إسلام ويب

تذكروا هاذم اللذاتللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الموت حق كتبه الله على العباد، فمنا من يختم له بخاتمة حسنة ومنا غير ذلك، والموت ممر إلى الدار الآخرة لابد من دخوله.

    وفي هذا الدرس قصص عن سوء الخاتمة لبعض الموتى، وذكر علاج للغفلة المنسية للموت، وخطوات في طريق العودة إلى الله.

    1.   

    أحوال بعض المحتضرين عند الموت

    إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله ربه بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أيها الإخوة في الله: حياكم الله في بيت من بيوت الله، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وأن يجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، اللهم لا تجعل فينا ولامنا ولا من بيننا شقياً ولا محروماً يا رب العالمين.

    إخواني في الله: رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يروى عنه، قال: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) والله سبحانه وتعالى -أيضاً- أكثر من ذكره في القرآن مما يدل على عظم هذا الخطب.

    يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، هاذم اللذات ومفرق الجماعات وميتم الأطفال ومرمل النساء ومفرق الجماعات هو الموت وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].

    ثم إن هذا الخطب الفادح إذا نزل يحتار فيه الطبيب ويبطل مفعول الدواء، كما قال الله جل وعلا: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ [القيامة:26-28] عند ذلك ييئس من الحياة ومن أهلها؛ لأنه دنا فراقه من الدنيا، ودنا توديع الأهل والأقارب والأصحاب، ودنا انتقاله من هذه الدار لينتقل إلى عالم آخر إلى عالم القبور، فيا ليت شعري ماذا يكون بعد هذا الانتقال؟ وعلى أي حال يكون؟

    إخواني في الله: ذكر بعض العلماء رحمهم الله تعالى حالات كثيرة لكثير من المحتضرين الذين ينتقلون من دار الدنيا إلى دار البرزخ وإلى عالم القبور.

    منها ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى، قال: احتضر بعض الناس، أي: نزل به الموت، فقيل له: قل لا إله إلا الله، وكان من الذين يدمنون المسكرات والعياذ بالله، يقول: فجعل يقول: ناولني الكأس ناولني الكأس.. نسأل الله العافية! ومات وهو يقول: ناولني الكأس، لقد فاضت روحه وهو يطلب الكأس المسكر.

    يقول: واحتضر آخر فقيل له: قل لا إله إلا الله، وكان من الذين يستمعون الأغاني، يقول: فأخذ يغني ويدندن حتى خرجت روحه نسأل الله العفو والعافية.

    وقيل للآخر: قل لا إله إلا الله، وكان من الذين يتعاملون بالربا، فيقول: اثنا عشر بأربعة عشر، إحدى عشر باثني عشر، ومات وهو يتلفظ بهذه الألفاظ التي كان يتلفظ بها عند الربا نسأل الله العفو والعافية.

    يقول: وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، وكان مولعاً بالتغزل بالنساء، وذكر لهذا قصة أن امرأة خرجت تريد حماماً يسمى حمام منجاب، وكان هذا الرجل عند داره، فسألته هذه المرأة، قالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال: هذا هو، فأدخلها في بيته، فلما أدخلها في بيته وجلس معها، قالت: لا يهنأ لنا المكان والحال حتى تأتينا بفاكهة، قال: أنا آتيك بكل ما تطلبين، فخرج ليأتي بفاكهة، ولكن من حسن حظها أنه لم يغلق الباب، وخرجت على أثره، فلما جاء إلى البيت، وإذا بالمرأة ليست في البيت -نسأل الله العافية- فأصابه الهيمان حتى كاد أن يجن، فجعل يتغزل:

    يا رب قائلة يوماً وقد تعبت     أين الطريق إلى حمام منجابِ

    ومر بطريق وهو يهيم ويتلفظ بهذه الأبيات، فطلت عليه جارة من أعلى مكان، وقالت:

    هلا جعلت لها إذ ما ظفرت بها     حرزاً على الدار أو قفلاً على الباب

    يقول: فازداد هيمانه وجنونه، ولما احتضر ونزل به الموت قيل له: قل لا إله إلا الله، فجعل يردد هذه الأبيات:

    يا رب قائلة يوماً وقد تعبت     أين الطريق إلى حمام منجاب

    ومات وهو يردد هذه الأبيات نسأل الله العفو والعافية.

    وذكروا أيضاً قصة لرجل -وهذه القصة لم يذكرها ابن القيم رحمه الله لكن ذكرها غيره- ذكروا أن رجلاً كان مؤذناًٍ يؤذن في مصر، وكان بجوار المسجد بيت لنصراني، فلما صعد المؤذن يؤذن نظر في بيت هذا النصراني، فرأى فيه جارية جميلة فنزل، ثم طرق عليها الباب، قالت: ماذا تريد؟ قال: أريدك! أخذت بمجامع قلبي، قالت: أنا لا أطاوعك على ما تطلب، قال: أتزوجك، قالت: إن أبي لا يزوجك وأنت مسلم، قال: أتنصر، فتنصر -والعياذ بالله- فلما دخل بها، صعد إلى مكان في البيت فسقط ومات، وقد خسر دينه ولم يظفر بالمرأة.. نسأل الله العفو والعافية.

    1.   

    سوء الخاتمة وحسنها

    إخواني في الله: سوء الخاتمة وحسن الخاتمة له أسباب، فالله جل وعلا يقول: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36] ويقول جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30] إي والله؛ فالله تعالى أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وقد قال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30] فمن شب على الإيمان والعمل الصالح فليبشر يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    يقول الله جل جلاله: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [فصلت:30-31] ويقول الله جل وعلا: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    يا إخواني! هذه قصة محزنة، يقول لي أحد الثقات: كان لي قريب لا يصلي -وهذه القصص والله مما يحزن القلب، ولكن نريد بها الذكرى، نسأل الله ألا يجعلنا من الشامتين، اللهم لا تجعلنا من الشامتين، اللهم اجعلنا من المعتبرين، ولا تجعلنا من الشامتين يا رب العالمين- فيقول هذا الرجل: كان لي قريب وكان لا يصلي، فأصيب بمرض، يقول: فأتيته، فقلت: يا أخي لعل هذا المرض يكون لك موعظة، تب وارجع إلى الله، صل يا أخي، يقول: فانتهرني وأخرجني من البيت، يقول: فازداد به المرض حتى أضجعه على السرير الأبيض في المستشفى، يقول: فأتيته، وقلت: أخي ماذا بقي؟ تدارك بقية العمر، تب إلى الله وصلِّ، يقول: وبعد إلحاح شديد، قال: ائتني بتراب يريد أن يتيمم، يقول: ففرحت وذهبت وأتيت إليه بتراب، لعل الله أن يهديه ويصلي قبل أن ينزل به هاذم اللذات، يقول: فلما أتيت إليه بالتراب ووضعته بين يديه، يقول: والله إنه يريد أن يمد يديه إلى التراب وما استطاع أن يمد يديه، كأنها مقيدة، يا رب نسألك العافية، يقول: والله ما مست يده التراب، ومات ولم يسجد لله سجدة والعياذ بالله، اللهم إنا نسألك حسن الختام، ففي ذلك عبرة يا إخواني في الله!

    التحذير من سوء الخاتمة

    ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته الكرام، وإن كان الخطاب لجميع الأمة: {بادروا بالأعمال الصالحة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل}.

    ولقد -والله- سمعنا بهذا في هذه الآونة الأخيرة بسبب القنوات الفضائية التي انهمك فيها كثير من الناس، يقول لي بعض الثقات: هناك رجل من أقاربي يبلغ من العمر ستين سنة، اللهم لا شماتة، اللهم إنا نسألك العافية، يقول: والآن ترك الصلاة بسبب متابعة القنوات الفضائية، اللهم رده إليك رداً جميلاً، اللهم اهد ضال المسلمين يا رب العالمين.

    النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لنفسه بالثبات

    فيا إخواني في الله: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما روى مسلم في صحيحه: {اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك} هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين وأفضل الأنبياء والمرسلين، الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقول: {اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك} وروى البخاري -أيضاً- في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: {والله إني لأستغفر الله في اليوم وأتوب إليه أكثر من سبعين مرة} ولقد حث صلى الله عليه وسلم أمته كما في صحيح مسلم، بل حث الناس جميعاً فهو الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم، فقال: {يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة}.

    1.   

    التأهب والتزود للآخرة

    يا عباد الله: اغتنموا أوقات الفضائل قبل فواتها، وتأهبوا لما أمامكم، وما أنتم قادمين عليه بلا محالة ألا وهو الموت، فقد قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [الأنبياء:35].

    لقد كتب الله الموت على جميع مخلوقاته قال عز وجل: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    عباد الله: إن الموت تبدلٌ من حال إلى حال، وانتقال من دار إلى دار، فالموت هو المصيبة العظمى والرزية الكبرى، وأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره، وقلة التفكر فيه، وترك العمل.

    فيا عباد الله! ما هذه الغفلات والاغترار؟! وما هذا الإنكباب على الدنيا، وقد رأيتم تصرم الأعمار؟! وما هذا التفريط وأنتم على الآثار وقد أيقنتم أن دار الفناء ليست لكم دار قرار؟!

    يذكر لنا أحد الإخوان في إحدى الدوائر، يقول: استلم أحدهم راتبه يوم الأربعاء، وخرج وقد استلم الراتب وصلى العصر وتوضأ لصلاة المغرب، ولما أراد أن يخرج لصلاة المغرب، قال: والله كأني أحس أني تعبان، أظنني لن أصل المسجد، والله ما أكمل كلامه إلا وقد فاضت روحه.

    الآخر بعده بيومين -كلهم في دائرة واحدة- كانت عنده مناسبة، تعشى وأكل من تلك المناسبة واجتمع مع ضيوفه، ولما تفرقوا بعد المناسبة بقليل، قال: لعلكم تذهبون بي إلى المستشفى! إني أحس بفتور، والله ما وصل المستشفى إلا وقد خرجت روحه، لا إله إلا الله.

    الاعتبار بالأولين

    عباد الله: أين الأولون ومن مضى من الآخرين؟

    أين الذين نصبت على مفارقهم التيجان؟

    أين الذين قهروا الأبطال والشجعان؟

    خالد بن الوليد رضي الله عنه في إحدى المعارك تنكسر في يده تسعة أسياف، وما بقي بيده إلا حديدة يمنية، ويقول وهو على فراش الموت: [[لا نامت أعين الجبناء أموت كما يموت البعير]] لا إله إلا الله.

    ومن لم يمت بالسيف مات بغيره     تعددت الأسباب والموت واحدُ

    أين الذين قهروا الأبطال والشجعان؟

    أين الذين ملئوا ما بين الخافقين فخراً وعزاً؟ أين الذين فرشوا القصور خزاً وقزاً؟ أين الذين تضعضعت لهم الأرض هيبةً وهزاً؟ هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا؟

    أفناهم والله مفني الأمم، وأبادهم مبيد الرمم، أخرجهم من سعة المساكن والقصور، وأسكنهم في ضيق اللحود والقبور، تحت التراب والصخور ولم يدفع عنهم ما جمعوه من الحطام، ولا أغنى عنهم ما كسبوا من الأموال، أسلمهم الأحبة والأقرباء، وهجرهم الإخوان والأصفياء، ونسيهم القريب والبعيد، فهم الآن في بطون الألحاد رهائن الأعمال.

    الموت حق على العباد

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {إذا مات الميت تبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع الأهل والمال، ويبقى العمل} لا إله إلا الله! يرجع الأهل والمال، ويبقى العمل، اللهم اجعل أعمالنا صالحة، واجعلها خالصة لوجهك الكريم يا رب العالمين.

    فيا أخي في الله! مثل نفسك وقد حلت بك السكرات وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].

    مثل نفسك وقد نزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن فلان قد أوصى، ومن قائل يقول: إن فلاناً ثقل لسانه، ولا يكلم أهله ولا إخوانه، ومع ذلك هو يسمع الخطاب ولا يقدر على رد الجواب وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].

    فيا عباد الله: إنكم لم تخلقوا عبثاً، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للفصل بين عباده، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنةً عرضها السماوات والأرض، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون كذلك حتى تردوا إلى خير الوارثين، وفي كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله، قضى نحبه وانقضى أجله، فتدعونه في صدعٍ من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، القبر أول منازل الآخرة، فاتقوا الله عباد الله.

    1.   

    الغفلة هي الداء العضال

    ابن آدم: يا مدعواً إلى نجاته وهو يتوانى! يا مأموم الهوى كم أورث الهوى هواناً! يا هائماً في فيافي الغفلات كم أورثت الغفلات صاحبها حرمانا!

    ابن آدم! أما أخبرت أن رحيلك إلى الآخرة قد أزف وتدانى وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]

    ذنوبك يا مغرور تحصى وتحسبُ     وتجمع في لوح حفيظ وتكتبُ

    وقلبك في سهو ولهو وغفلـة     وأنت على الدنيا حريص معذبُ

    تباهي بجمع المال من غير حله     وتسعى حثيثاً في المعاصي وتذنبُ

    الله أكبر! كأنه والله يخاطبنا في هذا الزمان يا إخوان!

    لا إله إلا الله كيف لو رأى زماننا! زمان الربا والغش والمخادعات والخيانات والرشوة وبيع آلات اللهو والمخدرات والمسكرات وبيع الدخان، وبيع مجلات الصور الخليعة التي فيها الضلال والغواية نسأل الله العافية! كيف لو رأى هذا الزمان رحمه الله!

    أما تذكر الموت المفاجيك في غد     أما أنت من بعد السلامة تعطبُ

    أما تذكر القبر الوحيش ولحده     به الجسم من بعد العمارة يخربُ

    أما تذكر اليوم الطويل وهوله     وميزان قسط للوفاء سينصبُ

    تروح وتغدو في مراحك لاهياً     وسوف بأشراك المنية تنشبُ

    تعالج نزع الروح من كل مفصلٍ     فلا راحم ينجي ولا ثم مهربُ

    وغمضت العينان بعد خروجها     وبسطت الرجلان والرأس يعصبُ

    وقاموا سراعاً في جهازك أحضروا     حنوطاً وأكفانا وللماء قربوا

    وقد نشروا الأكفان من بعد طيها     وقد بخروا منشورهن وطيبوا

    وألقوك فيما بينهن وأدرجـوا     عليك مثاني طيهن وعصبوا

    وفي حفرة ألقوك حيران مفرداً     تضمك بيداء من الأرض سبسبُ

    إذا كان هذا حالنا بعد موتنا          فكيف يطيب اليوم أكلٌ ومشربُ

    وكيف يطيب العيش والقبر مسكنٌ     به ظلمات غيهب ثم غيهبُ

    وهول وديدان وروع ووحشةٌ     وكل جديد سوف يبلى ويذهبُ

    فيا نفس خافي الله وارجي ثوابه     فهاذم لذات الفتى سوف يقربُ

    فيا عباد الله: احذروا من الغفلة، وتذكروا هاذم اللذات.

    هو الموت ما منه ملاذ ومهربُ     متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ

    نشاهد ذا عين اليقين حقيقـةً     عليه مضى طفل وكهل وأشيب

    فيا من شغلته الدنيا عن طاعة الله، وأغفلته ذكر الله! استيقظ ما دمت في زمن الإمكان.

    1.   

    الإكثار من ذكر هاذم اللذات

    أخي في الله: تذكر حين ينزل بك الموت، يوم يجلسون حولك وأنت تعاني من سكرات الموت، وهم يبكون وينادون بصوت يقطع نياط القلوب.

    يقول الولد: هل تعرفني يا أبتاه؟ والأقارب يقولون: هل تعرفنا يا فلان؟ والميت ينظر إليهم وعيناه قد اغرورقت بالدموع، ولكن لا يستطيع الرد عليهم فقد تعذر عليه الكلام وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19]

    ثم لم يلبثوا إلا قليلاً، وإذا بملك الموت قد قبض الروح ومال الأنف، وانفتح الفم، وشخص البصر.

    فيا عباد الله! يا لها من ساعة يتكدر فيها الصفاء! ويتنغص فيها العيش! إذا نزل هاذم اللذات، فإنه والله أمر جلل وخطب فادح، لا بد منه لكل مخلوق.

    عباد الله: اعلموا علم اليقين أنه لا بد من السفر من هذه الدار، ومن شك في ذلك فليتذكر من سبقه من الأولين والآخرين.

    وكيف يحصل التذكر؟

    الجواب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (زوروا القبور فإنها تذكركم بالآخرة).

    فيا من اغتر بطول الأمل! ويا من غفل ولها وسها! تذكر هاذم اللذات، الذي ما طلب أحداً فأعجزه، ولا تحصن منه متحصن إلا أخرجه وأبرزه، قال تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] إنه الموت يأتي على غرة وبدون إنذار، إنه هاذم اللذات يأتي على غرة وبدون إنذار، أما أخذ الآباء والأجداد؟ أما أخذ الشباب والأولاد؟ أما ملأ القبور والألحاد؟ أما أرمل النساء وأيتم الأطفال؟

    إنه هاذم اللذات!

    فوائد تذكر الموت

    قال أحد العلماء رحمه الله تعالى: من أكثر من ذكر الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، والنشاط في العبادة.

    لا إله إلا الله. اسمع أخي في الله: احفظ هذه الثلاثة، فإذا نسيت هاذم اللذات، فتذكر هذه الكرامة لمن أكثر من ذكره، الأولى: تعجيل التوبة، والثانية: قناعة القلب، الثالثة: النشاط في العبادة، ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن عمر: {كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل} رواه البخاري. ماذا قال ابن عمر رضي الله عنه؟ قال: [[إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك]].

    عواقب قلة ذكر الموت

    ويقول: من نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، يقول: سوف أتوب، أنا الآن في عنفوان الشباب -الله المستعان- كأن عنده وثيقة أن الموت سوف يأتيه في وقت كذا وكذا؛ لا إله إلا الله! وما يدري إلا وقد هجم عليه هاذم اللذات، فنشبت المنية أظفارها، ولا حول ولا قوة إلا بالله!

    المصيبة الثانية لمن ابتلي بعدم الإكثار من ذكر الموت، يقول: يصاب -أيضاً- بعدم الرضا، تجده الليل والنهار يلهث ويركض وراء هذه الدنيا، ووالله لن يحصل إلا ما كتب الله له.

    والعقوبة الثالثة لمن نسي الموت: التكاسل في العبادة، كلما قيل له شيء، قال: الله غفور رحيم، وتمضي عليه الأيام، الله سبحانه وتعالى لا شك أنه غفور رحيم، لكنه شديد العقاب.

    أحوال الناس مع ذكر الله

    يا عباد الله: علينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى، ووالله الذي لا إله غيره، إن الأحوال يرثى لها في هذه الأزمان، أزمنة الفتن والمغريات والشهوات والماديات التي طغت.

    يا عباد الله! من المؤسف أنك تجلس في كثير من المجالس لا تسمع من يذكر الله ويصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنا لله وإنا إليه راجعون.

    اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا يا رب العالمين.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [المنافقون:9] انظر الخطاب للمؤمنين، (يا أيها الذين آمنوا) ثم قال الله تعالى: وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:11] الله أكبر! لا إله إلا الله، اللهم اهدنا وسددنا، اللهم أيقظنا من رقداتنا يا رب العالمين.

    على فراش الموت

    اسمع يا أخي في الله! إلى هذه الحالات التي والله ستمر بنا جميعاً نسأل الله حسن الختام، يا رب اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله.

    كأنني بين تلك الأهل منطرحاً     على الفراش وأيديهم تقلبني

    وقد أتوا بطبيب كي يعالجني     ولم أر الطب هذا اليوم ينفعني

    واشتد نزعي وصار الموت يجذبها     من كل عرق بلا رفق ولا هون

    واستخرج الروح مني في تغرغرها     وصار في الحلق مراً حين غرغرني

    وغمضوني وراح الكل وانصرفوا     بعد الإياس وجدوا في شِرا الكفن

    وقام من كان أولى الناس في عجل     إلى المغسل يأتيني يغسلني

    فجاءني رجل منهم فجردني     من الثياب وأعراني وأفردني

    وأطرحوني على الألواح منفرداً     وصار فوقي خرير الما ينظفني

    وألبسوني ثياباً لا كموم لها     وصار زادي حنوطاً حين حنطني

    وقدموني إلى المحراب وانصرفوا     خلف الإمام فصلى ثم ودعني

    صلوا علي صلاة لا ركوع لها     ولا سجود لعل الله يرحمني

    اللهم ارحمنا بواسع رحمتك يا أكرم الأكرمين! ويا أجود الأجودين!

    وأنزلوني في قبري على مهـلٍ     وأنزلوا واحداً منهم يلحدني

    فقام محتزماً بالعزم مشتملاً     وصفف اللبن من فوقي وفارقني

    وقال هلوا عليه التراب واغتنموا     حسن الثواب من الرحمن ذي المنن

    في ظلمة القبر لا أمٌ هناك ولا     أبٌ شفيقٌ ولا أخٌ يؤنسني

    1.   

    حال الميت في قبره

    1.   

    خطوات في طريق العودة إلى الله

    يا إخواني في الله: ماذا بقي وقد سمعنا هذه الأخبار من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن كلام العلماء جزاهم الله خيراً؟ وكما قيل: المواعظ للقلوب كالسياط للأبدان.

    إخواني في الله: علينا أن نجدد صفحة جديدة، نقلب صفحة جديدة ونتوب إلى الله سبحانه وتعالى، وكما قلت لكم في بداية الكلام: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء والمرسلين الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يقول: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) صلى الله عليه وسلم.

    فيا أخي في الله: حاسب نفسك ما دمت في زمن الإمكان، هل تكثر من تلاوة القرآن؟

    هل أنت تكثر من ذكر الله؟

    هل أنت تكثر من الاستغفار؟

    هل أنت تبادر إلى أداء الفرائض وتتبع ذلك بالنوافل؟

    أبشر أخي في الله! يقول الرب جل جلاله في الحديث القدسي: (وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلىَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه... إلخ) رواه البخاري.

    أيضاً:أخي في الله إذا حصلت محبة الله جل وعلا فأبشر، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل:يا جبريل! إني أحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل عليه السلام، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) والحديث متفق عليه، وفي رواية مسلم: (وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبريل، فقال: يا جبريل! إني أبغض فلاناً فأبغضه) يا رب نسألك العافية، لا حول ولا قوة إلا بالله.

    لماذا أحب الله هذا ولماذا أبغض هذا وليس بينهم وبين الله نسب فكلهم عباده خلقهم لعبادته جل وعلا؟! لأن ذلك امتثل أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا عصى الله وعصى رسوله صلى الله عليه وسلم، وأهانه الله وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18] إذا أهانه الله فوالله لو اجتمع أهل السماوات والأرض ما أكرموه.

    يقول صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم: (وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل: يا جبريل إني أبغض فلاناً فأبغضه؛ فيبغضه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء في الأرض).

    أيضاً انتبه إلى هذا الحديث: (كان الرسول صلى الله عليه وسلم واقفاً مع أصحابه فمر بجنازة، فأثنوا عليها خيراً، فقال صلى الله عليه وسلم: وجبت، ومر بالأخرى فأثنوا عليه شراً، قال: وجبت، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! مرت الأولى فقلت: وجبت، ومرت الأخرى فقلت: وجبت، قال: أما الأولى أثنيتم عليها خيراً، فوجبت له الجنة، وأما الأخرى فأثنيتم عليها شراً، فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه).

    أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن ينتفع بالذكرى، اللهم لا تفرق جمعنا هذا إلا بذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل صالح مقبول، وتجارة لن تبور، يا عزيز يا غفور.

    اللهم إنا نتوسل إليك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى يا ألله أن تحسن ختامنا، اللهم أحسن ختامنا، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين.

    الله أصلحنا، وأصلح لنا، وأصلح بنا، واجعلنا جميعاً هداة مهتدين، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واشف مرضانا ومرضى المسلمين أجمعين، اللهم عافنا في أبداننا وأسماعنا وأبصارنا، لا إله إلا أنت.

    اللهم إنا نعوذ بك من الكفر والفقر ومن عذاب القبر لا إله إلا أنت، اللهم أصلحنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا وقاداتنا وولاة أمور المسلمين أجمعين في مشارق الأرض ومغاربها، وجزاكم الله خيراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.