتالهم، فحرِّزْ عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدبٍ ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرةً ماء، ويُحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرٌ من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفسٍ واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبرٍ إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله جل وعلا، فيرسل الله طيراً كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً لا يكنّ منه بيت مدر، ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة، ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتك وردي بركتك، فيومئذٍ يأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبةً، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون في الأرض تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة).

    1.   

    النفخ في الصور وقيام الساعة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ [الأنبياء:1] ويقول الله تعالى: حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ [الأنبياء:96-97] ثم تقوم القيامة الكبرى التي أخبر الله عنها:

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2] ويقول جل وعلا: وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ [ق:41-42] وذلك عندما يأمر الله عز وجل إسرافيل أن ينفخ في الصور نفخة البعث التي يخرجون منها من القبور لرب العالمين، قال الله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68] وقال تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [يس:51].

    أيها الإخوة في الله: عند ذلك إذا أمر الله سبحانه وتعالى، أو قبل أن يأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور يأمر الله ملكاً ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، قال الله تعالى: فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات:13-14].

    الوقوف بين يدي الله يوم القيامة

    أيها الإخوة في الله: إنها أمور عظيمة عندما تحين قيام الساعة الكبرى، فعند ذلك يحين للقيامة القيام، فتذكر يا ابن آدم! ذلك الموقف العظيم، عندما تكون حافي القدمين، عاري الجسم، حاسر الرأس، تعلوك المذلة وأنت منفردٌ بأحزانك وهمومك وغمومك، القلب خائف والبصر خاشع: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [طه:108] فتذكروا -يا عباد الله- وقوفكم يوم القيامة، ثم تذكروا إقبال الوحوش في ذلك اليوم العظيم منكسة رءوسها، ثم تذكروا هذه الشمس التي تشرق وتضيء العالم عندما تكور، والقمر عندما يخسف به، والنجوم عندما تتنثر وتنكدر، والسماء عندما تتشقق: فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ [الرحمن:37] قيل: تذوب كما تذوب الفضة في السبك، وتتلون كما تتلون الأصباغ من شدة الأمر وهول يوم القيامة، حقاً إنه يوم يجعل الولدان شيباً.

    يا ابن آدم! تذكر شدة الوقوف وقد أدنيت الشمس من رءوس الخلائق، يا ابن آدم! يا من اغتر بإمهال الله له! يا من اغتر وتمادى بالغفلة والعصيان!

    يا ابن آدم! أتظن أنك مهمل؟ لا ورب العزة والجلال.

    يا ابن آدم! تذكر شدة الوقوف وقد أدنيت الشمس من رءوس الخلائق، وانضاف إلى حر الشمس كثرة الأنفاس وزحام الأجسام، وقد ذهب العرق منهم في الأرض سبعين ذراعاً، ثم فاض عليهم، فمنهم من يبلغ منهم العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى أنصاف ساقيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً.

    وانضاف إلى حر الشمس كثرة الأنفاس، وانضاف إلى كثرة الأنفاس ازدحام الأنفاس والعطش، ولا نوم ولا راحة، ثم تذكر يا ابن آدم في ذلك الموقف العظيم قول الملك العلام: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر:23] تذكر يوم أن يؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام كل زمام يجره سبعون ألف ملك، في ذلك اليوم العظيم لا يبقى ملكٌ مقربٌ، ولا نبيٌ مرسلٌ إلا جثا على ركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.

    ثم تذكر عندما يتبرأ منك الولد والوالد، والأخ والصاحب لما في ذلك اليوم من المزعجات والقلاقل والأهوال، التي ملأت القلوب من الخوف والفزع والرعب والذعر.

    أيها الإخوة في الله: لا أنسى أن أذكركم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني آليت على نفسي ألا أجلس مجلساً مثل هذا المجلس إلا ذكرته لإخواني؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه} فالحديث -أيها الإخوة في الله- يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: {سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشابٌ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلقٌ بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجلٌ دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه}.

    هؤلاء السبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

    أيها الإخوة في الله: متى؟ في ذلك اليوم العظيم الذي ظهرت فيه المزعجات والقلاقل والأهوال التي ملأت القلوب من الخوف والفزع والذعر.

    اسمعوا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم {كان رأسه في حجر عائشة رضي الله عنها، فنعس، فتذكرت الآخرة، فبكت، فسالت دموعها على خد النبي صلى الله عليه وسلم، فاستيقظ بدموعها، فرفع رأسه فقال: ما يبكيكِ؟ فقالت: يا رسول الله! ذكرت الآخرة. هل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده في ثلاثة مواطن فإنه لا يذكر أحدٌ أحداً إلا نفسه: إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ أم بشماله، وعند الصراط}.

    الغفلة عن يوم القيامة

    عباد الله: لو تذكرنا ذلك اليوم العظيم؛ لقَوِيَ الإيمان عندنا، ولكن -مع الأسف الشديد- الغفلة طمت على القلوب -يا عباد الله- كل يوم نسمعها، كل يوم نسمع هذا اليوم العظيم يكرر علينا ونكرره أيضاً في كل نافلة وفي كل فريضة: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] ما هو يوم الدين؟ يوم الجزاء والحساب -يا عباد الله- يوم القارعة، يوم الصاخة، يوم الحاقة، يوم الطامة الكبرى، يوم الواقعة، يا له من يوم عظيم!

    يا ابن آدم! تذكر وأنت واقفٌ في ذلك الموقف العظيم، مع الخلائق الذي لا يعلم عددهم إلا الله، إذا نودي باسمك على رءوس الخلائق من بين الأولين والآخرين، فقمت ترتعد فرائصك، فهنيئاً إن كنت من أصحاب اليمين، عندما ترفع هذه الصحيفة التي سوف تأخذها بيمينك، هنيئاً لك عندما تقول: هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20] ثم هنيئاً لك في جنةٍ عالية قطوفها دانية، يقال لأهلها: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24] ويالها من حسرةٍ وندامة، عندما يعطى كتابه بشماله أو من وراء ظهره، عندما يقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:25-29] يالها من حسراتٍ لا تنقضي إذا قال الجبار جل جلاله: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32] هنيئاً لأهل الجنة عندما يذبح الموت، ويقال لهم: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا ويل أهل النار عندما يقال: يا أهل النار خلود ولا موت.

    عباد الله: في نهاية هذا الكلام الذي أسأل الله عز وجل أن ينفعني وإياكم به، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، في نهايته أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، وكثرة قراءة القرآن، وكثرة ذكر الله عز وجل، فإنه بكثرة ذكر الله تحيا القلوب وتلين، أما إذا غفلت عن ذكر الله وأعرضت وصدت، فلا تسأل عنها بأي وادٍ تهلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أيها الإخوة في الله: قووا عزيمتكم وإيمانكم، وتوكلكم بالله جل وعلا، واعلموا أن الله سبحانه وتعالى هو النافع والضار بيده الملك وهو على كل شيء قدير، هو المحيي وهو المميت، وهو المعز والمذل، وهو الخافض والرافع، يعطي ويمنع، يعطي لحكمة ويمنع لحكمة، لا إله إلا هو، ولا رب لنا سواه.

    عباد الله: أوصيكم ونفسي بالمبادرة إلى أداء فرائض الله عز وجل، وإتباعها بالنوافل حتى تكونوا من أحباب الله، كما قال الله جل وعلا في الحديث القدسي الذي يرويه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه -ثم يقول جل وعلا-: وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه} {وإذا أحبك الله -يا عبد الله- ينادي الله في ملكوت السماء: يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل، وينادي جبريل في ملكوت السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض، ولكن الأخرى -يا عبد الله- إذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، وينادي في ملكوت السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء وتوضع له البغضاء في الأرض}.

    فالله الله يا إخواني في الله بالمبادرة بطاعة الله عز وجل وإلى كثرة ذكر الله وبر الوالدين وصلة الأرحام، وإفشاء السلام فيما بيننا، يقول صلى الله عليه وسلم: {والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم} أفشوا السلام بينكم يا عباد الله.

    اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام، اللهم أعزنا بالإسلام واجعلنا هداةً مهتدين، متحابين فيك متراحمين، اللهم اجعلنا ممن ذكرهم رسولك صلى الله عليه وسلم: {لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله} اللهم اجعلنا من الذين قال فيهم رسول الله: {فطوبى للغرباء، قيل: من الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، أو يصلحون ما أفسد الناس} اللهم اجعلنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.