إسلام ويب

أسباب السعادة وأسباب الشقاءللشيخ : عبد الله حماد الرسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن هذه الحياة الدنيا دار ممر وعبور، ودار هموم وغموم، وإن السعادة الحقيقية هي في دار الاستقرار والخلود في جنات النعيم، ولكن إذا أردنا أن نعيش سعداء فلابد أن نعرف أسباب السعادة فنأتيها، وأسباب الشقاوة فنجتنبها، وقد تطرق الشيخ في هذا الدرس إلى أسباب السعادة وأسباب الشقاوة، وتكلم عن السعادة الحقيقية التي هي غاية كل المؤمنين في هذه الحياة الدنيا.

    1.   

    التقوى وأسباب السعادة

    إن الحمد لله؛ نحمده تعالى ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا رب العالمين.

    أما بعد:

    أيها الأحبة في الله: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإنها وصية الله للأولين والآخرين.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:102-103].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أيها الأحبة في الله: الله سبحانه وتعالى يحث على التقوى، وإذا وجدت عندك التقوى فإنك من السعداء كما يقول القائل:

    ولست أرى السعادة جمع مالٍ     ولكن التقي هو السعيد

    التقي هو السعيد، السعادة كل السعادة، والخير كل الخير، والعز والشرف والرفعة في الدنيا والآخرة هي التقوى، ففيها راحة القلب، التقوى يا عبد الله فيها راحة القلب وسروره، التقوى بها تزول الهموم والغموم، إذا أتى الإنسان بعواملها الأربعة التي فسرها بها علي رضي الله عنه حيث قال: [[التقوى هي: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والتزود ليوم الرحيل، والقناعة بالقليل]] سعد بها وأسعد غيره.

    حفظ الرأس وما حوى

    الخوف من الجليل: هذا الخوف يحمل من التزمه أي أنه إذا كان الإنسان يخاف الله عز وجل في السر والعلانية فإنه يحفظ الرأس وما فيه من الحواس، فالرأس فيه دواهي إذا لم تحفظها دخل الشيطان معها، الشيطان يدخل من العينين، ويدخل من الأذنين، ويدخل من الفم، فتحفظ العين من النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، فإذا حفظت النظر صار عندك سببٌ من أسباب السعادة، وتحفظ الأذنين عن سماع ما لا يحل لك استماعه، تحفظ الفم عن الكلام بما لا يحل، لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة}.

    اللسان الذي يوقع في المهالك، أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه وهو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليه عمر رضي الله عنه وهو ممسكٌ بلسانه، قال: [[مه يا أمير المؤمنين! ما هذا يا خليفة رسول الله؟ قال: هذا الذي أوقعني في المهالك]].

    إذاً: في الرأس ثلاثة مداخل، إذا لم يحفظها الإنسان فإن الشيطان يدخل منها؛ العينان والأذنان والفم، نعم فاللسان تحفظه عن الكلام بما يضر في الدين والدنيا والآخرة.

    حفظ الفرج

    ثانياً: من الخوف من الجليل وهو من أسباب السعادة: أن تحفظ الفرج كما قال صلى الله عليه وسلم: {من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة} أو كما قال صلى الله عليه وسلم، من أي شيء يحفظ الفرج؟ يحفظ من اللواط ومن الزنا، نسأل الله العفو والعافية.

    الخوف من الجليل الذي يحمل الإنسان على أن يطلب الحلال، أكلاً وشرباً ولباساً، وأيضاً من السعادة أن يحفظ الإنسان بطنه لا يدخل فيه حراماً، ويحفظ جلده أن لا يلبسه حراماً؛ فإنه عند ذلك إن دعا الله استجاب له دعاءه، لكن إذا كان يأكل الحرام والعياذ بالله، فإنه لا يستجاب له دعاء، {وأي جسمٍ نبت من سحت فالنار أولى به}.

    المحافظة على الفرائض والنوافل

    من أسباب السعادة الخوف من الجليل بالمحافظة على أداء الفرائض، والمبادرة إليها، وهي أحب ما يتقرب العبد به إلى ربه، كما قال ربنا جل وعلا في الحديث القدسي الذي يرويه لنا رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم: {وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه}.

    ثم من السعادة التي تقربك إلى الله زلفى المبادرة إلى النوافل حتى تكون من أحباب الله عز وجل، يقول سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: {ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه} الله أكبر إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128].

    القيام بأمور الدين وأركان الإسلام

    من السعادة المبادرة إلى القيام بأمور الدين عموماً، وفي مقدمة ذلك أداء الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ثم والله إنها لسعادة عظيمة أن يكون الإنسان موحداً لله سبحانه وتعالى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    ثم من السعادة أيضاً أن يأتي بالركن الثاني: وهو الصلاة، والثالث: إيتاء الزكاة، والرابع: صوم رمضان، والخامس: حج بيت الله الحرام إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً، إذا التزم بهذه الأركان فإنه يعيش مسلماً، ويموت مسلماً، ويبعث مسلماً.

    أيها الإخوة في الله: لا يحصل ذلك إلا بعد أن يحصل الإيمان، والإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقته الجوارح، فإذا حصل الإيمان حصلت المبادرة إلى الخيرات إلى رب العزة والجلال، الإيمان إذا رسخ في القلب لا تزلزله الجبال الراسيات، عند ذلك يتلذذ الإنسان بشرائع الإسلام التي جاءت في الكتاب والسنة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عليه السلام قال: {أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً قال: صدقت، أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن باليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، أخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك} إذا التزمت بهذه الأركان فأنت مسلمٌ مؤمنٌ بالله عز وجل.

    طاعة الوالدين

    ثم من أسباب السعادة بعد التوحيد أمرٌ عظيم وهو: بر الوالدين كما قال الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [الإسراء:23] الأم والأب يوصي بهما رب العزة والجلال، وقرن حقهما بعد حقه وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:23-24] الله أكبر هذه وصية من رب العالمين، الله أكبر يا عبد الله، قرن الله حق الوالدين بحقه سبحانه وتعالى.

    صلة الأرحام وبذل المعروف

    ثم من أسباب السعادة: صلة الأرحام، والإحسان إلى الأرامل والأيتام، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، هذه كلها من أسباب السعادة التي تدخل تحت الخوف من الجليل، إذا عملها الإنسان خائفاً من الله عز وجل راجياً لثوابه، فإن الله سبحانه وتعالى يجزيه أتم الجزاء.

    أيضاً من أسباب السعادة: بذل المعروف يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق} ولكن كما قلت لكم في كثير من المناسبات أن المسلمين الآن أحوالهم يرثى لها، فإنا لله وإنا إليه راجعون، المسلم إذا ركب بجوار أخيه المسلم سواءً في الطائرة، أو في القطار، أو في سيارة ولم يكن بينهما معرفة ماذا يفعل فكل واحدٍ منهما يعطي صاحبه الجنب، نعم، لا يحصل سلام، ولا يحصل تعارف.

    أجل.. أين الأخوة يا عبد الله؟ والله عز وجل يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] كل المؤمنين إخوة، {مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى} طبقوا هذا أيها الإخوة في الله! يروى في الأثر أنه يقول: [[في آخر الزمان يكون السلام للمعرفة]] إذا عرفه سلم عليه، وإذا لم يعرفه لم يسلم عليه، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {لا يحل لامرءٍ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام} ثم يقول: {إذا التقى المسلمان فتصافحا تحاتت عنهما ذنوبهما كما تحاتّ الشجرة ورقها أو يغفر لهما قبل أن يفترقا} لما سمعها أحد السلف تعجب لها، قال له محدثه: كيف تعجب وربنا يقول: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63].

    انظر بعد الفرقة في الجاهلية جمعهم الله تحت راية وتحت كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن أسباب السعادة: إذا لقيت أخاك المسلم أن تسلم عليه وأن تلقاه بوجه طلق.

    أداء حقوق المسلم

    ومن أسباب السعادة: زيارة المريض، إذا زار المسلم أخاه المريض فإنه يقال له: {طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً}.

    أيها الإخوة في الله: لما كثرت الغفلة، وكثر الإعراض والصدود يمرض المريض ويموت وقريبه لا يعلم عنه، إنما إذا حصلت حاجة أو ألمت به ملمة ذهب يسأل عنه، أين فلان؟ فلان مات منذ ثلاث سنوات، مات منذ سنتين، الله أكبر هذا واقعنا أيها الإخوان الكرام.

    من حقوق المسلم على أخيه المسلم أن يزوره إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، من حقوق المسلم على أخيه المسلم إذا عطس فحمد الله أن يشمته، يقول له: يرحمك الله، ثم يقول له: يهديكم الله ويصلح بالكم، هذه لا توجد عند كثير من المسلمين، حتى أن بعضهم إذا قلت: يرحمك الله، قال: عافاك الله أو يقول كلمات غير ذلك، فهدي الرسول صلى الله عليه وسلم أنه إذا عطس وحمد الله أن يقال له: يرحمك الله، ثم يقول العاطس: يهديكم الله ويصلح بالكم.

    وإفشاء السلام، ذكرت لكم السلام لكن نسينا أن نذكر كيف صيغة السلام التي ينبغي أن تكون بين المسلمين، صيغة السلام أن يقول المسلم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإن قال: السلام عليكم، كتب له عشر حسنات، وإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتب له عشرون حسنة، وإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، فاغتنم هذا الفضل يا عبد الله، وخيركم الذي يبدأ بالسلام.

    من أسباب السعادة، وهي التي تدخل تحت مرضاة الجليل جل وعلا: الوفاء بالعهود، أن يأتي الإنسان بالعهد حتى يدخل مع الذين مدحهم الله في قوله تعالى في سورة (المؤمنون) وفي سورة (سأل سائل).

    1.   

    أسباب أخرى للسعادة

    العدل

    أيها الإخوة في الله: من السعادة التي تدخل صاحبها تحت الخوف من الجليل العدل في القسمة، فإن الإنسان إذا عدل في قسمته عاش عيشة حميدة، وحياة سعيدة، أما إذا كان يجور في القسمة فالرسول صلى الله عليه وسلم لما أتاه رجل يشهده على أنه منح أحد أبنائه منحة فقال: {وهل ساويت بين أولادك؟ قال: لا قال: لا. أشهد على هذا} وفي رواية: {أشهد على هذا غيري} وفي رواية: {لا أشهد على جور} أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وهذا كثير عند بعض المسلمين الذين عندهم تعدد في الزوجات، فإنهم لا يعدلون بين الزوجات ولا بين الأولاد فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    ولقد سمعنا من رجل له أولادٌ من زوجة أخرى يقول: أتمنى أن آخذ عقل فلان ابن الزوجة المطلقة وأجعله في ابن الزوجة التي في ذمتي، تعدى على الله عز وجل؛ لأن الله هو الذي منح ذلك العقل -سبحانه وتعالى- والبعض من الناس إذا كان له عدد من الزوجات فإنه يميل للبعض ويترك الأخر، وهذا -أيضاً- فيه وعيد، نسأل الله العفو والعافية، فلذلك هذا الذي حصل منه التنفير من بعض النساء عن التعدد لما حصل من بعض الجهال الذين لم يعرفوا كيف جاءت الشريعة الإسلامية، وكيف أمرت بالعدل، فعند ذلك صار التعدد عند بعض النساء أمرٌ عظيم يخيفهن نسأل الله العفو والعافية، كل هذا مما جنى به بعض الذين لم يرتووا من آداب الإسلام ولا من الشريعة الإسلامية، وإلا لو حصل العدل من الرجال، أو من بعض الرجال الذين حصل عندهم التعدد لما حصل ذلك النفور من بعض النساء، فعلى الإنسان أن يتقي الله عز وجل ويعدل في قسمته؛ فإن ذلك من أسباب السعادة أيها الأخوة في الله! لأنك إذا عدلت بين الأولاد تكون بينهم محبوباً، ويجلونك ويوقرونك ويحترمونك، أما إذا وهبت بعضهم وتركت البعض فإنك تكون عند ذلك محزوناً ومهموماً لما ترى من بعضهم من العقوق نسأل الله العفو والعافية، فهذا ينافي الحياة السعيدة.

    حفظ القلب

    من أسباب الحياة السعيدة حفظ القلب الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ألا وإن في الجسد مضغة} مضغة صغيرة، هذا القلب الذي بقدر ما يمضغ الإنسان قطعة اللحم {ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله}.

    بأي شيء يصلح هذا القلب؟

    القلب يصلح إذا ملئ بالإيمان، إذا ملئ بذكر الله عز وجل، إذا استقام على طاعة الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن القلب هو الملك المسيطر على الأعضاء، القلب هو الذي تأتيه الإخبارية من العينين ومن الأذنين ومن اللسان، ثم القلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه نسأل الله العفو والعافية.

    فالقلب يحتاج إلى حفظ، يحفظ من الشيطان؛ لأن الشيطان يدخل على القلب، الخناس قيل إنه مثل الحية يلتوي على القلب فإذا ذكر الله العبد انخنس أي: اختفى وابتعد عن القلب، أما إذا غفل فإن الغفلة تطم على القلب، وتزداد عليه الغفلة، وكذلك يطبع عليه ثم يكون من القلوب التي طُبع عليها في قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين:14].

    المكاسب لها دخلٌ في القلب يا عبد الله، المكسب الحرام له دخلٌ في القلب، فعليك أن تطيب مكسبك حتى تستجاب دعوتك كما ذكرت لك في الكلام السابق.

    أيضاً: القلب جوهرة عظيمة منحها الله لبعض العباد، وحفظ القلب والله إنه من السعادة؛ لأنك إذا دخلت فيمن مدحهم الله في كتابه، حيث قال: أولو الألباب، ومن الأمور التي مدح بها أولو الألباب أنهم كانوا يتفكرون في خلق السماوات والأرض، قال الله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [آل عمران:191].

    أولو الألباب: القلوب النظيفة، قلوبهم تدلهم على عظمة الله سبحانه وتعالى وعلى وحدانيته، وعلى انفراده بالملك والخلق والإيجاد والتدبير فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية:36-37].

    فهنيئاً للمتقين فهم السعداء الذين يعملون بالتنزيل وهو القرآن العظيم، يؤمنون أنه كلام الله عز وجل وجل، منـزل غير مخلوق، يعملون بالمحكم منه ويؤمنون بما تشابه منه، ويصدقونه على الوجه المطلوب، فهؤلاء يكونون من أهل السعادة؛ لأنهم التزموا بما التزم به أهل السنة والجماعة، مستسلمين ومنقادين لأوامر القرآن ولنواهيه استجابة لقول الحق جل وعلا: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153] ومستجيبين لقوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا [آل عمران:103] ومعتصمين أيضاً بقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [الحج:77-78].

    فالسعادة -أيها الإخوة في الله- كل السعادة في التمسك بكتاب الله جل وعلا، والاهتداء بهديه صلى الله عليه وسلم.

    القناعة والرضا بما قسم الله

    ثم من السعادة التي تقر بها عين المؤمن: القناعة والرضا بما قسم الله له، فالمؤمن تجده قرير العين، لا يتطلب بقلبه أمراً لم يقدَّر له، بل ينظر إلى من هو دونه ولا ينظر إلى من هو فوقه، آخذاً بتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: {انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم} فيا لها من وصية نافعة، ويا لها من آدابٍ حميدة، فإن العبد إذا نصب بين عينيه هذا الملحظ الجليل؛ رآه يفوق خلقاً كثيراً في العافية وتوابعها، وفي الرزق وتوابعه، مهما بلغت به الحال، عند ذلك يزول القلق والهم والغم من قلبه، ويزداد سروره واغتباطه بنعم الله التي فاق فيها غيره.

    أيها الإخوة في الله: في ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: {انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم} فهذا مشاهد وصحيح لو أخذ به كل إنسان ما تحمل الديون، ولا تحمل أكل الربا ومؤاكلة المرابين؛ لأنه إذا رضي بالله رباً، وقنع بما آتاه الله كما يقول العامة: اجعل لحافك على قدر رجليك، وهذا ناصح يقول:

    خذ القناعة من دنياك وارض بها     لو لم يكن لك إلا راحة البدن

    لذلك لو نظرنا إلى أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو القدوة صلى الله عليه وسلم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يربط على بطنه الحجر من الجوع، ويمضي عليه وعلى أهله ثلاثة أهلة ما أوقد في بيوته نار، وينزل عليه ضيف ولا يجد في بيوته إلا ماءً صلى الله عليه وسلم، وقد خيره الله جل وعلا أن يجري له بطحاء مكة ذهباً فأبى وقال صلى الله عليه وسلم: {أشبع يوماً فأشكرك وأجوع يوماً فأذكرك} فصلوات الله وسلامه عليه.

    أيها الإخوة في الله: إن كنتم تريدون القدوة الحسنة فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو منهجه باقٍ إلى يوم القيامة، رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض الدنيا كارهاً لها، وابتعاداً عن الركون إليها، وقناعة بما آتاه الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حكم بالفلاح والفوز في الدنيا والآخرة للمسلم الذي رزق رزقاً حلالاً بقدر الحاجة وقنع به؛ فقال عليه الصلاة والسلام: {قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه}.

    البعض من الناس لا يعرف هذه القناعة نسأل الله العفو والعافية، حتى إنه ذكر أن رجلاً من الذين يبيعون ويشترون يقول: يا ليت الليل لم يأتِ حتى يبقى في لهوه وغفلته، إنا لله وإنا إليه راجعون!

    فالقناعة -أيها الإخوة في الله- كنز لا يفنى، لو قنع كل إنسان بما رزقه الله لارتاح قلبه، ولأقبل على الله سبحانه وتعالى بقلبه وقالبه، ولكن الآن انظروا كيف نأتي إلى الصلاة وقد تشعبت أفكارنا في أودية الدنيا، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا والله ينبئ أننا لم نقنع بالقليل، فنسأل الله أن يرزقنا القناعة إنه على كل شيء قدير.

    أيها الإخوة في الله: إن من أعظم أسباب السعادة الإيمان والعمل الصالح قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97].

    إن كان فقيراً، لكن حصل عنده الإيمان والعمل الصالح، فهو في نعمة وفي راحة بال وهدوء وطمأنينة، لذلك كانت الدنيا لا تزن عند الصحابة رضي الله عنهم جناحاً وطلب منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجودوا بشيء من أموالهم في غزوة تبوك، فأخذوا يتسابقون رضي الله عنهم، أما أبو بكر الصديق فقد أتى بجميع ماله رضي الله عنه، وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله} وأما عثمان فجاء بألفي ناقة، وأما عمر بن الخطاب فجاء بنصف ماله رضي الله عنه، تتابعت التبرعات السنية من أولئك الرجال الذين تسكن في قلوبهم الدنيا، أما نحن إذا طلبت منَّا التبرعات فلا تسأل ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ كأننا نقطع من لحمنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، لذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله كان يطوف بالبيت ويقول: [[اللهم قني شح نفسي، اللهم قني شح نفسي، اللهم قني شح نفسي ويسأله بعض الصحابة: أما تعرف غير هذا الدعاء؟ فيقول إذا وقاني الله شح نفسي فأكون من المفلحين كما قال الله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9]]]. أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه.

    أيها الإخوة في الله: وعد الله سبحانه وتعالى من جمع بين الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة في هذه الحياة الدنيا، وبالجزاء الحسن في دار القرار والنعيم واللذة والبهجة والسرور، فالمؤمن يتلقى المحآبّ والمسارّ بقبولٍ لها وشكرٍ عليها، واستعمالٍ لها فيما ينفع، فإذا استعملها المؤمن على هذا الوجه أحدث له من الابتهاج بها، والطمع في بقائها على هذا الوجه سروراً؛ لأنه يعلم أنه إذا شكر الله فإن الله سبحانه وتعالى يزيده كما قال تعالى: ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7].

    كذلك المؤمن يتلقى المكاره والمضار والهم والغم بالمقاومة لما يمكنه مقاومته، وتخفيف ما يمكنه تخفيفه، وكذلك الصبر لما ليس عنه بدٌ، ولذلك يحصل له من آثار المكاره والصبر واحتساب الأجر والثواب أمور عظيمة، تضمحل معها المكاره وتحل محلها المسار والآمال الطيبة، والطمع في فضل الله وثوابه، لذلك أخبر صلى الله عليه وسلم وهذا خاص بالمؤمن -أيها الإخوة في الله- قال صلى الله عليه وسلم: {عجباً لأمر المؤمن.. إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن}.

    ذكر الله والتحدث بنعم الله

    أيها الأحبة في الله: من أسباب السعادة الإكثار من ذكر الله عز وجل، وفي مقدمة ذلك تلاوة القرآن العظيم، الذي من قرأ منه حرفاً فإن الله يجزيه بعشر حسنات، القرآن يا عبد الله يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا أقول الم حرف ولكن ألفٌ حرف، ولام حرف، وميمٌ حرف } ثلاثة في عشرة بثلاثين حسنة، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

    في مقدمة الذكر تلاوة كتاب الله العزيز، فإن له نتائج كثيرة، يشرح الله بها الصدر، ويطمئن بها القلب كما قال الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28].

    ومن أسباب السعادة الإكثار من التحدث بنعم الله جل وعلا، فإن ذلك يحث العبد على الشكر الذي هو أرفع المراتب وأعلاها، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: {إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها} وهذا فضلٌ عظيم يا عبد الله، فالغنيمة الغنيمة، لذلك يقول محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، ثم قال رحمه الله: فإن هذه الثلاثة عنوان السعادة.

    تقوى الله وقصر الأمل في الدنيا

    أيها الإخوة في الله: من أسباب السعادة: الاستعداد ليوم الرحيل وتقصير الأمل، ليس من السعادة الفرحة بالأموال وغيرها، لا. السعادة كل السعادة هي التقوى، وإذا أردت أن تزداد في التقوى فقصر من أملك في الدنيا، يقول بعض الناس: لماذا تقول هذا؟ أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي عبد الله بن عمر رضي الله عنه: {كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل} وماذا يقول ابن عمر رضي الله؟ يقول: [[إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح]] لو أًخذنا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لرقت القلوب، ولأقبلنا على طاعة الله عز وجل، ولكن لما امتلك حب الدنيا القلوب، وسكن فيها قست، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: {اللهم إني أعوذ بك من علمٍ لا ينفع، ومن قلبٍ لا يخشع، ومن دعاء لا يستجاب له} من منّا يبكي إذا تليت عليه آيات الله؟ ندعو الله عز وجل، كم دعونا الله! وكم اسغثنا ولم يستجب لنا، لأننا منهمكون في حب الدنيا، وصار البعض منَّا لا يبالي ما أخذ؛ أمن الحلال أم من الحرام، أكثر ما استحوذ على الناس اليوم أكل الربا أيها الإخوة في الله! البعض من الناس يأخذ أجرة ولم يقابلها بعمل، فإنا لله وإنا إليه راجعون {يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا والذي لم يأكله يأتيه من غباره} أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    إذاً لو خلصنا قلوبنا من هذه الشوائب وأكلنا الحلال الطيب، ثم رفعنا أيدينا لرب العزة والجلال لاستجاب لنا؛ لأن الله يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].. وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].. ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:55-56]. وأي فسادٍ أكبر من إعلان الربا، أي فسادٍ أكبر من إعلان الأغاني في البيوت والشوارع، أي فسادٍ بعد إعلان التبرج من النساء في الشوارع، أي فسادٍ بعد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي فساد وأي فساد وأي فساد، ثم نخرج ونستغيث، وابن عباس رضي الله عنه في القرون المفضلة يقول: [[أنتم تنتظرون المطر وأنا أنتظر حجارة تنزل من السماء]] الله المستعان! الله المستعان أيها الإخوة في الله! فما أكثر أسماء السعادة الآن، الحلاق كتب على دكانه عنوان: حلاق السعادة، لماذا؟ لأنه يفتخر بحلق اللحى، ويضع التوليت، ويضع حلاقة مايكل وما إلى ذلك من أسماء أعداء الإسلام التي دخلت علينا، أما المطاعم تجد عنوانه: مطعم السعادة؛ لأنه أعد فيه المأكولات، بايع أشرطة الفيديو تجده تسجيلات السعادة للفيديو كذا وكذا، وهو يروج سعادة الشيطان، يروج الأفلام الخبيثة، يروج أفلام الشر والعار فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    1.   

    السعادة الحقيقية

    كثرت أسماء السعادة، ولكن ما هي السعادة الحقيقية؟ السعادة الحقيقية هي: الفرح إذا قيل له يوم القيامة سعد فلان ابن فلان سعادةً لا يشقى بعدها أبداً، ثم ماذا يقول: هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ [الحاقة:19-21].

    اسمع السعادة يا عبد الله! في قول الله: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ [الحاقة:22-23].. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية:10-11].

    ثم ماذا يقال لهم في دار السعادة؟ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24].

    هذه السعادة يا عبد الله، هذه السعادة، سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً، على رءوس الخلائق، كل الأولين قد جمعوا في يومٍ واحد، في صعيد واحد، وينادى على اسمك يا عبد الله.. هذه هي السعادة يا عبد الله، السعادة إذا قيل لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:24].

    فيا لها من سعادة إذا دخلوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [محمد:12].. أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد:15] ليس اللبن الذي ببقالة السعادة الآن، لا، هذا يعتريه الحموضة ويعتريه الخراب والفساد وإنما هذا لبن في الجنة، أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد:15].

    وخمر الجنة لا يذهب العقول، ولا يذهب الشرف، ولا يقضي على المروءة والشيمة، لا يحملها على أن يفعل بأمه أو محارمه، خمر الجنة خمر التلذذ والنعيم يا عبد الله قال تعالى: وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً [محمد:15].

    ولهم فيها من جميع الثمرات، يا لها من سعادة عندما يحلون فيها من أساور من ذهب، ويلبسون فيها ثياباً خضراً من سندسٍ واستبرق، فيا لسعادتهم وهم في تلك القصور المبنية بلبنة من ذهب ولبنة من فضة، ولهم فيها حورٌ حسان، اسمع يا عبد الله الحور الحسان نسأل الله الكريم من فضله أن يجعلنا من أهل الجنة إنه على كل شيء قدير، نسأل الله أن يزوجنا من تلك الحور الحسان التي ما عرفت الأسواق ولا تبرجت ولا ظهرت على الشاشة.

    أيها الإخوة في الله: والله لو تصورنا تلك الحوراء لما نظرنا إلى نساء الدنيا، ما بالك بامرأة إذا تبسمت أضاء القصر من تبسهما، ما ظنك بزوجة تنظر إلى وجهك في صحن خدها، اللهم إنا نسألك من فضلك.. الله أكبر! لكن ما وضعت المكياج ولا الحاموراء تفتن الناس في الأسواق، لا. حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] اللهم إنا نسألك من فضلك، المهر موجود في هذه الحياة الدنيا، لا يوجد أحد يقول: المهر صعب، في أمريكا في الاتحاد السوفيتي من أين نستورد وليس عندنا مال، لا. مهرها العمل الصالح بعد أن يرضى الله عليك ويدخلك الجنة برحمته إنه أرحم الراحمين.

    عند ذلك تتكئ مع تلك الزوجة على الأريكة سبعين عاماً وأنت سعيد، الله أكبر اللهم إنا نسألك من فضلك، ومع ذلك لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56] ومع ذلك لا تحيض، ولا يصيبها النفاس، ولا تمتخط ولا تبول، ولا يخرج منها غائط، نظيفة طاهرة عفيفة، إذا قمت منها عادت بكراً، ومع ذلك لا تحتاج إلى مقوي من الصيدلية، قد أعطاك الله قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع، لكن احفظ هذه القوة يا عبد الله، احفظها بطاعة الله حتى تتمكن من ذلك النعيم الذي لا يزول ولا يحول، أما الذين يذهبون الطيبات في حياتهم الدنيا، فلا تسأل عنهم في أي وادٍ يهلكون.

    أيها الإخوة في الله: من السعادة الأبدية أن تكون بجوار رب العالمين في تلك الجنة، ما تسمع أخبار الحرب القنبلة الذرية التي يفجرونها في اليوم كذا، الصاروخ الذي يوجهونه إلى كذا، أبداً آمن في جنات النعيم في جوار أرحم الراحمين.

    أيها الإخوة في الله: البدار البدار إلى ذلك النعيم إلى تلك اللذة في جوار أرحم الراحمين.

    ثم أنت بصحبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، في تلك الجنة التي فيها مالا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر.

    عبد الله.. تسمّع في دار السعادة إذا قيل هلموا إلى زيارة رب العالمين، ووضعت المنابر والكراسي، وجلست أدناهم وما فيهم دني؛ على كثبان المسك، فيا لها من فرحة وسرور إذا خاطبهم رب العزة والجلال في ذلك الوادي الأفيح! ثم يا لها من الفرحة والسرور إذا قيل لهم: يا أهل الجنة خلودٌ فلا موت؛ فإنها والله ثم والله هي السعادة، وليست السعادة كما يزعم البعض من الناس أنها بجمع الأموال، وبعضهم يراها في صحة البدن والأمن والاستقرار، وبعضهم يرى أن السعادة تكون في المساكن الواسعة، والمآكل اللذيذة، والزوجة الحسناء، وكل ذلك لا يمنع من التمتع بها إذا كانت حلالاً طيباً، ثم إذا استعان بها على طاعة الله.

    1.   

    أسباب الشقاوة

    أيها الإخوة في الله: ننتقل إلى أسباب الشقاء ونسأل الله العفو والعافية قال تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] أخبر العاصي يا عبد الله، بقول الله عز وجل: وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً [طه:124-125] لإعراضك عن الله عز وجل وابتعادك عن ذكر الله، قال تعالى: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى [الأعلى:11-13].

    عدم الخوف من الله والتكذيب بما جاء في القرآن

    من أسباب الشقاوة أيها الإخوة في الله: عدم الخوف من الله جل وعلا، مثلما يعمل المنافقون تجدهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والعياذ بالله، الآن يوجد منافقون، لا تظنون أن المنافقين انتهوا؛ وأنه لا يوجد منافقون الآن، إذا جلسوا مع الناس أظهروا التنسك والعبادة، وإذا خلوا برب العالمين بارزوه بالمعاصي فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    من أسباب الشقاوة عدم الخوف من الله جل وعلا، لذلك الذي هذه حياته أورثه الله سبحانه وتعالى ضنكاً في الدنيا فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيقٌ حرج لضلاله وإن تنعم ظاهره، لبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن الشقي قلبه قلق؛ لأنه لم يَخلص اليقين إلى قلبه فهو في شكٍ وفي ظلمات يتخبط بها، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

    من أسباب الشقاوة -أيها الإخوة في الله- التكذيب والإعراض عن اتباع ما جاء القرآن العظيم، قال الله تعالى: مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً [طه:100-101].

    عدم الانتفاع بالأذان وارتكاب الكفر والمآثم والعظائم

    أيضاً من أسباب الشقاوة: عدم الفقه بالقلب، ومن الشقاوة عدم النظر إلى آيات الله والاعتبار.

    ومن الشقاوة أيها الأحبة في الله: عدم الانتفاع بالآذان فلما أضاعوا هذه الحواس واستخدموها في غير مرضاة الله توعدهم الله قال الله تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    من أسباب الشقاوة: ارتكاب الكفر والمآثم والعظائم التي توبق أهلها في نار الجحيم بإعراضهم عن آيات الله، وتكذيبهم بها، قال الله تعالى: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [المؤمنون:105] واسمعوا إلى عذرهم وهم في دركات الجحيم، قال الله تعالى: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ [المؤمنون:106] ثم هم ينادون في فجاج جهنم وهم يسحبون في أوديتها: يا ويل أهل الشقاوة، ينادون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107] يا لطول مكثهم، ويا لكثرة همهم وغمهم، ويا لكثرة بكائهم وارتفاع أصواتهم، وهم ينادون بأعلى أصواتهم وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] فأي شقاءٍ أشد من شقائهم؟! وأي عناءٍ أشد من عناهم؟! وهم كما أخبر الله عنهم: مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:16-17] وقال الله تعالى: وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:33] فلو رأيتهم والأغلال في أعناقهم يسحبون في نار جهنم قد اسودت عيونهم، طعامهم الزقوم والضريع، وشرابهم الحميم في الجحيم، أتظن يا عبد الله أن الشقاوة أمرها سهلٌ، بل أمرها عظيم، انظر إلى من أضاع الصلاة واتبع الشهوات، فسوف يلقى غياً، وما أدراك ما غيٌ، هو وادٍ في جهنم شديدٍ حره، وبعيدٌ قعره، منتنٌ ريحه، قال الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59].

    يا تارك الصلاة! هل لك جلدٌ على سقر؟ إنها طبقة من طباق جهنم.

    يا تارك الصلاة! ما بالك إذا مت من غير توبة، هل لك جلدٌ على سقر؟

    الشرك بالله وارتكاب المعاصي والمحرمات

    من الشقاوة الإشراك بالله، وقتل النفس وارتكاب الزنا، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:68-70].

    ومن الشقاوة استماع الأغاني وضياع الأوقات بغير ذكر الله، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [لقمان:6].

    ومن الشقاوة: أكل الحرام، من الشقاوة: الغيبة، ومن الشقاوة: النميمة، ومن الشقاوة: الغش، ومن الشقاوة: أكل الربا، فهل لك على النار جلد يا عبد الله؟

    فالحذر الحذر، من نارٍ وقودها الناس والحجارة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية:2-7] هل يستوي ذلك يا عبد الله؟ ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ * لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ [الغاشية:8-16].

    هل يستوي ذلك يا عبد الله؟ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى [النازعات:34-35] يا لها من شقاوة، يا لها من شقاوة وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى * فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النازعات:36-38] أي: تمادى في الطغيان والشقاوة فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى [النازعـات:39-40] أي: عمل بأعمال أهل السعادة فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات:41].

    اللهم اجعلنا من أهل الجنة ولا تجعلنا من النار، اللهم اجعلنا من أهل الجنة ولا تجعلنا من أهل النار؛ يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.